الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

اليوم العالمي للمتبرعين بالدم 2026

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله
TT

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

في الرابع عشر من يونيو (حزيران) من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تكريماً لملايين الأشخاص الذين يهبون دماءهم طوعاً ومن دون مقابل لإنقاذ حياة الآخرين. وفي هذا العام (2026)، اختارت «منظمة الصحة العالمية» شعار «قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ» (One Drop of Humanity. Give Blood. Save Lives)، في رسالة تؤكد أن التبرع بالدم لا يمثل مجرد إجراء طبي؛ بل يجسد أسمى معاني التضامن الإنساني والمسؤولية المشتركة.

ويأتي هذا الاحتفاء العالمي في وقت تتزايد فيه النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية والصحية، ما يجعل الحاجة إلى الدم الآمن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وتؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن مساهمات المتبرعين بالدم تمثل ركناً أساسياً في دعم الأنظمة الصحية حول العالم، حيث تسهم في إنقاذ المرضى في حالات الطوارئ والحوادث، ومضاعفات الحمل والولادة، والعمليات الجراحية، وعلاج السرطان، والعديد من الأمراض المزمنة والخطيرة. ورغم التطور الكبير الذي شهدته أنظمة سلامة الدم والفحوصات المخبرية، فإن توفير الدم الآمن لا يزال يعتمد بصورة أساسية على الأشخاص المستعدين للتبرع بانتظام وطوعاً، في وقت لا تزال فيه دول عديدة تواجه نقصاً في الإمدادات وعدم مساواة في فرص الحصول على الدم ومشتقاته.

شعار المناسبة 2026

مورد طبي ثمين

على الرغم من الإنجازات المذهلة في مجالات الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي، فإن العلم لم يتمكن حتى الآن من إنتاج بديل صناعي يؤدي جميع الوظائف الحيوية للدم البشري.

ويتكون الدم من منظومة حيوية معقدة تشمل خلايا الدم الحمراء المسؤولة عن نقل الأكسجين، والصفائح الدموية التي تؤدي دوراً أساسياً في وقف النزيف، والبلازما التي تنقل العناصر الغذائية والهرمونات والبروتينات الضرورية، إضافة إلى خلايا الدم البيضاء التي تشكل ركناً مهماً من منظومة الدفاع المناعي.

وعند التبرع بوحدة دم واحدة، يمكن فصل هذه المكونات واستخدامها لعلاج أكثر من مريض حسب احتياجاته الطبية، وهو ما يضاعف القيمة العلاجية لكل عملية تبرع.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن أكثر من 118 مليون تبرع بالدم يتم تسجيلها سنوياً حول العالم، إلا أن توزيعها لا يزال غير متوازن؛ إذ تتركز نسبة كبيرة منها في الدول ذات الدخل المرتفع، رغم أن غالبية سكان العالم تعيش في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويؤدي هذا التفاوت إلى تحديات مستمرة في توفير الدم الآمن للفئات الأكثر احتياجاً.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى وجود تفاوت واضح في أنماط الاستفادة من خدمات نقل الدم بين الدول المختلفة؛ ففي الدول منخفضة الدخل تُعطى نسبة كبيرة من عمليات نقل الدم للأطفال دون الخامسة من العمر، بينما تتركز غالبية عمليات نقل الدم في الدول مرتفعة الدخل بين كبار السن والمرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية المعقدة أو علاجات الأورام. ويعكس هذا التباين أن قضية الدم لا ترتبط فقط بتوافر الإمدادات؛ بل تمتد أيضاً إلى مفهوم العدالة الصحية العالمية وضمان حصول جميع المرضى على الرعاية التي يحتاجونها بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو مستوى الدخل.

ومن الحقائق المهمة أن صلاحية مكونات الدم محدودة زمنياً؛ فالصفائح الدموية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا لفترة قصيرة لا تتجاوز عدة أيام، في حين تحتاج خلايا الدم الحمراء إلى ظروف حفظ دقيقة ولمدة محدودة أيضاً. ولذلك لا تستطيع بنوك الدم الاعتماد على التخزين طويل الأمد؛ بل تحتاج باستمرار إلى تدفق منتظم للمتبرعين للحفاظ على توازن دقيق بين العرض والطلب.

ولا تقتصر التحديات المرتبطة بإمدادات الدم على الاحتياجات الحالية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى المستقبل. فمع تزايد أعداد كبار السن في كثير من دول العالم وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والحاجة إلى العمليات الجراحية المعقدة وعلاجات الأورام، يتوقع الخبراء زيادة الطلب على الدم ومكوناته خلال العقود المقبلة. وفي المقابل، يواجه بعض الدول تحديات مرتبطة بتراجع أعداد المتبرعين المنتظمين نتيجة التغيرات الديمغرافية وأنماط الحياة الحديثة، مما يجعل تعزيز ثقافة التبرع بالدم استثماراً طويل الأمد في استدامة الأنظمة الصحية.

الحروب والكوارث والأمن الصحي

عندما تقع الكارثة يصبح الدم أثمن من الدواء! وتتضاعف أهمية الدم بصورة كبيرة عند وقوع الكوارث والأزمات الإنسانية. ففي اللحظات التي تتعرض فيها المجتمعات للحروب، أو الزلازل، أو الفيضانات، يصبح توفر الدم ومشتقاته عاملاً حاسماً في إنقاذ الأرواح خلال الساعات الأولى الحرجة، وهي الفترة التي تحدد فرص النجاة.

وفي حالات الصدمات الكبرى والإصابات البالغة، قد يحتاج المصاب إلى عدة وحدات من الدم خلال فترة زمنية قصيرة لتعويض الفاقد. وتشير الأدبيات الطبية إلى أن النزيف الشديد ما زال يمثل أحد الأسباب الرئيسية للوفاة التي يمكن الوقاية منها في حالات الحوادث والكوارث، إذا توافرت الرعاية الطبية السريعة.

ومن المفارقات المقلقة أن الحاجة إلى الدم ترتفع بشكل حاد في أوقات الأزمات، بينما تنخفض في الوقت نفسه معدلات التبرع نتيجة تعطل وسائل النقل، أو إغلاق المرافق، أو انشغال السكان بظروف الطوارئ. وقد كشفت جائحة «كوفيد - 19» مثالاً واضحاً على هشاشة سلاسل إمداد الدم، حيث تراجعت معدلات التبرع نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجمعات، مما أظهر أن استدامة خدمات نقل الدم ترتبط مباشرة بمرونة الأنظمة الصحية وقدرتها على مواصلة تقديم الرعاية في الظروف الاستثنائية.

وحين تقع الكارثة، لا يكون هناك متسع من الوقت للبحث عن متبرعين؛ بل يعتمد نجاح الاستجابة على ما تم بناؤه مسبقاً من ثقافة مجتمعية داعمة للتبرع، وتوافر مخزون كافٍ من الدم ومكوناته.

أما الأمن الصحي، فهو أكثر من مجرد مستشفيات وأدوية؛ إذ أثبتت التجارب العالمية الحديثة أن الأمن الصحي أصبح ركناً أساسياً من أركان استقرار الدول. وفي هذا الإطار، برزت خدمات نقل الدم بوصفها أحد المؤشرات المهمة على قوة النظام الصحي ومرونته. فتوفر مخزون آمن ومستدام يعكس مستوى الوعي المجتمعي، وفاعلية السياسات العامة، وقدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي.

ومن منظور إدارة المخاطر، فإن النقص في إمدادات الدم قد يتحول بسرعة إلى أزمة تؤثر على قطاعات واسعة من الخدمات الطبية، حيث تضطر المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية غير الطارئة، أو إعادة ترتيب الأولويات العلاجية. ولا يقتصر مفهوم الأمن الصحي على توافر الدم من حيث الكمية، بل يشمل سلامته وجودته؛ فكل وحدة تمر بسلسلة من الإجراءات الدقيقة للفحص والتصنيف وفق معايير صارمة لحماية المتلقي من الأمراض المنقولة.

وفي المملكة العربية السعودية، يكتسب هذا المفهوم أهمية إضافية استثنائية في ضوء الدور الذي تؤديه المنظومة الصحية في خدمة ملايين المواطنين والمقيمين، إلى جانب الملايين من الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم على مدار العام. فالمواسم الدينية الكبرى، وما يصاحبها من كثافة بشرية عالية في أوقات زمنية محددة، تتطلب جاهزية مستمرة لخدمات الطوارئ، بما في ذلك توفير مخزون كافٍ وآمن من الدم ومكوناته. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية، تطوراً ملحوظاً في برامج التبرع بالدم وحملات التوعية المجتمعية الرقمية والميدانية، وتطوير بنوك الدم المركزية، مما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا المورد في دعم الأمن الصحي الوطني.

فئات معتمدة على نقل الدم

رغم ارتباط التبرع بالدم في الأذهان بضحايا الحوادث، فإن الحقيقة أن الحاجة إليه تمثل جزءاً من الرعاية الطبية اليومية المستمرة لعدد كبير من المرضى، وعلى سبيل المثال:

• صحة الأمومة: تأتي النساء اللاتي يتعرضن لمضاعفات النزيف الحاد أثناء الحمل أو الولادة في مقدمة المستفيدين. ووفقاً لـ«منظمة الصحة العالمية»، لا يزال النزيف الحاد أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالمياً، ويكون توفر الدم عاجلاً هو العامل الفاصل بين الحياة والموت.

• مرضى الأورام والسرطان: يتسبب العلاج الكيميائي والإشعاعي في تثبيط قدرة نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم، ما يجعل المرضى بحاجة مستمرة لنقل كريات الدم الحمراء أو الصفائح الدموية، لدعم وظائف الجسم أثناء فترة العلاج.

• أمراض الدم الوراثية: على رأسها الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، وتكتسب أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي لارتفاع معدلات انتشارها. فمرضى الثلاسيميا الشديدة يحتاجون إلى نقل الدم دورياً كل بضعة أسابيع مدى الحياة، للبقاء على قيد الحياة.

• العمليات الجراحية المعقدة: مثل جراحات القلب المفتوح، وزراعة الأعضاء، وجراحات الأورام الكبرى، التي تتطلب توفير مخزون مسبق لضمان سلامة المريض.

• الأطفال الخدج وحديثو الولادة: الذين يعانون من مشكلات صحية مرتبطة بالولادة المبكرة أو اضطرابات الدم المكتسبة.

«قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ»

مفاهيم خاطئة

رغم فوائد التبرع بالدم، لا يزال هناك بعض المفاهيم الخاطئة والمخاوف غير المبررة التي تقف عائقاً أمام زيادة أعداد المتبرعين في المجتمعات، ومن أبرزها:

- الخوف من الإصابة بالعدوى: يعتقد البعض أن التبرع قد ينقل أمراضاً فيروسية، والحقيقة العلمية تؤكد أن جميع الأدوات والمستلزمات الطبية المستخدمة في سحب الدم معقمة بالكامل، وتُستخدم لمرة واحدة فقط لكل متبرع ثم يتم التخلص منها، مما يجعل انتقال العدوى أمراً مستحيلاً.

- الاعتقاد بأن التبرع يسبب الضعف العام: يخشى البعض أن يؤدي التبرع إلى فقر الدم أو الإرهاق المزمن. وعلمياً، يعوّض الجسم حجم السائل المفقود (البلازما) في غضون من 24 إلى 48 ساعة، بينما تتجدد خلايا الدم الحمراء بالكامل خلال أسابيع قليلة، بل إن التبرع ينشط نخاع العظم لإنتاج خلايا جديدة ويحسن الدورة الدموية.

- اشتراط فصيلة دم نادرة: يمتنع البعض ظناً منهم أن فصائل دمهم الشائعة متوفرة بكثرة ولا قيمة للتبرع بها، والواقع أن الفصائل الشائعة هي الأكثر طلباً واستهلاكاً في المستشفيات يومياً، والحاجة إليها مستمرة بلا انقطاع. وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يبقى الدم واحداً من أكثر الموارد الطبية ارتباطاً بقيمة الحياة نفسها. فهو مورد لا يمكن تصنيعه، ولا يمكن توفيره إلا من خلال أشخاص يختارون تلبية الواجب الإنساني بمنح جزءٍ يسيرٍ من دمهم لإنقاذ حياة إنسان آخر قد لا يعرفونه أبداً.

وفي وقت تتزايد فيه النزاعات والكوارث ويتسع فيه الطلب على خدمات الرعاية الصحية المتقدمة، يبقى المتبرع بالدم شريكاً صامتاً في إنقاذ الأرواح ودعم استدامة الأنظمة الصحية، حتى إن لم يرَ يوماً الأشخاص الذين ساعدهم في مواصلة الحياة.

إن التبرع بالدم يتجاوز كونه عملاً تطوعياً فردياً ليصبح ركيزة في منظومة الأمن الصحي الوطني والعالمي، وعنصراً حاسماً في جاهزية الدول لمواجهة الأزمات. ومع الاحتفاء باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تتجدد الدعوة لترسيخ ثقافة التبرع الطوعي المنتظم بوصفها مسؤولية مجتمعية مستدامة، فحين يتبرع الإنسان بدمه، فإنه لا يمنح مجرد مكون بيولوجي؛ بل يمنح أملاً، وفرصةً جديدة للحياة، وخطاً دفاعياً صامتاً يحمي الأرواح ويعزز أمن المجتمعات ومستقبلها.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

علامات سرطان الدم قد تظهر في الحمض النووي قبل تشخيصه بسنوات

صحتك المؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قد تظهر قبل سنوات من تشخيصها (أرشيف - رويترز)

علامات سرطان الدم قد تظهر في الحمض النووي قبل تشخيصه بسنوات

كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية ظهور مؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قبل سنوات من اكتشاف التغيرات في تحاليل الدم المعتادة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عصير الشمندر يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي (بيكسلز)

ما أفضل مشروب للمساعدة في خفض ضغط الدم؟

لا يقتصر الحفاظ على ضغط دم صحي على تقليل الملح وممارسة النشاط البدني والالتزام بالأدوية، بل يمكن للخيارات الغذائية اليومية أن تكون جزءاً من نمط صحي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك النشاط البدني المنتظم يساعد في الوقاية من مشكلات صحية خطيرة (بيكسلز)

حركة بسيطة في حياتك اليومية قد تقلل خطر الوفاة المبكرة... ما هي؟

قد لا يحتاج خفض خطر الوفاة المبكرة والوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية إلى ممارسة تمارين شاقة أو قضاء ساعات في صالات الرياضة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيادة استهلاك الألياف يمكن أن تكون وسيلة فعالة للمساعدة في خفض ضغط الدم (بيكسلز)

ليس كل الخبز متساوياً... نوع واحد يتصدر قائمة الأفضل لضغط الدم

يعتقد البعض أن الخبز من الأطعمة التي ينبغي تجنبها عند محاولة الحفاظ على ضغط دم صحي، لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالخبز بحد ذاته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  عصير الفاكهة الطبيعي يُعد مصدراً جيداً للعديد من العناصر الغذائية (بيكسلز)

عصير الفاكهة والقلق... هل يمكن لكوب يومياً أن يدعم الصحة النفسية؟

قد يبدو تناول كوب من عصير الفاكهة يومياً عادة بسيطة للحصول على بعض الفيتامينات والمعادن، لكن هل يمكن أن يمتد تأثيره إلى الصحة النفسية أيضاً؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

علامات سرطان الدم قد تظهر في الحمض النووي قبل تشخيصه بسنوات

المؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قد تظهر قبل سنوات من تشخيصها (أرشيف - رويترز)
المؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قد تظهر قبل سنوات من تشخيصها (أرشيف - رويترز)
TT

علامات سرطان الدم قد تظهر في الحمض النووي قبل تشخيصه بسنوات

المؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قد تظهر قبل سنوات من تشخيصها (أرشيف - رويترز)
المؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قد تظهر قبل سنوات من تشخيصها (أرشيف - رويترز)

كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية ظهور مؤشرات وراثية على تطور بعض سرطانات الدم قبل سنوات من اكتشاف التغيرات في تحاليل الدم المعتادة.

وبحسب شبكة «فوكس نيوز» الأميركية؛ فقد تابعت الدراسة 30 مريضاً مصابين بالأورام التكاثرية النخاعية، وهي مجموعة من أمراض الدم المزمنة والنادرة، التي ينتج فيها نخاع العظم أعداداً زائدة من خلايا الدم.

راقب الباحثون الحمض النووي في دم المرضى ونخاع عظامهم بحثاً عن تغيرات جينية، ثم فحصوا ما إذا كانت هذه التغيرات مرتبطة بعدد خلايا الدم، أو استقرار المرض، أو تطوره إلى تليف نخاعي أو سرطان الدم الحاد.

وأظهرت النتائج أن المرضى الذين ظلت حالتهم مستقرة غالباً ما حافظوا على أنماط وراثية مستقرة، بينما أظهر المرضى الذين ساءت حالتهم تغيرات في الحمض النووي قبل سنوات من اكتشاف تطور المرض في فحوصات الدم الروتينية، وذلك مع ظهور مجموعات جديدة من الخلايا غير الطبيعية ونموها، وفقاً للدراسة.

وتطور المرض لدى تسعة مشاركين إلى سرطان الدم النخاعي الحاد، لكن الباحثين لاحظوا أن مسار التطور لم يكن متشابهاً لدى الجميع؛ ففي بعض الحالات تراكمت الطفرات الضارة تدريجياً داخل الخلايا، في حين أنه في حالات أخرى بدا أن سرطان الدم ينشأ من مجموعة منفصلة من خلايا الدم غير الطبيعية. وظهرت اختلافات مشابهة لدى المرضى الذين تطور لديهم تليف نخاع العظم.

كما وجد الباحثون أن الهيدروكسي يوريا، وهو دواء شائع الاستخدام للسيطرة على تعداد خلايا الدم لدى مرضى الأورام التكاثرية النخاعية، يُخلّف نمطاً مميزاً من التغيرات الطفيفة في الحمض النووي لخلايا الدم. ومع ذلك، لم تكن هناك أدلة على أن الدواء يُسبب سرطان الدم.

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن ثلاثة مشاركين مصابين بنوع من كثرة الصفيحات الأساسية، يُصنف عادة ضمن سرطانات الدم، لم تظهر في عيناتهم مؤشرات جينية على وجود مرض سرطاني. ويرى الباحثون أن ذلك يثير احتمال وجود بعض الحالات التي قد لا تكون خبيثة بالفعل، وبالتالي قد لا تحتاج إلى علاج طويل الأمد للسرطان، إلا أن هذه النتيجة لا تزال بحاجة إلى دراسات أكبر للتأكد منها.

وفي تعليق على النتائج، قال طبيب الأورام أبهيشيك تشيلكولوار، من مؤسسة أورلاندو هيلث، والذي لم يشارك في الدراسة، إن النتائج تعد «دليلا صارخا» على أن التغيرات في الحمض النووي قد تشير إلى تطور بعض السرطانات قبل تشخيصها بنحو عقد، موضحاً أن المسار المستقبلي للمرض قد يكون «مكتوباً بالفعل في خلايا المريض قبل وقت طويل من ظهور أي علامة خارجية يمكن للأطباء رؤيتها».

وأضاف أن هذا النوع من الأبحاث قد يساهم مستقبلا في التوصل لطرق للوقاية من سرطانات الدم، من خلال استخدام البيانات الجينية للمريض لتقدير خطر تطور المرض قبل سنوات، ثم التدخل قبل حدوث التدهور، بدلاً من انتظار ظهور المرض ثم علاجه.

ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن الدراسة محدودة بسبب صغر عدد المشاركين، لافتين إلى الحاجة إلى دراسات أوسع للتأكد من النتائج.


4 اختبارات بسيطة تكشف مدى تقدمك في العمر بشكل صحي

4 اختبارات بسيطة تكشف مدى تقدمك في العمر بشكل صحي
TT

4 اختبارات بسيطة تكشف مدى تقدمك في العمر بشكل صحي

4 اختبارات بسيطة تكشف مدى تقدمك في العمر بشكل صحي

الحفاظ على النشاط البدني مع التقدم في العمر يمكن أن يساعد في الحفاظ على قوة العضلات وصحة الدماغ والقدرات الإدراكية.

وهناك بعض الاختبارات والتمارين البسيطة التي يمكن استخدامها لتقييم القدرات البدنية بمرور الوقت. كما يمكن أن تعطي سرعة المشي مؤشراً على مدى كفاءة عمل القلب والرئتين والدماغ والعضلات معاً.

ويعدد تقرير نشره موقع «فيريويل هيلث»، 5 اختبارات قد تساعد في معرفة مدى تقدمك في العمر بصورة صحية.

1. اختبار الجلوس والوقوف

يبدأ اختبار الجلوس والوقوف من وضعية الوقوف، ثم تضع إحدى ساقيك فوق الأخرى عند الكاحل. بعد ذلك، تنخفض إلى الأرض حتى تصل إلى وضعية الجلوس مع تشبيك الساقين.

وبعد إبقاء الساقين متقاطعتين، تحاول العودة إلى وضعية الوقوف من دون استخدام اليدين أو الركبتين أو الساعدين للدعم، إذا أمكن. ويمكن مد الذراعين إلى الأمام للمساعدة في الحفاظ على التوازن.

يُقيّم الاختبار على مقياس من 10 نقاط، بواقع 5 نقاط لمرحلة الانتقال من الوقوف إلى الجلوس، و5 نقاط للعودة من الجلوس إلى الوقوف. ويمكن خصم نقطة عند استخدام اليد أو الركبة أو الساعد أو جانب الساق للحصول على الدعم.

وقد بحثت دراسات في العلاقة بين نتائج اختبار الجلوس والوقوف وخطر الوفاة المبكرة لأسباب طبيعية أو مرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وفي دراسة أجريت عام 2025، خضع 4282 بالغاً تتراوح أعمارهم بين 46 و75 عاماً للاختبار، وتمت متابعتهم لمدة وسطية بلغت 12.3 عام.

وأظهرت النتائج ارتفاع معدلات الوفاة بين الأشخاص الذين حصلوا على درجات أقل في اختبار الجلوس والوقوف.

2. اختبار التوازن لمدة 30 ثانية

يبدأ اختبار التوازن بالوقوف على ساق واحدة لمدة 30 ثانية، مع محاولة الحفاظ على التوازن وعدم السقوط. ويمكن أن تكون الساق الأخرى غير الحاملة للوزن مثنية قليلاً، كما يمكن إجراء الاختبار والعينان مفتوحتان أو مغلقتان.

ووجدت دراسة نشرت عام 2024 في مجلة «PLOS ONE» أن اختبار التوازن كان صعباً بشكل خاص على كبار السن.

وأشار الباحثون إلى أن الحفاظ على التوازن على ساق واحدة يتطلب تكامل مدخلات حسية متعددة، إلى جانب قوة العضلات والتحكم العصبي العضلي. وقد يساعد هذا التقييم في تحديد ما إذا كان الشخص بحاجة إلى إعطاء الأولوية لتدريبات التوازن لتقليل خطر السقوط.

3. اختبار سرعة المشي

يقيس اختبار سرعة المشي مدى سرعة الشخص أثناء المشي لمسافة قصيرة ومستوية. وتُعرف سرعة المشي أحياناً باسم «العلامة الحيوية السادسة»، لأنها توفر وسيلة بسيطة وغير مكلفة لمقدمي الرعاية الصحية لمراقبة قدرة الشخص على الحركة، ومخاطر تراجع صحته الإدراكية، ومدى تقدمه في العمر بصورة صحية.

ويقيس الاختبار الوقت الذي يستغرقه الشخص لقطع مسافة 10 أمتار. ووجدت الأبحاث أن البالغين الأصحاء في العشرينات وحتى السبعينات من العمر يحتاجون في المتوسط إلى 7 أو 8 ثوانٍ لإكمال هذه المسافة، أي بسرعة تتراوح بين 1.2 و1.4 متر في الثانية.

وقد ترتبط سرعة المشي الطبيعية بعمر أطول، إذ ربطت دراسات بين بطء المشي وتسارع الشيخوخة وارتفاع خطر الإصابة بالخرف.

4. اختبار قوة قبضة اليد

يستخدم الأطباء عادة اختبار قوة قبضة اليد لتقييم وظائف العضلات والقدرات البدنية العامة لدى المرضى. وتظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يسجلون نتائج مرتفعة في هذا الاختبار يواجهون خطراً أقل للوفاة المبكرة والإصابة بالأمراض المزمنة.

ويُجرى الاختبار باستخدام جهاز يدوي يسمى «الدينامومتر»، حيث يضغط الشخص عليه بيد واحدة لبضع ثوانٍ لقياس قوة عضلات اليد والساعد بالكيلوغرام.

وتشير الأبحاث إلى أن قوة قبضة اليد تبلغ ذروتها في مرحلة البلوغ المبكر. ويسجل الرجال في العشرينات والثلاثينات عادةً ما بين 45 و47 كيلوغراماً، في حين تتراوح النتائج لدى النساء في الفئة العمرية نفسها بين 28 و31 كيلوغراماً.

وأظهر تحليل أجري عام 2024 لبيانات سابقة حول الاختبار أن انخفاض قوة قبضة اليد يرتبط بزيادة خطر دخول المستشفى والوفاة بشكل عام.

كما ارتبط ضعف قوة القبضة بعدد من الحالات الصحية، بما في ذلك السكتة الدماغية وأمراض الكلى والكبد وأمراض القلب والأوعية الدموية المزمنة.


ما أفضل مشروب للمساعدة في خفض ضغط الدم؟

عصير الشمندر يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي (بيكسلز)
عصير الشمندر يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي (بيكسلز)
TT

ما أفضل مشروب للمساعدة في خفض ضغط الدم؟

عصير الشمندر يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي (بيكسلز)
عصير الشمندر يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي (بيكسلز)

لا يقتصر الحفاظ على ضغط دم صحي على تقليل الملح وممارسة النشاط البدني والالتزام بالأدوية الموصوفة، بل يمكن لبعض الخيارات الغذائية اليومية أن تكون جزءاً من نمط حياة داعم لصحة القلب. ومن بين هذه الخيارات مشروبات تحتوي طبيعياً على مركبات نباتية قد تساعد في تحسين صحة الأوعية الدموية والمساهمة في خفض ضغط الدم.

ويبرز عصير الشمندر بوصفه أحد هذه الخيارات، نظراً إلى غناه بالنترات الطبيعية التي قد تساعد على استرخاء الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم. وسأل موقع «هيلث» مختصي تغذية معتمدين عن أسباب أهمية إضافة عصير الشمندر إلى النظام الغذائي، وما ينبغي معرفته قبل تناوله.

أفضل مشروب لضغط الدم: عصير الشمندر

يحتوي عصير الشمندر بشكل طبيعي على كميات مرتفعة من النترات، وهي مركّبات تساعد الجسم على إنتاج أكسيد النيتريك. وقالت أفيري زينكر، مختصة تغذية معتمدة، لمجلة «هيلث»: «يساعد أكسيد النيتريك في دعم صحة الأوعية الدموية، التي تلعب دوراً في الحفاظ على ضغط دم صحي».

وتشير الأبحاث إلى أن شرب عصير الشمندر بانتظام قد يساهم بدرجة طفيفة في خفض ضغط الدم الانقباضي، أي الرقم العلوي في قراءة ضغط الدم، لا سيما لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم.

وأوضحت كارلين ريميديوس، مختصة التغذية، أن «الدراسات التي أُجريت على البالغين المصابين بارتفاع ضغط الدم وجدت أن النترات المستخلصة من الشمندر تخفض ضغط الدم الانقباضي بمعدل 3 إلى 4 مليمترات زئبقية (ملم زئبقي) على مدى شهرين».

ولا تقتصر فوائد عصير الشمندر المحتملة على النترات؛ فهو يوفر أيضاً مضادات الأكسدة والبوتاسيوم. ويساعد البوتاسيوم الجسم على التخلص من الصوديوم الزائد، كما يساهم في الحفاظ على مستويات ضغط الدم الصحية.

ومع ذلك، لا يُعدّ عصير الشمندر بديلاً عن أدوية ضغط الدم أو عن أي من عناصر نمط الحياة الصحي الأخرى، لكنه يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي يهدف إلى الحفاظ على صحة القلب ودعم مستويات ضغط الدم الصحية.

خيار ممتاز آخر: شاي الكركديه

إذا لم تكن من محبي عصير الشمندر، فقد يكون شاي الكركديه خياراً آخر قد يساعد في خفض ضغط الدم.

ويُصنع شاي الكركديه من نبات الكركديه (Hibiscus sabdariffa)، ويحتوي على مركبات نباتية تُسمى الأنثوسيانين. وقالت جينيفر باليان، مختصة تغذية: «يحتوي شاي الكركديه على مضادات أكسدة مثل الأنثوسيانين، التي قد تساعد على استرخاء الأوعية الدموية ودعم ضغط الدم الصحي».

لكن لا ينبغي توقع حدوث تغيير ملحوظ في ضغط الدم بعد تناول كوب واحد من شاي الكركديه؛ إذ يبدو أن فوائده المحتملة ترتبط بتناوله بصورة منتظمة.

وفي إحدى الدراسات السريرية، أظهر بالغون يعانون من ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وشربوا ثلاثة أكواب من شاي الكركديه يومياً لمدة ستة أسابيع، انخفاضاً أكبر في ضغط الدم الانقباضي مقارنةً بأشخاص تناولوا مشروباً وهمياً.

ويتميز شاي الكركديه أيضاً بأنه خالٍ من الكافيين بشكل طبيعي، ولذلك يمكن الاستمتاع به ساخناً أو بارداً؛ ما يجعله خياراً مناسباً لمن يرغبون في إضافة مشروب خالٍ من الكافيين إلى نظامهم الغذائي.