حين يتحدث الطبيب الافتراضي بلهجتك... هل يُطيَّب الخاطر ويُشفَى الجرح؟

الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرق باب الصحة النفسية في العالم العربي

حين يتحدث الطبيب الافتراضي بلهجتك... هل يُطيَّب الخاطر ويُشفَى الجرح؟
TT

حين يتحدث الطبيب الافتراضي بلهجتك... هل يُطيَّب الخاطر ويُشفَى الجرح؟

حين يتحدث الطبيب الافتراضي بلهجتك... هل يُطيَّب الخاطر ويُشفَى الجرح؟

في زمن تتسارع فيه نبضات العلم أسرع من دقات قلب المريض، ويقف فيه الطب النفسي على عتبة تحوُّل غير مسبوق، بين حاجة ملحَّة إلى مزيد من الأيدي البشرية، وإغراء الانفتاح على عقول اصطناعية لا تنام، يطلُّ ابتكار جديد يطمح إلى أن يكون أكثر من مجرد تقنية. إنه الصديق الذي يصغي بلا ملل، والمستشار الذي لا يُحرجك بالسؤال، والرفيق الذي يزورك في لحظات العزلة، وكل ذلك بلغتك ولهجتك، وبإيقاع يلامس روحك قبل عقلك.

تصميم بحثي نسائي سعودي

إنه الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، ولكن هذه المرة ليس قادماً من وادي السيليكون أو مختبرات الشركات العملاقة؛ بل هو مولود في قلب جامعة سعودية، على أيدي فريق بحثي نسائي يؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من نبض الثقافة المحلية، لا من قوالب مستوردة.

أزمة صامتة... وحلول ذكية

في منطقتنا العربية، تظل الصحة النفسية ساحة صراع بين الحاجة الملحَّة والمخاوف الصامتة. فالأرقام التي لا تُعلن، والحكايات التي تُروى همساً، تكشف عن معاناة أوسع بكثير مما يظهر على السطح.

كم من شخص يبتسم أمام الكاميرا، بينما ينهار في ليل غرفته! وكم من شاب أو سيدة يخفون جروحهم العاطفية خلف ستار القوة، خشية أن تُفسَّر معاناتهم بأنها ضعف أو قلة إيمان؟

العائق الأكبر ليس نقص الموارد العلاجية أو قلة الاختصاصيين فقط؛ بل تلك الوصمة الاجتماعية التي تجعل طلب المساعدة النفسية أمراً يثير الحرج أكثر من المرض نفسه. ومع قلة مراكز الدعم، وازدحام العيادات، وارتفاع التكلفة، تتسع الفجوة بين من يحتاج إلى المساندة ومن يحصل عليها فعلاً.

هنا يطل الذكاء الاصطناعي التوليدي كجسر غير مرئي، ولكنه حقيقي في أثره. جسر يربط من يعاني في صمت بالمعلومة الصحيحة، والنصيحة الملائمة، أو حتى الإحالة السريعة لمختص، وكل ذلك بعيداً عن العيون والأحكام المسبقة.

انه لا يسألك عن اسمك، ولا يطلب منك تبرير دموعك، ولا يُقاطعك بنصائح جاهزة؛ بل يمنحك مساحة آمنة وسرِّية، تتحدث فيها بحرية تامة، لتجد من يصغي إليك في أي ساعة، وفي أي مكان، دون خوف من أن يُساء فهمك أو يُساء الحكم عليك.

برنامج «دَوِّن»... بداية الحكاية

في فبراير (شباط) 2025، أشرقت من جدة إشارة علمية جديدة تحمل بصمة عربية، حين نشرت المجلة الدولية للتقنيات التفاعلية عبر الهاتف المحمول (International Journal of Interactive Mobile Technologies – iJIM) دراسة بحثية بعنوان: «Dawwen: An Arabic Mental Health Mobile App Based on Natural Language Processing».

لم تكن هذه الدراسة مجرد ورقة بحثية تضاف إلى أرشيف المجلات العلمية؛ بل كانت إعلاناً عن ولادة فكرة يمكن أن تغيِّر طريقة تعاملنا مع الصحة النفسية في العالم العربي.

فكرة لأربع باحثات سعوديات

وراء هذه الفكرة 4 باحثات من كلية الحاسوب وتقنية المعلومات بجامعة الملك عبد العزيز في جدة: أروى والي، وهنا المقرّبي، وسارة الفقي، ومريح جخدار.

4 عقول نسائية اجتمعت على قناعة واحدة: أن التكنولوجيا يجب أن تنطق بلغتنا، وتفهم مشاعرنا، وتخاطب وجداننا، لا أن تكتفي بترجمة جمل جاهزة مستوردة من ثقافات أخرى.

قدَّم الفريق نموذجاً أولياً لتطبيق ذكي يحمل اسم «دَوِّن»، صُمم ليكون أكثر من مجرد برنامج على شاشة الهاتف. يستخدم التطبيق تقنيات معالجة اللغة الطبيعية (Natural Language Processing – NLP) لتحليل النصوص التي يكتبها المستخدم -سواء أكانت اعترافات صامتة، أم فضفضة عابرة، أم رسائل غارقة في الحزن- ثم يرد بطريقة إنسانية تراعي السياق العاطفي والثقافي للكلمات.

لكن قوة «دَوِّن» لا تكمن في فهم الجمل فقط؛ بل في قراءة ما بين السطور: التقاط الإشارات الخفية في النص، والتمييز بين القلق العابر والاكتئاب المزمن، وبين الحزن المؤقت والاستغاثة الصامتة. وبناءً على ذلك، يمكن للتطبيق تقديم توصيات شخصية، أو إحالة المستخدم إلى مصادر دعم متخصصة، أو حتى اقتراح خطوات عملية للتعامل مع حالته.

إنه ليس طبيباً افتراضياً فحسب؛ بل مساحة آمنة للتعبير الحر؛ حيث يجد المستخدم من يُصغي إليه دون أن يحكم عليه، أو يطلب منه ما لا يستطيع قوله. وربما لهذا السبب، فإن «دَوِّن» يبدو أقرب إلى دفتر أسرارك الذكي، ولكنه دفتر يعرف كيف يرد، ومتى يصمت، ومتى يوجهك برفق إلى من يستطيع مساعدتك في العالم الحقيقي.

لغة من القلب... وخصوصية كاملة

لم يكن تصميم «دَوِّن» مجرَّد تمرين برمجي أو مجرد مشروع تقني بارد؛ بل انطلق من إدراك عميق لطبائع الناس في العالم العربي، وحساسية الحديث عن النفس والمشاعر في ثقافتنا. فالتطبيق لا يكتفي باستخدام العربية الفصحى الراقية؛ بل يملك القدرة على التحدث بلهجات محلية محببة للأذن -سواء أكانت خليجية أم مصرية أم شامية- فيجعل الحوار أكثر دفئاً، ويكسر الحاجز النفسي بين المستخدم والآلة.

هذا الإحساس القريب من القلب لم يأتِ مصادفة؛ بل كان جزءاً من فلسفة التصميم منذ اللحظة الأولى. فالفريق أراد أن يشعر المستخدم بأن الطرف الآخر لا يترجم مشاعره؛ بل يفهمها كما هي، وبالنبرة التي كان سيحكي بها لصديقه أو قريب روحه.

تصريحات الباحثات

وفي تصريح خاص، تقول الباحثة أروى والي: «أردنا أن نصمم أداة تجعل المستخدم يشعر بأنه يُسمَع ويُفهَم بلغته وثقافته، وأن الدعم النفسي ليس امتيازاً للنخبة ولا حكراً على اللغات الأجنبية. الخصوصية كانت أولوية قصوى في كل خطوة من خطوات التطوير؛ لأننا ندرك أن كلمة واحدة يُبوح بها المستخدم قد تحمل أثقل أسراره».

ولهذا السبب، جُهِّز التطبيق بطبقات حماية مشددة تضمن سرية البيانات، دون أن تُثقِل على المستخدم بخطوات معقدة أو رسائل تنبيهات مزعجة. فالغاية أن يجد من يكتب إلى «دَوِّن» ملاذاً آمناً يفضفض فيه بحرية، وهو مطمئن بأن ما يقوله سيبقى بينه وبين ذاكرة رقمية صُمِّمت لتحفظ؛ لا لتفضح».

ذكاء يتعلم منك... لا عنك

لم يُصمَّم «دَوِّن» ليكون مجرد دفتر رقمي يدوِّن ما تكتبه ثم يتركه حبيس الشاشة؛ بل جاء كمنصة ذكية قادرة على فهم ما وراء الكلمات، وقراءة نبض المشاعر في سطورك. فهو لا يكتفي بحفظ ما تقول؛ بل يحلِّله، ويفرز ما إذا كان مجرَّد انزعاج عابر يمكن تجاوزه ذاتياً، أو علامة على أزمة أعمق تحتاج إلى تدخل مختص قبل أن تتفاقم.

واعتمد تدريب النموذج على بيانات عربية متخصصة في الصحة النفسية؛ ما مكَّنه من التقاط الفروق الدقيقة التي قد لا يلاحظها حتى بعض البشر. الفارق بين عبارتين مثل: «أنا متعب»، و«لم أعد أحتمل»، قد يبدو بسيطاً لغوياً، ولكنه في الواقع مؤشِّر حاسم على مستوى الخطر العاطفي الذي يعيشه الشخص.

هذه القدرة على التمييز ليست رفاهية تقنية؛ بل قد تكون خط الدفاع الأول عن حياة إنسان. فالتطبيق لا يكتفي بالتشخيص؛ بل يهيِّئ الرد المناسب: نصيحة صغيرة تبعث الطمأنينة في الحالات البسيطة، أو توجيه عاجل لمصادر مساعدة في اللحظات الحرجة.

وبهذا، يصبح «دَوِّن» ليس مجرد ذكاء صناعي يحاكي اللغة؛ بل هو عقل افتراضي يتعلَّم من تفاعلك، ويطوِّر فهمه لأسلوبك الشخصي، ليعرف متى يصغي في صمت، ومتى يمدُّ يده الرقمية لينقذك.

بين التقنية والإنسان

رغم الحماس الذي تثيره هذه التطبيقات، فإن الفريق البحثي يؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مساعداً وليس بديلاً عن المعالج النفسي أو الطبيب. فالخوارزمية مهما بلغت دقتها، تظل تفتقر إلى التعاطف الإنساني الكامل، وإلى القدرة على قراءة لغة الجسد ونبرة الصوت في الواقع المباشر. هنا يبرز دور «دَوِّن» كخط أول للدعم النفسي، يخفف الضغط عن العيادات، ويشجع الناس على طلب المساعدة مبكراً، ولكن دون أن يلغي دور البشر.

تحديات الطريق

رغم الأمل الكبير الذي يحمله «دَوِّن» ومنصات الذكاء الاصطناعي المشابهة، فإن الطريق أمامها ليس مفروشاً بالورود؛ بل هو مليء بعوائق تحتاج إلى وعي ومعالجة متأنية:

* القبول المجتمعي: ما زال هناك من ينظر إلى فكرة الحديث مع «آلة» عن أسراره ومشاعره نظرة ارتياب أو حتى سخرية. فكيف يثق إنسان بكيان بلا قلب في أمر يخص قلبه؟ هذا الحاجز النفسي لا يُزال بالتقنية وحدها؛ بل يتطلب تثقيفاً مجتمعياً، وتجارب ناجحة يراها الناس ويلمسون أثرها، حتى تتحول الفكرة من غريبة إلى مألوفة.

* الأمان والخصوصية: في عالم أصبحت فيه البيانات سلعة، تُعدُّ أسرار الصحة النفسية أثمن ما تجب حمايته. لذلك، فإن وضع بروتوكولات صارمة ومشفَّرة لحماية بيانات المستخدمين ليس خياراً؛ بل ضرورة وجودية. كلمة واحدة يكتبها شخص قد تكشف هشاشته أو معاناته، وحمايتها واجب أخلاقي قبل أن يكون قانونياً.

* التكامل مع النظام الصحي: أقوى تطبيق ذكاء اصطناعي يظل محدود الفاعلية إذا بقي معزولاً عن شبكة الدعم الواقعية. ربط «دَوِّن» بمراكز دعم رسمية ومستشفيات وعيادات متخصصة، يضمن أن تكون الاستجابة للحالات الطارئة سريعة وفعَّالة، ويحوِّل التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى جزء حي من منظومة الرعاية الصحية.

المستقبل باللهجة التي تطمئن قلبك

إذا كُتب لمشروع «دَوِّن» أن يغادر قاعات البحث الجامعي إلى هواتف الناس في كل بيت، فقد نشهد تحولاً نوعياً في علاقة الفرد العربي بالصحة النفسية. تخيَّل ملايين المستخدمين يفتحون هواتفهم في لحظة قلق أو وحدة، ليجدوا «طبيباً افتراضياً» يرحب بهم بعبارة مألوفة: «كيف حالك اليوم يا صديقي؟»، أو: «شلونك؟»، أو حتى: «طمني عنك».

هذا الحوار البسيط، بصوت ولهجة مألوفة، قد يكون الشرارة الأولى التي تدفع شخصاً لطلب المساعدة في وقتها، بدلاً من الانسحاب في صمت. ومع مرور الوقت، قد يتوسع الأثر ليشمل:

- منصات دعم جماعي ذكية، تتيح لمستخدمين من بيئات متشابهة مشاركة تجاربهم تحت إشراف مختصين.

- روبوتات محادثة للأطفال والمراهقين، مصممة للتعامل بلغة تناسب سنهم، وتساعدهم على التعبير عن مشاعرهم بأمان.

- دمج كامل مع التطبيقات الوطنية، مثل: «صحتي»، و«موعد»، بحيث يصبح الدعم النفسي جزءاً من الرعاية الصحية المتكاملة، لا خدمة معزولة.

وربما يتجاوز الأمر ذلك، فنرى مستقبلاً تُدمج فيه تقنيات الواقع المعزز (AR) أو الواقع الافتراضي (VR)، ليجلس المريض وجهاً لوجه مع مستشار افتراضي في بيئة رقمية دافئة، يتحدث ويستمع كما لو كانا في غرفة واحدة.

بهذه الخطوات، قد يتحول «دَوِّن» من مجرد تطبيق إلى ثقافة جديدة في التعامل مع النفس والمجتمع؛ حيث يصبح الحديث عن المشاعر أمراً طبيعياً؛ بل وصحياً... باللهجة التي تطمئن القلب، وتعيد له سلامه.

هل تفتح القلب لكيان بلا قلب؟

في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلَّقاً في فضاء المستقبل: هل نحن مستعدون لفتح قلوبنا لكيان بلا قلب، على أمل أن يكون أكثر إصغاءً من البشر؟

قد يبدو الأمر غريباً اليوم، ولكنه ينسجم مع روح «رؤية السعودية 2030» التي وضعت الابتكار والتقنية في قلب خططها؛ ليس فقط لتطوير الاقتصاد؛ بل لبناء مجتمع أكثر صحة وتماسكاً. فإذا كان هدف الرؤية أن تجعل المملكة مركزاً عالمياً للتقنيات المتقدمة، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية هو جزء من هذا الطموح... طموح يضع الإنسان في المقدمة، ويجعل التقنية وسيلة لتمكينه؛ لا لاستبداله.

ربما، كما قال جبران خليل جبران: «القلب يعرف ما لا تعرفه العقول».

لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، قد نضيف: «والعقل إذا صدق في الإصغاء، قد يوقظ في القلب ما ظنه نائماً».

فإذا استطاعت الخوارزميات أن تمنحنا لحظة إنصات صادقة؛ بلا أحكام ولا تسرُّع، فقد تكون هذه هي الخطوة الأولى نحو جسر يعيدنا إلى جوهر إنسانيتنا... لا الذي يبعدنا عنها.


مقالات ذات صلة

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

يوميات الشرق من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

تُظهر دراسة حديثة أن تجنّب المحادثات التي تبدو «رتيبة» قد يحرمنا من تجربة أكثر متعة وإثراءً مما نتصوَّر...

«الشرق الأوسط» (ميشيغان)
يوميات الشرق عادات قد تُعرقل نجاح العلاقات (بكسلز)

لماذا تفشل العلاقات رغم المشاعر؟ عادات لا واعية «تخرّب الحب»

بعض العادات اليومية قد تؤدي إلى «تخريب الحب» بشكل غير مباشر، حتى لدى الأشخاص الذين يسعون لبناء علاقات عاطفية صحية ومستقرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري يتحدث خلال فعالية في مقر فريق ويسترن بولدوجز التابع لدوري كرة القدم الأسترالية في ملبورن (أ.ف.ب) p-circle

دون انتقاد والده… الأمير هاري يؤكد رغبته في أن يكون أباً أفضل

تحدّث الأمير البريطاني هاري بصراحة عن رؤيته لدور الأب، مؤكداً سعيه لأن يكون نسخة أفضل من الآباء الذين سبقوه.

«الشرق الأوسط» (ملبورن (أستراليا))
صحتك القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا في التعامل مع التهديدات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم بين الشاشة والطبيب

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

النماذج التنبؤية تظل محدودة في قدرتها على تمثيل التعقيد الإنساني.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

البربرين أم البطيخ المر... أي الخيارين الطبيعيين أفضل لخفض سكر الدم؟

جهاز لقياس مستوى السكر في الدم (بيكساباي)
جهاز لقياس مستوى السكر في الدم (بيكساباي)
TT

البربرين أم البطيخ المر... أي الخيارين الطبيعيين أفضل لخفض سكر الدم؟

جهاز لقياس مستوى السكر في الدم (بيكساباي)
جهاز لقياس مستوى السكر في الدم (بيكساباي)

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن كلاً من المكملين الطبيعيين، البربرين والبطيخ المر، يعمل على خفض مستويات سكر الدم من خلال آليات عمل مختلفة.

ومع ذلك، يُعد البربرين أكثر فاعلية وقوة، مما يجعله في كثير من الأحيان الخيار الأفضل.

والبربرين، الذي لُقّب على وسائل التواصل الاجتماعي بـ«أوزيمبيك الطبيعة»، هو مركب نشط حيوياً يُستخرج من نباتَي «البرباريس» و«الختم الذهبي».

وقد استُخدم هذا المركب في الطب التقليدي لقرون عديدة لعلاج أمراض الجهاز الهضمي، إلا أنه اكتسب زخماً وشعبية في السنوات الأخيرة بصفته علاجاً شاملاً ووسيلة للوقاية من مرض السكري والسمنة. ومع ذلك، فإن عقارَي «أوزيمبيك» و«الميتفورمين» يعملان بآلية مختلفة تماماً عن البربرين فيما يتعلق بخفض سكر الدم.

شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)

وعند الحديث عن خفض سكر الدم، يُعد البربرين خياراً مجدياً نظراً لتأثيراته على المسار الذي يُحسّن الوظائف الأيضية (التمثيل الغذائي)، ويُبطئ عملية تكسير الكربوهيدرات في الأمعاء، مما يؤدي بالتالي إلى خفض مستويات الجلوكوز في الدم.

وعلى الرغم من أن البربرين يُعد مكملاً طبيعياً، فإنه يُحاكي آلية عمل عقار «الميتفورمين» - المُستخدم على نطاق واسع لعلاج مرض السكري - مما يجعله خياراً مجدياً لخفض سكر الدم مقارنةً بالبديل الدوائي الصيدلاني.

أما البطيخ المر فهو فاكهة استوائية تتميز بمذاق مرّ وقوي للغاية، وقد استُخدمت هذه الفاكهة في بعض البلدان لعلاج مرض السكري، ومن أبرز هذه البلدان: البرازيل، والصين، وكولومبيا، وكوبا، والهند.

ويُحدث تناول البطيخ المر تأثيراً أكثر اعتدالاً (أقل حدة) فيما يتعلق بخفض سكر الدم، مما يجعله أقل فاعلية وقوة مقارنةً بالبربرين، كما أنه يعمل بآلية مختلفة داخل الجسم؛ فعند تناوله يُحاكي البطيخ المر آلية عمل الإنسولين، مما يساعد الخلايا على استخدام الجلوكوز كمصدر للطاقة.

ووفقاً للأبحاث العلمية، قد يكون البطيخ المر أكثر فائدة في مجال الوقاية من الإصابة بمرض السكري.

وعلى الرغم من أن كلاً من البربرين والبطيخ المر قد يكون فعالاً، فإن الاختيار بينهما يُعد قراراً شخصياً ينبغي عليك اتخاذه بالتشاور مع الطبيب الخاص بك؛ إذ قد تتفاعل بعض المكملات الغذائية مع مكملات أخرى أو أدوية تتناولها بالفعل؛ لذا من الضروري للغاية التحدث إلى الطبيب قبل اتخاذ قرار تجربة أي مكمل جديد.

كما يجب على النساء الحوامل أو المرضعات تجنب تناول البطيخ المر؛ نظراً لوجود بعض المخاطر المحتملة لحدوث تشوهات خلقية لدى الجنين.


الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

ساعة ذكية من "فتبت" تقيس المؤشرات الصحية
ساعة ذكية من "فتبت" تقيس المؤشرات الصحية
TT

الساعات الذكية لرصد التغيرات في صحة الدماغ

ساعة ذكية من "فتبت" تقيس المؤشرات الصحية
ساعة ذكية من "فتبت" تقيس المؤشرات الصحية

يُعدّ الحفاظ على مستوى عال من الصحة الدماغية، التي تشمل الوظائف المعرفية (الإدراكية) والعاطفية (الوجدانية)، من أشد ما تمس حاجة المرء إليه كي يستمتع بحياته اليومية وتواصله الأسري وإنتاجيته الوظيفية وتحصيله التعليمي والاهتمام الواعي بصحته.

الإدراك والعاطفة

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من ثلث سكان العالم من اضطرابات عصبية عضوية، مثل مضاعفات السكتة الدماغية، والصرع، ومرض باركنسون. بينما سيُصاب أكثر من نصفهم باضطرابات نفسية، بما في ذلك الاكتئاب، واضطرابات القلق، والفصام، وذلك في مرحلة ما من حياتهم ولو بشكل مؤقت.

ولذا فإن فهم كيفية تقلب مستوى صحة الإدراك المعرفي والحالة العاطفية في الحياة اليومية يُعدُّ أمراً أساسياً لتعزيز صحة الدماغ (مزيج من الأداء الإدراكي والحالات المزاجية) على المدى الطويل. ولا يقتصر الأمر على المرضى، بل حتى بين البالغين الأصحاء، حيث تتفاوت مستويات صحة الدماغ على مدار الأيام والأسابيع، ما يعكس التفاعلات بين عدة عوامل حياتية.

ومع ذلك، لا تزال معظم التقييمات الإكلينيكية لصحة الدماغ متقطعة ومرهقة وتجرى في العيادات، مما يحدّ من قدرتها على رصد الديناميكيات الطبيعية عالية التردد خلال الحياة اليومية خارج العيادات، أو تقديم إفادة تغذية راجعة فورية في الوقت المناسب لغالبية الناس.

وهنا يأتي السؤال: هل يمكن لتطبيقات الهواتف الذكية أو الساعات الذكية المساعدة في الكشف المبكر عن علامات الأمراض العصبية أو النفسية؟

وللإجابة، ووفق ما نشرته جامعة جنيف على موقعها الإلكتروني في 10 مارس (آذار) الماضي، فإن الباحثين فيها قاموا بمراقبة مجموعة من المشاركين الذين يرتدون هذه الأجهزة المتصلة بالإنترنت. وكان عنوان الدراسة «المؤشرات الحيوية الرقمية لصحة الدماغ: التقييم السلبي والمستمر من أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء». والتقييم السلبي Passive هو أسلوب لتحليل نتائج استخدام تطبيق يعمل على مراقبة السلوك وجمع البيانات دون التفاعل مع المُشارك بشكل مباشر. (وتم بالتزامن نشر الدراسة ضمن مجلة نيتشر العلمية للطب الرقمي npj Digital Medicine).

مقاييس العمل الذهني والمزاج

وفي الممارسات الطبية الإكلينيكية، تتضمن مراقبة مستويات الإدراك المعرفي والحالة العاطفية استخدام مقاييس عصبية فيزيولوجية وسلوكية وذاتية، بغية تقييم مستوى صحة تفكير المرء وشعوره وتفاعله مع بيئته، في الوقت الفعلي أو شبه الفعلي. وذلك لفهم عبء العمل الذهني والانتباه والتوتر والحالات العاطفية. ومن تلك الوسائل للقياس:

-تخطيط كهربية الدماغ EEG: وهي طريقة أساسية غير جراحية تُستخدم لتتبع نشاط الدماغ في الوقت الفعلي. وتراقب هذه الطريقة الحالات الإدراكية مثل عبء العمل الذهني (عبر تغيرات قوة موجات ألفا/ثيتا) والاستثارة العاطفية.

- الكمونات المرتبطة بالحدث ERPs: وهي تقنيات تخطيط كهربية الدماغ المستخدمة لفحص الاستجابات الفورية والمتزامنة للمحفزات.

- القياسات الفسيولوجية: مراقبة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي، بما في ذلك تقلب معدل ضربات القلب، والتوصيل الكهربائي للجلد، والتنفس، لتقييم مستوى الاستثارة العاطفية والتوتر.

- تتبع حركة العين: يُستخدم لمراقبة استجابة حدقة العين، ومعدل الرمش، ونقاط التثبيت لاستنتاج الجهد المعرفي، أو التشتت، أو الانتباه البصري.

- القياسات السلوكية وقياسات التقرير الذاتي: تُستخدم التغذية الراجعة المباشرة أو مقاييس الأداء (مثل الدقة، وزمن رد الفعل) كمعيار مرجعي للتحقق من صحة البيانات الفسيولوجية.

تطبيقات ذكية

واستخدم أولئك الباحثون الذكاء الاصطناعي لتحليل بياناتهم التي تم رصدها لدى المشاركين في الدراسة، مثل معدل ضربات القلب، والنشاط البدني، والنوم، وتلوث الهواء. وأظهرت نتائجهم أن تطبيقات تلك الأجهزة قادرة على التنبؤ بدقة بالتقلبات العاطفية والمعرفية، مما يفتح آفاقاً جديدة للكشف المبكر عن التغيرات في صحة الدماغ. ولاحظوا أن حتى لدى البالغين الأصحاء، يتذبذب مستوى صحة الدماغ بمرور الوقت، ما يعكس التفاعلات بين عوامل متعددة، بما في ذلك التأثيرات البيئية وعادات سلوكيات نمط الحياة الفردية. وهذا ما يُسهّل تحليل التغيرات اليومية أو الأسبوعية في الوظائف الإدراكية والعاطفية كأمر ضروري لتمكين وضع استراتيجيات وقائية استباقية ومخصصة لكل فرد، من أي اضطرابات نفسية أو عصبية.

وللتوضيح، فإن التقنيات المحمولة والقابلة للارتداء المتوفرة الآن، تُمكّن من جمع البيانات بشكل مستمر ومن بيئات واقعية. وتسمح هذه الأدوات بالمراقبة المتكررة للسلوك اليومي، والوظائف الفسيولوجية، وتغيرات السياق البيئي، مما يُمثّل تحولاً من الأساليب المختبرية أو القائمة على الاستبيانات نحو مناهج قابلة للتوسع ومنخفضة العبء، والتي يُمكنها الكشف عن تغييرات جوهرية داخل صحة دماغ الفرد بمرور الوقت. وقد تُساعد المراقبة المستمرة لهذه «التقلبات» الإدراكية والمزاجية في وضع خطوط أساسية، والكشف عن الانحرافات عن المسارات المتوقعة، ودعم التحديد المبكر للحالات المعرضة لخطر الاضطرابات الإدراكية والنفسية.

وكانت عدة دراسات إكلينيكية سابقة قد أوضحت أن عوامل التعرُّض اليومي ونمط سلوكيات الحياة اليومية لكل فرد، بما في ذلك النوم والنشاط البدني والظروف البيئية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة الدماغ لديه على المديَين القريب والبعيد. حيث يرتبط اضطراب النوم، وما يرتبط به من مؤشرات، بالأداء المعرفي ومرض ألزهايمر والحالة المزاجية. كما يرتبط معدل ضربات القلب بأنماط النشاط في الحالات المعرفية والعاطفية.

ويؤثِّر التعرُّض لملوثات الهواء وتقلبات الطقس على الإدراك والحالة المزاجية، بينما يؤكد تزايد عبء التدهور المعرفي المرتبط بالتقدم في السن على ضرورة تطوير استراتيجيات رصد وقائية قابلة للتطبيق على نطاق واسع. وعلى سبيل المثال، يُعدُّ مرض ألزهايمر، السبب الرئيسي للخرف، ويصيب بالفعل عشرات الملايين حول العالم، ولا يوجد له علاج شافٍ. لذلك، يُعدُّ الكشف المبكر والرصد الوقائي أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقلالية وجودة الحياة، وتيسير الوصول إلى التدخلات الحديثة المعدلة للمرض.

تقنيات قابلة للارتداء

وشرع فريق الباحثين من جامعة جنيف في تحديد إمكانية استخدام التقنيات القابلة للارتداء والهواتف المحمولة لمراقبة صحة الدماغ بشكل مستمر وغير جراحي. ولتحقيق هذه الغاية، تم تزويد 88 متطوعاً تتراوح أعمارهم بين 45 و77 عاماً بتطبيق مخصص للهواتف الذكية وساعة ذكية. وعلى مدار عشرة أشهر، جمعت هذه الأجهزة بيانات «تلقائية» - دون أي تدخل أو تغيير في عادات المشاركين اليومية - شملت معدل ضربات القلب، والنشاط البدني، وأنماط النوم، بالإضافة إلى الأحوال الجوية ومستويات تلوث الهواء. وتم تحليل 21 مؤشراً في المجمل. وفي كل ثلاثة أشهر، قدم المشاركون أيضاً بيانات «فعَّالة» من خلال استكمال استبيانات حول حالتهم النفسية: كما خضعوا لاختبارات الأداء المعرفي.

وقال الباحثون السويسريون: «لقد دمجنا بيانات متعددة الوسائط على مدى عشرة أشهر لاختبار كيفية تنبؤ السمات السلوكية والفسيولوجية والبيئية السلبية بنتائج متعددة لصحة الدماغ. والهدف الرئيسي هو تقييم جدوى النماذج القابلة للتطوير والمنخفضة العبء للمراقبة المستمرة لصحة الدماغ. وافترضنا أن السمات السلبية متعددة الوسائط - وخاصة تلك التي تُمثل النوم ومعدل ضربات القلب والنشاط - ستتنبأ بالنتائج المعرفية والعاطفية بمعدلات خطأ منخفضة بين الأفراد».

وبعد اكتمال جمع البيانات، جرى تحليل البيانات غير المباشرة باستخدام الذكاء الاصطناعي الذي طُوِّر كجزء من المشروع. وكان الهدف هو تحديد ما إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي التنبؤ بتقلبات الصحة الإدراكية والعاطفية للمشاركين بناءً على هذه البيانات. ثم قورنت التنبؤات القائمة على الذكاء الاصطناعي بنتائج الاستبيانات والاختبارات. وقال الباحثون إن النتائج فتحت آفاقاً جديدة لاستخدام الأجهزة المتصلة في الكشف المبكر عن أي خلل أو تغيرات في صحة الدماغ. وأفادوا أن الحالات العاطفية كانت الأسهل في التنبؤ. حيث تنبأ الذكاء الاصطناعي بالحالات العاطفية بدقة عالية، حيث تراوحت نسبة الخطأ عموماً بين 5 في المائة و10 في المائة. وفي المقابل، كانت دقة التنبؤ بالحالات الإدراكية أقل، إذ تراوحت نسبة الخطأ بين 10 في المائة و20 في المائة. بعبارة أخرى، يتفوق الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالاستجابات للاستبيانات العاطفية على الاختبارات الإدراكية.

أما فيما يتعلق بأهمية المؤشرات السلبية، فقد برز تلوث الهواء، وتقلبات الطقس والأحوال الجوية، ومعدل ضربات القلب اليومي، وتقلبات النوم كأهم العوامل المؤثرة على الإدراك. وبالنسبة للحالات العاطفية، كانت العوامل الأكثر تأثيراً هي الطقس، وتقلبات النوم، ومعدل ضربات القلب أثناء النوم.

الحالة الإدراكية والوجدانية.. تفاعل وتأثيرات

تشير الحالة الإدراكية Cognitive States لدى الشخص إلى العمليات العقلية التي تُسهم في اكتسابه المعرفة والفهم، بما في ذلك التفكير والمعرفة والتذكر والتقييم المعرفي للمواقف وحل المشكلات.

بينما تمثل الحالة الوجدانية Affective States (عواطف المشاعر والمزاج) محصلة الأحاسيس التي نشعر بها ونعايشها والمرتبطة بالمشاعر والمزاج. والتي غالبًا ما تتميز بالتكافؤ (مُرضٍ/غير مُرضٍ). أي أنها تشمل المشاعر (ردود فعل مؤقتة) والمزاج (حالات أطول أمدًا وأقل حدة).

ولذا يرتبط الإدراك والحالات الوجدانية ارتباطًا وثيقًا، حيث تؤثر المشاعر (الوجدانية) على التفكير والذاكرة واتخاذ القرارات، بينما تفسر العمليات الإدراكية المشاعر وتنظمها. وغالبًا ما توسع المشاعر الإيجابية نطاق الإدراك، بينما تحد المشاعر السلبية من نطاق. وهما يتفاعلان معًا لتشكيل عمليات إدراكية وجدانية تُشكل بدورها الإدراك والسلوك. وبالتالي يشكلان معًا نظامًا ثنائي الاتجاه، حيث تُشكل الأفكارُ المشاعرَ، وتؤثر المشاعرُ على الإدراك.

وعلى سبيل المثال، قد تؤدي الحالة الوجدانية السلبية إلى زيادة القلق والأحكام التشاؤمية. بينما تكون الحالة الوجدانية الإيجابية مفعمة بالتفاؤل والأمل والإنتاجية والاستمتاع بالحياة اليومية والأنشطة الترفيهية.

ولذا فإن في "التأثير السلوكي" Behavioral Impact تشكل الحالة "المعرفية-العاطفية" Cognitive-Affective الأساس في كيفية استجابة الأفراد لمتطلبات سلوكياتهم في حياتهم اليومية.

والجوانب الرئيسية لتفاعل الإدراك والوجدانية Cognition-Affect Interaction تشمل:

-التأثير الوجداني على الإدراك Affective Influence On Cognition: تعمل الحالات الوجدانية كإشارات "انطلاق" (إيجابية) أو "توقف" (سلبية) للتفكير والفعل، ما يؤثر على كيفية معالجة المعلومات. ويمكن للمزاج الإيجابي أن يزيد من مرونة الإدراك، بينما قد يحفز المزاج السلبي التفكير التحليلي والدقيق.

-التأثير الإدراكي على الوجدانية Cognitive Influence On Affect: تحدد العمليات الإدراكية، مثل التقييم والتحليل، التجربة الوجدانية. وعلى سبيل المثال، يمكن لإعادة التقييم الإدراكي أن تغير شدة الشعور من خلال تغيير كيفية تفسير حدث ما.

-الذاكرة المتوافقة مع الحالة المزاجية Mood-Congruent Memory: يميل الناس إلى تذكر المعلومات التي تتوافق مع حالتهم المزاجية الحالية.

-التنبؤ العاطفي Affective Forecasting: غالبًا ما يحاول الناس التنبؤ بحالاتهم العاطفية المستقبلية، ما يؤثر على قراراتهم، كالسعي وراء الترقية بحثًا عن السعادة.

-الآليات العصبية Neural Mechanisms: يرتبط الفص الجبهي Prefrontal Cortex (المعرفي) واللوزة الدماغية Amygdala (العاطفية) ارتباطًا وثيقًا، ما يدل على أن العاطفة والإدراك ليسا منفصلين تمامًا، بل يعملان كنظام متكامل.

-الدور الوظيفي Functional Role: تُعد هذه العمليات أساسية للسلوك التكيفي، كاستخدام الإشارات العاطفية للتفاعل مع المواقف الاجتماعية واتخاذ القرارات.

* استشارية في الباطنية


7 أنواع للراحة

7 أنواع للراحة
TT

7 أنواع للراحة

7 أنواع للراحة

ربما يبدو النوم لليلة كاملة مثل انتصار صغير، لكن ليس من المضمون أو الأكيد مع ذلك ألا نشعر بالثقل والخمول. وإذا كنا قد حصلنا فعلاً على إفادة من الطبيب تؤكد سلامتنا وصحتنا الجيدة، فما الذي يفسر إذن هذا التعارض بين الراحة التي حصلنا عليها وبين افتقارنا المربك إلى الحيوية والنشاط؟

النوم ليس النوع الوحيد للراحة

ربما نفترض أن النوم هو النوع الوحيد للراحة التي نحتاجها، لكن ربما يكون لدينا نقص في إحدى الأنواع الكثيرة الأخرى للراحة، التي تعدّ جميعها أساسية وضرورية للتمتع بالقدرة على الإحساس وعلى العمل بأفضل نحو ممكن. واستعرضت الدكتورة سوندرا دالتون سميث في كتابها «سيكريد ريست» «الراحة المقدسة» سبعة أنواع للراحة يستهدف كلُ منها معالجة نوع مختلف من «العوَزْ في الراحة».

يعتقد الكثيرون أن النوم والراحة تعبيران مترادفان، لكننا بحاجة إلى توسيع إطار هذا النموذج ليشمل كيفية استعادة الطاقة بالكامل، حسب ما يشير إيريك جو، أستاذ مساعد في قسم طب النوم بكلية الطب في جامعة هارفارد. ويضيف إيريك أنه وحتى إن حصرت السبعة أنواع المُوصى بها (من الراحة) في تسع ساعات من النوم الجيد كل ليلة، فإن الحصول على المزيد منها ليس بالضرورة علاج لما يسبب لك الاعتلالات. ويقول جو: «ينظر الكثيرون إلى الراحة في نطاق الراحة البدنية فحسب. ويعدّ النوم أحد عناصر الراحة البدنية، وله دور مهم جداً في تجديد النشاط، لكنه لا يعالج نطاقات أخرى يوجد فيها اختلال قد يواجه الإنسان».

استعادة الحيوية والنشاط

يشرح جو في هذا السياق الأنواع السبع للراحة، إلى جانب استراتيجيات لتحقيقها عليها.

1 - الراحة البدنية: هل تشعر بالإرهاق أو غياب الإتقان أو كثرة النسيان بوجه خاص؟ ربما تكون بحاجة إلى المزيد من الراحة البدنية. ويقول جو: «إنه المؤشر الأكبر لفراغ خزان وقود جسمك. للنوم دور مهم جداً في استعادة نشاطك بطبيعة الحال، وليس ذلك من خلال النوم ليلاً فحسب، بل من خلال فترات القيلولة أيضاً. كذلك يُوضع في الاعتبار الاستلقاء والراحة قليلاً.

مع ذلك من المدهش أن يمثل القيام بحركات بسيطة خفيفة مثل تمارين الإطالة وحركات اليوغا والمشي شكلاً نشطاً من أشكال الراحة البدنية يمكنه تعزيز الطاقة. ويوضح قائلاً: «تقع الإجابات على طرفين متقابلين تماماً من الطيف، فالقيام بأي شيء يجعل جسدك أكثر نشاطاً يمكنه جعلك تشعر بقدر أكبر من الطاقة بدنياً».

2 - الراحة الذهنية: إذا كنت تعاني من تلاحق الأفكار داخل رأسك أو لديك مشكلة في التركيز، ربما تكون منهك ذهنياً. ويقول جو: «ربما تعيد قراءة الجملة نفسها ثلاث مرات أو لا تستطيع التركيز في اجتماع عمل عبر تطبيق (زوم). تمكّنك الراحة الذهنية من تهدئة العقل وإراحته من التفكير المستمر أو حل المشكلات أو جمع المعلومات. للحصول على ذلك دوّن المهام التي عليك فعلها قبل الذهاب إلى النوم حتى لا ينشغل بالك بها، أو مارس التأمل».

الراحة الروحانية والإبداعية

3 - الراحة الروحانية: إذا كنت تشعر بانعدام الغاية والهدف أو عدم الاتصال مع ذاتك أو الميل إلى التشاؤم والانتقاد، ربما تكون بحاجة إلى إعادة تحفيز روحانية. لا يقتصر معنى الراحة الروحانية على الانخراط في الصلاة، بل يمكنه أن يشمل التواصل مع شيء أكبر من ذاتك من خلال الطبيعة أو المجتمع مثل ممارسة الأنشطة التطوعية. ويقول: «ركّز على ما يجعلك تشعر بقدر أكبر من الرضا الداخلي أو الاتصال بالذات أو تكامل الذات».

4 - الراحة الحسّية: ربما تشعر بالاهتياج والاستثارة العصبية أو مجرد الإنهاك. وتلك هي المؤشرات الكبيرة التي تدل على المعاناة من فرط العبء الحسي. وحتى تعيد ضبط ذاتك، عليك بالابتعاد عن كل الأجهزة، وجعل الإضاءة خافتة، والاسترخاء في بيئة هادئة أو طبيعية. ويقول جو: «إذا كنا نقف في صف انتظار أمام مقهى، نميل بشكل طبيعي إلى إخراج هاتفنا وتفحص رسائل البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي. مع ذلك من الضروري أن نعي تكلفة هذا التحفيز الحسي المستمر، ونسمح لأنفسنا بالشعور بالملل بين الحين والآخر».

5 - الراحة الإبداعية: حالة العجز عن الكتابة من المؤشرات الدالة على نقص الراحة الإبداعية، لكن من بين المؤشرات الأخرى الشعور بأنك عالق أو عدم الشعور بالإلهام أياً ما كانت مهنتك. ولمعالجة هذا النقص، ينبغي عليك قضاء الوقت في الإعجاب بالفن أو بصور أخرى للجمال أو القيام بشيء جديد. يقول جو: «بصفتي باحثاً أستطيع الذهاب إلى مؤتمر علمي حيث ألتقي بأشخاص جدد وأناقش أفكاراً جديدة. يأتي الإبداع في صور كثيرة».

الراحة العاطفية والاجتماعية

6 - الراحة العاطفية: يمكننا الشعور بالاستنزاف بسبب احتياجات الآخرين خلال المواقف اليومية، مثل رعاية الأبناء الصغار أو أمور مزعجة كبيرة مثل رعاية شخص مقرّب مريض مرضاً شديداً. في كل تلك الأحوال ربما لا تشعر بقدرتك على التعبير عن مشاعرك بشكل صريح وواضح، وهو ما يمثل جوهر الراحة العاطفية. ولإعادة شحن طاقتك في هذه الحالة، حاول كتابة الخواطر أو الإفضاء بمكنون نفسك إلى صديق مقرّب موثوق به. مع ذلك حاول الشعور بالارتياح لفكرة عدم حاجتك إلى الانتظار حتى تنتهي الظروف المنهكة المسببة للتوتر لتشعر بالارتياح النفسي. ويقول جو: «لا تعدّ معالجة مصدر التحديات العاطفية أمرا ًسهلا في كل الأحيان مثل الحصول على الأشكال الأخرى التي نحتاجها من الراحة».

7 - الراحة الاجتماعية: يرتكز هذا النوع على تحقيق التوازن بين المواجهات والتفاعلات التي تستنزف طاقتك وبين التفاعلات التي تشحذ همتك وتعيد شحن طاقتك. إذا كنت تخاف من التفاعلات الاجتماعية أو تشعر بالوحدة رغم وجود الرفقة، سوف تستفيد على الأرجح من الراحة الاجتماعية. ويقول جو: «ابحث عن فرصة لعدم الموافقة على أمور من المعتاد أن توافق عليها. وابحث أيضاً عن طرق لمنح الأولوية للعلاقات الحقيقية ذات المعنى في مقابل العلاقات السطحية».

نصائح خاصة بالتأمل

- يمكن لممارسة تهدئة العقل بهدف تعزيز الهدوء والصفاء النفسي، تقوية أنواع متعددة من الراحة من بينها الراحة الذهنية والإبداعية والحسية والروحانية. نوضح لك فيما يلي كيف تبدأ:

- اختر مساحة تخلو من الأمور المشتتة. ضع وسادات أو أي شيء مريح آخر مثل شمعة في المساحة المحيطة بك.

- اجلس بشكل مستقيم، فالجلوس يوفر الطريقة المثالية للجمع بين التركيز والاسترخاء.

- ضع يديك على ركبتيك سواء كانت الراحتان لجهة الأعلى أو الأسفل، أو يمكنك وضعها على الصدر فيما يشبه وضع الصلاة. ركّز على النفس ولاحظ إيقاع الشهيق والزفير الطبيعي، ولا تحاول تغييره. فقط لاحظ.

- ثبِّت انتباهك. ربما يجنح ذهنك بعيداً، لكن ببساطة يمكنك الإقرار بوجود الفكرة والعودة إلى التركيز على التنفس أو ما تشعر به في جسدك.

- ابدأ بفترات قصيرة تتراوح بين دقيقتين إلى خمس دقائق في المرة الواحدة، واعمل على زيادة المدة تدريجياً بحسب رغبتك.

* رسالة هارفارد الصحية

ـ خدمات «تريبيون ميديا»