في تطور لافت للانسداد السياسي الذي أعقب النتائج غير المحسومة للانتخابات الإسرائيلية، بات تكليف رئيس أركان الجيش الأسبق، زعيم حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، بتشكيل الحكومة، مضموناً تقريباً، بعدما أعلن رئيس حزب اليهود الروس «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، الاثنين، أنه سيوصي الرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتسوغ، بتكليف آيزنكوت.
ولم ينَلْ حزب ليبرمان سوى 7 مقاعد من أصل 120 مقعداً جرى التنافس عليها خلال انتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، الأسبوع الماضي، لكن التحالف اليميني الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، كان يعول على استمالة ليبرمان بسبب انتقاداته القوية لآيزنكوت، وتحويل ولائه (أي ليبرمان) من المعارضة (48 مقعداً) إلى التحالف الحاكم الحالي.
ولم تثمر الانتخابات الإسرائيلية فوزاً حاسماً (60 مقعداً + واحد) لأي من المتنافسين الرئيسيين؛ نتنياهو، وآيزنكوت. وفي حصيلة ختامية لفرز الأصوات، تصدّر معسكر نتنياهو النتائج بحصوله على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لكتلة آيزنكوت (تتضمن مقاعد حزب ليبرمان)، بينما نالت الأحزاب العربية 19 مقعداً في مفاجأة وصفت بـ«التاريخية».

وجزم ليبرمان، الاثنين، أنه لن يدخل في حكومة برئاسة نتنياهو، وأنه خلال المشاورات التي ستبدأ يوم الأربعاء لدى هرتسوغ، سوف يوصي بتكليف رئيس حزب «يَشار» غادي آيزنكوت، بتشكيل الحكومة المقبلة.
وبإعلان ليبرمان عدم التحالف مع نتنياهو، يكون آيزنكوت قد ضمن 67 توصية مكونة من 48 مقعداً للمعارضة، بالإضافة إلى توصيات الأحزاب العربية وتملك 19 مقعداً. وبات شبه مؤكد أن هرتسوغ سيكلف آيزنكوت، وليس نتنياهو، بمهمة إقامة حكومة.
وتعهد آيزنكوت الذي يرفض حل الدولتين وأحزاب المعارضة، باستثناء حزب الديمقراطين (8 مقاعد)، بعدم التحالف مع الأحزاب العربية لعدم استفزاز الكتل الصهيونية من مؤيديهم.
لكن الأحزاب العربية (7 مقاعد لحزب منصور عباس، و12 للقائمة المشتركة) أكدت في إفادات منفصلة، أنها ستوصي بتكليف آيزنكوت، لكن مسألة مشاركتها في الحكومة محل انقسام داخلي؛ إذ سبق أن نفذها عباس المحسوب على الإسلام السياسي، لكن أحزاب «المشتركة» ذات التوجهات اليسارية والقومية العربية، ترفضها بشكل قاطع.
شائعات من فريق نتنياهو
وضع ليبرمان حداً للشائعات التي أطلقها مساعدو نتنياهو، وزعموا فيها أن هناك مفاوضات تجري لضمه إلى ائتلاف اليمين، وأن نتنياهو وافق على منحه منصب رئيس الحكومة لنصف الدورة الانتخابية (عمر الحكومة 4 سنوات). وقال ليبرمان خلال جلسة لكتلة حزبه، إنه لن ينضم إلى حكومة برئاسة نتنياهو، «حتى لو كان ذلك مقابل التناوب (بينهما) على رئاسة الحكومة، وحتى لو سلمني رئاسة الحكومة في السنتين الأوليين».
وقال ليبرمان إنه ملتزم بالمشاركة في الخطوات التي اتفق عليها في معسكر المعارضة لانتخاب رئيس جديد للكنيست، وإنه لا يطالب بهذا المنصب لحزبه، بل سيدعم مرشح قائمة «بِياحد» يائير لبيد لهذا المنصب، وبقية الخطوات، خصوصاً إلغاء قوانين الانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي، وبذلك وفر شيئاً من الاطمئنان للمعارضة.

ولم يتخلَّ ليبرمان عن انتقاداته لآيزنكوت، وقال إنه غير راضٍ عنه ولا عن نتائج الانتخابات التي رأى أنها تمثل «فشلاً ذريعاً» لأحزاب المعارضة الصهيونية، وقال: «حصلنا مجتمعين على 41 مقعداً (استثنى حزب الديمقراطيين اليساري الداعم لحل الدولتين)، وعلينا أن نعترف بأننا توقعنا أكثر من 48 مقعداً للمعسكر».
ثم حمل آيزنكوت شخصياً أكبر قدر من المسؤولية عن ذلك، وأشار إلى أنه «خاض حملة انتخابية أنانية، كلفتنا خسارة 7-8 مقاعد»، لكنه استدرك بأنه سيقف إلى جانب هذا المعسكر حتى يمنع «الذهاب إلى انتخابات جديدة»، كما يريد نتنياهو. وشدد على أنه «حتى لو اندلعت الحرب مع إيران فلن ننضم إلى الحكومة (حكومة نتنياهو)، لكننا بالطبع سندعمها من الخارج».
صورة الوضع حالياً
كان نفتالي بنيت، رئيس حزب «بياحد»، قد أعلن رسمياً وكذلك ممثلو الأحزاب العربية، أنهم سيوصون رئيس الدولة بأن يكلف آيزنكوت بتشكيل الحكومة، عندما يلتقونه، ابتداء من الأربعاء.
ومع ليبرمان أصبح مضموناً أن يحظى آيزنكوت بتوصية 67 نائباً (21 نائباً من حزبه، و12 من حزب بنيت - لبيد، و8 من الديمقراطيين، و19 من العرب، بالإضافة إلى 7 من حزب ليبرمان).
وأما من سيوصون بتكليف نتنياهو، فانخفض عددهم من 53 إلى 46، بعد أن قرر حزب الحريديم الأشكناز (يهودوت هتوراه ويملك 7 نواب) ألا يوصوا على أي من المرشحين.
وبحسب مصادر مقربة من قادة معسكر المعارضة؛ فإنهم يضعون على رأس الاهتمام الآن تشكيل حكومة، تضمن إحداث انقلاب في الكنيست (البرلمان) بتغيير رئيسه الحالي، أمير أوحانا المنتمي إلى «الليكود» (حزب نتنياهو) واستبدال رؤساء اللجان، لتكون مهماتها الأولى والملحة تعيين لجنة تحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وإلغاء القوانين التي سنها الكنيست ضمن الانقلاب على منظومة الحكم، التي سوف تدخل حيز التنفيذ في 1 يناير (كانون الثاني) 2027، ويجب إلغاؤها قبل هذا التاريخ.
ما الخطوة التالية في الانتخابات الإسرائيلية؟
سيكون على رئيس إسرائيل، هرتسوغ، أن يعلن اسم رئيس الحكومة المُكلف في يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما يُفترض أن تعقد أولى جلسات الكنيست في 10 الشهر الحالي. وسيحصل رئيس الوزراء المكلف على فرصة 28 يوماً لتشكيل الحكومة، قابلة للتمديد 14 يوماً، وإذا فشل آيزنكوت، يستطيع هرتسوغ تكليف نائب آخر بالمهمة، وكان نتنياهو يخطط أن يعرض الشراكة على ليبرمان.
وفي مقابل تحسن فرص آيزنكوت في تلقي تكليف تشكيل الحكومة، يظهر فريق نتنياهو هستيريا بالغة لمنع خسارته كرسي رئاسة الحكومة التي تفتح باب أخطر كوابيسه، حيث يخشى إدانته بتهم الفساد والحكم عليه بالسجن في إسرائيل، بخلاف خطر الاعتقال في معظم دول العالم بسبب مذكرة الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وبخلاف نتائج لجنة التحقيق الرسمية الإسرائيلية التي يتوقع أن تحمله مسؤولية كبيرة عن إخفاقات 7 أكتوبر.
استدعاء حرب إيران... والخطاب «النازي»
في مقابل الإصرار الذي يبديه آيزنكوت للتخلص من حكم نتنياهو، وما يحظى به من دعم واسع في ذلك من أوساط واسعة من الجمهور، ومن أجهزة الدولة العميقة، يعمل حزب نتنياهو (الليكود) على استلال «سلاح يوم القيامة»؛ ألا وهو الحرب على إيران وغيرها من الجبهات.
ويسعى نتنياهو إلى تجنيد الرئيس الأميركي ترمب، ليكون أقوى سلاح في هذا السبيل، طالباً منه عملية حربية مشتركة أو منفردة، باعتبار أن الحرب تحتاج إلى حكومة طوارئ إسرائيلية، والمفترض أن آيزنكوت، بصفته رئيساً سابقاً لأركان الجيش، ملزم بالامتثال لاحتياجات المعركة.
وفي هذه الأثناء، يواصل «الليكود» ممارسة الضغوط على آيزنكوت لتخويفه ومنعه من تشكيل حكومة مع العرب. وفي مظاهرة اليمين مساء الأحد، أمام بيت آيزنكوت، استخدم أحد المتظاهرين لغة خطاب متدنية؛ إذ قال لزوجته (زوجة آيزنكوت) - عبر الميكروفون: «زوجكِ قاتل سفاح؛ هو الذي قتل ابنكِ (يقصد ابن آيزنكوت الذي قتل في معارك غزة)، وهو الذي قتل نجلي شقيقيه (قُتلا في حرب غزة أيضاً). كيف تعيشين على سرير واحد مع قاتل ابنه، قاتل كل أبنائنا الذي يبيع الدولة للعرب الإرهابيين؟».

وقبل ذلك التحريض، كان ناشط آخر في اليمين حضر مع عشرات المتظاهرين إلى بيت آيزنكوت مساء السبت، وراح يستخدم خطاباً نازياً في الميكروفون، ووجه كلامه إلى المتظاهرين اليهود المؤيدين لآيزنكوت، ويقول لهم: «يجب أن نعيدكم إلى حظائر أوشفتز» (معسكر الإبادة النازي في بولندا، الذي تقول الرواية الإسرائيلية إنه تمت إبادة 1.5 مليون يهودي فيه إبان الحرب العالمية الثانية). وأضاف: «قبل أن تقيموا دولة فلسطينية سنسحقكم. سنقيم حكومة يمين كامل، وأتعهد لكم بأن نقيم لكم مسالخ كما في أوشفتز؛ فأنتم أكبر أعداء لنا».
وقد اعتبر حزب «يشار» هذا المستوى من التحريض الدموي عودة إلى عام 1995؛ أي الأيام التي كان فيها نتنياهو يقود المظاهرات ضد إسحق رابين، وتم فيها نشر صورته بزي ضابط نازي والجمهور يصرخ: «خائن. خائن»، وبفعل ذلك التحريض اغتال طالب يهودي يميني، رابين.



