الصين وباكستان وعُمان تتحرك لإحياء مسار التفاوض مع إيران

وقف الهجمات على دول الخليج شرط لاستئناف المحادثات… وترمب يزداد تشككاً في جدوى الدبلوماسية

عراقجي يجري محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان  الجمعة (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يجري محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان الجمعة (الخارجية الإيرانية)
TT

الصين وباكستان وعُمان تتحرك لإحياء مسار التفاوض مع إيران

عراقجي يجري محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان  الجمعة (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يجري محادثات مع نظيره الصيني وانغ يي على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان الجمعة (الخارجية الإيرانية)

قالت ثلاثة مصادر باكستانية إن إسلام آباد تستكشف مساراً لاستئناف المحادثات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب الدائرة بينهما منذ نحو خمسة أشهر، في إطار تحرك دبلوماسي بادرت إليه الصين، بينما كثفت سلطنة عُمان اتصالاتها مع طهران بشأن أمن الملاحة وتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز.

وتأتي التحركات الدبلوماسية في وقت أفادت فيه صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أصبح أكثر نفاداً للصبر إزاء استمرار الحرب، وازداد تشككه في إمكان التوصل إلى تسوية دبلوماسية دائمة، وسط ارتفاع الخسائر العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

تحرك صيني عبر باكستان

وأفادت «رويترز» عن مصادر باكستانية أن مناقشات استكشافية جرت خلال زيارة وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني إلى إسلام آباد هذا الأسبوع، وهي الثانية له خلال عشرة أيام.

وأظهرت بيانات صادرة عن الحكومة الباكستانية أن مؤمني، وهو قيادي سابق في «الحرس الثوري»، التقى هذا الأسبوع مسؤولين في الحكومة الباكستانية وقائد الجيش عاصم منير.

وشددت المصادر الثلاثة على أن العقبات التي تعترض استئناف أي محادثات مع الولايات المتحدة لا تزال كبيرة.

وتجد باكستان نفسها في موقف متزايد التعقيد بصفتها وسيطاً محتملاً في المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الهجمات الإيرانية على دول خليجية والاضطرابات التي تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.

لقطة من تسجيل نشرته القيادة المركزية الأميركية وتقول إنه يوثق ضربة دقيقة استهدفت قدرات عسكرية إيرانية الخميس (أ.ف.ب - سنتكوم)

وتعتمد إسلام آباد بصورة كبيرة على بكين، التي تعد داعماً مالياً رئيسياً لها، ولديها مصالح اقتصادية مباشرة في التوصل إلى حل دبلوماسي يتيح إعادة فتح مسارات التجارة الرئيسية في الشرق الأوسط.

وقالت المصادر الباكستانية الثلاثة إن وزير الخارجية إسحاق دار ناقش أيضاً التحرك الجديد المتعلق بالشرق الأوسط مع مسؤولين صينيين خلال زيارته إلى الصين الأسبوع الماضي. وطلبت المصادر عدم الكشف عن هوياتها لأنها غير مخولة بالتحدث علناً عن المسألة.

وقال مسؤول في الحكومة الباكستانية: «الصينيون مستاؤون لأن هجمات إيران على دول خليجية أخرى وإغلاق مضيق هرمز يضران بمصالحهم». وأضاف أن الاضطرابات في البحر الأحمر ستؤثر أيضاً في مسار تجاري رئيسي آخر تعتمد عليه بكين.

ولم يرد إسحاق دار ولا الجناح الإعلامي للجيش الباكستاني على طلبات للتعليق.

وقالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن «الصين تدعم جهود الوساطة التي تبذلها باكستان والأطراف الأخرى».

وأضافت أن بكين ستواصل «القيام بدور فاعل في استعادة السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن».

هرمز في صلب المساعي

تُعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران والمشتري الرئيسي لصادراتها من النفط الخام، رغم العقوبات الدولية المفروضة على طهران، مستفيدة من الخصومات الكبيرة على أسعار النفط الإيراني.

وعززت بكين أيضاً، خلال السنوات الماضية، دعمها لأمن إيران من خلال تزويدها بمكونات ذات استخدام مزدوج، ومعدات لصناعة الرقائق الإلكترونية، وأنظمة ملاحة تعمل بالأقمار الاصطناعية، رغم أنها لم تقدم مساعدات عسكرية علنية لطهران منذ اندلاع الحرب.

ودأبت الصين على دعم جهود الوساطة الباكستانية، وكانت قد أوفدت في مارس (آذار) مبعوثها الخاص لقيادة جولة من الدبلوماسية المكوكية في الشرق الأوسط.

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد وقعتا في يونيو (حزيران) مذكرة تفاهم للمضي نحو إنهاء الحرب، بعد وساطة من باكستان وقطر. وكان الهدف منها إتاحة مهلة مدتها 60 يوماً لإجراء مفاوضات بشأن اتفاق دائم.

لكن المحادثات غير المباشرة لم تحقق أي تقدم، وتبادل الطرفان الاتهامات بارتكاب انتهاكات، قبل أن تتجدد المواجهات.

وأدى التصعيد الإيراني ضد دول الخليج، إلى جانب استمرار القيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى زيادة المخاطر والعقبات أمام أحدث الجهود الدبلوماسية الباكستانية.

وقال مسؤول باكستاني إن وقف الهجمات على دول الخليج أصبح الآن «شرطاً مسبقاً لاستئناف أي محادثات». وأضاف أن باكستان نقلت هذه الرسالة إلى إيران.

والتقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم، نظيره الباكستاني إسحاق دار، على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، في ظل المساعي الباكستانية لاستئناف الوساطة. ولم علن تفاصيل بشأن مضمون اللقاء.

عراقجي يلتقي نظيره الباكستاني إسحاق دار على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان (الخارجية الإيرانية)

تحرك عماني لتنظيم الملاحة

وفي موازاة ذلك، كثفت سلطنة عُمان اتصالاتها مع طهران بشأن مضيق هرمز. وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إيرنا» بأن وفداً دبلوماسياً عُمانياً وصل إلى طهران لإجراء محادثات تهدف إلى «وضع آليات مناسبة لتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز»، في إطار المشاورات المستمرة بين البلدين.

وفي وقت لاحق الجمعة، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره العُماني بدر البوسعيدي، تناول، وفق التلفزيون الرسمي الإيراني، آخر التطورات الإقليمية وأمن الملاحة وحركة السفن التجارية في مضيق هرمز والخليج العربي.

وشملت المحادثات أيضاً سبل التعاون الإقليمي لمنع مزيد من التصعيد والحفاظ على أمن الملاحة وإرساء السلام والاستقرار في المنطقة، في أعقاب تبادل الضربات بين القوات الأميركية والإيرانية.

وقال عراقجي إن المشكلة بين طهران وواشنطن «ليست في غياب الوسيط، وإنما في النهج الأميركي»، مضيفاً أن إيران لن تستجيب «للغة القوة والضغط والتهديد».

وأضاف أن بلاده «لا تخشى التهديدات ولن ترضخ للضغوط»، وأن حماية الشعب الإيراني ومصالح إيران في مضيق هرمز تمثل «أحد المبادئ الأساسية» لسياستها.

وقال عراقجي إن طهران ستواصل تحركاتها إلى حين تحقيق ما وصفه بـ«المطالب المشروعة للشعب الإيراني». ونقل التلفزيون الإيراني عنه قوله إن إيران لن توافق على وقف إطلاق النار قبل تلبية مطالبها المتعلقة بمضيق هرمز.

ترمب يفقد صبره

في واشنطن، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن ترمب بات أكثر نفاداً للصبر إزاء الحرب مع إيران، مع دخولها شهرها الخامس من دون نهاية واضحة، وسط تصاعد الخسائر العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في الإدارة أن ترمب أصبح أكثر تشككاً في جدوى المسار الدبلوماسي، ويرى أن طهران «لا تفهم سوى القوة العسكرية»، مضيفاً أن الرئيس دخل ما وصفه بـ«وضع الانتقام» ضد إيران، ولا يرى خيارات جيدة سوى مواصلة الضربات.

وقال شخص سمع ترمب خلال اجتماع أخير في المكتب البيضاوي إنه شن هجوماً حاداً على القادة الإيرانيين، ووصفهم بأوصاف نابية.

وبحسب مسؤولين وأشخاص مقربين من الرئيس، يشعر ترمب بالإحباط لأن حرباً اعتقد أنها ستنتهي خلال أسابيع امتدت لأشهر، رغم إعلان وقف لإطلاق النار في أبريل (نيسان)، وتوقيع مذكرة تفاهم مع طهران في يونيو لإعادة فتح مضيق هرمز. وانتهت فترات الهدوء القصيرة سريعاً، قبل أن تتجدد المواجهات.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة وقّعت مذكرة تفاهم مع إيران، لكن طهران خرقتها وهاجمت سفناً تجارية وقتلت جنوداً أميركيين، مضيفة أن إيران «ستواصل دفع الثمن» إلى أن تعود إلى المفاوضات بالشروط التي يراها ترمب جدية.

وأشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تعزز قواتها وأطقمها الطبية ومخزونها العسكري في الشرق الأوسط لتوفير خيارات أوسع للرئيس، مع تحذيرات داخل الإدارة من أن حملة طويلة قد تستنزف الذخائر والدعم الشعبي.

ويشعر بعض مستشاري ترمب بأن الحرب باتت تستهلك رئاسته، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع شعبيته ومقتل أكثر من 12 عسكرياً أميركياً، بما يضر فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير أن ترمب أبدى أيضاً ضيقاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأبلغ مساعديه أحياناً أنه لا يرغب في التحدث إليه، رغم موافقته على لقائه في واشنطن الأسبوع المقبل.

وفي المقابل، لا يزال جاريد كوشنر، صهر ترمب وأحد أبرز مفاوضيه، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يعتقدان بإمكان التوصل إلى اتفاق مع إيران، بينما يشكك مستشارون آخرون في فرص التسوية.

وقال النائب الجمهوري مايكل ماكول، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إن ترمب يعتقد أنه «منح السلام فرصة»، ويرجح عودته إلى «الخطة أ»، أي مواصلة العملية العسكرية.


مقالات ذات صلة

إيران تدفع ترمب نحو خيارات أشد خطورة

تحليل إخباري جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط في خليج عُمان خلال عملية تفتيش ضمن الحصار البحري على إيران (أ.ف.ب)

إيران تدفع ترمب نحو خيارات أشد خطورة

لم تعد المعضلة التي تواجهها واشنطن تتعلق بقدرتها على إلحاق مزيد من الدمار بإيران، بل بما إذا كان هذا الدمار قادراً على تغيير سلوك النظام.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يحذّر روسيا والصين من بيع إيران أسلحة

حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، كلاً من الصين وروسيا من بيع إيران أسلحة.

شؤون إقليمية القاذفة الأميركية الاستراتيجية «ب - 1» في قاعدة عسكرية بريطانية (رويترز)

بريطانيا تؤكد جاهزية قواتها المسلحة بعد تهديدات إيرانية

أكدت الحكومة البريطانية جاهزية قواتها المسلحة للتصدي لأي هجوم يستهدف المملكة المتحدة، وذلك بعد تهديدات أطلقها «الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في طهران يوم 23 يوليو 2026 (الرئاسة الإيرانية)

تأكيد عراقي على «عدم نقل رسائل أميركية» إلى طهران

شدَّد العراق، عبر قنواته الرسمية، على أنَّ رئيس الحكومة علي الزيدي لم يحمل «أي رسالة» أميركية إلى طهران تعرض وقف إطلاق النار بشكل مؤقت.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي تصاعد الدخان بعد سماع دوي انفجارات وتفعيل الدفاعات الجوية بالقرب من مطار أربيل... العراق 24 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

انفجارات وتصاعد دخان قرب مطار أربيل الدولي في كردستان العراق

أعلنت قوات مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان العراق، الجمعة، أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أسقط خمس طائرات مسيّرة مفخخة فوق أربيل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)