روبيو: واشنطن مستعدة للتفاوض وطهران غير جادة

اتصالات مستمرة عبر الوسطاء… وباكستان تحاول إنقاذ اتفاق وقف النار

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اجتماع مع نظرائه من دول رابطة جنوب شرقي آسيا «آسيان» في مانيلا (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اجتماع مع نظرائه من دول رابطة جنوب شرقي آسيا «آسيان» في مانيلا (رويترز)
TT

روبيو: واشنطن مستعدة للتفاوض وطهران غير جادة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اجتماع مع نظرائه من دول رابطة جنوب شرقي آسيا «آسيان» في مانيلا (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال اجتماع مع نظرائه من دول رابطة جنوب شرقي آسيا «آسيان» في مانيلا (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، إن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة للتفاوض من أجل إنهاء الأزمة مع إيران، لكنه اتهم طهران بعدم التعامل بجدية مع المحادثات، في وقت تكثفت المساعي الباكستانية لإحياء وقف إطلاق النار الذي انهار مع تجدد القتال.

وقال روبيو، خلال الاجتماع السنوي لوزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في مانيلا، إن واشنطن «ملتزمة دائماً بالدبلوماسية»، مضيفاً أن المشكلة تكمن في أن الإيرانيين «لا يأخذون المحادثات على محمل الجد».

وأضاف: «إذا كانوا جادين، فسنكون جادين. وإذا لم يكونوا كذلك، فسنفعل ما هو ضروري لحماية مصالحنا، ومصالح حلفائنا».

وقال روبيو إن طهران تواصلت مع واشنطن «مباشرة، وبصورة غير مباشرة» للدخول في محادثات بشأن تسوية الخلافات، لكنه لم يعلن عن موعد لاستئناف المفاوضات، أو يكشف عن استعداد واشنطن للدخول فوراً في جولة جديدة.

وجدد روبيو اتهام طهران بالتراجع عن التزاماتها بموجب الاتفاق السابق، في إشارة إلى التفاهم الذي توصل إليه الجانبان قبل أن تتجدد العمليات العسكرية، وتتسع الخلافات بشأن أمن الملاحة، وترتيبات العبور في مضيق هرمز.

وجاءت تصريحاته غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة «لا مصلحة لديها في الاجتماع» في الظروف الحالية، وهو ما أضعف الآمال في تحقيق تقدم سريع نحو هدنة جديدة، رغم استمرار قنوات الاتصال عبر الوسطاء.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد قال الاثنين إن الاتصالات الدبلوماسية مع واشنطن عبر الوسطاء لا تزال مستمرة، من دون الإعلان عن تحقيق اختراق، أو تحديد موعد لمحادثات مباشرة.

وفي مسار موازٍ، نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير قوله إن طهران تلقت عبر الوسطاء اقتراحاً لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، في محاولة لإعادة تثبيت التهدئة، ووقف التصعيد العسكري.

ولم تعلن الولايات المتحدة أو إيران قبول المقترح، كما لم تتضح الشروط المرتبطة به، أو ما إذا كان يشمل وقف العمليات في مضيق هرمز، والهجمات على المواقع التي تضم قوات أميركية في المنطقة.

وساطة باكستانية

وتزامنت الاتصالات مع زيارة وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني إلى باكستان، التي لعبت دوراً في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، وأسهمت، وفق إسلام آباد، في التوصل إلى مذكرة التفاهم السابقة.

ودعا رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الأطراف إلى ضبط النفس، والامتناع عن أي خطوات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة، مؤكداً خلال استقباله مؤمني أن بلاده ستواصل مساعيها بين الجانبين.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال لقائه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني في مقر رئاسة الوزراء بإسلام آباد يوم الثلاثاء (رئاسة الوزراء الباكستانية)

وقال مكتب شريف، في بيان، إن رئيس الوزراء أبلغ الوزير الإيراني بأن باكستان ستواصل الجهود التي أسهمت في التوصل إلى التفاهم السابق. ولم يكشف البيان عن اتصالات جديدة مع الإدارة الأميركية، أو عن رد واشنطن وطهران على مقترح الهدنة المؤقتة.

وتواجه الجهود الباكستانية عقبات متزايدة منذ تعثر الاتفاق السابق، واستئناف العمليات العسكرية. فقد تصاعد الخلاف حول حركة السفن في مضيق هرمز، وشروط وقف الضربات، والضمانات التي يطلبها كل طرف قبل العودة إلى المفاوضات.

وتتهم واشنطن طهران بالتراجع عن التزاماتها المتعلقة بأمن الملاحة، ووقف الهجمات، فيما تتهم إيران الولايات المتحدة بتوسيع نطاق الحرب، والعودة إلى العمليات العسكرية قبل استنفاد الاتصالات السياسية.

ووضع روبيو ملف مضيق هرمز في صلب الخلاف، محذراً من أن مطالبة إيران بالسيطرة على الممر وفرض رسوم على السفن يمكن أن يهددا الاقتصاد العالمي، ويؤسسا لسابقة قد تتكرر في مناطق أخرى.

وقال إن السماح لدولة بالسيطرة على ممر مائي دولي وفرض رسوم على العابرين وتهديد السفن التي ترفض الدفع، كل ذلك سيشكل «سابقة خطيرة» يمكن أن تمتد إلى أجزاء أخرى من العالم، بما فيها آسيا.

وجاء تحذيره أمام وزراء خارجية دول جنوب شرقي آسيا، التي أبدت قلقاً متزايداً من تداعيات الحرب على إمدادات الطاقة، والأسواق الإقليمية، في ظل اعتماد العديد من اقتصادات المنطقة على النفط والغاز القادمين من الشرق الأوسط.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الأسواق الآسيوية خلال عام 2025 على نحو 80 في المائة من النفط الخام، ونحو 90 في المائة من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر مضيق هرمز، مما يجعل دول المنطقة من الأكثر تأثراً بأي اضطراب طويل في حركة الملاحة.

دعوات دولية لوقف الحرب

وصدرت من اجتماعات مانيلا دعوات دولية إلى وقف القتال، واستئناف المسار السياسي. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو تريد تسوية سريعة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن روسيا ليست من الأطراف التي تسعى إلى دفع الجانبين لمواصلة النزاع.

وأضاف أن استمرار الحرب يضر بالاقتصاد العالمي، وأن موسكو معنية باستقرار أسعار الطاقة بما يسمح بتنفيذ سياسات اقتصادية طويلة المدى.

كما دعت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ إلى إنهاء الحرب، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، واستئناف المفاوضات، وإعادة فتح مضيق هرمز.

وحذرت وونغ من أن الوضع قد يتدهور «من دون إنذار يذكر»، مشيرة إلى أن تداعيات اضطراب أسواق الطاقة أصبحت مباشرة وملموسة بالنسبة إلى السكان في دول المنطقة.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال المؤتمر الوزاري لرابطة دول جنوب شرقي آسيا (أ.ب)

تتواصل المساعي الدبلوماسية بينما تدخل الضربات الأميركية داخل إيران ليلتها الحادية عشرة، وتشن طهران هجمات على مواقع في دول تضم قوات أميركية، الأمر الذي يزيد صعوبة تثبيت وقف مؤقت للنار.

كما هدد ترمب باستهداف منشأة «جبل الفأس» النووية قرب نطنز، في حين حذرت إيران من أن مهاجمة الموقع ستؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، واستهداف المصالح الأميركية، وحلفائها.

ويضع استمرار الضربات الوسطاء أمام مهمة معقدة، إذ يتعين عليهم التوفيق بين مطلب وقف العمليات العسكرية، والخلاف بشأن مضيق هرمز، والاتهامات المتبادلة بانتهاك التفاهم السابق.

ولا يزال اقتراح الهدنة لمدة عشرة أيام من دون قبول معلن من الطرفين. كما لم يتضح ما إذا كان المقترح يتضمن ترتيبات مفصلة للملاحة في المضيق، أو آلية لمراقبة وقف الهجمات.


مقالات ذات صلة

عوائد السندات الألمانية تتجه لتسجيل رابع ارتفاع أسبوعي على التوالي

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد السندات الألمانية تتجه لتسجيل رابع ارتفاع أسبوعي على التوالي

تتجه عوائد السندات الألمانية نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي رابع على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب منذ منتصف يوليو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صفائح من النحاس المكرر في مصنع داخل منجم (رويترز)

النحاس يرتفع ويتجه لتسجيل مكاسب أسبوعية مدعوماً بتراجع الدولار

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف يوم الجمعة، متجهة لإنهاء الأسبوع على مكاسب، مدعومة بالتراجع الحاد للدولار الأميركي خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد صائغ يعرض مجوهرات ذهبية في معرض بكابول - أفغانستان (إ.ب.أ)

الذهب يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة ترقباً لبيانات الوظائف الأميركية

استقرت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهة نحو تحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة، في وقت تتجه فيه أنظار الأسواق إلى بيانات الوظائف الأميركية المرتقبة بشدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا أرشيفية لسفن تعبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

كوريا الجنوبية تدرس «خيارات عسكرية» لدعم الملاحة في مضيق هرمز

قال مسؤول ​في البيت الأزرق الرئاسي، اليوم، إن كوريا الجنوبية تدرس ‌الخيارات ‌العملية، بما ​في ‌ذلك ⁠الإجراءات ​العسكرية، لدعم ⁠حرية الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سيول)
شؤون إقليمية فانس يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض الخميس (أ.ب)

فانس: تدفق النفط عبر «هرمز» عاد تقريباً إلى مستويات ما قبل الحرب

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الخميس، إن تدفق النفط عبر مضيق هرمز عاد «تقريباً» إلى مستوياته السابقة للحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كاتس: سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر تعزز «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان

دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كاتس: سيطرة إسرائيل على مرتفعات علي الطاهر تعزز «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان

دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد بينما تقوم القوات الإسرائيلية بهدم منازل في قرية المنصوري - جنوب لبنان 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)

عدّ وزير الدفاع الإسرائيلي، اليوم (الجمعة)، أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر يعزز «المنطقة الأمنية» للدولة العبرية في جنوب لبنان، مؤكداً أن القوات لن تنسحب من هذا الموقع الاستراتيجي لجماعة «حزب الله».

وقال يسرائيل كاتس، في بيان، إن «السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثل إتمام مرحلة ضمان السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

وأعلن الجيش الإسرائيلي، مساء أمس (الخميس)، عمله على استكمال تطهير بنى تحتية تحت الأرض تابعة لـ«حزب الله» في منطقة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان، مشيراً إلى أن قواته تواصل العمل على تحييد هذه المنشآت. وقال الجيش إن قوات الفرقة 36 عملت خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة ضمن ما وصفه بـ«المنطقة الأمنية»، وحققت «سيطرة عملياتية» على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها.

وأضاف أن القوات طهّرت المنطقة من عناصر «حزب الله»، إذ قُتل بعضهم، فيما فرّ آخرون من المنطقة.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، لا تزال العمليات الرامية إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض، بعد تطهيرها من عناصر «حزب الله»، مستمرة، على أن يعيد الجيش انتشاره دفاعياً بعد انتهاء النشاط، وفقاً لتقييم الوضع.


ترمب يُبقي خياراته تجاه طهران مفتوحة

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
TT

ترمب يُبقي خياراته تجاه طهران مفتوحة

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)

أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات التصعيد مع طهران مفتوحة، مؤكداً أن القوات الأميركية مستعدة لشن ضربات جديدة على إيران «في أي وقت نريده»، فيما ساد هدوء حذر أمس بعد أعنف جولة من الضربات منذ أسابيع.

ورفعت طهران حصيلة العسكريين الذين قُتلوا الأسبوع الحالي إلى 13 على الأقل، بينهم ستة من الجيش النظامي، ثلاثة منهم طيارون، وأربعة من الوحدة الصاروخية لـ«الحرس الثوري»، وثلاثة من «الباسيج».

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن العسكريين الستة قتلوا في جنوب إيران خلال ضربات الثلاثاء، بينما سقط عناصر «الباسيج» في جزيرة لاوان. وأعلن «الحرس» مقتل أربعة من عناصره في غرب البلاد.

وقالت واشنطن إن الضربات استهدفت منشآت عسكرية وقدرات صاروخية وبحرية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» قرب مضيق هرمز.

وشيع مئات الإيرانيين، أمس (الخميس)، أربعة أشخاص قالت السلطات إنهم قُتلوا في ضربة أصابت موقع حفل زفاف في كوهستك، بينهم طفل في الرابعة. وجدّد قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، التهديد بالثأر، قائلاً إن دماء قتلى كوهستك «لن تذهب هدراً».

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن «البنتاغون» مدّد انتشار بعض القوات إلى 2027، مع إبقاء نحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية في المنطقة.


التمدد الإسرائيلي في أفريقيا... حضور متصاعد ومخاوف إقليمية

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
TT

التمدد الإسرائيلي في أفريقيا... حضور متصاعد ومخاوف إقليمية

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)
رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)

أعادت زيارة رئيس الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، للقدس المحتلة الأنظار لمحاولات إسرائيل ترسيخ وجودها في أفريقيا، وسط مخاوف إقليمية من توسيع النفوذ والحضور الإسرائيلي.

وغادر تشيسكيدي إسرائيل، الأربعاء، في ختام زيارة عمل استمرت ثلاثة أيام، أجرى خلالها مباحثات في القدس مع الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ثاني زيارة خلال نحو خمسة أعوام بعد زيارة سابقة في 2021.

ويشير خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى محاولات من جانب تل أبيب لتوسيع مصالحها وامتلاك أوراق ضغط لتعظيم نفوذها، وتتحرك في مسار التقارب مع دول مثل الكونغو الديمقراطية وكيانات مثل الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»؛ سعياً لتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية.

وعبَّر أكثر من دولة عربية وإسلامية، منها مصر وتركيا والصومال، عن رفضها للوجود الإسرائيلي في «أرض الصومال»، محذرة من تهديد الاستقرار في المنطقة.

رئيس الكونغو الديمقراطية خلال لقاء مع نظيره الإسرائيلي في القدس المحتلة (رئاسة الكونغو على منصة إكس)

وخلال الزيارة، تركزت مباحثات تشيسكيدي مع نتنياهو على قضايا الأمن والدفاع، إلى جانب مجالات الزراعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة، بحسب بيان للرئاسة الكونغولية عبر حسابها بمنصة «إكس».

وجدد الرئيس الكونغولي التزام بلاده بأمن إسرائيل، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي ومواصلة الحوار باعتباره وسيلة لمعالجة الأزمات الإقليمية، بحسب ما نقلته إذاعة «فرنسا الدولية».

وتتقارب الكونغو وإسرائيل بشكل متصاعد، وقد زار هرتسوغ الكونغو الديمقراطية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025.

علاقات ومصالح

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري، أن الزيارة تُعبِّر عن تطور في العلاقات، لتحقيق كل من الطرفين مصالح عدة؛ فالكونغو تسعى لنيل دعم أمني وعسكري لمواجهة أزماتها الداخلية مع المتمردين، وفي المقابل تنتهج إسرائيل سياسة خارجية تهدف لتوسيع نفوذها في القارة الأفريقية عموماً، ودول حوض النيل خصوصاً، للتغطية على الضغوط الدولية الناتجة عن انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإثبات قدرتها على تنويع شراكاتها الخارجية.

وأضاف في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن الكونغو الديمقراطية تشكل مصدراً مهماً لإسرائيل للحصول على الموارد الطبيعية والمعادن النفيسة غير المستغلة كالنحاس والألمنيوم والليثيوم والكوبرت، وهي معادن تُستخدم في صناعات استراتيجية كالبطاريات والطائرات المسيرة مما يحقق لإسرائيل مكاسب اقتصادية بارزة أيضاً.

أما المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، فعبَّر لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن الزيارة تعكس الانتقال نحو شراكة أوسع تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، في ظل التحديات التي تواجهها الكونغو الديمقراطية في شرق البلاد، والحاجة إلى تطوير قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الإسرائيلية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والتدريب والدفاع.

حضور يتصاعد

وتسعى إسرائيل لتوطيد حضورها في أفريقيا. وفي نهاية العام الماضي، اعترفت بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، وسط رفض مصري وصومالي وعربي وتركي لهذا المسار.

وتجمع إسرائيل علاقات مع دول أفريقية مثل إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، وأعادت افتتاح سفارتها في العاصمة الزامبية لوساكا في أغسطس (آب) 2025. كما أنها ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وتجارية مع دول مثل تشاد، ونيجيريا، والكاميرون.

وتحافظ إسرائيل كذلك على علاقات تعاون عسكري مع رواندا؛ إذ التقى سفيرها في كيغالي خلال مارس (آذار) الماضي مع وزير الدفاع ورئيس أركان جيش رواندا؛ لبحث سبل تعزيز التعاون بين الجانبين.

ويرى البحيري أن التمدد الإسرائيلي في أفريقيا وحوض النيل، والذي سبقه تثبيت موطئ قدم في القرن الأفريقي والبحر الأحمر عبر الاعتراف بإقليم «أرض الصومال» بالقرب من باب المندب وممرات الملاحة الدولية، «ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الأمن القومي المصري، نظراً لوجود إسرائيل القوي في منطقة تُعد عمقاً استراتيجياً لمصر، مما يفتح المجال أمام تل أبيب لاستخدام علاقاتها مع دول الحوض كورقة ضغط لتسوية بعض الملفات العالقة بين الطرفين».

رئيس إسرائيل يستقبل رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي خلال زيارة رسمية (رئيس الإقليم عبر منصة إكس)

ويقول عيسى: «يميل تنامي الحضور الإسرائيلي في أفريقيا إلى أن يكون استراتيجية ذات ملامح مشتركة تُنفَّذ بصورة انتقائية وفق خصوصية كل ساحة، أكثر من كونه سلسلة تحركات منفصلة»، لافتاً إلى أن البعد الأمني أصبح عنصراً مركزياً في توسيع العلاقات الإسرائيلية مع الدول الأفريقية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والدبلوماسية.

«شبكة شراكات»

وتكشف حالة «أرض الصومال»، بحسب عيسى، «البُعد الجيوسياسي» للسياسة الإسرائيلية؛ فموقع هذه البقعة على خليج عدن وقربها من باب المندب يمنحانها أهمية مباشرة بالنسبة لأمن الملاحة والبحر الأحمر، خصوصاً مع تنامي تهديد الحوثيين.

وأصبحت إسرائيل أول حكومة تعترف رسمياً بـ«أرض الصومال»، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية إلى إعادة التموضع الإسرائيلي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً.

أما الكونغو الديمقراطية، فتبرز فيها مصالح مختلفة نسبياً؛ إذ يرتبط التقارب بدرجة أكبر بالحاجة إلى التعاون الأمني والتكنولوجي، إلى جانب فرص الاستثمار والاستفادة من الموارد المعدنية الضخمة.

وهذا يوضح أن إسرائيل لا تستخدم أداة واحدة في أفريقيا، بل مزيجاً من الأمن والتكنولوجيا والاستثمار والدبلوماسية بحسب طبيعة الدولة وموقعها واحتياجاتها، وفق عيسى. ومن ثم يمكن النظر إلى السياسة الإسرائيلية في أفريقيا بوصفها استراتيجية مرنة وليست خطة موحدة التفاصيل.

ويقول عيسى: «الهدف العام يتمثل في بناء شبكة واسعة من الشراكات، تخدم المصالح الإسرائيلية في الأمن والملاحة والتجارة، ومواجهة النفوذ الإيراني وكسب الدعم السياسي، بينما تختلف الأدوات من بلد إلى آخر».

ويمكن أن يؤدي التمدد الإسرائيلي المتصاعد في أفريقيا إلى إعادة تشكيل بعض التوازنات الإقليمية، خصوصاً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، عبر انتقال الحضور الإسرائيلي من علاقات دبلوماسية واقتصادية متفرقة إلى حضور يرتبط أكثر بالأمن والموانئ والممرات البحرية والتكنولوجيا.

ويرى عيسى أن وجود شريك إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واستخباراتية جديدة، ويزيد التنافس بين القوى الموجودة أصلاً في المنطقة.