خطاب الداخل الإيراني يتصاعد بعد اشتباك «هرمز»

مستشار خامنئي يشبّه المضيق بـ«قنبلة ذرية»... ونواب يهاجمون التفاوض… وتهديدات للإمارات

تمثال يجسّد الشخصية الأسطورية الفارسية آرش الرامي قرب لوحة في ساحة ونك بطهران تُظهر مضيق هرمز مع عبارة بالفارسية «إلى الأبد في يد إيران» (أ.ف.ب)
تمثال يجسّد الشخصية الأسطورية الفارسية آرش الرامي قرب لوحة في ساحة ونك بطهران تُظهر مضيق هرمز مع عبارة بالفارسية «إلى الأبد في يد إيران» (أ.ف.ب)
TT

خطاب الداخل الإيراني يتصاعد بعد اشتباك «هرمز»

تمثال يجسّد الشخصية الأسطورية الفارسية آرش الرامي قرب لوحة في ساحة ونك بطهران تُظهر مضيق هرمز مع عبارة بالفارسية «إلى الأبد في يد إيران» (أ.ف.ب)
تمثال يجسّد الشخصية الأسطورية الفارسية آرش الرامي قرب لوحة في ساحة ونك بطهران تُظهر مضيق هرمز مع عبارة بالفارسية «إلى الأبد في يد إيران» (أ.ف.ب)

اتسع الخطاب السياسي المتشدد داخل إيران بعد تبادل إطلاق النار الجديد قرب مضيق هرمز، وانتقل السجال من مواجهة واشنطن إلى ملاحقة خصوم التفاوض في الداخل، بالتوازي مع تصعيد ضد الإمارات، وإقرار مسؤولين وبرلمانيين بتزايد الضغوط الاقتصادية تحت وطأة الحصار والحرب.

وقال محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، الجمعة، أن السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي تضاهي امتلاك «قنبلة ذرية»، متعهداً بألا تفرط طهران بهذا الموقع.

ونقلت وكالة «مهر» الحكومية، عن مخبر قوله إن إيران «أهملت» طويلاً موقعها عند المضيق، الذي يعد ممراً حيوياً لشحنات النفط والغاز، وأغلقته طهران عقب اندلاع الحرب، مما أدى إلى اضطرابات في الأسواق وتوقف حركة الملاحة فيه.

وأضاف أن مضيق هرمز «فرصة ثمينة تضاهي القنبلة الذرية»، مشيراً إلى أن الموقع الجغرافي لإيران يتيح لها «بقرار واحد» التأثير في اقتصاد العالم بأكمله.

وتعهد مخبر بعدم التفريط بما وصفه بـ«مكاسب هذه الحرب»، مؤكداً أن إيران ستعمل على «تغيير النظام القانوني» للمضيق عبر القانون الدولي إذا أمكن، وبشكل أحادي إذا تعذر ذلك، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، النائب المحافظ المتشدد، علي خضريان، إن الإمارات «لم تعد جارة لإيران، بل باتت قاعدة معادية»، متهماً أبوظبي بتقديم تعاون عسكري واستخباراتي خلال الحرب ضد إيران.

وادّعى خضريان أن هناك «شبهة جدية» بأن طائرات إماراتية هاجمت الأراضي الإيرانية مباشرة بعد إزالة أعلامها، وفق تعبيره. وقال إن «المعادلة الأمنية التي تطبقها طهران تجاه إقليم كردستان العراق باتت تشمل الإمارات أيضاً».

وقال النائب الإيراني إن على أبوظبي أن تتوقع في أي لحظة استهداف «القواعد المعادية على أراضيها، كما تستهدف إيران مواقع خصومها في أربيل».

وجاءت مزاعم خضريان في وقت تتهم فيه وسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري» الإمارات بالضلوع في ضربات على قشم ومحيط هرمز.

في الاتجاه نفسه، قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان، النائب المحافظ إبراهيم رضائي، إن الولايات المتحدة «ببضع فرقاطات ومدمرات» ليست قادرة على عبور مضيق هرمز.

وخاطب رضائي المسؤولين الأميركيين قائلاً: «حتى بكل قواتكم البحرية، لن تكون لديكم القدرة على عبور مضيق هرمز. أنتم تأتون فقط مثل طفل مدلل، تتلقون الضرب، ثم تعودون». كما هاجم الرئيس دونالد ترمب ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث.

إيرانيتان تمران أمام ملصق للمرشد الحالي مجتبى خامنئي ووالده المرشد السابق علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

وفي خط موازٍ، قال النائب المتشدد محمود نبويان إن «بعض المسؤولين والسياسيين الخائفين وغير المنسجمين مع الشعب الإيراني المقاوم» يسعون، عبر ما وصفه بـ«اختلاق إحصاءات خاطئة»، إلى دفع إيران نحو الاستسلام ومساعدة الولايات المتحدة على الخروج من «مستنقع الهزيمة»، وفق تعبيره.

ودعا نبويان السلطة القضائية إلى التعامل «بشدة» مع هؤلاء الأشخاص، مهدداً بكشف أسمائهم إذا لم «يصححوا» مواقفهم. ويأتي تصريحه ضمن موجة ضغط على الأصوات التي تطرح تقديرات اقتصادية أو سياسية تقلّل من قدرة إيران على مواصلة المواجهة.

وكان نبويان انتقد في وقت سابق تشكيلة الفريق المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف، قائلاً إنه «لا أمل» في التوصل إلى اتفاق مناسب لإيران في ظل وجود شخصيات مرتبطة بالاتفاق النووي لعام 2015 داخل الوفد. ودعا إلى استبعاد من وصفهم بـ«أصحاب (برجام) الخاسر».

وتزامن ذلك مع تصريحات لأبو القاسم جراره، الأمين العام لـ«جبهة شريان»، النائب السابق في البرلمان، قال فيها إن رسالة طهران إلى «الأعداء، ومرافقي الأعداء، والدول الأخرى» هي أن مضيق هرمز لن يُفتح كما كان في السابق.

وأضاف جراره أن إدارة مضيق هرمز هي مطلب المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وأن رسالته تقول إن هذا المضيق الاستراتيجي سيُدار بـ«إدارة وطريقة جديدتَين». وطالب المؤسسات الأمنية باعتقال من وصفهم بـ«الانقلابيين» الذين يصرون على التفاوض مع أميركا و«الأعداء» الآخرين، وتقديمهم إلى الشعب.

لكن الخطاب المتشدد لا يخفي القلق الاقتصادي. فقد قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، فداحسين مالكي، إن مستوى هشاشة إيران في الحرب الاقتصادية مرتفع، في إشارة إلى الحصار البحري المفروض على موانئ جنوب البلاد.

وقال مالكي: «نظراً إلى أن هذه الحرب الاقتصادية تفرض ضغطاً ثقيلاً على الناس، سواء عبر مضيق هرمز أو داخل البلاد من خلال الغلاء والتضخم، فإن مستوى الهشاشة في هذا المجال مرتفع، ويجب أن نكون حذرين جداً».

وأضاف أن «الأعداء دخلوا الحرب الاقتصادية» بعدما رأوا أنهم لا يستطيعون توجيه ضربة في الحرب العسكرية. وتابع أن حصار مضيق هرمز والحصار الاقتصادي «ليسا الحيلة الأخيرة للأميركيين»، مؤكداً أن بلاده لا تثق بالتفاوض ولا تقبل بوقف إطلاق النار.

إيرانية تمر من ساحة ونك شمال طهران من أمام لوحة دعائية معلقة على مبنى تُصور مضيق هرمز مع تعليق باللغة الفارسية يقول: «في يد إيران إلى الأبد» (أ.ف.ب)

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد أقر، الخميس، خلال اجتماعه مع ممثلين من رجال الأعمال والتجار، بأن البلاد تواجه صعوبات داخلية في ظل الحرب والضغوط الاقتصادية، داعياً إلى ضبط الاستهلاك وضمان استمرار الكهرباء والغاز للقطاع الإنتاجي.

وقال بزشكيان إن إيران «في حالة حرب» وتعرضت لهجمات شديدة، ولذلك «من الطبيعي» أن تواجه صعوبات. كما أقر بأن لدى النظام «أوجه قصور» في ظل الضغوط الناجمة عن الحرب، داعياً قادة الأعمال إلى مساعدة الحكومة في إدارة المرحلة.

وكشف بزشكيان عن أنه التقى المرشد الجديد مجتبى خامنئي في اجتماع استمر نحو ساعتين ونصف الساعة، من دون أن يحدد موعده. ووصف اللقاء بأنه جرى في أجواء «صريحة وصميمية» اتسمت بالثقة والهدوء والحوار المباشر.

وتكتسب رواية بزشكيان أهمية، لأنها أول إشارة علنية من رئيس الجمهورية إلى لقاء مباشر مع مجتبى خامنئي منذ توليه موقع القيادة خلفاً لوالده.

ولم تُنشر حتى الآن صور أو تسجيلات حديثة للمرشد الجديد منذ بدء الحرب، فيما اكتفت وسائل الإعلام الإيرانية بنشر رسائل مكتوبة منسوبة إليه.

وفي هذا الإطار، هدّد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، الجمعة، بملاحقة «الجواسيس والخونة ومثيري الانقسام». وقال إن القضاء سيحاكم «العناصر الخائنة للوطن» وفق القانون وبحزم، وسيقف في وجه من يضربون الوحدة الوطنية.

وأضاف إجئي أنه يدعم قوات الأمن والاستخبارات في ملاحقة «الجواسيس والمندسين والخونة»، لكنه قال إن القضاء سيحرص على ألا يُظلم أحد باسم ظروف الحرب.


مقالات ذات صلة

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

شؤون إقليمية سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

في ظل غياب تسوية سياسية أو انتزاع «استسلام إيراني» وعدم عودة الملاحة الطبيعية إلى هرمز، نقل دونالد ترمب مركز الثقل إلى ما وصفه بـ«يوم الحسم الاقتصادي».

إيلي يوسف (واشنطن )
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)

سلطنة عُمان وإيران تبحثان استئناف الحوار والملاحة في مضيق «هرمز»

ذكرت وكالة ​الأنباء العمانية، اليوم (الجمعة)، أنَّ وزيرَي خارجية ‌عُمان ‌وإيران ​بحثا، ‌خلال اتصال ​هاتفي، «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي في طهران 8 أغسطس 2026 (الرئاسة الإيرانية - أ.ف.ب)

إيران تدعو إلى إنهاء الحرب... وتستعد لمواجهة العقوبات

دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة «اليوم»، معتبراً أن بلاده باتت في «موقع قوة»، في وقت تستعد فيه واشنطن لتشديد العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن- طهران)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (يمين) خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على دفن المرشد علي خامنئي في كربلاء وسط العراق 20 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

قاليباف يحث بغداد على التحرر الاقتصادي من واشنطن

حثّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الجمعة، بغداد على خفض الاعتماد على الدولار لرسم ما وصفها «خريطة طريق دقيقة» للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية تُقلع من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (أ.ف.ب) p-circle

إيران تتوعد برد «مدمر» بعد تهديد أميركا بـ«أقسى عقوبات» في التاريخ

قالت إيران، الجمعة، إن ردها على أي تهديدات أميركية جديدة سيكون «مدمراً» بعد أن توعّدت واشنطن بفرض أقسى عقوبات مالية في التاريخ، بهدف الإطاحة بالقيادة الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

«الإنزال الاقتصادي» ضد إيران... ضغط متصاعد وحرب مؤجلة لا مستبعدة

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

في ظل غياب تسوية سياسية أو انتزاع «استسلام إيراني»، وعدم عودة الملاحة الطبيعية إلى مضيق هرمز بعد أشهر من العمليات العسكرية، نقل الرئيس دونالد ترمب مركز الثقل إلى ما وصفه بـ«يوم الحسم الاقتصادي». لكن اللغة القصوى التي تتحدث عن «خنق» إيران وإسقاط نظامها تخفي معضلة أكثر تعقيداً: فالضغط قادر على تقليص موارد طهران، لكنه لا يضمن تغيير سلوكها سريعاً، فيما قد يدفعها إلى التصعيد قبل أن يجبرها على التراجع.

ويجسد مضيق هرمز هذا المأزق. فهو ليس مغلقاً تماماً، لكنه بعيد جداً عن أن يكون مفتوحاً بصورة طبيعية. وأظهرت بيانات «كبلر» أن سبع سفن سلع فقط عبرته، الخميس، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب، من دون مرور ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز مسال. وفي المقابل، لم تعد الأسواق تعيش ذعر الأسابيع الأولى، وإن بقيت الأسعار مرتفعة؛ إذ دار خام برنت، الجمعة، حول 94 دولاراً، مسجلاً ثاني مكسب أسبوعي على التوالي. وبحسب «رويترز» هذا «الاستقرار» النسبي لا يعني حل الأزمة، بل إن السوق سعّرت جانباً كبيراً من مخاطرها، فيما تكيف بعض المشترين مع النقص وبحثوا عن إمدادات بديلة.

استهداف الشرايين الباقية

ينتظر أن يكشف وزير الخزانة سكوت بيسنت، الاثنين، عن تفاصيل الحزمة الجديدة، لكن إعلان ترمب رسم مسبقاً نطاقها: مشتريات النفط وعمليات التهريب، المصارف التي تحتفظ بأصول إيرانية، التحويلات النقدية وخطوط المقايضة، محال الصرافة، سجلات السفن وشركات الواجهة، إضافة إلى المؤسسات والمطارات والجهات الحكومية التي تسهّل التجارة الإيرانية. وقد تمتد الإجراءات أيضاً إلى شبكات توريد مكونات الصواريخ والمسيّرات والمواد ذات الاستخدام المزدوج.

والأداة الأهم ليست إضافة أسماء إيرانية جديدة إلى قوائم مكتظة أصلاً، بل توسيع «العقوبات الثانوية» ضد الأطراف الأجنبية التي تتعامل مع طهران. لذلك ستكون المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم «أباريق الشاي»، والمصارف وشركات الشحن والتأمين في الدول الوسيطة، في قلب الحملة.

بدأ الحصار المعاد فرضه في يوليو (تموز) يترك أثراً ملموساً. فقد تراجعت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين، وانخفضت واردات الصين منه، بحسب «كبلر»، من متوسط بلغ 1.4 مليون برميل يومياً العام الماضي إلى نحو 534 ألفاً خلال أغسطس (آب). غير أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المنقول بحراً، ولذلك تبقى الحلقة التي يتوقف عليها نجاح الحملة أو تعثرها. ومع اقتراب لقاء ترمب والرئيس شي جينبينغ، سيكون على واشنطن أن توازن بين خنق عائدات طهران وتجنب فتح مواجهة اقتصادية جديدة مع بكين.

الألم لا يساوي الاستسلام

يرى فرزين ناديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن حظوظ نجاح «الإنزال الاقتصادي» متوسطة لكنها ترتفع. فالجمع بين الحصار وتشديد العقوبات الثانوية يمكنه تضييق القنوات المتبقية للإيرادات وزيادة كلفة استمرار إيران في المواجهة. لكنه يحذر من انتظار نتائج فورية؛ لأن طهران راكمت خبرة تمتد عقوداً في الالتفاف على العقوبات.

فإيران بنت أسطولاً مظلماً وشبكات تهريب وشركات واجهة، وخفضت اعتمادها على الدولار، ووسعت المقايضة والتجارة بالعملات المحلية، وربطت اقتصادها أكثر بالصين وروسيا. كما أن النظام أثبت قدرته على تحميل السكان كلفة التضخم والنقص وتدهور العملة، وقمع الاحتجاجات عندما تهدد استقراره.

ويذهب برايان كاتوليس، الباحث البارز في «معهد الشرق الأوسط»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى أن ترمب يبدو «في حاجة ماسة إلى إظهار نتيجة ملموسة» من حرب قال إنها لن تستمر سوى أربعة إلى ستة أسابيع. ويضيف أن الضغط سيؤلم الإيرانيين، لكن النظام القمعي مرشح للاحتفاظ بقبضته، فيما سيحاول رفع أسعار النفط والغاز وزرع عدم الاستقرار. وبرأيه، فإن «الوقت في مصلحة إيران»، لا لأنها أقوى اقتصادياً، بل لأن ترمب أكثر تعرضاً لضغط الرأي العام الداخلي والانتخابات.

من هنا تبدو عبارة بيسنت «سنسقط هذا النظام» رفعاً كبيراً للسقف، وربما خلطاً بين ثلاثة أهداف مختلفة: تقليص تمويل الجيش والوكلاء، إجبار إيران على اتفاق، وإحداث تغيير سياسي في طهران. الأول قابل للتحقيق نسبياً، والثاني مشروط بتقديم مخرج تفاوضي، أما الثالث فلا توجد أدلة على أن العقوبات وحدها تستطيع إنجازه.

هرمز... ضغط متبادل

تقول الإدارة إنها كسرت سيطرة إيران على المضيق وأمّنت مرور كميات مهمة من النفط، لكن أرقام الملاحة تظهر أن طهران ما زالت قادرة على إبقاء الحركة في مستوى شديد الانخفاض. وبذلك تحول هرمز إلى أداة ضغط متبادل: إيران تهدد السفن والمنشآت، والولايات المتحدة تحاصر الموانئ والصادرات الإيرانية.

والهدوء النسبي في الأسعار لا يلغي فاعلية هذه الورقة. فقد ارتفع برنت بأكثر من 6 في المائة هذا الأسبوع، فيما لا تزال إمدادات منتجين كبار في المنطقة مقيدة. ويعني ذلك أن طهران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل؛ يكفيها إبقاء المخاطر والتأمين وكلفة الشحن مرتفعة، مع السماح بعبور محدود يمنع استنفاراً دولياً أشمل ضدها.

في هذا السياق، يمكن قراءة قول الرئيس مسعود بزشكيان إن من الأفضل إنهاء الحرب الآن وإيران «في موقع قوة» بوصفه محاولة لترجمة الصمود إلى مكسب تفاوضي، لا دليلاً على قرب اختراق. فالقيادة الإيرانية تريد تقديم أي تسوية بوصفها اعترافاً بدورها في إدارة المضيق، وليس تراجعاً تحت الضغط.

أما تهديد رئيس الأركان علي عبد اللهي برد «ساحق ومدمر»، وقول محمد باقر قاليباف إن واشنطن أدركت عجزها عن الحسم العسكري، فيحملان بالتأكيد قدراً من الدعاية وتثبيت المعنويات. لكن تجاهلهما سيكون خطأ؛ لأن إيران أثبتت قدرتها على مهاجمة السفن والقواعد ومنشآت الطاقة، ولأن التصعيد المحدود هو إحدى الوسائل القليلة المتبقية لديها لتحسين شروط التفاوض بحسب «رويترز».

الحرب مؤجلة لا مستبعدة

وكشف بيسنت بوضوح عن الرسالة الكامنة وراء الانتقال إلى الضغط الاقتصادي، عندما قال إن اعتماد «الضغط الأقصى» يعني على الأرجح عدم استئناف العمليات العسكرية الواسعة «في الوقت الراهن». فالانتخابات النصفية تقترب، وأسعار الوقود تضغط على شعبية ترمب، فيما استنزفت الحرب الذخائر وأطالت انتشار القطع البحرية والقوات الأميركية.

ويعتقد نديمي أن تصعيداً عسكرياً أميركياً كبيراً يبدو مؤجلاً إلى ما بعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، إلا إذا دفعت إيران واشنطن إلى الرد عبر هجوم كبير، وهو احتمال يعدّه مرتفعاً. ويتقاطع ذلك مع تقدير كاتوليس بأن العودة إلى الحرب المفتوحة لا تزال «مرجحة جداً».

غير أن العامل الأصعب في الحسابات يبقى ترمب نفسه. ويقول مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في منتدى الشرق الأوسط، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس وحده يعرف»، مضيفاً أن الشيء الوحيد شبه المؤكد هو أن ما يقرره ترمب اليوم قد يقرر عكسه غداً.

لذلك لا يعني تأكيد البنتاغون امتلاك الأدوات والأهداف والإرادة لتنفيذ أوامر الرئيس أن قرار الحرب اتُّخذ، بل إنه يحافظ على التهديد العسكري خلف العقوبات. والنتيجة الأرجح ليست استسلاماً إيرانياً قريباً ولا اختراقاً سريعاً، بل مرحلة استنزاف اقتصادي وأمني خطرة: واشنطن تراهن على أن تنفد موارد طهران أولاً، وإيران تراهن على أن تنفد مهلة ترمب السياسية قبل ذلك.


سلطنة عُمان وإيران تبحثان استئناف الحوار والملاحة في مضيق «هرمز»

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)
TT

سلطنة عُمان وإيران تبحثان استئناف الحوار والملاحة في مضيق «هرمز»

وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)
وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي يجري مشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في جنيف (رويترز)

ذكرت وكالة ​الأنباء العمانية، اليوم (الجمعة)، أنَّ وزيرَي خارجية ‌عُمان ‌وإيران ​بحثا، ‌خلال اتصال ​هاتفي، «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض، وتطورات الملاحة في مضيق ‌هرمز».

وأضافت ‌أن ​الوزيرين ‌أكدا ‌أيضاً «أهمية مواصلة المباحثات للتوصُّل إلى تفاهمات ‌عملية وداعمة لاستئناف حرية الملاحة وانسيابها وأمن المنطقة واستقرارها»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكد إسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، أنَّ المباحثات حول مضيق «هرمز» مع سلطنة عمان «مستمرة»، مضيفاً: «ونسعى لوضع اللمسات الأخيرة لتثبيت مذكرة تفاهم، والوصول إلى صيغة نهائية».


تركيا تصدر مذكرات توقيف دولية ضد نتنياهو

مظاهرة احتجاجية في إسطنبول ضد الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الصمود» لدى توجهه بحراً إلى غزة في مايو الماضي (إعلام تركي)
مظاهرة احتجاجية في إسطنبول ضد الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الصمود» لدى توجهه بحراً إلى غزة في مايو الماضي (إعلام تركي)
TT

تركيا تصدر مذكرات توقيف دولية ضد نتنياهو

مظاهرة احتجاجية في إسطنبول ضد الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الصمود» لدى توجهه بحراً إلى غزة في مايو الماضي (إعلام تركي)
مظاهرة احتجاجية في إسطنبول ضد الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الصمود» لدى توجهه بحراً إلى غزة في مايو الماضي (إعلام تركي)

دخل التوتر بين تركيا وإسرائيل مرحلة جديدة من التصعيد الحاد، على خلفية استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة وسياسة توسيع العدوان إلى سوريا وجنوب لبنان، وتبادل الجانبان الاتهامات بزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وفي أحدث فصول التوتر، الذي جاء بالتزامن مع الأزمة بين أنقرة وتل أبيب على خلفية شن إسرائيل غارات جوية مكثفة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب شمال غربي سوريا، الثلاثاء، بدعوى التحضير لنشر قوات تركية في قاعدة جوية داخل المطار، أصدرت تركيا، الجمعة، مذكرة توقيف دولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومواطن إسرائيلي آخر، بتهمة الإبادة الجماعية، في إطار تحقيق بشأن اعتراض إسرائيل «أسطول الصمود» الذي كان متوجهاً إلى قطاع غزة في مايو (أيار) الماضي، وتوقيف الناشطين على متنه.

في المقابل، وصف مكتب نتنياهو في بيان، الجمعة، الرئيس التركي بأنه «ديكتاتور معادٍ للسامية»، واتهمه بارتكاب مجازر ضد الأكراد.

مذكرات توقيف تركية

قال وزير العدل التركي، أكين غورليك، عبر حسابه في «إكس»، إنه «في سياق الإجراءات القضائية المتعلقة بالهجوم على ناشطي الأسطول في المياه الدولية... وبناء على مذكرتي التوقيف الصادرتين في 14 يوليو (تموز)، بحق بنيامين نتنياهو وأفيق موسكوفيتش بتهمة الإبادة الجماعية، طلبت وزارة العدل من وزارة الداخلية إصدار نشرات حمراء بهدف اعتقالهما على المستوى الدولي».

ويلاحق نتنياهو وموسكوفيتش في تركيا على خلفية ارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية وإبادة جماعية وحرمان مشدَّد من الحرّيات وضرب وجرح متعمّد وتعذيب وتدمير للمقتنيات ونهب مشدد وتحويل مسار وسائل نقل»، بحسب وزارة العدل.

واحتجز الجيش الإسرائيلي، مطلع مايو الماضي، أكثر من 430 ناشطاً كانوا على متن نحو 50 مركباً في البحر المتوسط، ضمن مبادرة «أسطول الصمود» الذي انطلق من تركيا لتسليط الضوء على الوضع الإنساني في قطاع غزة المدمر بفعل الحرب التي استمرت أكثر من سنتين بين إسرائيل وحركة «حماس»، من خلال كسر الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل عليه، وذلك بعد اعتراضهم في المياه الدولية غرب السواحل القبرصية، واقتادهم الجيش إلى سجن كتسيعوت في جنوب إسرائيل قبل طردهم إلى بلدانهم.

وسبق لإسرائيل أن اعترضت في أبريل (نيسان)، أسطولاً كان متجهاً أيضاً إلى غزة، قبالة سواحل اليونان. وأثار وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرّف إيتمار بن غفير، موجة استنكار في إسرائيل والخارج، إثر نشره شريط فيديو له يظهر فيه الناشطون راكعين وأيديهم مقيدة بعد اعتقالهم في البحر.

هجوم على إردوغان

في الوقت ذاته، وصف مكتب نتنياهو، في بيان، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بـ«ديكتاتور معادٍ للسامية»، متعهداً أن تواصل إسرائيل «التصدي بقوة لمحاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة».

وقال البيان إن «إردوغان ديكتاتور معادٍ للسامية ارتكب مجازر بحق الأكراد ويؤيد (مجزرة منظمة حماس الإرهابية)، ويقمع شعبه»، مؤكداً أن «إسرائيل ستواصل التصدي بقوة لمحاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة، ولأي تهديد لأمنها».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، اعتراف بلاده بأحداث وقعت في شرق الأناضول في عام 1915، إبان الحرب العالمية الأولى في زمن الدولة العثمانية، على أنها «إبادة جماعية» للأرمن.

إحدى لقطات الهجوم الإسرائيلي على ناشطين ضمن «أسطول الصمود» خلال توجهه إلى غزة بحراً (إعلام تركي)

وردت «الخارجية» التركية ببيان قالت فيه إن إسرائيل «التي تمارس اضطهاداً ممنهجاً ضد الشعب الفلسطيني أمام أنظار العالم أجمع، والتي تحاكم حالياً أمام محكمة العدل الدولية في قضية ارتكاب جريمة (الإبادة الجماعية) ضد سكان غزة، تسعى إلى التستر على جرائمها من خلال القرار السياسي الذي اتخذته بشأن أحداث عام 1915».

وعدّ البيان «هذه المحاولة الخبيثة، التي تتجاهل الحقائق القانونية والتاريخية، تكشف مأزق نتنياهو وشركائه، الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف في سياق التحقيق الذي تجريه المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين».

وانضمت تركيا في 7 أغسطس (آب) 2024، رسمياً إلى دعوى «الإبادة الجماعية» التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متعهدة تقديم الأدلة على التطهير العرقي الذي ارتكبه الجيش الإسرائيلي ومجازره في قطاع غزة.

توتر متنامٍ

تشهد العلاقات التركية - الإسرائيلية موجات توتر تتصاعد أحياناً بشدة، منذ الهجوم الإسرائيلي على سفينة «مافي مرمرة»، ضمن «أسطول الحرية لغزة» في نهاية مايو (أيار) عام 2010؛ ما تسبب في خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي بشكل متبادل، ووقف التدريبات العسكرية المشتركة، أو استضافة تركيا تدريبات جوية إسرائيلية في قاعدة بولاية كونيا (وسط الأناضول)، وإن كانت العلاقات التجارية والسياحية لم تتأثر.

مصافحة بين إردوغان ونتنياهو خلال لقاء بينهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر 2023 (الرئاسة التركية)

وتخللت ذلك مساعٍ أميركية لمحاولة إصلاح العلاقات، أسفرت عن لقاءات بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين، كان آخرها بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونتنياهو في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر (أيلول) 2023، قبل أقل من شهر من اندلاع حرب غزة.

لكن التوتر في العلاقات تفاقم بشدة مع اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث اتهمت أنقرة إسرائيل بارتكاب «إبادة جماعية» خلالها، وجمدت علاقاتها التجارية معها، وأضيف إلى ذلك التنافس على الساحة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودعم تركيا الواضح للإدارة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتوثيق علاقاتها بالبلد الجار (سوريا) في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية.