عراقجي لنواب البرلمان: لا مفاوضات نووية… ومستعدون لأي سيناريو

طهران دعت واشنطن إلى التخلي عن «مطالبها المفرطة»

سيارات تمر قرب لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتان (أ.ب)
سيارات تمر قرب لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتان (أ.ب)
TT

عراقجي لنواب البرلمان: لا مفاوضات نووية… ومستعدون لأي سيناريو

سيارات تمر قرب لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتان (أ.ب)
سيارات تمر قرب لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتان (أ.ب)

قالت طهران، الاثنين، إن على الولايات المتحدة أن تتبنّى نهجاً «معقولاً» وتتخلى عن «الإفراط في المطالب» تجاه إيران، في وقت لا يزال فيه المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب متعثراً، وتصر واشنطن على إدراج الملف النووي في صلب أي تفاوض، في حين تقول طهران إن الأولوية الحالية هي وقف الحرب وإنهاؤها بالكامل.

وأفاد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، بأن وزير الخارجية عباس عراقجي أبلغ أعضاء اللجنة أنه «لا توجد حالياً أي مفاوضات مع العدو في المجال النووي»، مؤكداً أن إيران «مستعدة لأي سيناريو».

وقدم عراقجي إفادة إلى اللجنة عن أنشطة جهاز السياسة الخارجية خلال «حرب الأربعين يوماً» وما بعدها، خصوصاً في ملف المفاوضات. ونقل رضائي عنه أن موقع إيران تغير كثيراً مقارنة بما قبل الحرب، وأن «العدو كان يظن أن إيران ضعفت»، لكنه رأى أنها وقفت في وجه «أكبر قوة مسلحة في العالم» و«قوتَين نوويتَين»، وأفشلتهما في تحقيق أهدافهما.

وقال عراقجي إن «العدو استخدم كل الوسائل لإجبار إيران على الاستسلام، بما في ذلك الاضطرابات، والانقلاب، والهجوم العسكري، وتحركات الانفصاليين»، لكنه فشل. وأضاف أن أحداً لم يكن يتصور أن تمتلك إيران القدرة على توسيع الحرب لتطول أهداف الولايات المتحدة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، «لكن إيران فعلت ذلك بقوة خلال الحرب».

ونقل رضائي عن عراقجي أن لهجة الدول تجاه إيران تغيّرت بعد الحرب، وأن «العقيدة الأمنية في المنطقة تغيّرت أيضاً»، مضيفاً أن الوجود الأميركي تسبب في انعدام الأمن. وقال إن نتيجة الحرب ومقاومة الشعب والقوات المسلحة «ضمنت أمن الجمهورية الإسلامية لسنوات»، وجعلت أي طرف «لا يجرؤ على مهاجمة البلاد لسنوات مقبلة».

وأضاف أن وزارة الخارجية مكلفة بالحفاظ على «مكتسبات الحرب» وتثبيتها، وأن القوى الأخرى أقرت بأنها قلّلت من شأن قوة الشعب الإيراني والقوات المسلحة والمسؤولين. وشدد عراقجي على وجود «وحدة وانسجام كاملَين» بين الجهاز الدبلوماسي والميدان، وعلى أن جميع المسؤولين يعملون في إطار قرارات المرشد.

سجال التفويض

وحول مضيق هرمز، نقل رضائي عن عراقجي أن طهران تعمل على إعداد آلية لإدارته، وأنه «لن يعود إلى ظروف ما قبل الحرب»، مضيفاً أنه «لن يُسمح بعبور السفن المعادية». كما أكد أن طهران تتابع مسألة وقف إطلاق النار في لبنان.

وأشار رضائي إلى أن أعضاء اللجنة شددوا على ضرورة عدم إرسال أي «رسالة ضعف» إلى العدو، مؤكدين دعم «المقاومة» في مختلف ساحاتها، بما في ذلك لبنان.

وقال رئيس اللجنة، إبراهيم عزيزي، إن البرلمان «لن يسمح بتكرار حلقة الحرب ثم التفاوض ثم وقف إطلاق النار ثم الحرب مجدداً»، داعياً إلى الاعتراف بـ«حق السيادة الإيراني» في مضيق هرمز، والاهتمام بملف التعويضات والخسائر في أي مفاوضات.

عراقجي يقدم إفادة إلى أعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)

وفي السياق نفسه، أصدر 63 نائباً بياناً بشأن المفاوضات والحفاظ على الوحدة، دعوا فيه القوات المسلحة إلى «عدم رفع اليد عن الزناد» حتى نهاية ما وصفوه بـ«الحرب الوجودية»، مطالبين الحكومة بالتركيز على الملفات الاقتصادية والمعيشية. كما دعوا السلطة القضائية إلى إجراءات «حاسمة وعلنية ورادعة» ضد من وصفوهم بـ«العوامل الرئيسية وكبار المتورطين في انقلاب يناير (كانون الثاني) الماضي».

تأتي إفادة عراقجي وسط سجال داخلي متصاعد حول حدود التفاوض مع واشنطن وموقع الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد. ونقل النائب مجتبى زارعي عن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الأحد، أن المحادثات جرت «بإذن المرشد» وضمن «السياسات العليا للنظام»، مشيراً إلى أن الوفد لم يكن مخولاً بالدخول في بحث تفصيلي بشأن الملف النووي.

في المقابل، قال النائب محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي وأحد المشاركين في فريق التفاوض، إن إدخال الملف النووي إلى المحادثات كان «خطأً استراتيجياً». وعدّ التفاوض مع واشنطن في المرحلة الحالية سيكون «خسارة محضة»، في مؤشر إلى اتساع الاعتراضات داخل التيار المتشدد على مسار التفاوض وشروطه.

ويواجه عراقجي انتقادات من أوساط قريبة من «الحرس الثوري» بشأن إدارة الرسائل التفاوضية وملف مضيق هرمز، في حين يواجه قاليباف اعتراضات من منافسيه، بمن في ذلك نواب متشددون أبدوا شكوكاً بشأن دورَيه السياسي والتفاوضي.

وأفاد تحليل لـ«رويترز» الأسبوع الماضي، بأن مركز القرار بعد مقتل علي خامنئي انتقل إلى دائرة أضيق تضم «الحرس الثوري» ومجلس الأمن القومي ومكتب المرشد، فيما أصبح دور مجتبى خامنئي أقرب إلى إضفاء الشرعية على قرارات تتبلور داخل مؤسسات الحرب، لا إصدار الأوامر منفرداً.

وقف الحرب فقط

بموازاة إفادة عراقجي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن طهران «مصمّمة في هذه المرحلة على إنهاء الحرب»، مضيفاً: «لا يمكننا تجاهل التجارب السابقة. في مناسبتين، كنا في مفاوضات بشأن أبعاد الموضوع النووي، وتعرضنا لهجوم من الولايات المتحدة».

وتابع بقائي: «على الطرف المقابل أن يصل إلى هذه الخلاصة: في التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي القضايا التي لديه معها، يجب أن يتبنى نهجاً معقولاً وغير قائم على الإفراط في المطالب».

وأكد بقائي أن طهران لا تخوض حالياً مفاوضات نووية مع واشنطن، وأن الحديث في هذه المرحلة «محصور بوقف الحرب وإنهائها بالكامل». وقال: «في هذه المرحلة لا نتحدث عن أي شيء آخر سوى وقف الحرب وإنهائها بالكامل. أما إلى أي اتجاه سنذهب في المستقبل، فسيُتخذ القرار في وقته».

ورداً على سؤال عن تفاصيل المقترح الإيراني المؤلف من 14 بنداً، وموضوعات مثل التخصيب والمواد النووية، قال بقائي إن ما يطرح في وسائل الإعلام «في معظمه تكهنات»، وإن كثيراً من هذه التكهنات يستند إلى سوابق المفاوضات السابقة. وأضاف: «كنا نتحدث في السابق حصراً عن الموضوع النووي، وكثير من هذه المسائل هي نفسها التي طُرحت، إلى حد ما، ضمن مجموعة من الخيارات، لكن لم يُتخذ أي قرار نهائي بشأن أي منها».

وأعلن بقائي أن طهران تلقت الرد الأميركي على مقترحها المكتوب عبر الوسيط الباكستاني، وأنها تدرسه قبل إبلاغ الطرف المقابل بموقفها. وقال: «تلقينا رد الولايات المتحدة ونحن ندرسه، وسنعلن وجهات نظرنا للطرف المقابل عبر الوسيط فور التوصل إلى خلاصة». وأضاف، من دون الخوض في التفاصيل: «يمكنكم أن تخمنوا جيداً أن الولايات المتحدة اعتادت الإفراط في المطالب والمطالب غير المعقولة، وليس سهلاً عليها التخلي عن هذه العادة».

وتابع: «ما زلنا نواجه طرفاً يغيّر مواقفه باستمرار، ويطرح أموراً يمكن عملياً أن تجعل أي مسار دبلوماسي يواجه مشكلة».

ومن أبرز نقاط الخلاف إغلاق إيران مضيق هرمز والحصار الأميركي المضاد على الموانئ الإيرانية. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إن بلاده ستبدأ مساعدة السفن العالقة في الخليج العربي، متوعداً بالتعامل «بقوة» مع أي محاولة لعرقلة العملية.

ورداً على وصف ترمب الخطوة بأنها «إنسانية»، قال بقائي إن الجهات المسؤولة في إيران «مستعدة تماماً، وتعرف كيف تدافع عن المصالح الوطنية للبلاد»، مشيراً إلى بيان صادر عن قيادة «عمليات هيئة الأركان المشتركة». وأضاف أن العالم «لا يصدق الادعاءات الإنسانية الأميركية»، وأن واشنطن لا تستطيع الخروج من «المستنقع الذي صنعته بنفسها» بتكرار أخطاء الماضي.

إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)

وشدد بقائي على أن الولايات المتحدة «لا يمكنها استخدام لغة التهديد والقوة مع إيران»، مؤكداً أن إيران «تعد نفسها حارسة مضيق هرمز». وقال إن «السفن وأصحاب السفن يعرفون جيداً أنهم، لضمان أمنهم، يجب أن ينسقوا حتماً مع الجهات الإيرانية المختصة».

وأوضح أن إيران وسلطنة عمان، بصفتهما دولتَين ساحليتَين على المضيق، تعملان على تحديد آلية واضحة لضمان الملاحة الآمنة. وقال: «هدفنا فيما يتعلق بإدارة مضيق هرمز هو تأمين العبور الآمن من هذا الممر المائي».

وحذر بقائي فرنسا والدول الأوروبية من «تعقيد الوضع القائم»، بعد حديث باريس عن عدم المشاركة في الخطة الأميركية لمضيق هرمز، ومتابعة فرنسا وبريطانيا مقترحاً بشأن أمن المضيق. وقال إن أفضل مساعدة يمكن أن تقدمها الدول الأوروبية هي منع تصعيد «الإجراءات غير القانونية الأميركية» في المنطقة وخارجها.

ونفى بقائي أن تكون الخطة الإيرانية المؤلفة من 14 بنداً مقسمة إلى ثلاث مراحل، وأن المرحلة الثالثة تتعلق بآلية أمنية إقليمية. وقال إن هذا «تقسيم إعلامي»، لكنه أكد أن طهران ترحب بتصميم آلية أمن جماعي للمنطقة، مضيفاً أن دول المنطقة رأت أن الوجود الأميركي «تسبب في الفرقة وانعدام الأمن».

وأكد أن أي اتفاق محتمل لإنهاء الحرب يجب أن يأخذ في الاعتبار وقف الحرب في لبنان، موضحاً أن هذا البند يمكن أن يصبح، في حال التوصل إلى اتفاق، جزءاً من قرار لمجلس الأمن، نظراً إلى الأبعاد القانونية والأممية لأي تفاهم.

وبشأن إسرائيل، قال بقائي إن تفاهم وقف إطلاق النار تشكّل بين إيران والولايات المتحدة، وإن واشنطن دخلت الحرب نيابة عن إسرائيل. وأضاف أن أي تعهد أميركي بوقف إطلاق النار أو اتفاق محتمل لإنهاء الحرب يجب أن يشمل حلفاء واشنطن في المنطقة أيضاً، مؤكداً أن سياسة إيران تجاه إسرائيل «لم تتغير»، وأن طهران «لا تزال لا تعترف بها».


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

شؤون إقليمية طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً أمنية، لكن الأهداف لم تكن كلها مواقع عسكرية.

يغانه تورباتي (واشنطن)
شؤون إقليمية فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026 p-circle

تجدد القصف على جنوب إيران قرب مضيق هرمز

أفادت وسائل إعلام إيرانية، مساء الأحد، بسماع دوي عدة انفجارات من الجهة الشرقية لمدينة بندر عباس وفي المنطقة البحرية المحيطة بجزيرة قشم قبالة مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى.

هشام المياني (القاهرة )

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
TT

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في بيان، أن قواتها بدأت عند الساعة 21,00 بتوقيت غرينتش، بشن «المزيد من الضربات ضد إيران لمواصلة تقويض قدرتها على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز بحرية».

وأضافت أن ترمب أمر بشن هذه الضربات "لمحاسبة القوات الإيرانية».


إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً لقوات أمنية، وأنظمة دفاع جوي، لكن الأهداف التي استهدفت خلال الحملة التي استمرت ستة أسابيع لم تكن كلها مواقع عسكرية تقليدية. ففي 27 مارس (آذار)، ثم مرة أخرى بعد أيام قليلة، قصفت غارات جوية إسرائيلية مجمعاً ضخماً للصلب يقع مباشرة خارج أصفهان ويُعرف باسم «مباركة للصلب»، ومجمعاً آخر في جنوب غربي البلاد.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ضربات بلاده قلّصت قدرة إيران على إنتاج الصلب، وحرمت «الحرس الثوري» القوي من إيرادات، وهو الجهاز الذي يشكل قمعه إحدى ركائز الحكومة الإيرانية.

وتُظهر شركات مثل «مباركة» التعقيدات الكامنة في الاقتصاد الإيراني. ففي حين أن القيادة وقوات الأمن في إيران متداخلة بعمق مع أكثر الشركات ربحية وأهمية في البلاد، فإن هذه الشركات نفسها حيوية لمعيشة ملايين الإيرانيين العاديين، بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون ولاءً آيديولوجياً عميقاً للحكومة.

وأدت الهجمات إلى إغلاق أجزاء كبيرة من مصنع أصفهان لأسابيع، ما أوقف أكثر من 20 ألف عامل عن العمل، وقطع إمدادات الصلب عن المصنّعين المحليين. وقال مصطفى، وهو موظف سابق طلب التحدث، شرط عدم الكشف عن هويته لتجنب انتقام الحكومة: «شعرت وكأن بيتي أنا قد دُمّر».

وتأرجحت الولايات المتحدة وإيران بين محادثات السلام وتبادل إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وكان من المتوقع أن تتناول مفاوضاتهما المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها إيران مقابل قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي.

وقد يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي وُقّع الشهر الماضي، إلى توفير ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. لكن ذلك يبدو الآن احتمالاً بعيداً، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الهدنة المؤقتة «انتهت».

جانب من هجوم 27 مارس الماضي على منشأة فولاد مباركة في أصفهان (أرنا)

إيرادات لصندوق «الباسيج»

وإذا تدفقت أي استثمارات إلى إيران، فستكون شركات مثل «مباركة» موضع تركيز بلا شك، بسبب أهميتها للاقتصاد الإيراني، وكذلك بسبب ارتباطها بأقوى قوات الأمن في إيران.

وكثيراً ما هدد ترمب بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، وإذا استؤنفت الحرب فسيخضع أي ضرب من هذا النوع لتدقيق واسع.

ويوم الخميس، اتهم «الحرس الثوري» الولايات المتحدة بقصف جسر للسكك الحديدية يربط البلاد بتركمانستان. وأكد متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن الولايات المتحدة ضربت جسر السكك الحديدية، واصفاً إياه بأنه بنية تحتية لوجستية عسكرية كانت تتيح تدفق أسلحة وإمدادات عسكرية أخرى إلى مناطق رئيسية.

وقد وفرت «مباركة» إيرادات لصندوق استثماري تابع لجهاز تعبئة تديره الدولة، هو «الباسيج»، ذراع «الحرس الثوري»، وفق وزارة الخزانة الأميركية. وحدد تقرير صادر عن البرلمان الإيراني عام 2021 ذلك الصندوق الاستثماري بوصفه مساهماً رئيسياً في «مباركة».

وتُظهر بيانات مالية حديثة من «مباركة» أن من بين مساهميها صندوقاً استثمارياً يخضع في نهاية المطاف لسيطرة المرشد الإيراني. ورغم أن البيانات لا تُظهر صلة بـ«الحرس الثوري»، فإنه غالباً ما يحجب ملكيته عبر مستثمرين بالوكالة.

وفي تبريره الضربات على منشآت الصلب، قال نتنياهو إنها ستحرم النظام «من الموارد المالية ومن القدرة على إنتاج كثير من الأسلحة».

ولم يرد المديرون التنفيذيون في «مباركة» على طلب للتعليق، وليس واضحاً ما إذا كان الصلب المنتج في «مباركة» استخدم في تصنيع أنظمة الأسلحة الإيرانية.

وقال فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن» والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «قد لا تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب مباشرة في إنتاج الصواريخ، لكن الشركة على الأرجح منخرطة في البحث والتطوير لسبائك فولاذية حديثة عالية القوة من أجل إنتاج واسع النطاق مستقبلاً». وأضاف: «مع ذلك، فمن الأرجح أن تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب في إنتاج مركبات نقل الصواريخ وإطلاقها».

وقال خبراء في القانون الدولي إن القانون الدولي يحظر الضربات على المواقع الصناعية التي تخدم المدنيين، ما لم تكن المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وما لم يحقق ضربها ميزة عسكرية محددة.

وقالت سوزانا ساكوتو، مديرة مكتب أبحاث جرائم الحرب في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأميركية، إن الرأي الدولي الغالب يرفض فكرة أن توليد إيرادات للعمليات العسكرية يكفي لتصنيف موقع مدني هدفاً عسكرياً.

وقال مياد ملكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، إنه رغم اعتقاده بأن المجمع كان هدفاً مشروعاً للعقوبات، فإنه يشك في أنه كان ينبغي استهدافه بضربات عسكرية. وقال: «هذه أصول الشعب الإيراني، وسيؤذي ذلك الاقتصاد إلى ما هو أبعد بكثير من الجمهورية الإسلامية».

وأضاف ملكي: «إنه يوظف كثيرين ويدفع رواتب لكثيرين. لكنه في الوقت نفسه مصدر رئيسي للإيرادات لكثير من الفاعلين الفاسدين».

ملكية غامضة

بُنيت «مباركة» على يد مجموعة أعمال إيطالية، ودخلت حيز التشغيل عام 1992، وكانت رمزاً للتطور الصناعي الإيراني وإعادة البناء بعد الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي.

وقال موظفان سابقان، رفضا الكشف عن هويتيهما لتجنب تداعيات من الحكومة الإيرانية، إن أشخاصاً لهم صلات بـ«الحرس الثوري» انتقلوا إلى مواقع قيادية في المصنع بدءاً من أواخر التسعينات. فعلى سبيل المثال، شغل مهدي تاج، وهو قائد كبير سابق في «الحرس الثوري»، عضوية مجلس إدارة المجمع وتولى منصباً تنفيذياً فيه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ويشغل تاج الآن منصب مدير الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وأدت حملة خصخصة نُفذت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى نقل أجزاء من شركات مملوكة للدولة، مثل «مباركة»، إلى أطراف قوية وغامضة، مثل «الحرس الثوري» وتكتلات تجارية تتبع القيادة الدينية في إيران.

وفي عام 2008، اشترى تحالف تقوده شركة «مهر اقتصاد للاستثمار الإيراني»، وهي كيان تابع لـ«الباسيج»، 45 في المائة من أسهم «مباركة». واعتباراً من عام 2021، كانت «مهر اقتصاد» أحد أكبر مساهمي «مباركة»، بحصة تقارب 14 في المائة، وفق تقرير برلماني كُتب في ذلك العام.

وتُعد «الباسيج» إحدى القوى الأساسية التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، بما في ذلك المظاهرات التي عمّت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بسبب الاستياء من أزمة العملة الإيرانية وما يُنظر إليه على أنه سوء إدارة اقتصادية من جانب الحكومة.

واندمج مالك «مهر اقتصاد»، وهو بنك، في عام 2020 مع بنك إيراني آخر هو «بنك سبه»، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وحققت «مباركة» نحو 1.6 مليار دولار من صافي الأرباح في 2024 - 2025. وقالت وزارة الخزانة الأميركية عام 2018 إن الشركة «قدمت ملايين الدولارات» سنوياً إلى «مهر اقتصاد».

وقال مهدي قدسي، وهو اقتصادي في «معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية»: «جزء من الاقتصاد يُدار عبر الحكومة، لكن جزءاً أكبر من الاقتصاد يُدار عبر حكومة الظل أو (الحرس الثوري)».

ومن بين المساهمين الجدد نسبياً في «مباركة»، وفق وثائق قُدمت إلى بورصة طهران، شركة تابعة لـ«آستان قدس رضوي»، وهي مؤسسة إيرانية فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2021 لأنها كانت خاضعة لسيطرة المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي. وكانت الشركة تملك 1.79 في المائة من «مباركة» حتى العام الماضي.

ومن بين المالكين الرئيسيين الآخرين عدة صناديق تقاعد مملوكة للدولة. وتعاني صناديق التقاعد الإيرانية منذ سنوات من صعوبة دفع مستحقات المتقاعدين، ومن المرجح أن يؤدي تدمير قطاعات رئيسية من الاقتصاد إلى تفاقم تلك المشكلة.

وقد حقق مشرعون إيرانيون عام 2021 في فساد محتمل من جانب مديرين في «مباركة»، وألقوا باللوم في كثير من مشكلاتها على عملية الخصخصة المعيبة، قائلين إنها «باتت الآن تُدار بملكية غامضة تماماً إلى جانب إدارة خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة».

ضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان مطلع أبريل الماضي (شبكات التواصل)

شركة «محبوبة»

وتقدم مقابلات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقاً في «مباركة» صورة أخرى عن الشركة. فبالنسبة إلى المهندسين الطموحين الذين نشأوا في أصفهان، كان العمل في «مباركة» «وظيفة الأحلام»، كما قالت مريم، التي تعيش الآن خارج إيران. وطلبت هي وبعض الموظفين السابقين الآخرين الذين تحدثت إليهم «نيويورك تايمز» ألا تُكشف هوياتهم كاملة، خوفاً من تداعيات بسبب الحديث علناً.

وقال بعضهم إنهم شعروا بأنهم يعملون في شركة مرموقة ومتطورة تكنولوجياً، تسهم في البلاد وتهتم برفاههم. وقال مازيار شكراني، الذي عمل في «مباركة» مثل والده: «حتى قبل أن أُولد، كان والدي يعمل في الصلب».

وبدأ شكراني العمل هناك محامياً في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وكان يستقل حافلة يومياً إلى المصنع المترامي الأطراف على بعد 40 ميلاً خارج أصفهان. وقال: «أعرف أن حياتي كلها ووجودي كله من الصلب».

وقال مصطفى، الموظف السابق الذي يعيش الآن خارج إيران، إن «مباركة» تبرعت أيضاً بأموال لبناء ملاعب ومؤسسات تعليمية، ودعمت عائلات فقيرة في المنطقة المحيطة بالمجمع. وأضاف: «كانت محبوبة في تلك المنطقة». وأضاف: «أي صناعة كانت تواجه عقبة، أو أي مجموعة كانت تعاني مشكلة، كان لديها بعض الأمل في أن ترتب (مباركة للصلب) نوعاً من الدعم».

وأفاد موقع الأخبار الإيراني «رويداد 24» في أوائل مايو (أيار) بأنه من بين 27 ألف عامل، كان 2000 فقط لا يزالون يعملون في المصنع. وقال مسؤولون إيرانيون إن إعادة بناء «مباركة» تجري بسرعة أكبر من المتوقع، وفي أوائل يونيو (حزيران) أعادت الشركة تشغيل فرن كان قد تضرر في الضربات.

وفي المقابلات، اختلفت آراء الموظفين السابقين بشأن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية الضربات على «مباركة». وقال شكراني، الذي يعيش الآن خارج إيران: «ينبغي إلقاء قدر أكبر من اللوم على (الحرس الثوري)، لأنه دفع اقتصاد البلاد عمداً وبوعي إلى هذا المسار».

وقال عباس كامرانيان - مرناني، وهو مهندس ميكانيكي عمل في «مباركة» أو لدى متعاقدين معها على مدى عقد ويعيش الآن في أوروبا، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا، في أذهان الإيرانيين، مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً في طريقة إدارتهما الحرب. وأضاف: «لقد عملتا في الغالب باتجاه تدمير البنية التحتية وتدمير إيران».

وقال كامرانيان - مرناني إن ضربات مثل تلك التي استهدفت مصنع الصلب جعلت الإيرانيين يفقدون الأمل في فكرة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إنه لا يعلم بأي دور أميركي في ضربات الصلب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


البرلمان الإسرائيلي يعلن إجراء الانتخابات التشريعية في 27 أكتوبر

جانب من اجتماع سابق للبرلمان الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جانب من اجتماع سابق للبرلمان الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
TT

البرلمان الإسرائيلي يعلن إجراء الانتخابات التشريعية في 27 أكتوبر

جانب من اجتماع سابق للبرلمان الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)
جانب من اجتماع سابق للبرلمان الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

أعلن البرلمان الإسرائيلي، اليوم الأحد، أن الانتخابات التشريعية ستُجرى في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو آخر موعد يسمح به القانون، في استحقاق يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه استفتاء على زعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ اندلاع حرب غزة، وفقاً لما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأورد بيان للبرلمان: «بما أنه يتوقع أن يتم الكنيست الحالي ولايته كاملة، وكون الانتخابات العامة المقبلة مُحددة بالفعل بموجب القانون في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، من دون أي نية لتقصير الولاية التشريعية، فلا حاجة إلى إصدار قانون حل الكنيست بالمعنى المعتاد».

وتشير استطلاعات الرأي إلى صعوبة تأمين أغلبية سواء لمعسكر نتنياهو أو للمعارضة، علماً بأن الائتلافات الحكومية في إسرائيل تتكون عادة من عدة أحزاب. وقد برز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت، بوصفه أبرز منافسي نتنياهو قبل أشهر من بدء عملية التصويت.

ويشار إلى أن نتنياهو يعد رئيس الوزراء الأطول خدمة في المنصب في تاريخ إسرائيل لأكثر من 17 عاماً.