ترمب: إيران في «حالة انهيار» وتطلب فتح مضيق هرمز

روبيو يَعدّ «النووي» جوهر الأزمة ويتهم طهران بالسعي لكسب الوقت

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

ترمب: إيران في «حالة انهيار» وتطلب فتح مضيق هرمز

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران أبلغت واشنطن بأنها في «حالة انهيار»، وإنها تريد من الولايات المتحدة «فتح مضيق هرمز» سريعاً، في وقت تتمسك واشنطن بإدراج الملف النووي في أي تسوية للحرب، ويؤكد وزير الخارجية ماركو روبيو، أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي يبقى «القضية الأساسية».

وأكد مسؤول أميركي اليوم أن ترمب غير راضٍ عن أحدث مقترح إيراني لتسوية الحرب، لأنه يؤجل بحث البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة، ويركز أولاً على إنهاء الحرب ورفع الحصار وفتح مضيق هرمز.

ومن دون أن يوضح موقفه من المقترح الإيراني، كتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»، أن إيران أبلغت واشنطن بأنها في «حالة انهيار»، مضيفاً أن طهران تريد من الولايات المتحدة «فتح مضيق هرمز» في أسرع وقت ممكن.

وقال ترمب إن إيران تحاول في الوقت نفسه «ترتيب وضعها القيادي»، معرباً عن اعتقاده أنها ستكون قادرة على فعل ذلك.

وينص المقترح الإيراني على بدء محادثات مرحلية لا تشمل الملف النووي في البداية، تبدأ بإنهاء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتقديم ضمانات بأن واشنطن لن تشعلها مجدداً، ثم رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية وفتح مضيق هرمز.

ومن المستبعد أن يُرضي المقترح واشنطن، التي تصر على معالجة الملف النووي منذ البداية. وقال مسؤول أميركي مطّلع على اجتماع ترمب مع مستشاريه، الاثنين، إن الرئيس غير راضٍ عن الخطة لهذا السبب. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز، إن الولايات المتحدة «واضحة بشأن خطوطها الحمراء».

وسبق أن فشلت مبادرات إيرانية لطرح مفاوضات مرحلية، سواء خلال إدارة ترمب أو في عهد سلفه الديمقراطي جو بايدن.

وتضاءلت آمال إحياء جهود السلام عندما ألغى ترمب زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، التي زارها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مرتين خلال مطلع الأسبوع. وزار عراقجي أيضاً سلطنة عمان، ثم توجه يوم الاثنين إلى روسيا، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين وتلقى كلمات دعم من الحليف القديم.

وقال ترمب السبت أن إيران «عرضت الكثير، لكن ليس ما يكفي».

وفي وقت لاحق، قالت مصادر قريبة من مسار الوساطة لشبكة «سي إن إن» إن الوسطاء في باكستان يتوقعون تلقي مقترح معدل من إيران خلال الأيام المقبلة لإنهاء الحرب.

وأضافت المصادر أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان من المقرر أن يعود إلى طهران اليوم بعد زيارة إلى روسيا، متوقعة أن يجري مشاورات مع قادة النظام. وقالت إن هذه العملية بطيئة بسبب صعوبة التواصل مع المرشد مجتبى خامنئي، الذي يُحتفظ بمكان وجوده سراً.

وقالت المصادر إن العملية لا تزال مستمرة ومتحركة، وإن الكثير سيتوقف على ما إذا كانت إيران ستعود بمقترح معدل يكون أكثر قبولاً لدى الولايات المتحدة.

مقاتلة «إف-35 بي لايتنينغ 2» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تنطلق من سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» خلال إبحارها في بحر العرب 24 أبريل (سنتكوم)

بدا من غير المرجح، الثلاثاء، أن تقبل إدارة ترمب عرض إيران إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز إذا رفعت الولايات المتحدة حصارها عن البلاد، بعدما أبدى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تمسك واشنطن، في أي اتفاق، بمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.

وقال روبيو، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، رداً على سؤال بشأن المقترح الإيراني الذي يؤجل مناقشة البرنامج النووي: «ليس لديَّ أدنى شك في أنه في مرحلة ما في المستقبل، إذا بقي هذا النظام (...) في إيران، فسوف يقررون أنهم يريدون سلاحاً نووياً».

وأضاف: «لا يزال يتعين مواجهة هذه القضية الجوهرية. لا تزال هذه هي القضية الأساسية هنا». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الإيرانيين جادون بشأن التوصل إلى اتفاق، قال روبيو إنهم «مفاوضون ماهرون» يسعون إلى كسب الوقت.

وتابع روبيو: «لا يمكننا السماح لهم بالإفلات من العقاب». وأضاف: «علينا أن نضمن أن أي صفقة يتم إبرامها، أو أي اتفاق يتم التوصل إليه، يكون من شأنه أن يمنعهم بشكل قاطع من الاندفاع نحو الحصول على سلاح نووي في أي وقت».

المقترح الإيراني

وعن إلغاء ترمب محادثات إسلام آباد وإبقاء مبعوثيه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في الولايات المتحدة، قال روبيو إن واشنطن تعرف التنازلات التي يستطيع الإيرانيون تقديمها، لكنه أضاف: «لن نتفاوض بشأن ذلك عبر الصحافة».

وقال إن العرض الإيراني الجديد كان «أفضل» مما كانت واشنطن تتوقع، لكنه أضاف أن هناك أسئلة بشأن ما إذا كان الشخص الذي قدم العرض يملك الصلاحية لتقديمه، وبشأن ما يعنيه العرض فعلاً.

وأوضح روبيو أن الحديث عن فتح المضايق يحتاج إلى تدقيق في التفاصيل، قائلاً: «من المهم أن تكون المضايق مفتوحة. لكن الأمر لا يقتصر على المضايق. إذا كان ما يقصدونه بفتح المضايق هو: نعم، المضايق مفتوحة ما دمتم تنسقون مع إيران، وتحصلون على إذننا وإلا سنفجركم، وتدفعون لنا، فهذا ليس فتحاً للمضايق».

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

وأضاف: «هذه ممرات مائية دولية. لا يمكنهم أن يجعلوا أمراً كهذا طبيعياً، ولا يمكننا أن نتسامح مع محاولتهم جعل نظام طبيعياً يقرر فيه الإيرانيون من يحق له استخدام ممر مائي دولي وكم يجب أن يدفع لاستخدامه. هذه ليست قناة السويس، وليست قناة بنما، هذه مياه دولية».

وقال إن تطبيع هذا الأمر «لا يرسي سابقة في الشرق الأوسط فقط، بل يرسي سابقة في كل أنحاء العالم»، مضيفاً أن دولاً أخرى قد تقول إن ممراً مائياً دولياً قريب من شواطئها، فتقرر السيطرة عليه وفرض رسوم عليه.

وتابع: «التفاصيل مهمة هنا. شيء أن تقول إنك منفتح على فتح المضايق، لكن هل تقصد فتح المضايق والعودة إلى ما ينبغي أن تكون عليه، كما كانت دائماً، أم تتحدث عن فتح المضايق وفق نظام تحاول إنشاءه سيكون غير مقبول تماماً، ليس فقط بالنسبة إلينا، بل للعالم كله؟».

انقسام القيادة الإيرانية

قال روبيو إن واشنطن في «وقف إطلاق نار حالياً» مع إيران، لكنه شدد على أن التهديدات الإيرانية ضد مسؤولين أميركيين تؤخذ بجدية.

وعن العقبة الرئيسية أمام اتفاق مع طهران، قال روبيو: «إلى جانب حقيقة أن البلاد يديرها رجال دين شيعة متطرفون، وهذا عائق كبير جداً، فإن الأمر الآخر هو أنهم منقسمون بعمق داخلياً». وأضاف أن هذا الانقسام «كان دائماً موجوداً»، لكنه أصبح «أكثر وضوحاً الآن».

وقال إن «أفضل طريقة لفهم إيران» هي النظر إلى وجود «طبقة سياسية» داخل النظام، مضيفاً: «الناس يتحدثون عن معتدلين ومتشددين. كلهم متشددون في إيران. لكنْ هناك متشددون يدركون أن عليهم إدارة بلد واقتصاد، وهناك متشددون تحرّكهم بالكامل العقيدة الدينية».

وأضاف أن «المتشددين المدفوعين بالعقيدة ليسوا فقط مسؤولي (الحرس الثوري)، بل المرشد والمجلس المحيط به»، في مقابل طبقة سياسية تشمل «وزير الخارجية، والرئيس، ورئيس البرلمان، و...». وقال إنهم «متشددون أيضاً، لكنهم يدركون أن البلاد يجب أن يكون لديها اقتصاد. يجب أن يأكل الناس. عليهم أن يجدوا طريقة لدفع رواتب العاملين في حكومتهم».

وقال روبيو إن النظام الإيراني يشهد توتراً بين من يريدون الجمع بين التشدد وإدارة الدولة، وبين متشددين «لا يبالون ولديهم رؤية قيامية للمستقبل»، مضيفاً أن الفئة الأخيرة «تملك السلطة النهائية في ذلك البلد».

وتابع أن هذا «التوتر أصبح أكثر وضوحاً مع وجود مرشد لا تزال مصداقيته غير مختبرة، والوصول إليه موضع تساؤل، ولم يظهر علناً، ولم يتحدث، ولم نسمع صوته».

وأضاف: «أحد العوائق هنا هو أن مفاوضينا لا يتفاوضون فقط مع إيرانيين. أولئك الإيرانيون عليهم بعد ذلك أن يتفاوضوا مع إيرانيين آخرين كي يحددوا ما يمكنهم الموافقة عليه، وما يمكنهم عرضه، وما هم مستعدون لفعله، وحتى مع من هم مستعدون للاجتماع».

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كان يعتقد أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، لا يزال على قيد الحياة، قال روبيو: «لدينا مؤشرات على أنه كذلك. هم يزعمون بالطبع أنه كذلك. ليس لدينا دليل على أنه ليس كذلك».

وأضاف: «أعتقد أن السؤالين عن كونه حياً أو في السلطة مختلفان. يمكن أن يكون حياً، لكنّ الأسئلة غير المحسومة هنا هي: هل لديه المصداقية نفسها التي كانت لدى والده؟».

وقال روبيو إن هناك منذ سنوات نقاشات داخلية في إيران حول الخلافة، وما إذا كان ينبغي أن تكون «قائمة على الوراثة»، مضيفاً أن كثيرين يعارضون ذلك.

المسألة النووية

وعن التقارير التي تفيد بأن إيران عرضت فتح المضايق، لكنها تريد تأجيل المحادثات بشأن برنامجها النووي، قال روبيو إنه لن يتكهن بقرار الرئيس، لكنه شدد على أن «المسألة النووية هي السبب الذي جعلنا في هذا الوضع أصلاً».

وقال إن إيران «ثورية» وتسعى إلى «توسيع وتصدير ثورتها»، مضيفاً: «لهذا هم مع (حزب الله) في لبنان، ولهذا دعموا (حماس)، ولهذا دعموا الميليشيات في العراق. هم لا يسعون فقط إلى الهيمنة على إيران، بل إلى الهيمنة على المنطقة... وتخيل ذلك مع سلاح نووي».

ووصف روبيو مضيق هرمز بأنه «يعادل سلاحاً نووياً اقتصادياً» تحاول إيران استخدامه ضد العالم، مضيفاً أن الإيرانيين «يتباهون بذلك»، ويضعون لوحات إعلانية في طهران عن قدرتهم على «احتجاز 25 في المائة أو 20 في المائة من طاقة العالم رهينة».

صحيفة «جوان» الناطقة باسم «الحرس الثوري» تقتبس عنواناً من «نيويورك تايمز»: «ترمب هو الرهينة الجديدة لإيران»... إلى جانب رسم كاريكاتيري يصوّر الرئيس الأميركي رهينة (أ.ف.ب)

وأضاف: «تخيل لو كان هؤلاء الأشخاص أنفسهم يملكون سلاحاً نووياً. سيحتجزون المنطقة كلها رهينة. لن نكون قادرين على فعل أي شيء بشأن (حزب الله)، ولن نكون قادرين على فعل أي شيء بشأن (حماس)، ولن نكون قادرين على فعل أي شيء بشأن الميليشيات الشيعية في العراق، لأنهم سيكونون جالسين هناك مع سلاح نووي ويقولون: نحن لا يمكن المساس بنا».

وقال روبيو: «لا شك لديّ بأنه في مرحلة ما في المستقبل، إذا بقي هذا النظام الديني المتطرف في السلطة في إيران، فسيقرر أنه يريد سلاحاً نووياً».

وأضاف أن إيران كانت تحاول، قبل إجراء ترمب، «الاختباء خلف درع تقليدية من المسيّرات والصواريخ وبحرية كبيرة»، حتى تفعل ما تريده في برنامجها النووي. وقال: «هذه القضية الجوهرية لا تزال تجب مواجهتها. هذا لا يزال هو جوهر القضية هنا».

جدية طهران

وعمَّا إذا كان يعتقد أن الإيرانيين جادون في التوصل إلى اتفاق، قال روبيو: «أعتقد أن الإيرانيين جادون في إخراج أنفسهم من الورطة التي هم فيها». وأضاف أن كل المشكلات التي كانت لدى إيران قبل اندلاع الحرب «لا تزال قائمة، ومعظمها بات أسوأ»، مشيراً إلى التضخم، والجفاف، وصعوبة دفع الرواتب، وتراجع الاقتصاد، والعقوبات الاقتصادية.

وتابع: «كل تلك المشكلات قائمة، وكثير منها أسوأ. والآن لديهم نصف الصواريخ، ولا مصانع، ولا بحرية، ولا سلاح جو. كل ذلك دُمر، لذلك هم في وضع أسوأ وأضعف».

وقال: «نعم، أعتقد أنهم جادون في معرفة كيف يمكنهم شراء مزيد من الوقت لأنفسهم. لا يمكننا أن نسمح لهم بالإفلات من ذلك. هم مفاوضون جيدون جداً. مفاوضون ذوو خبرة كبيرة، وعلينا أن نضمن أن أي اتفاق يتم، أي تفاهم يتم، هو اتفاق يمنعهم نهائياً من الاندفاع نحو سلاح نووي في أي وقت».

وعن الخطوة التالية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، قال روبيو إن القرار يعود إلى الرئيس، لكنه شدد على أن مستوى العقوبات والضغط على إيران «استثنائي»، وأنه يمكن فرض مزيد من الضغط.

وأضاف: «آمل أنه بعد هذا الصراع تكون أعين العالم كله قد فُتحت على التهديد الذي تمثله إيران. هم يريدون أن يفعلوا بالعالم، من خلال سلاح نووي، ما يفعلونه الآن بالنفط. يريدون احتجاز العالم رهينة كي يفعلوا ما يريدون. هذا غير مقبول».

ودعا روبيو «المجتمع الدولي» إلى التعامل مع ما يحدث في إيران بوصفه «تهديداً للسلام العالمي، وتهديداً للاستقرار العالمي»، وليس مجرد تهديد لدول الخليج أو لإسرائيل.

وقال إن على العالم أن يتعامل مع الأمر «بصورة شاملة»، وأن ينضم إلى واشنطن في «العقوبات الخانقة» وغيرها من أدوات الضغط لدفع النظام إلى تقديم تنازلات لا يريد تقديمها.

تغيير سلوك النظام

وعن احتمال أن تؤدي إجراءات الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير النظام في إيران، قال روبيو إن «تغيير النظام يجب أن يحدث من الداخل»، لكنه أضاف أن الضغط يمكن أن يؤدي إلى «تغيير سلوك النظام».

وقال إن بعض من في النظام الإيراني «يزنون التكلفة والمنافع» خلف كل قرار، وعلى واشنطن أن تجعل تكلفة ما وصفها بـ«الأشياء الخبيثة» التي يفعلونها تفوق فوائدها.

وأضاف أن هذا هو سبب فرض الحصار، قائلاً: «لا يمكن أن تسمح لهم بإغلاق المضايق والقول: يجب أن تدفعوا لنا لاستخدام المضايق، لكنّ الدولة الوحيدة التي يمكنها المرور عبر المضايق بلا عوائق ومن دون دفع أي شيء هي إيران».

وقال: «الحصار ليس حصاراً ضد الشحن. إنه حصار ضد الشحن الإيراني، لأنهم لا يمكن أن يكونوا المستفيدين الوحيدين من نظام غير قانوني وغير مشروع وغير مبرر للرسوم والسيطرة في المضايق».

وعن احتمال استئناف عملية «الغضب الملحمي» واستهداف الجسور ومحطات الطاقة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، قال روبيو إن «النية» هي العامل الأول، وإن رغبة واشنطن «ليست إلحاق الأذى بشعب إيران».

وأضاف: «ليست لدينا مشكلة مع شعب إيران. بصراحة، نتمنى أن تُسمع أصوات شعب إيران بدلاً من قتل 30 أو 40 ألفاً منهم في الشوارع، وقتلهم داخل المستشفيات، وإعدامهم بصورة روتينية».

وقال إن الشعب الإيراني «أيضاً ضحية ذلك النظام»، مضيفاً أن النظام يستخدم «قدرته الصناعية، وقدرته على توليد الطاقة، واستخدام الطرق والجسور لأغراض عسكرية» للحفاظ على نفسه.

وتابع: «أهدافنا ستكون دائماً الأشياء التي تدعم النظام مباشرةً. ربما يكون هناك طريق أو محطة طاقة أو مصنع في مكان ما يفيد الاقتصاد أيضاً، لكنّ دوره الأساسي هو إفادة النظام وجهازه الأمني. هذا ما استهدفناه دائماً، وهذا ما نركز عليه».

وقال: «نحن لا نضرب المستشفيات أو أي شيء كهذا. لا نضرب دور الحضانة ومراكز رعاية الأطفال. هذا ليس هدفنا. هذا ليس أبداً ما نستهدفه. نحن نستهدف الأشياء التي تدعم قدرة النظام على تصدير الإرهاب وحماية برنامجه النووي».

وقال روبيو إنه لم يتحدث قط إلى وزير الخارجية الإيراني، وإن الأخير «نادراً ما تحدث إلى رجالنا»، مضيفاً أن معظم المحادثات مع الإيرانيين كانت غير مباشرة.

وأضاف أن بعض الاتصالات المباشرة جرت خلال الأسابيع الماضية بشأن الاجتماعات التي عُقدت، مشيراً إلى أن النظام الإيراني كان يحظر لفترة طويلة التحدث مباشرةً إلى الأميركيين، ويفرض التواصل عبر وسطاء.

وقال: «أعتقد أن هذا الصراع أوجد الحاجة، كما رأيت ما حدث في إسلام آباد قبل أسابيع، حيث كانت هناك اتصالات مباشرة. لكن الاتصالات المباشرة معهم نادرة جداً وسرية جداً، وتتم فقط عبر شخص أو شخصين في نظامهم».

تُظهر صورة أقمار اصطناعية التقطتها وكالة «ناسا» مضيق هرمز في أغسطس 2022 (أرشيفية - د.ب.أ)

تعثر مسار باكستان

مساء الأثنين، قالت مصادر إيرانية كبيرة لـ«رويترز»، طلبت عدم نشر أسمائها، إن المقترح الذي قدمه عراقجي إلى إسلام آباد يتضمن مفاوضات على مراحل. وبعد حل ملف الحرب والحصار والمضيق، تنتقل المحادثات إلى قضايا أخرى، بينها النزاع الطويل بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما لا تزال طهران تسعى إلى نوع من الاعتراف الأميركي بحقها في تخصيب اليورانيوم.

وقال البيت الأبيض إن فريق الأمن القومي لترمب ناقش العرض، وإن الرئيس سيتناول الموضوع لاحقاً. وقال مسؤولون إن إعادة فتح المضيق من دون حل القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي قد تُفقد الولايات المتحدة وسيلة ضغط رئيسية، بينما يؤدي استمرار إغلاق الممر إلى إطالة ارتفاع أسعار الطاقة، بما في ذلك أسعار البنزين في الولايات المتحدة.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ما لا يقل عن ست ناقلات محملة بالنفط الإيراني أُجبرت في الأيام القليلة الماضية على العودة إلى إيران بسبب السيطرة الأميركية، بما يؤكد أثر الحرب على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقبل بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان ما بين 125 و140 سفينة تعبر المضيق يومياً. لكن بيانات من شركة «كبلر» وتحليلات أقمار اصطناعية من «سينماكس» أظهرت أن سبع سفن فقط عبرته يوم الاثنين، ولم تكن أي منها تحمل نفطاً متجهاً إلى السوق العالمية.

وفرضت إيران قيوداً على الملاحة في المضيق، وأعلنت الولايات المتحدة في 13 أبريل (نيسان) فرض حصار على الملاحة المرتبطة بإيران.

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عناصر من مشاة البحرية الأميركية، تابعين للوحدة الاستكشافية الـ31، صعدوا في وقت سابق اليوم إلى السفينة التجارية «بلو ستار 3» في بحر العرب، للاشتباه في محاولتها العبور إلى إيران بما يخالف الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

وأضافت «سنتكوم» أن القوات الأميركية أفرجت عن السفينة بعد تفتيشها والتأكد من أن رحلتها لن تشمل التوقف في أي ميناء إيراني. وأكدت أن القوات الأميركية تواصل تنفيذ عملياتها وفرض الحصار في أنحاء الشرق الأوسط، مشيرة إلى تحويل مسار 39 سفينة حتى الآن لضمان الامتثال.

ولم يقدم الجيش الأميركي تفاصيل كاملة عن أنواع السفن التي حوّل مسارها أو المواقع الدقيقة لعمليات الاعتراض. وقالت شركة الوساطة البحرية «كلاركسونز» إن «إيران هاجمت سفناً واحتجزتها لعدم التزامها بشروط العبور المطلوبة، بينما واصلت الولايات المتحدة فرض حصارها».

وأظهرت تحليلات صور أقمار اصطناعية من «تانكر تراكرز دوت كوم» أن ست ناقلات إيرانية عادت إلى الموانئ ثم عبرت المضيق مجدداً خلال الأيام القليلة الماضية، وعلى متنها نحو 10.5 مليون برميل من النفط.

وبينما أصدرت القوات الأميركية في خليج عمان تعليمات لبعض السفن بالعودة، سُمح لسفن أخرى بمواصلة الإبحار. وأظهرت بيانات «تانكر تراكرز» أن ناقلتين تحملان نحو أربعة ملايين برميل من النفط الإيراني أبحرتا في 24 أبريل باتجاه آسيا رغم الحصار الأميركي.

ووفق تحليل الموقع نفسه، شوهدت أربع ناقلات نفط إيرانية فارغة آخر مرة قبالة سواحل باكستان، بعد عودتها من آسيا. وقال محللون إن القوات الأميركية تحول مسار سفن مرتبطة بإيران شرقاً حتى مضيق ملقة، لذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الشحنات ستصل إلى المشترين أم سيتم اعتراضها وإعادتها إلى إيران.

ولا تزال مئات السفن ونحو 20 ألف بحار عالقين في الخليج العربي.

نددت وزارة الخارجية الإيرانية، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بالممارسات الأميركية ضد ناقلات النفط المرتبطة بإيران، ووصفتها بأنها «تقنين صريح للقرصنة والسطو المسلح في أعالي البحار».

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، لوسائل إعلام رسمية، إن إيران استعدت لاحتمال الحصار البحري منذ الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2024، واتخذت الترتيبات اللازمة بحيث «لا يصبح هناك أي داعٍ للقلق». وأضافت أن طهران تستخدم ممرات تجارية شمالية وشرقية وغربية لا تعتمد على موانئ الخليج العربي لتحييد آثار الحصار.

وحذرت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية أليسون هوكر، من أن «السلوك غير القانوني» لإيران في مضيق هرمز يجب أن يكون «جرس إنذار» لأمن الطاقة العالمي، داعيةً إلى تنويع الإمدادات وتقليل الاعتماد على مناطق غير موثوقة.

قال نائب وزير الدفاع الإيراني رضا طلائي نيك، الثلاثاء، إن طهران مستعدة لتبادل القدرات والخبرات الدفاعية المكتسبة من «هزيمة أميركا» مع الدول «المستقلة»، ومنها دول منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم إيران وروسيا والصين والهند وباكستان ودولاً من آسيا الوسطى.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عنه قوله، خلال اجتماعات مع نظراء من المنظمة، إن إيران «مستعدة لتبادل خبراتها التي أدت إلى هزيمة الولايات المتحدة مع الأعضاء الآخرين في هذه المنظمة». وأضاف أن الولايات المتحدة «لم تعد قادرة على فرض سياساتها على الدول المستقلة»، وأن ذلك «أصبح واضحاً للعالم بأسره من خلال صمود الشعب الإيراني وقواته المسلحة».

في السياق نفسه، شكَّك محسن رضائي، المستشار العسكري الرفيع للمرشد الإيراني، في قدرة الولايات المتحدة على حظر صادرات النفط الإيرانية.

وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «لا توجد دولة قادرة على حظر صادرات النفط الإيرانية». وأضاف أن على الرئيس الأميركي التركيز على «تنظيم الفوضى السائدة في الحكومة الأميركية والاقتصاد والقوات المسلحة، بدلاً من الانخراط في التباهي الفارغ».

ضغط العقوبات

واستأنفت إيران بداية هذا الأسبوع بعض الرحلات التجارية منذ بداية الصراع. وحذر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، من أن واشنطن ستفرض عقوبات على أي جهة تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات، مع استئناف رحلات تجارية من طهران

وقال بيسنت إن التعامل مع شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات ينطوي على مخاطر التعرض لعقوبات أميركية، داعياً الحكومات الأجنبية إلى منع الشركات الواقعة ضمن ولايتها من تقديم خدمات لهذه الطائرات، بما في ذلك الوقود والتموين ورسوم الهبوط والصيانة.

وأطلقت وزارة الخزانة مبادرة «الغضب الاقتصادي» لمكافحة إيران، مستهدفةً شبكةً عالميةً قالت إنها تساعد على الحفاظ على تجارة النفط الإيرانية، كما أرسلت رسائل إلى بنوك صينية مهددة بعقوبات ثانوية إذا واصلت المساعدة في معاملات النفط الإيرانية.

تواجه إيران، إلى جانب الحصار البحري وتداعيات الحرب، ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة. وقالت مهاجراني إن إعادة بناء الممتلكات الخاصة المتضررة في الحرب ستستغرق «بين ستة أشهر وعامين». وأشارت إلى إحصاءات وزارة الداخلية، قائلةً إن نحو 118 ألفاً و180 وحدة في القطاع الخاص تضررت جراء الحرب. وأضافت أن نحو 2529 وحدة خاصة تعرضت لأضرار جسيمة وتحتاج إلى «إعادة بناء كاملة».

إيرانيان يعبران ميدان انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

وذكرت «سي إن إن» أن عدة ملايين من الإيرانيين فقدوا وظائفهم أو دُفعوا نحو الفقر وسط الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وأن قطاعات عدة تضررت، من بينها المصافي والمنسوجات والنقل الجوي وسائقو الشاحنات والصحافة.

كان الاقتصاد الإيراني في وضع صعب قبل الحرب، إذ انخفض الدخل القومي للفرد من نحو ثمانية آلاف دولار عام 2012 إلى خمسة آلاف دولار عام 2024، متأثراً بالتضخم والفساد والعقوبات.

وتوقّع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يصل عدد الأشخاص الذين قد يقعون في الفقر بسبب الصراع إلى 4.1 مليون شخص. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن أكثر من 23 ألف مصنع وشركة تضررت.

وقال نائب وزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني غلام حسين محمدي، إن الأضرار طالت مليون وظيفة بشكل مباشر. وقدّرت منصة «اعتماد أونلاين» أن الآثار غير المباشرة دفعت مليون شخص آخر إلى البطالة.

وتُظهر البيانات الرسمية زيادة مفاجئة في طلبات إعانة البطالة، إذ بلغ عدد المتقدمين 147 ألفاً خلال الشهرين الماضيين، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الرقم المسجل العام الماضي.


مقالات ذات صلة

ترمب: إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً وسننهي الحرب بسرعة كبيرة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ب)

ترمب: إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً وسننهي الحرب بسرعة كبيرة

قال ‌الرئيس ​الأميركي دونالد ‌ترمب، ⁠اليوم، ⁠لمشرعين ⁠في ‌البيت ‌الأبيض ​إن ‌الولايات المتحدة «ستنهي ‌الحرب ‌بسرعة كبيرة» ⁠مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا وزيرة التنمية البريطانية لدى إلقائها كلمة أمام المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

لندن تحذر من أزمة غذاء عالمية مع إغلاق «هرمز»

هيمنت تداعيات حرب إيران على أعمال اليوم الأول من مؤتمر «الشراكات العالمية» الذي استضافته لندن أمس بمشاركة عشرات الدول والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات.

نجلاء حبريري (لندن)
الخليج محطة براكة للطاقة النووية في العاصمة أبوظبي (وام)

«مجلس الأمن» يدين الهجوم على محطة براكة النووية في الإمارات

انضمت روسيا الثلاثاء، إلى أعضاء آخرين في مجلس الأمن الدولي لإدانة الهجوم بطائرات مسيرة على محطة براكة النووية في الإمارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ سفينتا شحن في مياه المحيط الهندي بالقرب من ماليه بجزر المالديف 19 مايو 2026 (رويترز)

أميركا تصادر ناقلة نفط مرتبطة بإيران في المحيط الهندي

أفاد 3 مسؤولين أميركيين بأن الولايات المتحدة صادرت ناقلة نفط مرتبطة بإيران في المحيط الهندي خلال الليل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الثلاثاء (رويترز)

فانس: لن نبرم اتفاقاً يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي

شدد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على أن واشنطن لن تقبل أي اتفاق يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن الإدارة الأميركية ما زالت تسعى إلى تسوية دبلوماسية.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.