إيران لا تستبعد هجوماً جديداً وتتمسك بالتخصيب

عراقجي: قطعنا الاتصالات مع ويتكوف منذ أشهر

عراقجي يتحدث إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف الأربعاء الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف الأربعاء الماضي (الخارجية الإيرانية)
TT

إيران لا تستبعد هجوماً جديداً وتتمسك بالتخصيب

عراقجي يتحدث إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف الأربعاء الماضي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يتحدث إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف الأربعاء الماضي (الخارجية الإيرانية)

قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن طهران «لا تستبعد» احتمال تعرضها لهجوم جديد، لكنها «مستعدة بالكامل، وأكثر من السابق»، مشدداً على أن الجاهزية تهدف إلى منع الحرب لا الترحيب بها، وأن إيران أعادت بناء ما تضرر خلال هجمات يونيو (حزيران) الماضي.

وفي مقابلة مطولة مع قناة «روسيا اليوم»، بثت الأحد، أوضح عراقجي أن إيران «لا ترحب بالحرب»، لكنه شدد على أن «أفضل وسيلة لمنعها هي الاستعداد لها»، مضيفاً أن أي هجوم جديد «لن يكون سوى تكرار لتجربة فاشلة».

وتعود تصريحات الوزير الإيراني إلى زيارته موسكو الأسبوع الماضي، حيث أجرى محادثات سياسية ودبلوماسية، بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي واستمرار الجدل حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

وأشار عراقجي إلى أنه أجرى في وقت سابق اتصالات مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف بشأن الملف النووي، قبل أن تقرر طهران وقف هذه الاتصالات منذ عدة أشهر. وقال إن استهداف إيران «خلال مسار تفاوضي» شكَّل «تجربة مريرة»، مذكراً بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق 2015 «دون مبرر منطقي».

وأضاف أنه واصل تبادل وجهات النظر مع ويتكوف بعد الحرب الأخيرة، لكنه اعتبر أن الإصرار الأميركي على استئناف المفاوضات جاء «بنهج خاطئ»، مشدداً على أن طهران «مستعدة لاتفاق عادل ومتوازن عبر التفاوض»، لكنها «غير مستعدة لقبول الإملاء».

وأكد عراقجي أن استئناف أي حوار مشروط بطرح «حل تفاوضي قائم على المصالح المتبادلة»، معتبراً أن أمام الولايات المتحدة «خيارين واضحين»: إما العودة إلى الدبلوماسية، وإما الاستمرار في مسار «أثبت فشله».

وشنّت إسرائيل في 13 يونيو هجوماً واسعاً على منشآت استراتيجية داخل إيران، أسفر عن مقتل عشرات من قادة «الحرس الثوري» ومسؤولين وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي، ما أشعل حرباً استمرت 12 يوماً بين الجانبين. وانضمت الولايات المتحدة لاحقاً إلى المواجهة عبر قصف ثلاثة مواقع نووية إيرانية.

وقال عراقجي إن الضربات الأميركية التي استهدفت منشأتَي نطنز وفوردو النوويتين تسببت في أضرار «خطيرة»، لكنها لم تقضِ على القدرات التكنولوجية لإيران، ولا على إرادتها في مواصلة برنامجها النووي، الذي وصفه بـ«السلمي». وأضاف: «التكنولوجيا لا يمكن قصفها».

وشكك الوزير الإيراني في تقييم وزارة الدفاع الأميركية الذي قال إن البرنامج النووي الإيراني تأخر ما بين عام وعامين، مؤكداً أن طهران تمتلك «حقاً مشروعاً» في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، وأنها «لن تتخلى عن هذا الحق».

صورة من قمر «ماكسار» تُظهر «مجمع فوردو» بعد أن شنَّت الولايات المتحدة ضربات على المنشأة النووية تحت الأرض بالقرب من مدينة قم في إيران (أرشيفية - رويترز)

وأشار إلى أن إيران مستعدة لتقديم «ضمانات كاملة» بأن برنامجها سيبقى سلمياً، كما فعلت في اتفاق عام 2015، مقابل رفع العقوبات، معتبراً أن ذلك الاتفاق أثبت نجاح المسار الدبلوماسي عندما قام على «الاحترام المتبادل وبناء الثقة»، في مقابل ما وصفه بفشل الخيار العسكري.

وفي سياق إقليمي أوسع، توقع عراقجي استمرار النهج الإسرائيلي خلال عام 2026، معتبراً أن «الحصانة من المحاسبة» التي توفرها واشنطن وبعض الدول الأوروبية «تعيد العالم إلى منطق القوة، وتضعف القانون الدولي والإنساني».

وفي هذا الإطار، ذكرت شبكة «إن بي سي نيوز» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيستمع إلى إحاطة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تتناول مخاوف إسرائيلية من إعادة تشغيل مواقع تخصيب اليورانيوم التي استهدفتها الضربات الأميركية، إضافة إلى احتمال توسيع برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.

ونقلت الشبكة عن مسؤولين إسرائيليين قلقهم من استئناف أنشطة التخصيب، واستعدادهم لعرض خيارات جديدة على الإدارة الأميركية للتعامل مع هذه التطورات.

وفيما يتعلق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال عراقجي إن إيران لا تزال ملتزمة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومستعدة للتعاون مع الوكالة، لكنه انتقد امتناعها عن إدانة الهجمات التي استهدفت منشآت نووية خاضعة لإشرافها، معتبراً ذلك «سابقة خطيرة» وانتهاكاً للقانون الدولي.

وأضاف أن قصف منشآت نووية سلمية خاضعة لضمانات الوكالة «أضعف نظام عدم الانتشار»، داعياً الوكالة إلى العودة إلى دورها المهني ورفض ما وصفه بـ«التسييس».

وعقب الهجمات، علقت إيران بعض أوجه التعاون مع الوكالة الدولية، وقيّدت وصول مفتشيها إلى المواقع المتضررة، وربط قانون أقره البرلمان الإيراني في يوليو (تموز) الماضي دخول المفتشين بالحصول على موافقات من مجلس الأمن القومي، بما يتطلب مصادقة المرشد علي خامنئي.

وكانت إيران قد توصلت في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى إطار تعاون جديد مع الوكالة بوساطة مصرية، غير أن طهران أعلنت لاحقاً اعتباره ملغياً بعد تحرك أوروبي لإعادة تفعيل مسار فرض عقوبات الأمم المتحدة.

وأوضح عراقجي أن طهران تطالب بمراجعة آليات التفتيش في المواقع التي تعرضت للقصف، مشيراً إلى عدم وجود سابقة لكيفية تفتيش منشآت نووية متضررة من هجمات عسكرية، وأن مشاورات مع الوكالة جارية للتوصل إلى إطار واضح في هذا الشأن.

وفي السياق نفسه، قال بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ونائب رئيسها: «من الناحية الأمنية، ليس من المناسب في الوقت الراهن تزويد العدو بمعلومات حول مدى تضرر المواد النووية والمواقع».

وأضاف كمالوندي لوكالة «إيسنا»، السبت، أن «الهجوم على إيران وقع في وقت كان فيه مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية موجودين في البلاد قبل يوم واحد فقط»، مشيراً إلى عدم وجود لوائح محددة لزيارة منشآت تعرضت لهجوم عسكري.

وربط كمالوندي عودة التعاون إلى ما قبل الحرب بتوقف التهديدات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، واحترام حقوق إيران في الملف النووي، «ولا سيما فيما يتعلق بالتخصيب»، مؤكداً رفض ما وصفه بـ«نغمة التخصيب الصفري».

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

وأوضح أن إيران وصلت في الملف النووي إلى «مرحلة لم يعد فيها أي أمر مجهول»، لافتاً إلى أن بناء محطة طاقة نووية «عملية معقدة وتقنية»، في إشارة إلى الطابع «السلمي» للبرنامج.

من جهته، قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في تصريحات صحافية الأسبوع الماضي، إن الوكالة تمكنت من استئناف بعض أنشطة التفتيش في إيران، لكنها لا تزال «محدودة للغاية»، دون الوصول إلى المواقع الرئيسية في نطنز وأصفهان وفوردو، التي وصفها بأنها «الأكثر أهمية».

وأضاف غروسي أن مسألة استعادة الوصول الكامل إلى هذه المواقع «تشكل التحدي الأكبر حالياً»، مؤكداً أن التواصل مع إيران «لا يزال قائماً»، رغم عدم عودة التعاون إلى مستواه السابق.

وقبل الهجمات على منشآتها النووية، كانت إيران تخصّب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، القريبة من مستوى الاستخدام العسكري، وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران كانت تمتلك نحو 441 كيلوغراماً من هذه المادة عند اندلاع الحرب، قبل أن يتعذر عليها التحقق من المخزون منذ 13 يونيو.

وتؤكد الدول الغربية عدم وجود حاجة مدنية إلى هذا المستوى من التخصيب، فيما تقول «الوكالة الذرية» إن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة لسلاح نووي التي تخصب اليورانيوم عند نسبة 60 في المائة.


مقالات ذات صلة

ترمب: أميركا تجري محادثات مع ممثلين عن إيران

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب خلال حديثه للصحافيين (د.ب.أ)

ترمب: أميركا تجري محادثات مع ممثلين عن إيران

‌قال ‌الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب، اليوم ​الجمعة، إن إدارته تجري ‌محادثات ‌مع ممثلين ​عن ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

«الخزانة الأميركية» تعلن إصدار عقوبات على شركات كندية بسبب معاملات تتعلق بإيران

أظهر إشعار ‌على موقع وزارة الخزانة الأميركية ‌أن ‌الولايات المتحدة أصدرت ‌عقوبات ‌جديدة ‌متعلقة بإيران، اليوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

سفن مرتبطة بإيران تحوم فوق كابلات الإنترنت في بحر عُمان

رُصدت أربع سفن مرتبطة بإيران على الأقل وهي تسلك مسارات غير مألوفة وتتباطأ فوق كابلات اتصالات بحرية في بحر عُمان، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)

تحليل إخباري ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع المواجهة مع إيران أمام احتمال التصعيد، بإعلانه عقب اجتماع مع فريقه للأمن القومي، أنه سيتخذ قراراً «قريباً» بشأن الحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026 p-circle

واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع تجدد المواجهة العسكرية التي تهدد بتوسيع دائرة الحرب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)

شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

دور فانس يعكس مساعي واشنطن للخروج من الحرب

وبحسب «أكسيوس» يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من حرب حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية مع وسطاء قطريين وباكستانيين

وكشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران.

ويشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

فانس سبق أن عارض الحرب ودافع عن الحل الدبلوماسي

وكان فانس من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، إذ دعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وقاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، والتي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، وانتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني استأنف هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

رسالة من فانس إلى مسؤول إيراني لاستئناف المفاوضات

أما التطور الأبرز وفق «أكسيوس»، فكان قبل أسبوعين، إذ بعث فانس برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، واقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة.

وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

تقدم بطيء في الوساطة وإشارات إلى إمكان التوصل لاتفاق

وأشارت مصادر مشاركة في جهود الوساطة، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وقال رئيس الوزراء القطري، مساء الجمعة: «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».


«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
TT

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

كانت مجموعة من الدبلوماسيين الأميركيين تستقل مروحية إسرائيلية في أوائل عام 1960، عندما لفت انتباه أحدهم موقع بناء يمتد في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلاً غرب البحر الميت.

وأشار المسؤول الأميركي إلى الموقع، وسأل مرافقه الإسرائيلي، عدي كوهين، من وزارة المالية، عن طبيعة المنشأة التي يجري تشييدها، فأجابه كوهين بأنها «مصنع للمنسوجات»، وفق ما قاله للأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل آنذاك، أوجدن ريد.

لكن ما رآه الراكب كان منشأة ديمونا النووية، التي تُعرف اليوم بأنها مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. ولم يمر سوى عدة أشهر قبل أن يطالب ريد بعقد اجتماع مع كوهين، بعدما تمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية من تحديد الطبيعة الحقيقية لموقع البناء.

وجاء في برقية دبلوماسية أميركية سرية، ضمن مجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، وتتضمن تفاصيل رحلة المروحية: «تعامل كوهين في البداية مع الأمر باستخفاف، لكن الانطباع الذي تكوّن هو اعتقاده بأن المفاعل يمكن استخدامه في نهاية المطاف لأغراض تسليحية».

وبعد خمس سنوات اكتشف مسؤولون أميركيون معنيون بالملف النووي اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب بدرجة تصلح لصنع الأسلحة من منشأة في ولاية بنسلفانيا. ورأى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أن هذه الكمية حُوّلت لاستخدامها في البرنامج الإسرائيلي، وهو ما أشار إليه أيضاً فيلم وثائقي حديث، وفق ما أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية.

تعبير شائع على الأسلحة

وعلى مدى السنوات الستين التالية حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على موقف ملتبس، فلم تعترف أي منهما بتطوير الترسانة النووية الإسرائيلية. وأصبح رد كوهين العفوي على الدبلوماسيين الأميركيين، عندما وصف منشأة ديمونا بأنها «مصنع للمنسوجات»، تعبيراً شائعاً يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون للتلميح إلى أسلحة البلاد النووية. حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشار إلى واقعة «مصنع المنسوجات» خلال اجتماع مع رئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في خطاب ألقاه في 14 يوليو (تموز).

وتحول الأمر بمرور الوقت إلى ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أفنير كوهين بأنه «أسوأ سر معروف في العالم». وتقوم السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً على التعتيم، أو الغموض، من خلال التلميح إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، من دون تأكيد ذلك رسمياً.

وساعدت هذه السياسة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقف معلن يعارض تطوير دول إضافية أسلحة نووية، كما جنّبت إسرائيل التساؤلات بشأن كيفية حصولها على القنبلة، أو ما إذا كانت قد حصلت عليها بالفعل.

لكن هذا الوضع المستقر قد يكون في طريقه إلى التغير، مع تقدم البرامج النووية لدول أخرى في المنطقة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران -جزئياً- لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن خبراء بارزين في منع الانتشار النووي يرون أن هذه الجهود قد تكون غير مجدية.

وقد يبدو أن الدعم الأميركي الذي ظل راسخاً لطموحات إسرائيل العسكرية بدأ يتآكل. ففي يوم الثلاثاء قال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد توقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام، لأنها «لم تعد بحاجة إليها». كما دأب عدد من المشرعين الديمقراطيين ومجموعات الضغط خلال السنوات الأخيرة على المطالبة بإنهاء ما وصفوه بتظاهر الولايات المتحدة بعدم معرفة حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن الموقف الأميركي القائم على الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح سياسة متقادمة «تحولت إلى أمر متهور وخطير».

وأشار كاسترو، العضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أن خوض الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل من دون معرفة «الخط الأحمر» الذي قد يدفعها إلى استخدام السلاح النووي، ومن دون توضيح خطط الطوارئ في حال استخدام تلك الأسلحة، أو استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية، كل ذلك ينطوي على مخاطر.

سر يعرفه الجميع

وإذا جرى التخلي عن سياسة الإنكار الضمني، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة النظر في جذور التكنولوجيا النووية الإسرائيلية، وسنوات من المناورات التي استهدفت منع ظهور أدلة قاطعة على وجود البرنامج التسليحي.

فالمفتشون الأميركيون لم يعثروا قط على المنشأة السرية تحت الأرض في ديمونا، التي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم الصالح لصنع القنابل. ووفقاً لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية عُرض عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، وشمل مقابلات نُشرت بعد وفاة رئيس سابق لجهاز استخبارات إسرائيلي كان مكلفاً بدعم البرنامج التسليحي، كان مسؤولون إسرائيليون يعمدون إلى إغلاق مدخل المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين.

وقد يؤدي الكشف عن هذه المعلومات أيضاً إلى مزيد من تقويض مصداقية الولايات المتحدة، في وقت تواصل فيه معارضة انضمام دول أخرى إلى النادي النووي. كما قد يفضي إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو حظر مبيعات الأسلحة لمعاقبة الدول الساعية إلى امتلاك القنبلة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «السياسة المتبعة منذ فترة طويلة تقضي بعدم تعليق الوزارة علناً على التقارير المتعلقة بمنظومات أو أوضاع عسكرية محددة».

ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق، فيما أحالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن استفسار «سي إن إن» إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يقدم رداً.

وقال ماثيو كرونيغ، الخبير الاستراتيجي في الشؤون النووية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون: «إذا أعلنت إسرائيل أنها دولة نووية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على دول أخرى في المنطقة لتحذو حذوها. وسباق تسلح نووي منفلت في الشرق الأوسط ليس أمراً جيداً للسياسة الأميركية».

وخلال جلسة استماع علنية أمام الكونغرس في يونيو (حزيران)، واجه كاسترو وزير الخارجية ماركو روبيو بأسئلة بشأن هذه المسألة.

وقدم روبيو، الذي يُعد ثاني أميركي بعد هنري كيسنجر يتولى في الوقت نفسه منصبي كبير الدبلوماسيين ومستشار الأمن القومي، ربما أكثر التقييمات العلنية صراحة التي يقدمها مسؤول دبلوماسي أميركي بشأن هذه المسألة.

وقال روبيو: «أعتقد أن معظم دول العالم ترى أنهم يمتلكونها، لكننا لم... هم لم يعترفوا بذلك علناً. وباعتبار ذلك جزءاً من سياستنا الخارجية، فإننا لا نتحدث عن الأمر بهذه الطريقة أيضاً، لأسباب متعددة».

بناء سياسة الإنكار

قال خبراء لـ«سي إن إن» إن سياسة السرية نشأت بدافع ضرورات الحرب الباردة. فقد خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الكشف عن البرنامج إلى إطلاق برامج نووية عسكرية عربية برعاية الاتحاد السوفياتي، كما خشيت إسرائيل التداعيات الدبلوماسية التي قد تترتب على إعلانها رسمياً دولة تمتلك أسلحة نووية.

وفي العام نفسه الذي اكتشفت فيه المنشأة في بنسلفانيا اختفاء اليورانيوم، زار هنري كيسنجر تل أبيب، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأميركية في السفارة على محادثاته مع الإسرائيليين.

وكان كيسنجر، الذي عمل آنذاك أستاذاً في قسم العلوم الحكومية بجامعة هارفارد، مستشاراً للسياسة الخارجية لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديداً في عام 1969، تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون.


الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
TT

الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)

أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية اليوم (السبت).

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».