كيف ستتخلص تركيا من منظومة «إس-400» الروسية لإزالة عقوبات «كاتسا»؟

تساؤل فجرته تصريحات واشنطن وأنقرة عن قرب حل أزمة «إف-35»

جانب من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان بالبيت الأبيض في 25 سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)
جانب من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان بالبيت الأبيض في 25 سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)
TT

كيف ستتخلص تركيا من منظومة «إس-400» الروسية لإزالة عقوبات «كاتسا»؟

جانب من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان بالبيت الأبيض في 25 سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)
جانب من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان بالبيت الأبيض في 25 سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)

أثارت تصريحات أميركية وتركية متكررة بشأن اقتراب رفع العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا بالعقوبات (كاتسا)، وإعادتها إلى برنامج تطوير مقاتلات «إف-35»، تساؤلاً حول تخليها عن منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400»، التي بسببها تعرضت للعقوبات.

وفي أحدث هذه التصريحات قال سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم براك، إن واشنطن تواصل المحادثات مع أنقرة بشأن عودتها إلى برنامج مقاتلات «إف-35»، وتأمل في أن تسفر عن انفراجة خلال الأشهر المقبلة. وفي الوقت ذاته، أوضح براك، عبر حسابه في «إكس»، أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة منظومة «إس-400» الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

ولفت إلى أن العلاقات الإيجابية بين الرئيس ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان هيأت أجواء جديدة من التعاون، نتج عنها محادثات هي الأكثر فائدة منذ نحو 10 سنوات فيما يتعلق بهذا الموضوع.

عقوبات واعتراضات

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف-35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن» عقب حصولها على منظومة «إس-400» في صيف عام 2019، وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات«إف-35».

وتعارض اليونان، الجارة لتركيا وحليفها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وكذلك إسرائيل، حصول أنقرة على المقاتلات الأميركية.

المقاتلة الأوروبية «يورفايتر تايفون» التي سعت تركيا إلى الحصول عليها بديلاً لـ«إف-35» (أ.ب)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف-35».

والأسبوع الماضي، قال براك خلال مشاركته في مؤتمر «ميلكن» للشرق الأوسط وأفريقيا الذي عقد في أبوظبي، إن غالبية الملفات المهمة التي يجري التفاوض عليها بين تركيا والولايات المتحدة قد حُلت، وأن المتبقي منها سيحل خلال مدة تتراوح بين 4 و6 أشهر.

المقاتلة الأميركية «إف-35» (موقع شركة لوكهيد مارتن)

وأضاف أن ترمب يرى أن العقوبات المفروضة على تركيا لا معنى لها، ويدرك أن الصناعات الدفاعية لديها تطورت وأنها تصدر طائرات مسيّرة إلى أوكرانيا، وتشتري مقاتلات «يوروفايتر تايفون»، في وقت لا تصدر فيه الولايات المتحدة إليها طائرات مقاتلة.

رسائل متكررة

ولفت براك إلى أن هناك شرطين يتعلقان بمنظومة «إس-400» الروسية التي تملكها تركيا، وهما التشغيل، وقد تم حلها، والثاني الملكية، وهو الأصعب قليلاً.

بدوره، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن مسألة عقوبات «كاتسا» ستحل خلال أشهر، دون الكشف عن خطوات أو مطالب محددة. وسبق أن أعلن إردوغان عقب لقائه ترمب بالبيت الأبيض في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، عن مفاوضات لعودة تركيا إلى برنامج «إف-35».

ترمب وإردوغان شهدا توقيع وزيري الخارجية الأميركي والطاقة والموارد الطبيعية التركي اتفاقية الطاقة النووية بين بلديهما خلال زيارة إردوغان لواشنطن في 25 سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)

وتحدث مراقبون، عقب لقاء ترمب - إردوغان، عن تحولات جوهرية في الخيارات الجيوسياسية لتركيا، التي سبق أن حولت بوصلتها شرقاً باتجاه روسيا، في مجال الدفاع (اقتناء منظومة إس-400) والطاقة النووية (مشروع محطة أكويو النووية لتوليد الكهرباء في مرسين جنوب تركيا والمفاوضات حول بناء محطات أخرى)، لتعود مجدداً إلى التوجه غرباً من خلال فتح ملف مقاتلات «إف-16» و«إف-35»، والصفقة الضخمة لشراء طائرات «بوينغ»، واتفاقية التعاون النووي المدني الاستراتيجي، التي سيتم وضع تفاصيلها النهائية لاحقاً.

وكانت تركيا قد تحركت لاقتناء المنظومة الروسية، بسبب عدم الاستجابة لطلباتها المتكررة للحصول على بطاريات «باتريوت» الأميركية، وسحب الدول الحلفاء في «الناتو»، مثل إيطاليا وإسبانيا، بطارياتها التي تم نشرها في تركيا لتأمين الحدود الجنوبية للحلف.

عقبات متعددة

ولم تتمكن تركيا من تشغيل المنظومة الروسية، وعندما تحدث ترمب عن النظر في رفع عقوبات «كاتسا»، لم يفته استحضار قضية القس الأميركي أندرو برونسون، الذي اعتقل في تركيا بدعوى دعم محاولة الانقلاب الفاشلة التي اتهمت حركة «الخدمة» التابعة للداعية الراحل فتح الله غولن بتنفيذها في 15 يوليو (تموز)، لإظهار قدرته على التصرف عبر التهديد والضغط عندما لا يحصل على ما يريد، وهو ما أثار انتقادات واسعة لإردوغان من جانب المعارضة التركية.

منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وفي أبريل (نيسان) الماضي، كشفت تقارير عن أن تركيا تناقش مقترحاً لنقل منظومة «إس-400» إلى سوريا.

وعلى أثر ذلك وجّه عضوا مجلس النواب الأميركي، غاس بيلراكيس وبراد شنايدر، رسالةً إلى وزارة الخارجية، حذرا فيها من أن إعادة نشر هذه المنظومة الروسية سيشكل تصعيداً خطيراً، وستكون لها تداعيات واسعة النطاق على أمن إسرائيل، ومصداقية إنفاذ العقوبات الأميركية ضد تركيا، وموقف الردع الأميركي، وستكون بمثابة مكافأة لتركيا على تحديها الاستراتيجي، ورسالة مقلقة إلى الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء. وحسب ما أعلن وقت توقيع صفقة «إس-400» عام 2017، لا يحق لتركيا بيع منظومة «إس-400» إلى دولة ثالثة، وهو ما يجعل تخلصها منها أمراً شبه مستحيل.


مقالات ذات صلة

تركيا: قيادي في «داعش» يكشف خطة لاغتيال أكرم إمام أوغلو

شؤون إقليمية كشف قيادي في «داعش» عن خطة لم تنفذ لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)

تركيا: قيادي في «داعش» يكشف خطة لاغتيال أكرم إمام أوغلو

كشف قيادي في تنظيم «داعش» تم جلبه من سوريا مؤخراً بواسطة المخابرات التركية خطة لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المعارض المرشح للرئاسة المحتجز أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)

«بيت الصورة» حيث يفتح أطفال أتراك ولاجئون أنظارهم على العالم

تجلس زينب ابنة الثمانية أعوام في غرفة معتمة تنيرها مصابيح خافتة باللون الأحمر، وهي تنتظر تظهير الصور التي التقطتها.

«الشرق الأوسط» (ماردين)
شؤون إقليمية تترقب عناصر حزب «العمال الكردستاني» إقرار البرلمان التركي تشريعاً يسمح لهم بالعودة والاندماج في المجتمع (رويترز)

تركيا تقترب من «قانون إطاري» للسلام مع الأكراد

ظهرت مؤشرات على البدء بتسريع وضع «قانون إطاري» لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» في تركيا التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا محادثات مصرية - سودانية في القاهرة تنناول المستجدات (الخارجية المصرية)

مستشار ترمب في القاهرة بحثاً عن حلول للأزمة السودانية

أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، محادثات، السبت، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في إطار التشاور والتنسيق المستمرَين بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الرياضة المدرب الإيطالي لمنتخب تركيا فيتشنزو مونتيلا (رويترز)

مونتيلا «ينظر للإيجابيات» بعد توديع تركيا للمونديال

ودّع منتخب تركيا منافسات كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بدون تسجيل أي هدف.

«الشرق الأوسط» (سانتا كلارا)

بزشكيان إلى باكستان لمتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم

بزشكيان يلوح بيده في مطار مهرآباد غرب طهران قبل المغادرة إلى إسلام آباد اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلوح بيده في مطار مهرآباد غرب طهران قبل المغادرة إلى إسلام آباد اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

بزشكيان إلى باكستان لمتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم

بزشكيان يلوح بيده في مطار مهرآباد غرب طهران قبل المغادرة إلى إسلام آباد اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلوح بيده في مطار مهرآباد غرب طهران قبل المغادرة إلى إسلام آباد اليوم (الرئاسة الإيرانية)

غادر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، طهران متوجهاً إلى باكستان، معلناً أن هدف الزيارة يتمثل في متابعة تنفيذ جميع بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة، بعد يوم من اختتام الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في سويسرا.

وقال بزشكيان، قبيل مغادرته، إن الزيارة تأتي بدعوة من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وتشكل امتداداً للجهود التي بذلتها إسلام آباد للتوصل إلى مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن.

وأضاف أن رئيس الوزراء الباكستاني، وقائد الجيش المشير عاصم منير، ووزير الداخلية محسن نقوي، إلى جانب مؤسسات الدولة الباكستانية، لعبوا دوراً محورياً في تنسيق المفاوضات والمساعدة على إنجاز الاتفاق.

وأشار إلى أن المسؤولين الباكستانيين كان لهم «دور لا يضاهى» في متابعة حقوق الشعب الإيراني، معتبراً أن حرصهم على إنجاح الاتفاق وإحلال السلام في المنطقة «ربما كان أكبر من حرصنا نحن».

وتأتي الزيارة بعد ساعات من إعلان الوسطاء القطريين والباكستانيين اختتام الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في منتجع بورغنستوك السويسري، وإقرار خريطة طريق تمتد 60 يوماً نحو اتفاق نهائي، تتضمن إنشاء لجنة عليا للإشراف السياسي ومجموعات عمل فنية وآليات خاصة بمضيق هرمز ووقف إطلاق النار في لبنان.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أثناء مصافحته رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي في منتجع بورغنشتوك السويسري (رويترز)

وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد وصف المحادثات بأنها «ناجحة»، وقال إن المناقشات جرت في «أجواء إيجابية وبنّاءة» وأسفرت عن «تقدم مشجع» نحو اتفاق نهائي بين الطرفين.

وأكد بزشكيان أن الزيارة تهدف إلى متابعة استكمال المسار التنفيذي لمذكرة التفاهم، وضمان تنفيذ جميع البنود التي جرى التوقيع عليها «في إطار القوانين الدولية وحقوق الشعب الإيراني».

وقال إن التنفيذ الكامل للاتفاق يمكن أن يساهم في خفض التوترات والأزمات في الشرق الأوسط، وتعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين، في ظل استمرار الصراعات والحروب في المنطقة.

وأضاف أن مباحثاته في إسلام آباد ستشمل ملفات التعاون التجاري والاقتصادي والثقافي والأمني والعسكري، إلى جانب قضايا السلام والأمن الإقليمي.

وشدد الرئيس الإيراني على أن توسيع العلاقات مع باكستان ودول المنطقة، بما فيها تركيا وقطر والسعودية، يمثل أولوية للحكومة الإيرانية في إطار سياسة تعزيز التعاون مع دول الجوار والعالم الإسلامي.

وقال بزشكيان إن تقدم المفاوضات مع الولايات المتحدة سيُقاس بمدى الالتزام العملي بالمسؤوليات التي جرى قبولها، محذراً من أن التصريحات الخارجة عن نص الاتفاق «لا تساعد في تقدم المفاوضات».

وكتب بزشكيان على منصة «إكس»: «سيقاس التقدم في هذا المسار بالالتزام العملي بالمسؤوليات المقبولة. والتصريحات الخارجة عن نص الاتفاق المبرم لا تساعد في تقدم المفاوضات».

وأضاف في منشوره: «فعالية المفاوضات تتوقف على الالتزام الكامل بالتعهدات المتفق عليها وتنفيذها بدقة».

وجاء تحذير بزشكيان بعد ساعات من إعلان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس موافقة طهران على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبراً ذلك «خطوة كبيرة» وأساساً قوياً لاتفاق نهائي.

وقال فانس إن آليات التنسيق المتفق عليها ستشمل إزالة الألغام وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ومراقبة وقف إطلاق النار في لبنان.

وأضاف، قبل مغادرته سويسرا، أن واشنطن تريد ضمان أن أي إفراج محتمل عن أصول إيرانية يفيد الشعب الإيراني، ولا يُستخدم في تمويل «الإرهاب».

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الجميع «يدرك تماماً» أن إيران ستوافق على عمليات تفتيش واسعة لضمان «الشفافية النووية» مستقبلاً، معلناً الإفراج عن ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر، وتخصيصها لشراء سلع غذائية.

وكان الرئيس الإيراني قد تلقى، الاثنين، اتصالاً هاتفياً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي رحب بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين طهران وواشنطن، مؤكداً استعداد أنقرة لتقديم أي دعم مطلوب للمساعدة في إنجاح المسار السلمي.

ونقل بيان للرئاسة التركية عن أردوغان تشديده على أهمية الحذر من أي محاولات لعرقلة المفاوضات، معتبراً أن الخطوات الجديدة الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة «ضرورية ومهمة».


أربع مجموعات عمل لتنفيذ تفاهم إسلام آباد

قاليباف يتوسط غريب آبادي وهتمي أثناء قراءة وثيقة على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني)
قاليباف يتوسط غريب آبادي وهتمي أثناء قراءة وثيقة على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني)
TT

أربع مجموعات عمل لتنفيذ تفاهم إسلام آباد

قاليباف يتوسط غريب آبادي وهتمي أثناء قراءة وثيقة على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني)
قاليباف يتوسط غريب آبادي وهتمي أثناء قراءة وثيقة على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني)

اختتمت إيران والولايات المتحدة، الثلاثاء، الجولة الأولى من المحادثات الفنية في سويسرا بالتوصل إلى تفاهمات تقضي بتشكيل أربع مجموعات عمل لتنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد، تشمل ملفات العقوبات والبرنامج النووي وإعادة الإعمار والرقابة على التنفيذ، في خطوة تنقل المفاوضات من مرحلة التفاهمات السياسية إلى البحث العملي في آليات التطبيق خلال مهلة 60 يوماً.

وجاء اختتام الاجتماعات الفنية بعد يومين من المحادثات المكثفة التي أعقبت الجولة السياسية رفيعة المستوى في منتجع بورغنستوك، والتي استمرت نحو 18 ساعة وانتهت بإقرار خريطة طريق تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً، وسط مؤشرات متزايدة على بدء تنفيذ بعض البنود الاقتصادية للتفاهم المؤقت.

وأعلن نائب وزير الخارجية الإيراني ورئيس الوفد الفني المفاوض كاظم غريب آبادي انتهاء المحادثات الرباعية التي ضمت إيران والولايات المتحدة وقطر وباكستان، مؤكداً التوصل إلى تفاهمات بشأن ترتيبات المفاوضات المقبلة.

آليات تنفيذية

وقال غريب آبادي إن الاجتماعات الفنية جاءت استكمالاً لاجتماع اللجنة العليا المكلفة بمتابعة تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد، الذي عقد الأحد واستمر حتى فجر الاثنين، موضحاً أن المناقشات ركزت على تحديد الآليات التنفيذية لمذكرة التفاهم والبيان الصادر في ختام الاجتماع السياسي رفيع المستوى.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن غريب آبادي قوله في وقت مبكر الثلاثاء، إن الأطراف اتفقت على أن تُجرى المفاوضات المقبلة تحت إشراف اللجنة العليا، بمشاركة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ورئيسي وزراء باكستان وقطر.

رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف يتحدث للصحافيين على متن طائرة قبل التوجه إلى مسقط (البرلمان الإيراني)

وقال إن التفاهمات الجديدة شملت تشكيل أربع مجموعات عمل متخصصة هي: مجموعة إنهاء العقوبات، والمجموعة النووية، ومجموعة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ومجموعة الرقابة والتنفيذ، على أن تتولى إعداد الملفات الفنية ورفع توصياتها إلى اللجنة العليا المشرفة على المفاوضات.

وأوضح غريب آبادي أن التفاهمات تضمنت أيضاً إنشاء نقطة اتصال بين الدول الأعضاء في مذكرة التفاهم لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، إضافة إلى تشكيل وحدة لمنع النزاعات وخفض التصعيد في لبنان بمشاركة الدول الأعضاء وقطر وباكستان.

وأضاف أن رؤساء الوفود الفنية للدول الأربع سيتولون الإشراف على أعمال مجموعات العمل والوحدات المستحدثة، ورفع تقارير دورية إلى اللجنة العليا بشأن التقدم المحرز في كل ملف.

وفي الجانب الاقتصادي، قال المسؤول الإيراني إن المحادثات الفنية تناولت متابعة الإجراءات التنفيذية الخاصة بإصدار الترخيص العام الأميركي المتعلق ببيع النفط الإيراني والمنتجات البتروكيماوية والمشتقات النفطية والخدمات المرتبطة بها، إضافة إلى متابعة التفاهمات الخاصة بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

وأشار إلى أن الترخيص العام صدر بالفعل من الجانب الأميركي ونُشر على موقع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (أوفاك)، في أول إجراء تنفيذي مباشر يخرج من رحم محادثات سويسرا.

وأضاف أن الأطراف اتفقت كذلك على البدء الفوري بتنفيذ التفاهمات الخاصة بالإفراج عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، موزعة على دفعتين بقيمة ستة مليارات دولار لكل منهما.

«هرمز» والأموال

وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات لرئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف، الذي سعى إلى تقديم نتائج الجولة الأولى بوصفها مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية لطهران.

وقال قاليباف إن المحادثات في سويسرا أسفرت عن «إنجازات جيدة»، مشيراً إلى أن أبرز نتائجها تمثلت في التفاهمات المتعلقة بمضيق هرمز، ولبنان، وإعفاء صادرات النفط الإيرانية من العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة.

وأضاف: «من وجهة نظري حققت هذه الرحلة إنجازات جيدة، خصوصاً فيما يتعلق بالمحادثات بشأن المضيق، ومحادثات لبنان، ومسألة إعفاء النفط من العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة».

وجدد قاليباف التأكيد على أن طهران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة، قائلاً إن الممر المائي «لن يعود أبداً إلى ظروف ما قبل الحرب»، وإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستتولى إدارته «بما يتماشى مع القانون الدولي».

وجاءت تصريحات قاليباف بالتزامن مع توجهه إلى سلطنة عمان برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي، بعد ساعات من عودتهما من سويسرا، لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز وآليات تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات.

وفي واشنطن، كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلنت تعليق العقوبات المرتبطة بالنفط الإيراني لمدة 60 يوماً، في خطوة اعتُبرت أول اختبار عملي للتفاهمات الجديدة.

لكن الجدل سرعان ما انتقل إلى كيفية استخدام الأموال الإيرانية التي سيُفرج عنها بموجب الاتفاق.

ففي حين قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن واشنطن تسعى إلى ضمان ألا تُستخدم الأموال الإيرانية في تمويل «الإرهاب»، وإن هناك آليات مطروحة لتوجيه جزء منها نحو شراء منتجات زراعية أميركية، قدمت طهران رواية مختلفة.

وقال رئيس البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن استخدام الدفعة الأولى البالغة ستة مليارات دولار يستند إلى الاتفاق الموقع عام 2023 بين إيران والولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، والذي يجيز استخدام الأموال في شراء السلع الأساسية والأدوية.

وأشار همتي إلى أن إيران ليست ملزمة بشراء منتجات أميركية بعينها، موضحاً أن القرار سيخضع للاعتبارات الاقتصادية والتجارية.

وقال: «إذا كانت أسعار وجودة المدخلات الأميركية أكثر ملاءمة مقارنة بالدول الأخرى، فلا مانع لدينا من الشراء من الولايات المتحدة».

موكب يغادر منتجع بورغنستوك السويسري بعد انتهاء المحادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران والانتقال إلى المسار الفني للمفاوضات (رويترز)

وأضاف أن مشتريات وزارة الزراعة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة تمت، من حيث المبدأ، عبر شركات أميركية وأوروبية كبرى، مؤكداً أن بقية الأموال المجمدة، بما في ذلك الدفعة الثانية البالغة ستة مليارات دولار وما يتبقى من أرصدة أخرى، لن تُخصص بالضرورة للسلع الأساسية فقط، بل يمكن استخدامها أيضاً في شراء سلع أخرى غير خاضعة للعقوبات.

وبينما تتجه الأنظار إلى عمل المجموعات الأربع الجديدة، ترى طهران وواشنطن أن الجولة الفنية وضعت البنية التنظيمية للمفاوضات المقبلة، لكن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمها البرنامج النووي والعقوبات الدائمة وآليات التحقق والتنفيذ، لا تزال تنتظر اختبارات سياسية ودبلوماسية قد تحدد ما إذا كانت خريطة طريق بورغنستوك ستقود إلى اتفاق نهائي أم إلى جولة جديدة من الخلافات خلال الأسابيع المقبلة.


خريطة طريق تخفض التوتر وتحصن الاتفاق المؤقت


بقائي يستمع إلى قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي الأحد (الخارجية الإيرانية)
بقائي يستمع إلى قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي الأحد (الخارجية الإيرانية)
TT

خريطة طريق تخفض التوتر وتحصن الاتفاق المؤقت


بقائي يستمع إلى قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي الأحد (الخارجية الإيرانية)
بقائي يستمع إلى قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي الأحد (الخارجية الإيرانية)

أطلقت «خريطة طريق» سويسرا مساراً فنياً لتثبيت الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران وخفض التوتر في ملفات مضيق هرمز ولبنان والبرنامج النووي، بعدما انتهت الجولة الأولى من المحادثات إلى إنشاء لجنة عليا ومجموعات عمل فنية وخط اتصال للمضيق وخلية لخفض التصعيد في لبنان.

وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمدة 60 يوماً يتيح إنتاج وبيع النفط الإيراني حتى 21 أغسطس (آب) المقبل.

وأعلن نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أن طهران وافقت على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبراً ذلك «خطوة كبيرة» وأساساً قوياً لاتفاق نهائي، موضحاً أن آليات التنسيق ستشمل إزالة الألغام، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، ومراقبة وقف النار في لبنان. وقال فانس قبل مغادرة سويسرا، إن واشنطن تريد ضمان أن أي إفراج محتمل عن أصول إيرانية يفيد الشعب الإيراني، ولا يُستخدم في تمويل «الإرهاب».

بدوره، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الجميع «يدرك تماماً» أن إيران ستوافق على عمليات تفتيش واسعة لضمان «الشفافية النووية» مستقبلاً.

في المقابل، قال المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية إسماعيل بقائي إن تعاون طهران مع الوكالة سيستمر وفق الأطر القائمة وقرارات البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي، مؤكداً أن الوفد الإيراني لم يخض مفاوضات نووية تفصيلية، ولم يقبل التزامات جديدة، وربط تنفيذ تعهدات إيران بتنفيذ الطرف الآخر التزاماته بشأن إنهاء الحرب، وصادرات النفط، والإفراج عن الأصول المجمدة.