تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

يستهدف أدق المواقع العسكرية ومصانع السلاح الإسرائيلية

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية
TT

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

تسريب يعرّي «القط الساحر»… أخطر وحدات إيران السيبرانية

نُشر على الإنترنت تسريب ضخم يكشف وحدة سيبرانية نخبوية تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، ويُظهر هويات الجنود-الهاكرز، وقادتهم، والأدوات التي يستخدمونها، إضافة إلى البنية التحتية للاختراق التي أنشأوها حول العالم -بما في ذلك داخل إسرائيل-، والعمليات التي نفّذوها.

تحمل هذه الوحدة السيبرانية الاسم المستعار «القط الساحر» (Charming Kitten)، وتُعدّ واحدة من ثلاث مجموعات اختراق إيرانية بارزة. وتختص هذه الوحدة تحديداً في سرقة الهوية بهدف اختراق الحسابات البريدية، والأنظمة البعيدة، والبُنى التحتية الحسّاسة.

حلّلت صحيفة «هآرتس» الوثائق المسرّبة التي تكشف كيف حاول الهاكرز اختراق شبكات ومواقع جهات مثل شركة الصناعات العسكرية «رافائيل»، وسلطة المطارات الإسرائيلية، ووزارة المواصلات. وقد نجحت بعض هذه المحاولات.

نُشر التسريب على منصة «GitHub» -وهي منصة استضافة للمبرمجين- بواسطة حساب مجهول يطلق على نفسه اسم «Kitten Busters». ويتضمّن التسريب سجلات نشاط الوحدة المخترِقة، والشفرة المصدرية لبرمجيات خبيثة، وأدوات تجسّس، إضافة إلى ملفات تحتوي على بطاقات هوية وصور تعود للجنود-الهاكرز في «الحرس الثوري».

إلى جانب التقارير المنظّمة، يشكّل التسريب توثيقاً مفصلاً لسلسلة من الهجمات السيبرانية، وعمليات التأثير التي قادتها المجموعة ضد إسرائيل، ودول أخرى بين عامي 2022 و2025. وقد جرى ترتيب هذا التوثيق في تقارير أسبوعية وشهرية قُدّمت إلى قادة الهاكرز، أي كبار المسؤولين في «الحرس الثوري».

تحمل وحدة الاختراق الإيرانية لدى باحثي الأمن السيبراني، ومسؤولي الاستخبارات اسم «APT35»، وللمجموعة سجل طويل من الأنشطة، وقد ضُبطت سابقاً وهي تحاول اختراق ملفات علماء نوويين. ويؤكّد التسريب تقييماً سابقاً لخبراء الأمن السيبراني في «غوغل» و«مايكروسوفت» وشركة «تشيك بوينت» الإسرائيلية، إضافة إلى تقديرات استخباراتية غربية، وإسرائيلية، أن هذه المجموعة ليست سوى هوية إلكترونية واجهة تستخدمها إيران لتنفيذ عمليات استخبارية عبر وكلاء.

«وحدة عسكرية حقيقية»

قال باحث إسرائيلي بارز اطّلع على التسريب، وتابع هجمات المجموعة داخل إسرائيل لسنوات: «هذه وحدة عسكرية حقيقية، وليست مجرد مجموعة هاكرز مدعومة من دولة. ليست مدعومة من الدولة، بل هي الدولة نفسها. ليست وكيلاً، أو جهة بالنيابة، بل جنود فعليون، لديهم أرقام عسكرية، ورتب، ويكتبون تقارير يومية لقادتهم، ومهمتهم تنفيذ إرهابٍ ترعاه الدولة ضد مواطني دولة عدوة».

ولا يزال من غير الواضح أي جهة أو دولة تقف وراء هذا التسريب. وتتجه الشبهات الأولية نحو مجموعة «العصفور المفترس» (Predatory Sparrow)، وهي واحدة من عدة مجموعات سيبرانية مجهولة مؤيدة لإسرائيل تعمل على تعطيل منشآت استراتيجية، وكشف معلومات سرية، وتسريب مقاطع فيديو، وإحراج النظام الإيراني.

لكن لا يوجد دليل قاطع على أن مجموعة «العصفور المفترس» هي من اخترقت «القط الساحر»، أو أنها وراء التسريب. ويرى باحثون إسرائيليون في الأمن السيبراني أنه من المحتمل أيضاً أن تكون الولايات المتحدة، أو دولة غربية أخرى مثل بريطانيا وراء التسريب، أو أن الأمر ناتج عن صراع داخلي بين مجموعات الهاكرز داخل إيران نفسها.

«الكوماندوز السيبرانيون»

ينقسم التسريب الضخم إلى أربع «حلقات»، تكشف كل واحدة منها جانباً مختلفاً من نشاط مجموعة الهاكرز. وبهذا المعنى، يُعدّ التسريب عملية تأثير بحدّ ذاتها، صُمِّمت لإحراج إيران باستخدام الأساليب نفسها التي يستخدمها قراصنتها ضد إسرائيل.

وكتب الباحث والصحافي السيبراني نريمان غريب، المولود في إيران، والذي كان أول من حلّل التسريب، ونشر لاحقاً سلسلة تدوينات غالباً ما تركز على عمليات إيران السيبرانية: «هذا واحد من أكبر الانكشافات للبنية التحتية الهجومية الإيرانية في الفضاء السيبراني حتى اليوم».

تكشف الوثائق المسرّبة الاسم الرسمي للوحدة: مجموعة الاستخبارات السيبرانية 1500 (IRGC-IO / CI-1500). وقد طُبعت الوثائق على أوراق تحمل ترويسة «مركز العمليات السيبرانية–جهاز الاستخبارات–الحرس الثوري»، مع شعار رسمي معتمد.

وتفصّل الوثائق أيضاً هيكل الوحدة، وأساليب عملها، بينما تكشف الملفات الشخصية أدوار «الكوماندوز السيبرانيين» الإيرانيين، بما يشمل قادة الفرق، وخبراء الاختراق، ومطوّري برامج التجسّس، ومختصّي التصيّد الإلكتروني، ومصمّمي البرمجيات الخبيثة، ومشغّلي حملات التأثير، ومنسّقي العمل الإعلامي.

وتعرّي الملفات عباس رَهْروِي (المعروف أيضاً باسم عباس حسيني) الذي يُقدَّم بصفته رئيس عمليات الوحدة، والجهة التي تنسّق مع جهاز استخبارات «الحرس الثوري». أمّا الوثائق الأكثر حساسية فهي تقارير الهجمات التي تتضمن ملخّصات عمليات، وصوراً ملتقطة للشاشات توثّق هجمات اختراق، وعمليات تأثير نُفذت في أوروبا، والشرق الأوسط، وهي أهداف تتماشى مع المصالح الجيوسياسية لإيران، وما توصّل إليه الباحثون سابقاً حول نشاطات هذه المجموعة.

كما تضمّنت التسريبات مواد تقنية، بينها الشيفرة المصدرية لبرمجية التجسّس على الهواتف «BellaCiao» التي طوّرتها إيران (وتم كشفها سابقاً، ما يربطها مباشرة بطهران). وكُشف أيضاً عن كتيّبات تشغيل لـ«أحصنة طروادة» إيرانية الصنع، وهي برامج خبيثة تتيح الوصول غير المشروع إلى الهواتف الجوالة.

جهود منهجية لمسح الشبكات

عثرت صحيفة «هآرتس» في التقارير المسرّبة على عشرات عناوين الشبكات (الدومينات) الإسرائيلية، وأرقام الهواتف الإسرائيلية التي استخدمتها الوحدة السيبرانية الإيرانية للتستّر على محاولات الاختراق.

وتوثّق عشرات تقارير الهجمات جهوداً منهجية لمسح الشبكات الإسرائيلية المستهدفة، ورصد الثغرات القابلة للاختراق. كما تكشف لقطات شاشة وصولاً عن بُعد إلى واجهات صناعية تحتوي على أزرار، ولافتات باللغة العبرية، ما يشير إلى أن المجموعة نجحت في بعض الحالات في العثور على ثغرات، واستغلالها لاختراق عمليات شركات داخل إسرائيل، بما في ذلك نظام لحلب الأبقار.

وأكدت شركة «Enersun»، وهي شركة تطوّر أنظمة مرافق المياه، وأنظمة صناعية أخرى، أن إحدى لقطات الشاشة التي ظهرت في الوثائق المسرّبة تعود إلى «مشروع نفّذناه في عدة منشآت بين عامي 2018 و2019. كان من المفترض أن تكون هذه الأنظمة نظام تحكّم داخلي غير متصل بالإنترنت إطلاقاً. أحد موظفي الجهة العميلة، أو أحد مقاولِيها اشترى قطعة عتاد لم نقم نحن بتركيبها في الموقع، وهي التي أتاحت إمكانية الاتصال عن بُعد عند الحاجة».

وتقول الشركة إن أنظمتها محمية، وتستوفي معايير الأمن السيبراني المطلوبة من «سلطة المياه»، لكنها لا تستطيع التحكّم بقرارات العملاء الذين، رغم توصيات الشركة، يثبتون تقنيات إضافية تتيح التحكم عن بُعد، وهو ما يُعرّض أنظمة «Enersun» للخطر. وقد كُشف سابقاً عن محاولات من جانب هاكرز لاستهداف منشآت المياه في إسرائيل عبر اختراق أنظمة صناعية قديمة، وهي محاولات قد تؤدي نظرياً إلى حصول فيضانات، أو إيقاف إمدادات المياه.

استهدافات متعددة

كما كُشف عن محاولات اختراق استهدفت شركة «رافائيل»؛ وتحديداً محاولات للوصول إلى الموقع الذي يتيح لموظفي الشركة الاتصال عن بُعد بخادم البريد الإلكتروني الداخلي، وأنظمة إدارة المشاريع. وتُعدّ «رافائيل» واحدة من كبرى شركات الصناعات العسكرية في إسرائيل، وهي المطوّر الرئيس لمنظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ.

وعثرت «هآرتس» أيضاً على محاولات متعددة قام بها الهاكرز الإيرانيون لمسح شبكات جهات إسرائيلية أخرى، ومحاولة اختراقها، مثل سلطة المطارات، ووزارة المواصلات، بما في ذلك خادم البريد الإلكتروني، وأنظمة إرسال الملفات. وشملت أهداف إضافية مزوّد الإنترنت «Bezeq International»، وموقع «act. il» الخاص بالدعاية المؤيدة لإسرائيل، ووكالة السفر «Issta».

وتسجّل الوثائق الداخلية كيف استغلّ الإيرانيون ثغرة أمنية عالمية في برنامج «VPN»، وهو البرنامج الذي يستخدمه العديد من الموظفين للاتصال عن بُعد بأنظمة مؤسساتهم، ما يظهر كيف يمكن لأنظمة ثانوية واسعة الاستخدام أن تعرّض جهات كبيرة للخطر. وقد استغل الإيرانيون هذه الثغرة لمهاجمة مؤسسات إسرائيلية لم تستجب لتحذيرات السلطات، ولم تُجرِ التحديثات الأمنية المطلوبة.

ثغرة في برنامج الـ«VPN»

يرصد تقرير صادر في فبراير (شباط) 2024 عملية مسح منهجية لـ256 خادماً إسرائيلياً يعمل بتقنية «VPN»، جرى خلالها العثور على 29 خادماً ضعيف الحماية، واختراق اثنين منها. وكان المدير العام للأمن السيبراني في إسرائيل قد حذّر قبل ذلك بشهر من أن الهاكرز يستغلون ثغرة في برنامج الـ«VPN» الذي تنتجه شركة «Ivanti» الأميركية، ودعا المؤسسات إلى تنفيذ تحديث أمني فوري، كما فعلت جهات عديدة حول العالم فور اكتشاف الثغرة.

وفي ردّ على مقال نشرته «هآرتس»، أكد المدير العام للأمن السيبراني أن ما لا يقل عن ستة اختراقات في إسرائيل استغلّت ثغرة «Ivanti»، مضيفاً أن «هناك ربما اختراقات أخرى لم يُبلّغ عنها». ويُظهر ذلك كيف تعمل عمليات المسح المنهجي التي ينفذها الإيرانيون بسرعة، وتستهدف المؤسسات التي تتأخر في تحديث أنظمتها.

وترجّح التسريبات بقوة أن تكون الوحدة الإيرانية مسؤولة أيضاً عن اختراق شركة التأمين «شيربيت» في عام 2020، وهو الهجوم الذي مثّل أول ضربة في نمط جديد من الهجمات السيبرانية التي سرعان ما انتشرت في إسرائيل. وقد شكّل هجوم «شيربيت» بداية موجة لا تتوقف من الهجمات الإلكترونية ضد الشركات، والمصالح الإسرائيلية، نفّذتها ظاهرياً مجموعات هاكرز متعدّدة.

لكن التسريب يساعد في ربط كل هذه الهجمات ببعضها البعض. فقد كانت عملية اختراق «شيربيت» منسوبة إلى مجموعة هاكرز صغيرة، وبدت في البداية هجوماً سيبرانياً جنائياً تقليدياً: هاكرز يسرقون بيانات، ويطالبون بفدية مقابل عدم نشرها.

عملية سيبرانية معقّدة

لكن مع مرور الوقت، تبيّن أن ما حدث لم يكن هجوماً جنائياً بسيطاً، بل عملية سيبرانية معقّدة بدأت قبل وقت طويل من انكشافها، وكانت جزءاً من حملة أوسع تهدف إلى خلق انطباع بأن هاكرز «مثاليين» مدفوعين بدوافع اقتصادية يستهدفون شركة إسرائيلية.

في الواقع، كان ذلك أول اختراق في موجة من الهجمات السيبرانية التي تقودها إيران، أو مجموعات تعمل لحسابها ضد أهداف إسرائيلية، من بينها شركات، وجهات خاصة. وتشمل بيانات التأمين الحكومية للمركبات الإسرائيلية معلومات شخصية عن مئات كبار المسؤولين في المؤسسات السياسية، والقضائية، والأمنية، والشرطية.

ومنذ ذلك الحين، نُفذت مئات الهجمات من قبل مجموعات تبدو كأنها شبكة من هاكرز معادين لإسرائيل، لكنها في الحقيقة جزء من الحرب السيبرانية الإيرانية ضد إسرائيل. وتشمل هذه الهجمات عمليات اختراق تستهدف شركات صغيرة، ومتوسطة، إضافة إلى أفراد يجدون أنفسهم بلا حماية حقيقية أمام هاكرز ترعاهم دولة، ويتنكرون في صورة مجرمين سيبرانيين، أو مهاجمين هواة.

وتصف الوثائق عملية نُفذت عامي 2020 و2021 باستخدام برمجية خبيثة متطورة تُسمّى «Sponsor» ضد شركة تأمين لم يُكشف اسمها. بدأت العملية بهجوم تصيّد، وهو عادة رسالة بريد إلكتروني احتيالية تهدف إلى دفع المستخدم للنقر على رابط خبيث، أو كشف اسم المستخدم، وكلمة السر. وتواصلت العملية عبر سلسلة من الاختراقات، والأدوات التي أدّت في النهاية إلى زرع الفيروس المصمّم خصيصاً داخل الشركة، ومنح الهاكرز إمكانية الوصول.

وكانت هذه الطريقة مطابقة تماماً لأسلوب اختراق «شيربيت»، الذي نُسب إلى مجموعة تُدعى «BlackShadow». وتظهر الأسماء نفسها للمشغلين، والخوادم، وأدوات الاختراق الواردة في التسريب في عمليات نُسبت خلال السنوات الأخيرة إلى مجموعة إيرانية أخرى تُسمّى «Moses Staff». ويبدو أن هذه المجموعات لم تكن سوى واجهات وهمية تعمل تحت إدارة «القط الساحر»، أي وحدة «الحرس الثوري» السيبرانية.

كاميرات المراقبة والدعاية

«Moses Staff» هو الاسم الذي استخدمته مجموعة «ناشطة» أعلنت مسؤوليتها عن سلسلة هجمات سيبرانية على إسرائيل منذ عام 2020. شملت هذه العمليات اختراقاً، وتسريباً لبيانات مرتبطة برئيس الموساد ديفيد برنياع، حيث نُشرت قسيمة راتبه، وسجلاته الطبية للأسنان، إضافة إلى اختراق شهير لكاميرات المراقبة في أنحاء إسرائيل. وفي عام 2022، نشرت المجموعة مقطع فيديو سرقته من كاميرا مراقبة بعد اختراقها، تُظهر مشاهد لهجوم إرهابي في القدس، وهو حادث حقق فيه جهاز «الشاباك».

ولسنوات، قيل إن «Moses Staff» نفّذت هجمات سيبرانية بسيطة نسبياً هدفها لم يكن التجسس، أو التدمير، بل الحرب النفسية: اختراق، ثم سرقة وثائق، ورسائل، وصور شخصية، ومن ثم تسريبها لإحراج الضحية، أو إذلالها، وبث شعور بالاختراق، والضعف. كما تهدف هذه العمليات إلى إلحاق الضرر بشركات إسرائيلية، وبث الذعر في قطاع الأعمال في البلاد.

تقوم مجموعة إيرانية أخرى تُسمّى «Handala» بالنمط نفسه من الهجمات، حيث تنشر رسائل بريد إلكتروني، ووثائق، وصوراً خاصة مأخوذة من أجهزة مسؤولين سياسيين، وأمنيين إسرائيليين كبار. ووفقاً لمطلعين في مجتمع الأمن السيبراني، فمن المرجّح جداً أن تكون «Handala» أيضاً هوية وهمية، وواجهة تستخدمها جهة إيرانية تتولى نشر المعلومات التي يسرقها هاكرز آخرون يعملون لصالحها.

وتكشف وثائق التسريب الحالي أن كياناً إعلامياً فعلياً كان يدير «Moses Staff»، وأن عمله شمل تنسيق «عمليات الجمع»، و«العمليات الإعلامية» للوحدة، والتي هدفت إلى «اختراق كاميرات المراقبة في الأماكن الحساسة، والعامة». وتربط الوثائق بشكل مباشر بين الوحدة ودعاية «Moses Staff»، بما في ذلك المواد الرسومية، والشعارات التي تطابق تماماً ما نشرته المجموعة على «تلغرام» عبر السنوات.

«شيلدون» من بيتاح تكفا

تكشف الفواتير وسجلات تحويل العملات الرقمية الواردة في التسريب -والتي حلّلتها «هآرتس»- أن إيران أنشأت بنية تحتية واسعة لعمليات التأثير السيبراني، شملت هويات إسرائيلية مزيفة تستخدم أرقام هواتف إسرائيلية. فـ«شيلدون بايير» يُفترض أنه يعيش في 85 شارع أحد هعام في بيتاح تكفا، و«مالكي تايختِل» تعيش في تل أبيب.

وباستخدام العملات الرقمية، اشترت إيران وشغّلت عبر «شيلدون» و«مالكي» ثلاثة خوادم افتراضية خاصة (VPS) موجودة فعلياً داخل إسرائيل، ونفّذت منها عمليات سيبرانية باستخدام عناوين IP محلية -ما منح هجمات التصيّد مصداقية أكبر، وساعد على تمويه النشاط.

ويكشف التسريب أرقام الهواتف الإسرائيلية التي تم شراؤها لـ«مالكي» و«شيلدون». وقد يكون هذا الجهد قد ساعد إيران أيضاً في تجنيد وتشغيل عناصر داخل إسرائيل. وكما نشرت «هآرتس» سابقاً، فإن إيران استخدمت «تلغرام» خلال حرب غزة لتجنيد عملاء، وتنفيذ حرب نفسية، شملت توجيه تهديدات، وإرسال طرود إلى صحافيين، وأعضاء كنيست، وعائلات رهائن، وكل ذلك باستخدام أرقام محلية فقط.


مقالات ذات صلة

ترمب يلمّح إلى جولة تفاوض ثانية مع إيران

شؤون إقليمية رجل دين إيراني يتحدث إلى وسائل الإعلام أمام مبنى سكني تعرض لغارات جوية أميركية - إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ... اليوم في طهران (أ.ف.ب)

ترمب يلمّح إلى جولة تفاوض ثانية مع إيران

أفادت مصادر متطابقة، الثلاثاء، بإمكان عودة فريقَي التفاوض من الولايات المتحدة وإيران إلى إسلام آباد خلال الأيام القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية صورة نشرتها سنتكوم أمس من حاملة «يو إس إس تريبولي» الخاصة باللهجوم البرمائي أثناء عمليات طيران في بحر العرب p-circle 01:56

«سنتكوم» تبدأ الحصار… وترمب يلوّح بإغراق السفن الإيرانية

شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ إجراءات فرض حصار بحري على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية في محيط مضيق هرمز، في خطوة تختبر صمود الهدنة الهشة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - تل أبيب)
شؤون إقليمية فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع ممثلين عن باكستان وإيران ويستمع إليه جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في إسلام آباد فجر الأحد (أ.ف.ب)

فانس وقاليباف يغادران باكستان بلا تسوية ويتبادلان اللوم

فشلت المحادثات الأميركية - الإيرانية التي استضافتها باكستان في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، بعد مفاوضات ماراثونية استمرت 21 ساعة في إسلام آباد وانتهت فجر الأحد.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - إسلام آباد - واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل إلى ميامي السبت (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يعلن حصاراً بحرياً على «هرمز» بعد فشل المفاوضات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأحد، إن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)

«الحرس الثوري» يحذّر السفن الحربية من عبور مضيق هرمز

حذّر ​«الحرس الثوري» الإيراني من ⁠أن ​أي محاولة ⁠من قبل السفن الحربية ⁠لعبور ‌مضيق ‌هرمز ​ستواجه «برد ‌قوي».

«الشرق الأوسط» (طهران)

ترمب لن يحضر «احتفالات الاستقلال» في إسرائيل ولن يتسلم جائزته الخاصة

ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب لن يحضر «احتفالات الاستقلال» في إسرائيل ولن يتسلم جائزته الخاصة

ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافة خارج المكتب البيضاوي في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لن يشارك في احتفالات «الاستقلال» في إسرائيل ولا حتى عبر خطاب بالفيديو، وسيغيب عن حفل «جائزة إسرائيل» في ظل الجدول الزمني لوقف إطلاق النار مع إيران.

وبناءً على ذلك، تم تأجيل عرض الفنانة الإسرائيلية الشهيرة، نوعا كيريل، التي كان يفترض أن تغني تكريماً له برفقة حفيداته. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن ترمب لن يصل إلى إسرائيل في عيد الاستقلال، وقد تقرر منحه الجائزة لاحقاً، عند وصوله إلى البلاد.

وحسب «يديعوت أحرونوت» فإنه حتى مع عدم إعلان البيت الأبيض، فإن ترمب لن يأتي إلى إسرائيل، لكن في تل أبيب يدركون بالفعل أنه في ظل الجدول الزمني لوقف إطلاق النار مع إيران ونهايته في 21 أبريل (نيسان)، فإن فرصة وصوله تقترب من الصفر، حيث من المفترض أن يُقام الحفل في 22 أبريل الحالي.

وكان المسؤولون الإسرائيليون يأملون بمشاركة ترمب في حفل «جائزة إسرائيل»، التي خصصت له، كأول زعيم غير إسرائيلي يحصل عليها.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه ستتم الإشارة إلى فوز ترمب عبر مقطع فيديو، ولكن سيتم تأجيل منح الجائزة إلى حفل خاص يُقام على شرفه عند وصوله إلى إسرائيل لاحقاً.

وتحتفل إسرائيل في 22 من الشهر المقبل بذكرى ما يسمى «يوم الاستقلال» وهو اليوم الذي يمثل نكبة للشعب الفلسطيني، وخلال ذلك سيقام حفل الجائزة الأرفع في إسرائيل «جائزة إسرائيل». ويحيي الفلسطينيون «يوم النكبة» في 15 مايو (أيار) من كل عام.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قرّرت لجنة «جائزة إسرائيل» منح ترمب الجائزة الرسمية الأرفع في فئة «الإسهام الفريد للشعب اليهودي» بسبب جهوده الفريدة «في مكافحة معاداة السامية، ومساهمته في تعزيز عودة المختطفين إلى إسرائيل، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها ودعمه الثابت لحق دولة إسرائيل في الدفاع عن نفسها ومواجهة تحديات أمنية معقدة منها التهديد النووي الإيراني».

وتعد جائزة إسرائيل «أرفع وسام مدني وثقافي تمنحه دولة إسرائيل».

وكان وزير التربية والتعليم يوآف كيش، اتصل بترمب وأبلغه بالقرار آنذاك وشكره ترمب، وقال له إنه سيفكر جدياً في القدوم لتسلُّم الجائزة، وعلق رئيس الوزراء نتنياهو حينها: «قررنا كسر العرف ومنح ترمب جائزة إسرائيل لمساهمته في تعزيز أمن إسرائيل ومكانة وهوية الشعب اليهودي. لم نمنحها قط لغير إسرائيلي. إنها تعكس تقدير الإسرائيليين له، وهو تعبير عن الشكر والامتنان».

ومع عدم وصول ترمب، تقرر كما يبدو تسجيل حفل «جائزة إسرائيل» مسبقاً تحسباً لاستئناف الحرب، مما قد يتعذر معه إقامة الحفل بحضور جمهور وبثه على الهواء مباشرة، ومن المتوقع أن يحضر رئيس الدولة إسحاق هيرتسوغ ورئيس الكنيست أمير أوحانا مراسم تسجيل الحدث، وسيلقي كيش وحده خطاباً في الحفل، كما يبدو أن رئيس الوزراء لن يشارك في الحفل تماماً كما حدث العام الماضي.

وقالت «يديعوت» إنه ثمة أسباب لقرار ترمب عدم الحضور «وفقاً لما تم تسجيله في إسرائيل: التخوف من انتقادات داخل الولايات المتحدة بشأن وصوله إلى إسرائيل. والتوقيت، وهو اليوم الأخير من وقف إطلاق النار الذي أُعلن لمدة أسبوعين، الأمر الذي قد يشكل مخاطرة أمنية بالنسبة له».

وبخلاف ترمب سيصل إلى إسرائيل في احتفالات «الاستقلال» رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، الذي اختارته أيضاً وزيرة المواصلات ميري ريغيف لإيقاد شعلة. وتم الاتفاق على وصوله قبل وقف إطلاق النار مع إيران، ومن المتوقع أن يهبط في إسرائيل في 18 أبريل، خلال يوم السبت.

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال زيارته إلى القدس 6 فبراير 2024 (أ.ب)

ويأتي ميلي إلى إسرائيل لافتتاح سفارة الأرجنتين في القدس، حسب «يديعوت» وهو «الحدث الأبرز في احتفالات عيد الاستقلال الثامن والسبعين».

وكان ميلي أعلن العام الماضي أنه سينقل هذا العام سفارة بلاده في إسرائيل إلى القدس، لكن بداية هذا العام أفادت القناة «12» الإسرائيلية بأن الأرجنتين جمّدت ذلك جراء أزمة دبلوماسية متصاعدة.

ونقلت القناة عن مصادر سياسية إسرائيلية لم تسمها قولها إن التجميد جاء نتيجة توتر حاد في العلاقات بين إسرائيل والأرجنتين على خلفية أنشطة تنقيب عن النفط تقوم بها شركة إسرائيلية في منطقة بحرية متنازع عليها قرب جزر فوكلاند (تخضع لحكم بريطاني وتطالب بها الأرجنتين)، وهو ما تعتبره بوينس آيرس مساساً بسيادتها.


وزير المالية الإسرائيلي يهاجم ميرتس بسبب انتقاداته للمستوطنات

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
TT

وزير المالية الإسرائيلي يهاجم ميرتس بسبب انتقاداته للمستوطنات

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

انتقد وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بشدة المستشار الألماني فريدريش ميرتس بسبب تصريحاته بشأن سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو ما أثار انتقادات من سفير إسرائيل لدى ألمانيا، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وكتب سموتريتش، مساء الاثنين، على منصة «إكس»، في إشارة إلى حكم الاشتراكيين الوطنيين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية: «سيدي المستشار، الأيام التي كان الألمان يملون فيها على اليهود الأماكن المسموح لهم أو المحظور عليهم العيش فيها قد انتهت، ولن تعود». وقتل نحو 6 ملايين شخص على يد النظام النازي.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)

وأضاف سموتريتش: «لن تجبرونا على العيش في الأحياء اليهودية مرة أخرى، وبالتأكيد ليس في أرضنا».

وكان ميرتس قد حذر من الضم الجزئي للضفة الغربية. وكتب: «أشعر بقلق عميق إزاء التطورات في الأراضي الفلسطينية. وفي اتصالي الهاتفي مع رئيس الوزراء (بنيامين) نتنياهو، أوضحت أنه يجب ألا يكون هناك ضم فعلي للضفة الغربية».


خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

خياران لحصار «هرمز»... تنازل وصفقة أو حرب جديدة

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض، بل أي تفاوض هذا الذي يمكن أن يصمد تحت حصار بحري وتهديدات عسكرية متبادلة؟

فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء حصار يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بالتوازي مع حديث عن جولة ثانية محتملة من المحادثات خلال أيام، يكشف عن أن الإدارة الأميركية لا تتحرك على مسار دبلوماسي خالص، بل على مسار مزدوج: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع رفع كلفة الرفض الإيراني إلى أقصى حد.

لكن هذا النهج لا يضمن اختراقاً سريعاً، بقدر ما ينقل الصراع إلى ساحة جديدة عنوانها اختبار القدرة على الاحتمال السياسي والاقتصادي، في واشنطن كما في طهران.

وتشي تفاصيل العرض الأميركي الأخير، والرد الإيراني عليه، إلى أن فجوة الخلاف ما زالت عميقة، حتى لو بدت اللغة العلنية أقل انسداداً مما كانت عليه في ذروة الحرب.

رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف ونائب الرئيس الأميركي دونالد ترمب جي دي فانس

تفاوض دون اختراق

المؤشرات المتاحة حتى الآن تدعم فرضية أن جولة ثانية من التفاوض ممكنة، لكنها لا تدعم بعد فرضية قرب التوصل إلى اتفاق. فوكالتا «رويترز» و«أسوشييتد برس» أشارتا إلى اتصالات قائمة لترتيب جولة جديدة بعد محادثات إسلام آباد، فيما قال جي دي فانس إن واشنطن حققت «تقدماً كبيراً» لكن الكرة الآن في ملعب طهران.

غير أن جوهر الخلاف لم يتغير: الولايات المتحدة طرحت تعليقاً للنشاط النووي الإيراني لمدة 20 عاماً، بينما تمسكت إيران بعرض أقل كثيراً، تراوح في التسريبات بين خمس سنوات وأقل من عشر، مع رفض إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.

هذه ليست فجوة تقنية فقط، بل فجوة سياسية وسيادية: واشنطن تريد صيغة تمنع إعادة إنتاج أزمة لطالما هاجمها ترمب في اتفاق 2015، فيما تسعى طهران إلى تجنب أي تنازل يبدو استسلاماً دائماً لشروط الحرب.

لهذا، يبدو الحديث عن «صفقة قريبة» مبالغاً فيه. ما يجري أقرب إلى تفاوض تحت الإكراه، لا إلى تفاوض ناضج عن تسوية مكتملة. وتكفي قراءة التسريبات عن العُقد الأخرى؛ من إعادة فتح مضيق هرمز إلى مصير اليورانيوم المخصب والدعم الإيراني للفصائل الإقليمية، لفهم أن النووي ليس سوى العقدة المركزية داخل حزمة أوسع بكثير من الشروط المتشابكة. لهذا أيضاً، قد تكون المحادثات المقبلة استمراراً لشراء الوقت أكثر من كونها جسراً سريعاً إلى اتفاق نهائي، خصوصاً أن كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه قبل التوقيع.

فانس خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعه مع ممثلين لباكستان وإيران ويستمع إليه جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي والمبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في إسلام آباد (أ.ف.ب)

الحصار أداة تفاوض

ترمب يتصرف هنا على أساس أن الحصار البحري يمكن أن يحقق ما لم تحققه الضربات وحدها: خنق شريان الإيرادات النفطية، وإظهار أن كلفة التعنت الإيراني لن تقتصر على الخسائر العسكرية، بل ستصل إلى قلب الاقتصاد والدولة.

وقد ربط البيت الأبيض صراحة بين «فاعلية» الحصار وزيادة «يأس» الإيرانيين من أجل إبرام اتفاق، بينما ذهب ترمب إلى حد التهديد بتدمير أي زوارق إيرانية سريعة تقترب من خط الحصار.

لكن هذا التصعيد يكشف في الوقت نفسه عن أن واشنطن لا تزال غير واثقة من أن إيران ستستجيب سريعاً للضغط، ولذلك تحاول رفع منسوب الردع الميداني مع إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.

في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، يقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن مشاركة الإيرانيين والأميركيين في جولة أخرى «مرجحة»، لكن بلوغ اتفاق «لا يبدو مرجحاً جداً الآن»، مضيفاً أنه يرى «عملية لوجيستية عسكرية أميركية غير مسبوقة» لنقل مزيد من الأصول العسكرية إلى الشرق الأوسط، قد تشمل «مكوناً برياً» في حال استئناف العمليات ضد النظام الإيراني.

أهمية هذا التقدير لا تكمن فقط في تشاؤمه التفاوضي، بل في أنه يربط بين استمرار الدبلوماسية وتراكم الاستعدادات العسكرية؛ أي أن التفاوض هنا ليس بديلاً عن القوة، بل غطاء لإمكان العودة إليها على نحو أوسع.

هذا هو جوهر المعادلة الحالية: الحصار ليس نهاية الحرب، بل طريقة لتغيير شكلها؛ فبدلاً من القصف اليومي المكثف، تنتقل المواجهة إلى حرب خنق اقتصادي واختبار إرادة، مع بقاء احتمال الانزلاق مجدداً إلى القتال المباشر قائماً في أي لحظة، بحسب نديمي.

سفينة تنقل غاز البترول المسال في ميناء مومباي بالهند بعد عبورها مضيق هرمز... 1 أبريل 2026 (رويترز)

النفط مقابل السياسة

المسار الحالي يقوم على رهانين متقابلين؛ واشنطن تراهن على أن خنق النفط الإيراني سيُرغم طهران على التراجع. أما إيران فتراهن على أن ترمب نفسه لن يتحمل الكلفة السياسية المترتبة على إطالة هذا المسار. فكلما طال أمد الحصار، زاد خطر ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتضخم الأثر على الأسواق والمستهلك الأميركي، خصوصاً مع حساسية هذا الملف في الداخل الأميركي. لذلك، لا تنظر طهران إلى المواجهة الحالية فقط بوصفها اختباراً عسكرياً أو دبلوماسياً، بل أيضاً بوصفها اختباراً لقدرة الرئيس الأميركي على تحمّل الألم الاقتصادي والسياسي.

وهذا بالضبط ما يشرحه أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ فهو يرى أن الحصار «من غير المرجح أن ينتج اختراقاً سريعاً»، لكنه سيُبقي الدبلوماسية حية تحت ضغط أكبر. فإيران، بحسب تقديره، لا تبتعد عن المحادثات، وتوجد إشارات إلى استمرار الانخراط غير المباشر وربما جولات جديدة قريباً، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل في القضايا الجوهرية: التخصيب، وتخفيف العقوبات، والضمانات.

لذلك، فإن الحصار، في رأيه، لا يحل النزاع بل «يُقسيه»، وينقل الصراع إلى اختبار للتحمل الاقتصادي والسياسي. واشنطن تراهن على الضغط على النفط الإيراني، بينما تراهن طهران على قدرتها على رفع الكلفة على الولايات المتحدة، عبر أسواق الطاقة وأوراقها الإقليمية، بسرعة أكبر مما يستطيع البيت الأبيض تحمله سياسياً. النتيجة، بحسب فاتنكا، ليست صفقة قريبة، بل مساومة طويلة وهشة تتقدم فيها الدبلوماسية والتصعيد معاً.

لقطة تُظهر شاحنة في الزاوية العلوية اليسرى يعتقد المحللون أنها كانت تنقل يورانيوم عالي التخصيب إلى نفق في مجمع مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية بإيران (أ.ب)

أخطار المسار الحالي

أخطر ما في هذا المسار أنه لا يقف عند حدود الضغط التفاوضي؛ فإذا لم ينتج الحصار تنازلاً إيرانياً فقد يتحول إلى منصة لتوسيع الصراع. نديمي يحذر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من مجموعة أخطار واضحة: استمرار «المستنقع» في مضيق هرمز والخليج، واحتمال استئناف القتال على بعض الجبهات أو جميعها، ثم العودة إلى الحرب مع استهداف أكثر حزماً للبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة، فضلاً عن خطر تمدد الأزمة إلى باب المندب، سواء عبر الألغام أو أدوات غير مباشرة لا تستلزم تورطاً معلناً.

هذه القراءة تعني أن فشل التفاوض في ظل الحصار لن يعيد الوضع فقط إلى ما كان عليه قبل المحادثات، بل قد يفتح مرحلة أكثر خطورة على الممرات المائية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

كما أن خطر سوء الحساب يبقى مرتفعاً للغاية؛ فالمفاوضات قد تستمر شكلياً، فيما التوتر العسكري يتصاعد ميدانياً، وهو ما يجعل أي حادث بحري، أو أي اعتراض لسفينة، أو أي محاولة إيرانية لاختبار حدود الحصار، شرارة محتملة لتوسيع المواجهة. وإضافة إلى ذلك، فإن بقاء الملفات الأخرى معلقة؛ من حرية الملاحة إلى مخزون اليورانيوم والعقوبات والدعم الإقليمي للفصائل المسلحة، يعني أن أي تقدم جزئي سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار السريع.

في المحصلة، يبدو الأرجح أن إيران ستعود إلى طاولة التفاوض، لكن ليس لأن الحصار حسم أمرها، بل لأنها تريد تجنب الأسوأ، وكسب الوقت، ومحاولة إدارة التصعيد بشروط أقل كلفة. وفي المقابل، يبدو الأرجح أيضاً أن ترمب لن يحصل سريعاً على «الصفقة الكاملة» التي يريدها. ما نحن أمامه إذن ليس اختراقاً حاسماً، بل مرحلة جديدة من عضّ الأصابع: واشنطن تضغط على شريان النفط، وطهران تضغط على أعصاب السياسة والأسواق. وبينهما تبقى الدبلوماسية ممكنة، لكنها شديدة الهشاشة، تسير هذه المرة فوق مياه مضيق هرمز الملتهبة لا فوق أرض تفاهم صلبة.