الانقسامات الداخلية... كيف تؤثر على مسار اتفاق غزة وحلم الدولة الفلسطينية؟

محللون يقولون لـ«الشرق الأوسط»: الأثر سيظهر في المرحلة الثانية من خطة ترمب

نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

الانقسامات الداخلية... كيف تؤثر على مسار اتفاق غزة وحلم الدولة الفلسطينية؟

نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

يطل شبح الانقسامات الداخلية، على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية، تاركاً علامات استفهام بلا جواب أمام مسار التهدئة ومدى واقعية تحقيق حلم «حل الدولتين».

فمن جانب، لا يزال الانقسام الفلسطيني حاضراً حتى بعد حرب قتلت نحو 70 ألف فلسطيني في غزة، وحوّلت معظم القطاع إلى ركام، وخلَّفت آلاماً ومآسي لا تنتهي. وعلى الرغم مما تركته الحرب من زلزال سياسي بمنطقة الشرق الأوسط، وما رسمته من معادلات إقليمية معقدة، وما استدعته من تدخل أميركي ودولي وعربي من أجل وقفها ومحاولة إطلاق مسار سياسي يقود للدولة الفلسطينية، فإن كل ذلك لم يوحد الفلسطينيين.

ومُذ بدأت الحرب قبل أكثر من عامين، لم تُفضِ اللقاءات القليلة بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» إلى اتفاق يُفترض أن الظروف كانت ستفرضه؛ إذ لم يعد الأمر متعلقاً بمن يدير قطاع غزة، بل بات مسألة وجودية تهدد السلطة والحركة معاً، أو تقود الجميع إلى دولة فلسطينية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ بمصر يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وكشف خلاف بين السلطة و«حماس» على رئاسة اللجنة الإدارية التي يُفترض أن تدير قطاع غزة عن فجوة كبيرة لا تزال قائمة حول كل شيء.

ففي حين أصرت السلطة وحركة «فتح» على تعيين وزير من الحكومة الفلسطينية رئيساً للجنة الإدارية في قطاع غزة، باعتبار أن السلطة الفلسطينية هي صاحبة الولاية السياسية والقانونية على القطاع، تجاهل بيان لحركة «حماس» وفصائل أخرى دور السلطة في هذه المسألة، واكتفى بقول إن الفصائل اتفقت على تسليم إدارة غزة للجنة مؤقتة من التكنوقراط من أبناء القطاع.

وأعاد هذا الخلاف إلى الأذهان مرحلة ما قبل الحرب، عندما فشل الطرفان في إخراج جملة من الاتفاقات إلى حيز التنفيذ بسبب عدم الاتفاق على الحكومة التي يجب أن تقود الضفة وغزة؛ طبيعتها وشكلها ومرجعيتها، ولا على الانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، أو مسألة تسليم السلاح.

وعملياً، فإن الخلافات نفسها ما زالت قائمة.

وكشف مصدران مسؤولان في منظمة التحرير لـ«الشرق الأوسط»، يوم الاثنين، عن إجراء مشاورات لعقد اجتماع في القاهرة لبعض الفصائل الفلسطينية هذا الأسبوع، إلا أن حركة «فتح» لن تشارك في اللقاء الذي سيناقش تشكيل لجنة إدارة غزة، بعد ما أثير حولها من خلافات في الآونة الأخيرة.

«ألغام» تحت السطح

ويقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن الخلافات قائمة، وإنها «ليست متعلقة باللجنة الإدارية؛ رئيسها أو استقلاليتها أو مرجعيتها، بل هذا جزء من خلافات أوسع».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد توافق وطني. لا يوجد اتفاق على شيء، والخلافات متفاقمة».

ويواصل: «الخلاف حول الحكم، وحول المنظمة، وحول السلاح، وحول كل شيء، قائم؛ والأمور معلَّقة. أشك أن يكون هناك تقدم على صعيد اتفاق بين (فتح) و(حماس)».

وتريد السلطة الفلسطينية حكم قطاع غزة وفق «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد»، وهي مسألة تبدو بالغة التعقيد، إذ أقامت «حماس» فعلاً سلطة كاملة منفصلة في غزة، وأنشأت أجهزة أمنية، وأسست جيشاً تابعاً لـ«كتائب القسام»، ذراعها المسلحة، ولا تزال فعلياً تجند الشبان هناك.

كما أن مسألة تسليم السلاح تمثل لغماً ثانياً. ففي حين تطلب السلطة من الحركة تسليمها السلاح، تقول «حماس» إن ذلك لن يكون ممكناً إلا في حالة إقامة دولة فلسطينية.

لكن إقامة الدولة بحاجة أولاً إلى الاتفاق حول قطاع غزة.

«حلم الدولة»

تتعامل خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإنهاء الحرب في غزة مع «حكم القطاع» وليس «إقامة الدولة»، لكنها تفتح الباب بعد إصلاح السلطة وإعادة تنمية غزة لمسار نحو «حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم».

فهل تعطل الخلافات مسار تلك الدولة؟

قدَّر إبراهيم ذلك، وقال إن هذه الخلافات -وإن لم توثر حالياً على الهدنة- فإن أثرها سيظهر في المرحلة الثانية.

وأوضح قائلاً: «في المرحلة الثانية، عندما يجب تسليم (حماس) الحكم والسلاح، ستكون هناك أزمة. (حماس) تفاوض إسرائيل حتى الآن عبر الوسطاء، لكن في مرحلة ما يجب عليها أن تُفاوض السلطة. أعتقد ستكون هناك أزمة».

وإضافةً إلى مسألتي الحكم والسلاح، يشكّل الانضمام لمنظمة التحرير لغماً آخر متفجراً.

فمنذ ما قبل الحرب، يشترط الرئيس الفلسطيني محمود عباس على «حماس» الاعتراف بالشرعية الدولية من أجل الالتحاق بمنظمة التحرير، وهو شرط قال يحيى السنوار، قائد «حماس» الذي اغتالته إسرائيل في الحرب، إنه لن يحدث أبداً.

وهذا الشرط لا يزال قائماً، بل سيكون ملزماً لأي مرشح ينوي المنافسة في الانتخابات الفلسطينية العامة.

وقال مصدر فلسطيني مطَّلع، إن السلطة بصدد إصدار إعلان دستوري يمنع الترشح في الانتخابات لمن لم يعترف بالتزامات منظمة التحرير والشرعية الدولية.

ويُفترض أن تجري انتخابات مجلس وطني جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل نهاية العام، ويُشترط على المرشح أن يلتزم ببرنامج المنظمة ويعمل وفقاً لتعهداتها وقرارات الشرعية الدولية.

فهل يُجبِر «حلم الدولة» الفلسطينيين على الالتقاء في مناطق وسطية، أم ستُلقي خلافاتهم بظلالها على مسار هذا الحلم؟

«الحبل الخفي» في الجانب الإسرائيلي

في إسرائيل، يدير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحكم كمن يمشي على حبل مشدود؛ فهو يبدو للرائي محافظاً على توازنه، لا يسقط على الحلبة؛ لكنه في الواقع ممسوك بحبل آخر خفي، يحميه من السقوط ويتحكم بحركاته ويضع حدوداً لشطحاته.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست بالقدس يوم 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

الحبل الذي يسير عليه هو الحلبة السياسية الإسرائيلية. أما حبل النجاة غير المرئي فيمسك به الرئيس الأميركي.

ومع كثرة المَيَلان والتأرجح، يزداد تدخل ترمب، حتى إنه أوصى علناً نتنياهو وزعيم المعارضة البرلمانية يائير لابيد، بالاتفاق على تركيب حكومة مشتركة.

ليس هذا وحسب، بل إنه دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أن يُصدر عفواً يُلغي محاكمة نتنياهو بتهم الفساد. وعاد ترمب ليكرر نفس الفكرة، الأحد الماضي، خلال مقابلة مطوَّلة مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس»، معبّراً عن اعتقاده أنه ليس من العدل إخضاع نتنياهو للمحاكمة بتُهم فساد.

وتصرف ترمب هذا جاء بغرض إنقاذ نتنياهو من محاولات إسقاطه، ولإضعاف اليمين المتطرف في حكومته؛ فهو يعرف أن الخلافات والصراعات الداخلية تترك أثرها، بل تحسم كثيراً من جوانب السياسة الخارجية.

وفي الوضع القائم، توجد لنتنياهو حكومة تستند إلى ائتلاف يضم 68 نائباً من مجموع 120. وهذا نظرياً ائتلاف ثابت. لكنَّ نظرة عميقة إلى دواخله تُبين أن هناك تناقضات جسيمة تهز أركانه.

فخوف نتنياهو من الحكم بالسجن يقض مضجعه، ويجعله يزداد تشبثاً برئاسة الحكومة.

فهذا المنصب يجعله أقوى أمام القضاة؛ ورفاقه في الائتلاف يساندون كل الإجراءات التي يقوم بها للانقلاب على منظومة الحكم وضرب مكانة جهاز القضاء.

إبقاء فتيل الحرب «مشتعلاً»

أحزاب اليمين المتطرف بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والأمن القومي إيتمار بن غفير، تساند نتنياهو بغرض تحقيق أجندتها السياسية. وهي تريد الاستمرار في الحرب ولا تتخلى عن هدف ترحيل أهل غزة وإعادة الاستيطان إلى القطاع وضم الضفة الغربية وإجهاض فكرة الدولة الفلسطينية.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية اليميني بتسلئيل سموتريتش في الكنيست (رويترز - أرشيفية)

ومنح نتنياهو هذه الأحزاب مفتاح فرض الأمر الواقع على الأرض لفرض السيادة الإسرائيلية، فنصَّب سموتريتش وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، ومسؤولاً عن الضفة الغربية، إلى جانب توليه وزارة المالية.

أما الضلع الثالث في مثلث الحكم في إسرائيل فيتمثل في الأحزاب الدينية (الحريديم)، التي تريد إعفاء شبابها من الخدمة العسكرية وتوفير أموال حكومية لمدارسها ومؤسساتها التي تُشغّل عشرات الآلاف من النشطاء السياسيين. هذه الخلافات من جهة، والأداء السيئ في الحكم من جهة، خصوصاً الفشل في تحقيق أهداف الحرب على غزة، يقوِّضان مكانة الحكومة بين الجمهور.

وتشير الاستطلاعات إلى أن عدد مقاعدها حال إجراء الانتخابات في الوقت الراهن سيهبط من 68 إلى ما بين 49 و52 مقعداً. لذلك، لا يبدو نتنياهو متحمساً إلى التوجه إلى انتخابات مبكرة. وهناك مخاوف جدية من أن يلجأ إلى استئناف الحرب وفتح جبهات أخرى لكي يؤجل الانتخابات.

جنود إسرائيليون يحملون نعش ضابط قتلته «حماس» في تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ومن الأمور الكثيرة التي تسهّل عليه هذه المهمة، ضعف معسكر المعارضة. فهي معارضة هشة، مشتتة، تشهد انقسامات داخلية جعلتها مؤلَّفة من ثمانية أحزاب لا تتفق على شخصية قيادية جامعة تواجه نتنياهو بقوة، ولا تتفق على برنامج سياسي واحد يكون بديلاً عن برنامج حكومة نتنياهو.

في بعض الأحيان تجدهم أكثر منه يمينية، مثل بيني غانتس الذي يطالب بشن حرب على لبنان، وأفيغدور ليبرمان الذي يطالب بضم الضفة الغربية، وجميع قادتها اتفقوا على موقف يحظر الشراكة مع أحزاب عربية.

هذا يجعل الجمهور الإسرائيلي، الذي يريد سقوط الحكومة، يرى أن نتنياهو ما زال أفضل شخصية سياسية ملائمة لمنصب رئيس الوزراء.

وتسربت إلى الصحافة معلومات تفيد بأن نتنياهو ينوي تغيير قانون الانتخابات البرلماني الحالي بحيث يصبح انتخاب رئيس الحكومة بالانتخاب المباشر.

فإن لم يفلح في هذه المهمة، فسيواصل التمسك بالحكم، عن طريق إبقاء فتيل الحرب مشتعلاً.


مقالات ذات صلة

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

خاص مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل ما زال يحظى بحضور مهم داخل المشهد الفلسطيني. والمؤتمر الثامن للحركة سيختبر ذلك.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ) p-circle

نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

وبّخ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «المحكمة العليا»، وأبلغها في ردٍّ رسمي، الأحد، بأنها «لا تملك أي صلاحيات» للنظر في إقالة الوزير إيتمار بن غفير.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)

عباس يرحب بوقف النار ويطالب بأن يشمل الضفة وغزة

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى وقف النار أيضاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي والدة الأسيرين الفلسطينيين أحمد ومعين أبو لاوي تبكي خلال مظاهرة في نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الثلاثاء بعد إقرار إسرائيل لإعدام الأسرى الفلسطينيين (أ.ف.ب) p-circle

إدانات واسعة لإقرار إسرائيل «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين»

أدانت دول ومنظمات عربية وإسلامية وأوروبية، إقرار إسرائيل «قانوناً» يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (عواصم)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.