نتنياهو يفقد الأمل في إلغاء محاكمته ويستعد لتبكير الانتخابات

يرشح نفسه لرئاسة «ليكود» الشهر القادم ويدرس إمكانية الانعطاف يساراً ليسترد ناخبيه الليبراليين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

نتنياهو يفقد الأمل في إلغاء محاكمته ويستعد لتبكير الانتخابات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

رغم ما يكنه عموم الإسرائيليين من تقدير للرئيس الأميركي دونالد ترمب لمواقفه الداعمة وخطته لوقف الحرب وإعادة الرهائن من غزة، يصطف الجهاز القضائي الإسرائيلي في جبهة موحدة ضد إلغاء محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، استجابة لطلب ترمب، ويصر على موقفه في أن يبرم صفقة بينه وبين النيابة يعترف فيها بتهم الفساد ويعتزل ويطلب العفو.

وأظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الإسرائيليين لا يقبلون تدخل ترمب لإلغاء المحاكمة، وهو ما يستشعره نتنياهو بالفعل ويدفعه لبحث مسألة التبكير بالانتخابات.

وقالت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، إن القوانين التي باشرت الحكومة في سنها لإطالة المحاكمة غير قانونية ويمكن إبطالها.

وأضافت: «مشروع القانون يسمح بموطئ قدم لاعتبارات حزبية وسياسية في إجراء جنائي. هذا مشروع قانون شخصي هدفه تهريب رئيس الحكومة من حكم القانون، ويستهدف أسس النظام الديمقراطي، وليس دستورياً ولا ينبغي دفعه قدماً».

واستطردت: «من شأن التسوية المقترحة أن تستهدف بشكل عميق وجذري للغاية عدة مبادئ أساسية وحقوق أساسية في نظام ديمقراطي، من ضمنها المس بالفصل بين السلطات، واستقلالية جهاز إنفاذ القانون والجهاز القضائي، وبطهارة الإجراء الجنائي، وبسلطة القانون والحق في المساواة أمام القانون».

ولهذا يرى نتنياهو أن أنسب إجراء يتخذه هو اللجوء إلى «حكم الشعب». وبدأ يدرس تبكير موعد الانتخابات.

الموعد الأنسب

تشير التقديرات إلى أن موعد الانتخابات العامة المقبلة الأكثر ملاءمة لوضع نتنياهو هو شهر يونيو (حزيران) المقبل، وذلك لعدة أسباب.

القاعة العامة لـ«الكنيست» الإسرائيلي (أرشيفية - رويترز)

فهو أولاً لا يريد إجراءها في موعدها المقرر في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بعدما ارتبط شهر أكتوبر بهجوم «حماس» في 2023 وبالإخفاقات. ونتنياهو، وعلى الرغم من كل محاولاته لهندسة الوعي الإسرائيلي بحيث يبدو كمن قاد «حرب النهضة»، فإنه لم ينجح في التأثير على الرأي العام «ويحتاج إلى وقت وإلى كومة إنجازات أخرى حتى يشغل الناس بها عن المساءلة»، كما يقول الصحافي والمحلل الإسرائيلي رفيف دروكر في «القناة 13».

وثانياً، هو لا يستطيع إجراءها في سبتمبر (أيلول) لأنه شهر أعياد يهودية عديدة، ولا في يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، لأنهما شهرا العطلة الصيفية. وهو أيضاً لا يريد إجراءها في الربيع، كما يقترح بعض مستشاريه، لأن الوقت غير كاف للمعركة الانتخابية. لذلك، فلا مفر من اختيار يونيو.

ومع ذلك، وعلى سبيل الاحتياط، قرر نتنياهو أن يحسم أمر ترشيحه كمندوب حزب «ليكود» لرئاسة الحكومة في انتخابات داخلية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

والخطة التي ينوي نتنياهو وضعها تختلف عن خططه الانتخابية السابقة، كما يقول المعلق السياسي شالوم يروشلمي. فهو ينوي ألا يخوض معركة يمينية، بل أن يستند إلى خطة ترمب السلمية التي تنعش آمال المعسكر اليميني الليبرالي. فهذا المعسكر تعب من الحرب ويؤيد التوجه إلى «صفقة سلام شاملة» ويعتقد أن ترمب يوفر لإسرائيل فرصة نادرة لأنه لا يتحدث فقط عن سلام، بل عن محاربة الإرهاب ودعم إسرائيل بأسلحة لم تكن تحلم بها.

هذا المعسكر مهم لنتنياهو، لأنه يضم مئات الألوف ممن صوتوا له في الانتخابات الأخيرة، لكنهم انفضوا عنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فبعد أن اغتنم 32 مقعداً لحزب «ليكود»، هبط هذا العدد في الاستطلاعات إلى 27 مقعداً، وفي بعض الأحيان لم يتجاوز 22 مقعداً.

أصوات العرب

وما زال نتنياهو يدرس إمكانية تشكيل حزب يميني جديد يحصد الأصوات من خصومه المعارضين، مثل حزب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، أو حزب وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان، أو وزير الدفاع السابق بيني غانتس، أو رئيس الوزراء السابق يائير لبيد؛ وينضم إليه بعد الانتخابات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد في الكنيست بالقدس يوم 13 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

وكان نتنياهو يعمل، في كل انتخابات جرت منذ سنة 2015، لتخفيض نسبة التصويت بين العرب وبالتالي تخفيض تمثيلهم في الكنيست. لكنه هذه المرة يفكر بطريقة أخرى. ليس لأنه صار يؤيد المساواة، بل لأنه يجد أن العرب باتوا يشكلون جسماً مانعاً أمام فوز أحزاب المعارضة.

فمنذ أن اتخذ قادة المعارضة المذكورون آنفاً، بينيت وليبرمان ولبيد وغانتس، قرارهم بألا يشكلوا حكومة تستند إلى النواب العرب، والاستطلاعات تشير إلى أنهم لن يستطيعوا الحصول على أكثرية. فأصواتهم تتراوح بين 57 و60 مقعداً، من مجموع 120 مقعداً بالكنيست. وهذا لا يكفي لإقامة حكومة ثابتة.

ويخطط نتنياهو، في حال عدم فوزه بالأكثرية، أن يعيد الانتخابات مرة ثانية وثالثة، لأنه بذلك يضمن البقاء في كرسيه على رأس حكومة انتقالية، كما ينص القانون.

ومع ذلك فإن الرهان الأساسي عنده هو أن يتمكن من تحطيم أحزاب المعارضة في الدعاية الانتخابية وينجح في استرداد أصواته. وبحسب الخبراء المتشائمين، فإنه لم يتنازل عن أفكار شيطانية تبقيه رئيس حكومة، مثل شن حرب تجعله يؤجل الانتخابات أو سن قوانين تبقيه رئيساً للوزراء بلا انتخابات.

استطلاع

وأظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجرته القناة «كان 11»، ونُشر مساء الأحد، أنه لو أُجريت الانتخابات اليوم لكان حزب «ليكود» بقيادة نتنياهو أكبر حزب في الكنيست بنصيب 27 مقعداً، يليه بينيت بـ 21 مقعداً.

ويكون ثالث أكبر حزب هو «الديمقراطيون» اليساري بقيادة يائير غولان بنصيب 11 مقعداً. ويحصل كل من «ييش عتيد» (الذي يقوده لبيد) و«شاس» على 10 مقاعد، فيما يحصل حزب ليبرمان «يسرائيل بيتنا» على 9 مقاعد، ويحصل حزب «يَشار» الذي يترأسه غادي آيزنكوت على 8 مقاعد، فيما يحصل «يهدوت هتوراة» على 7 مقاعد، ومثلها لحزب «عوتسما يهوديت».

وتوقع الاستطلاع أن تحصل «الجبهة العربية للتغيير» على 5 مقاعد، إضافة إلى 5 مقاعد لـ«القائمة الموحَّدة»، في حين لا يتجاوز «كاحول لافان» الذي يترأسه بيني غانتس، و«الصهيونية الدينية» التي يترأسها بتسلئيل سموتريتش، نسبة الحسم.

وفي هذه الحالة يكون مجموع أحزاب الائتلاف الذي يقوده نتنياهو 51 نائباً مقابل 59 للأحزاب اليهودية المعارضة و10 للنواب العرب.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

في تطور قد يعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعلنت تل أبيب عزمها فرض ما تسميه «الخط الأصفر» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».