بعد «نار التنين» البريطاني... إسرائيل تتباهى بـ«الشعاع الحديدي»... فماذا نعرف عنه؟

ولادة سلاح جديد سيغيّر صورة حرب المسيّرات

TT

بعد «نار التنين» البريطاني... إسرائيل تتباهى بـ«الشعاع الحديدي»... فماذا نعرف عنه؟

صورة وزعتها شركة «رافائيل» لأسلحة الليزر في نظام «آيرون بيم» الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
صورة وزعتها شركة «رافائيل» لأسلحة الليزر في نظام «آيرون بيم» الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

تشكّل الحرب الجارية في أوكرانيا بحقٍّ ساحةَ تجارب لتطوير أنواع مختلفة من الأسلحة. وإذا كان سلاح المسيّرات يُعد أحد أبرز ما ظهر على هذه الساحة في السنتين الأخيرتين، فإن هناك سباقاً كان يدور في الخفاء إلى حد كبير ولا يُعرف عنه سوى النَّزر القليل، في أكثر من دولة، لتطوير سلاح مضاد للطائرات المسيّرة. كانت بريطانيا واحدة من الدول السباقة لكشف جزء من جهودها في هذا الإطار. إذ كشفت، في عام 2024، عن أنها طوّرت سلاحاً يعمل بأشعة الليزر يُعرف بنظام «دراغون فاير» (DragonFire) بإمكانه أن يصيب في الجو هدفاً بحجم عملة جنيه إسترليني واحد من مسافة كيلومتر واحد، وبتكلفة متدنية جداً.

جرت تجربة السلاح البريطاني في ميدان هيبريدس التابع لوزارة الدفاع، حيث حقق نظام DragonFire (نار التنين) أول إطلاق عالي الطاقة لسلاح ليزري بريطاني ضد أهداف جوية. لكن الحكومة البريطانية أبقت مدى DragonFire سرياً، مشيرةً فقط إلى أن هذا النظام يعمل وفق مبدأ خط البصر ويمكنه الاشتباك مع أي هدف مرئي.

وأوضحت وزارة الدفاع أنه يمكن لأسلحة الطاقة الموجّهة بالليزر «الاشتباك مع الأهداف بسرعة الضوء، إذ تستخدم شعاعاً مركَّزاً من الضوء لاختراق الهدف، مما يؤدي إلى تدمير بنيته الهيكلية أو تحقيق تأثير أكبر إذا تم استهداف الرأس الحربي». وتابعت: «يُعادل تشغيل السلاح لمدة 10 ثوانٍ فقط تكلفة تشغيل سخّان كهربائي عادي لمدة ساعة واحدة، مما يمنحه إمكانات كبيرة ليكون بديلاً منخفض التكلفة على المدى الطويل لبعض المهام التي تؤديها الصواريخ حالياً. وتبلغ تكلفة تشغيل الليزر عادةً أقل من 10 جنيهات إسترلينية لكل طلقة».

في مقابل التكتم البريطاني، خرجت إسرائيل قبل أيام بإعلان مفصل عن سلاح ليزر جديد فائق التطور أنتجه تجمع من شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية بقيادة شركة «رافائيل Rafael». ووفقاً لبيان صحافي صادر عن الشركة، فإن نظام «آيرون بيم» Iron Beam (الشعاع الحديدي) اجتاز جميع الاختبارات بنجاح، وسيتم دمجه ضمن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات بحلول نهاية العام.

وحسب تقرير في مجلة «لوفيغارو» الفرنسية، سيصبح «آيرون بيم» الركيزة الخامسة في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي، إلى جانب أنظمة «آرو 2» و«آرو 3» و«مقلاع داوود» و«القبة الحديدية». ويكمن جوهر هذا النظام الثوري في تكنولوجيا «البصريات التكيفية» الرائدة التي طورتها «رافائيل»، والتي تسمح بإنتاج شعاع ليزر ثابت ودقيق ومركز.

وأشارت المجلة إلى أن «آيرون بيم» يُعد أول نظام تشغيلي من نوعه، ويَعِد بإحداث تحوّل جذري في الدفاع الجوي لسببين رئيسيين: سرعته ودقته الفائقة، بالإضافة إلى قدرته على تدمير الصواريخ، وصواريخ كروز، والطائرات من دون طيار، والطائرات، بل حتى قذائف الهاون، بتكلفة شبه معدومة.

تحوُّل في مجال الدفاع الجوي

بمدى يصل إلى 10 كيلومترات، يُحدث «آيرون بيم» تحولاً في اقتصادات الدفاع الجوي، خصوصاً ضد التهديدات قصيرة ومتوسطة المدى. وللمقارنة، فإن صاروخاً واحداً من نظام «القبة الحديدية» -الذي يُعد زهيد التكلفة نسبياً- تتراوح تكلفته بين 35000 و42000 يورو، بينما تُقدّر تكلفة عملية الاعتراض الواحدة بما بين 85000 و125000 يورو. أما طلقة واحدة من «آيرون بيم»، فلا تستهلك إلا نحو 5 يوروات من الطاقة، وتبلغ التكلفة الإجمالية للاعتراض الواحد أقل من 1700 يورو، حسبما جاء في تقرير المجلة الفرنسية.

ومنذ أكثر من عام، تُستخدم نماذج أولية من «آيرون بيم» بالفعل لتعزيز الدفاعات الجوية لإسرائيل في النزاعات الجارية. وخلال الأسابيع الماضية، اجتاز النظام بنجاح سلسلة جديدة من الاختبارات في صحراء جنوب إسرائيل.

وقد وصف أمير بارعام، المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، هذا الإنجاز بأنه «مرحلة تاريخية للقوات المسلحة ولصناعة الدفاع الإسرائيلية». وأشار إلى أنه «أول نظام ليزر عالي الطاقة جاهز للعمل بالكامل في العالم، وقادر على تنفيذ اعتراضات متعددة في سيناريوهات مختلفة». وهكذا، تصبح إسرائيل أول دولة في العالم تمتلك مثل هذا النظام.

ووفقاً لشركة «رافائيل»، فإن النظام الثابت من «آيرون بيم» بقوة 100 كيلوواط، والمُركَّب على حاويات، مناسب بشكل خاص لحماية البُنى التحتية الاستراتيجية مثل المحطات النووية، والمطارات، والصناعات العسكرية، وكذلك لحماية الحدود. كما توجد نسختان أرضيتان متنقلتان: الأولى مُدرعة وثقيلة بقوة 50 كيلوواط، والأخرى أصغر حجماً (Lite Beam) بقوة 10 كيلوواط فقط، ويمكن تركيبها على مركبات صغيرة. ويمكن استخدام هذه النظم، على سبيل المثال، لحماية القوات على الجبهات من هجمات الطائرات المُسيّرة، وهو من التحديات الكبرى التي يواجهها الجنود الأوكرانيون في شرق البلاد. وهناك أيضاً نسخة بحرية مخصصة للدفاع الجوي عن السفن الحربية.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، فقال في تغريدة على منصة «إكس» مع فيديو عن طريقة عمل السلاح الجديد: «أول نظام اعتراض يعمل بالليزر في العالم! إسرائيل ستُشارك هذا المنقذ للحياة مع أصدقائها».

وحسب شركة «رافائيل»، يمكن أن يعمل نظام «آيرون بيم» كنظام مستقل، أو يتم دمجه في أنظمة الدفاع الجوي الأخرى، مما يجعله مثالياً لأوكرانيا أو للدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو. وقد طلبت ألمانيا بالفعل شراء نظام الدفاع الجوي «آرو 3»، وتم تسليم بعض أجزائه، ومن المتوقع أن يكون النظام جاهزاً للعمل بحلول نهاية العام.

«آيرون بيم» يُغير قواعد اللعبة

وحسب تقرير «لوفيغارو»، يبدو أن النظام الإسرائيلي يقدم حلولاً عملية لعديد من التحديات التي كشفت عنها الحرب في أوكرانيا. أول هذه التحديات هي التكلفة، إذ إن الاعتماد على الصواريخ فقط في الدفاع الجوي غير مستدام اقتصادياً على المدى البعيد. فالصواريخ «الذكية» المستخدمة في الدفاع غالباً ما تكون أغلى بكثير من الأهداف التي تعترضها. على سبيل المثال، فإن صواريخ «PAC-3» التي يستخدمها نظام «باتريوت» الأميركي تكلّف ملايين اليوروات للصاروخ الواحد، مما يمنح أفضلية في ميدان المعركة للدول التي تمتلك قدرات هجومية بعيدة المدى كبيرة مثل روسيا.

التحدي الآخر هو تشبّع أنظمة الدفاع الجوي عبر إطلاق أعداد ضخمة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة. فروسيا، على سبيل المثال، ترسل الآن مئات الطائرات المُسيّرة الانتحارية الرخيصة لإغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية. وبفضل سرعة أشعة الليزر الخاصة بـ«آيرون بيم» و«ذخيرته غير المحدودة»، يمكن تشغيله دون توقف ومن دون الحاجة إلى إعادة التذخير، مما يجعله أصعب بكثير في التشبع مقارنةً بالأنظمة التقليدية.

ويكتب الخبير الأمني الأميركي إليوت أبرامز، في مقال نُشر على موقع «مجلس العلاقات الخارجية»، أن «(آيرون بيم) يُغيِّر قواعد اللعبة»، صحيح أنه لا يُغني عن باقي أنظمة الدفاع، لكنه «يُعد وسيلة إضافية منخفضة التكلفة لمواجهة أسراب الطائرات المُسيّرة الرخيصة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحروب الحديثة».

جانب من إعلان دعائي لشركة «رافائيل» عن سلاح «آيرون بيم»... (الشرق الأوسط)

ومعلوم أن الولايات المتحدة كانت قد استثمرت 1.2 مليار دولار في عام 2024، خلال إدارة الرئيس جو بايدن، في تطوير نظام «آيرون بيم». ونظراً إلى أن إسرائيل اتَّبعت نهجاً تقنياً مختلفاً عن مشاريع الليزر الأميركية، كانت واشنطن تأمل في الاستفادة من التجربة الإسرائيلية لاستخلاص دروس وفتح آفاق جديدة لتعزيز منظومتها الدفاعية المعتمدة على الليزر، على ما جاء في تقرير «لوفيغارو».

وفي شهر مايو (أيار) الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب نيته إطلاق مشروع «القبة الذهبية (Golden Dome)» لحماية كامل أراضي الولايات المتحدة القارية من الهجمات الجوية. ويتضمن هذا المشروع أيضاً منصات إطلاق تُوضع في الفضاء، في خطوة تُعد نسخة محدَّثة من خطط «حرب النجوم» القديمة التي أطلقها ريغان. وتُظهر التطورات الإسرائيلية اليوم أن حلم أسلحة الليزر الذي كان يبدو ذات يوم خيالياً، لم يكن بعيد المنال.

ويكتب الخبير الأمني إليوت أبرامز: «لقد غيّرت الطائرات المُسيّرة طبيعة ساحة المعركة، والدفاع بالليزر سيُغيرها مجدداً».


مقالات ذات صلة

طائرات مسيّرة روسية تنفّذ ضربة نهارية نادرة على العاصمة الأوكرانية كييف

أوروبا شرطي أوكراني (يمين) ويساعده رجل آخر يحملان كيساً بلاستيكياً يحتوي على حطام طائرة مسيّرة بموقع غارة روسية بطائرة مسيّرة في كييف 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

طائرات مسيّرة روسية تنفّذ ضربة نهارية نادرة على العاصمة الأوكرانية كييف

دوّت انفجارات قوية في كييف، الثلاثاء، بعد وقت قصير من إنذار بالعاصمة من ضربة جوية. وأشارت السلطات إلى هجوم بطائرات مسيّرة روسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

انفجارات في كييف بعد ساعات من هجوم أوكراني على مصفاة روسية

دوّت انفجارات في سماء كييف اليوم (الثلاثاء)، بينما حثّ مسؤولون أوكرانيون سكان العاصمة على الاحتماء بسبب تهديد بشنّ هجوم روسي بطائرات مسيّرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ صورة مقتبسة من فيديو نشرته «ساوثكوم» للأنظمة ذاتية التشغيل

الجيش الأميركي يطلق أول قيادة لـ«الحرب ذاتية التشغيل» في أميركا اللاتينية

أعلن الجيش الأميركي إطلاق قيادة عسكرية جديدة لـ«الحرب ذاتية التشغيل» لنشر أنظمة متطورة غير مأهولة في جميع أنحاء أميركا اللاتينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)

مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

مأزق ترمب في إيران... لا يريد خسارة الحرب ولا إنهاءها بشروط

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

حين تقول طهران إن واشنطن «لم تعد في موقع يسمح لها بفرض سياساتها»، بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلائي نيك، فهي لا تصف ميزان القوة العسكري بقدر ما تحاول إعادة تعريف ميزان التفاوض.

فإيران التي تعرضت لضربات قاسية، وتواجه حصاراً بحرياً على صادراتها وموانئها، لا تستطيع ادعاء أنها خرجت منتصرة عسكرياً، لكنها تراهن على أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة سياسياً واقتصادياً على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية نهائية. ومن هنا جاء المقترح الإيراني الأخير: فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي وإنهاء الحرب أولاً، ثم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة. هذا، في جوهره، عرض لا ينهي النزاع بقدر ما ينقل مركزه من النووي إلى هرمز، ومن نزع أوراق إيران إلى تثبيت قدرتها على تعطيل الاقتصاد العالمي. وقد ناقش ترمب المقترح مع فريقه للأمن القومي، لكن البيت الأبيض شدد على أن خطوطه الحمراء لا تزال مرتبطة بإبقاء هرمز مفتوحاً، وبمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

مناورة لتغيير جدول التفاوض

تسعى طهران إلى قلب ترتيب الأولويات، فبدلاً من أن تبدأ التسوية بالسؤال النووي، تريد أن تبدأ بالسؤال البحري: من يتحكم بمرور السفن في هرمز؟ ومن يرفع الحصار أولاً؟ وهل يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بفتح المضيق من دون انتزاع تنازل إيراني حول التخصيب ومخزون اليورانيوم العالي التخصيب؟

يقول فرزين نديمي الباحث في معهد واشنطن، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الولايات المتحدة «لم تكن يوماً في موقع يسمح لها بإملاء سياساتها على إيران»، وإلا لما وقعت الحرب أصلاً، لكنه يضيف أن المشكلة في العرض الإيراني أنه «يتجاوز القضية النووية الأساسية، ويدفع بملف هرمز إلى الواجهة». وبحسب نديمي، تعتقد طهران أن لحظة الضغط على المضيق تمنحها ورقة لموازنة الضغط الأميركي الطويل على برنامجها النووي وربما الصاروخي، لكنه يرجح أن يرتد ذلك عليها إذا «دفعت به بقوة زائدة ولفترة أطول من المطلوب». وهذا التقدير يفسر جانباً من تحفظ واشنطن: قبول العرض يعني عملياً مكافأة استخدام هرمز كورقة ابتزاز استراتيجية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية خلال حفل العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن السبت الماضي (رويترز)

خيارات ترمب

أمام ترمب 3 مسارات رئيسية، وكل واحد منها مكلف. الخيار الأول هو إبقاء الحصار، ورفض وقف النار الكامل، ثم استئناف القتال بأهداف متفاوتة: من تحسين شروط التفاوض إلى محاولة إضعاف النظام أكثر، وربما دفعه نحو تصدعات داخلية. هذا هو الخيار الذي يراه نديمي «الأكثر ترجيحاً»؛ لأنه يحافظ على ورقة الضغط، ولا يمنح طهران نصراً تفاوضياً سريعاً.

يضيف نديمي، أما الخيار الثاني فهو الجمع بين الحصار ووقف النار، ومواصلة التفاوض. ظاهرياً، يبدو هذا المسار أقل تكلفة عسكرية، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى «نزاع مجمد»: لا توجد حرب شاملة ولا يوجد اتفاق نهائي، مع بقاء القوات الأميركية في المنطقة، واستمرار إغلاق هرمز أو اضطرابه، وارتفاع أسعار الطاقة لأشهر. وقد نقلت «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين قلقهم من سيناريو كهذا؛ لأنه قد يكون الأسوأ لترمب سياسياً واقتصادياً قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

والخيار الثالث هو قبول صفقة ضيقة: «هرمز مقابل الحصار»، أي إعادة فتح المضيق مقابل تخفيف أو رفع الحصار، مع ترحيل النووي إلى موعد لاحق. ويقول نديمي إن هذا الخيار سيبدو في واشنطن والخليج كأنه اعتراف ضمني بأن «الحرس الثوري» قادر على التحكم في ممر دولي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المنقولة بحراً، كما أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حذر في حديث مع محطة «فوكس نيوز» من تطبيع وضع تقرر فيه إيران من يستخدم الممر الدولي وبأي ثمن، مؤكداً أن منعها من امتلاك سلاح نووي يبقى جوهر الموقف الأميركي.

لا غالب واضح

مايكل أوهانلن، الباحث في معهد «بروكينغز» يحذر في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، من التسرع في إعلان المنتصر، ويقول إنه «من الصعب وصف نظام إيراني مدمَّر بأنه منتصر»، لكنه يضيف أنه، في ظل اضطراب الأسواق العالمية، يصعب أيضاً وصف الولايات المتحدة بأنها منتصرة، رغم أن البرنامج النووي الإيراني «تراجع كثيراً». هذه القراءة تضع يدها على جوهر المأزق: واشنطن ربحت عسكرياً في مساحات واسعة، لكنها لم تنتزع بعد ترجمة سياسية لهذا التفوق.

الضغوط على إيران حقيقية؛ فالتقارير الأميركية تشير إلى أن الحصار خفّض تحميلات النفط الإيراني بشدة، وأن طهران باتت تبحث عن تخزين بديل للخام في خزانات متهالكة أو على متن ناقلات، أو حتى عن مسارات أقل كفاءة عبر السكك الحديدية باتجاه الصين. لكن الضغط ليس أحادياً؛ فإغلاق هرمز أو تقييده يرفع أسعار النفط والوقود، ويضغط على حلفاء واشنطن الخليجيين، ويمنح إيران قدرة على تصدير الألم إلى خارج حدودها؛ لذلك لا يتعلق السؤال بمن يتألم أكثر فقط، بل بمن يستطيع تحمل الألم مدة أطول.

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)

المخرج الممكن

تتحدث طهران عن احتمال «عودة محدودة للتصعيد ثم العودة إلى المفاوضات»، وفق ما صرح به مسؤول إيراني رفيع في وقت سابق اليوم. وهذا ليس تهديداً عابراً، بل جزء من منطق تفاوضي: رفع الحرارة عسكرياً بما يكفي لإجبار واشنطن على تعديل شروطها، من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة لا تستطيع إيران تحملها.

لكن هذه اللعبة خطرة، لأن ترمب، كما يقول مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، قد «يلجأ إلى ضربة جديدة إذا دفعت إيران بقوة زائدة». ويضيف روبين أن إيران ليست منتصرة، لكنها «أفضل تفاوضاً» من فريق ترمب، محذراً من أن صفقة لا تطابق خطاب الانتصار الأميركي قد تدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى التحرك منفردة.

لذلك، فإن المخرج الأكثر قابلية للحياة ليس قبول المقترح الإيراني كما هو، ولا استئناف حرب مفتوحة بلا سقف.

الصيغة الأكثر واقعية قد تكون اتفاقاً مرحلياً مشروطاً: فتح فوري وموثوق به لهرمز من دون رسوم أو تمييز، رفع جزئي ومؤقت للحصار مقابل آليات تحقق بحرية، واستئناف مسار نووي سريع بجدول زمني قصير لا يسمح لطهران بتحويل التأجيل إلى انتصار. عندها يستطيع ترمب القول إنه لم يتنازل عن خطه الأحمر النووي، وتستطيع طهران ادعاء أنها انتزعت وقفاً للحرب، وفتحت باب رفع الحصار.

لكن نجاح هذه الصيغة يتطلب ما تفتقر إليه اللحظة الراهنة: ثقة بالوسطاء، وضمانات لحرية الملاحة، و«رسالة أميركية موحدة لا تجمع بين تهديدات القصف ورغبة تفاديه»، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» عن 5 مستشارين. أما إذا بقيت واشنطن وطهران في سباق كسر الإرادة، فقد يتحول هرمز من ورقة تفاوض إلى قيد على الطرفين: إيران لا تستطيع فتحه بلا ثمن، وترمب لا يستطيع رفع الحصار بلا نووي، والأسواق لا تستطيع انتظار تسوية مؤجلة إلى ما لا نهاية.


أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

أميركا لـ«تحالف شركاء»... وعشرات الدول تطالب بفتح «هرمز»

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

طالبت عشرات الدول، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن في نيويورك، بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران، التي تصادمت أيضاً مع الولايات المتحدة على خلفية اختيار طهران لعضوية مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي.

وفي جلسة عقدت بطلب من البحرين، وشارك فيها أكثر من 80 دولة، استمع أعضاء مجلس الأمن إلى إحاطات من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز، وخبير الأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية نيك تشايلدز.

اجتماع مجلس الأمن حول الممرات المائية (رويترز)

وفي كلمته، حذر غوتيريش من أن الطرق البحرية العالمية - التي شكلت لقرون شرايين التجارة العالمية - باتت اليوم تواجه ضغوطاً هائلة تهدد الأمن والاستقرار الدوليين. وإذ دعا إلى احترام حقوق الملاحة عبر مضيق هرمز، قال: «افتحوا المضيق. اسمحوا بمرور السفن، دون فرض رسوم، ودون تمييز. اسمحوا باستئناف حركة التجارة. اسمحوا للاقتصاد العالمي بأن يتنفس». وحذر من أن استمرار التعطل في الملاحة قد يقود إلى «حال طوارئ غذائية عالمية» تدفع ملايين الأشخاص، وخصوصاً في أفريقيا وجنوب آسيا، إلى براثن الجوع والفقر.

وذكّر دومينغيز بأنه وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، «لا يجوز للدول المشاطئة إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية»، مضيفاً أنه «وبالمثل، لا يوجد أي أساس قانوني يخول لأي دولة فرض رسوم أو جبايات أو شروط تمييزية على المضائق الدولية».

ولفت تشايلدز إلى أن الأحداث المتعلقة بمضيق هرمز قد تكون أكبر مصادر القلق حالياً فيما يتعلق بالأمن البحري، إلا أن هناك العديد من البؤر البحرية الإقليمية الأخرى التي قد تشكل تحديات أيضاً.

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز (رويترز)

تحالف للشركاء

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، إن «مضيق هرمز ليس ملكاً لإيران لتتلاعب به، ولا هو ورقة مساومة تستخدمها». وإذ أشار إلى أن أكثر من مائة دولة أيدت هذا الموقف، لفت إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817، الذي يطالب إيران بوقف الهجمات على الملاحة البحرية. كما انتقد كلاً من الصين وروسيا لاستخدامهما حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار سابق كان يهدف إلى حماية الأمن البحري. ودعا إلى العمل الجماعي لتشكيل «تحالف من الشركاء ذوي التفكير المماثل» لتأمين طرق الشحن، ودعم تدفقات المساعدات الإنسانية، وصون حرية الملاحة.

وتحدث وزير الدولة لشؤون أوروبا وأميركا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار في وزارة الخارجية البريطانية ستيفن دوتي، مؤكداً أنه «لا يجوز استخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط، ولا مكان لفرض رسوم عبور أو اشتراط الحصول على تصاريح في المضائق الدولية». وأضاف أنه «لا ينبغي لأي دولة أن تكون قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، أو تهديد الأمن الإقليمي».

وحذر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من أن المضائق ليست ملكية لأي جهة كما لا يجوز بيعها، أو عرقلتها أو إغلاقها أو فرض رسوم في شأنها «سواء من إيران أو أي طرف آخر، لأي سبب». وأكد أنه «لا يمكن التوصل إلى حل دائم لهذه الأزمة ما لم يوافق النظام الإيراني على تقديم تنازلات كبيرة وتغيير جذري في موقفه».

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا (رويترز)

روسيا والصين

في المقابل، حمل المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا بشدة على الدول الغربية، قائلاً إن «الوضع في مضيق هرمز هو نتيجة للعدوان الإسرائيلي - الأميركي غير المبرر ضد إيران». ورأى أنه «في وقت الحرب، يمكن لدولة ساحلية تعرضت للهجوم أن تحد من الملاحة في مياهها الإقليمية لأغراض الأمن».

أما نظيره الصيني فو تسونغ، فأكد أن «السبب الجذري لعرقلة الملاحة في هذا المضيق يكمن في التحركات العسكرية غير القانونية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران». وأثنى على باكستان وغيرها من الأطراف لدورها في الوساطة.

رفض سعودي للتهديدات

وأكد المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل، أن «التطورات المتسارعة في منطقة الخليج العربي تشهد حالة غير مسبوقة من النزاع حول مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً ليس لدول المنطقة بل للاقتصاد العالمي»، منبهاً إلى أن أي تهديد لحرية الملاحة في ممر هرمز الاستراتيجي يؤثر بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية والأمن الاقتصادي الدولي برمته».

وجدد إدانة المملكة لأي أعمال أو تهديدات من إيران تهدف إلى عرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، أو تهديد الأمن البحري في باب المندب، والتأكيد على أن المساس بحرية الملاحة يشكل تهديدا خطيراً للسلم والأمن الدوليين. وشدد على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً للملاحة، وفقاً لقانون الأمم المتحدة لقانون البحار.

وشدد المندوب الباكستاني عاصم افتخار أحمد على دعم بلاده وتضامنها مع «كل الدول الشقيقة بمنطقة الخليج»، مضيفاً أن باكستان، بدعم من شركاء ودول شقيقة منها الصين والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وبلدان أخرى، تقود جهوداً دبلوماسية بناءة لخفض التصعيد.

ورأى المندوب الإيراني أمير سعيد إيرفاني أنه «لا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في الخليج العربي والمنطقة الأوسع إلا من خلال وقف دائم ومستمر للعدوان على إيران، مدعوماً بضمانات موثوقة بعدم تكرار ذلك».

المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو تسونغ (رويترز)

بيان مشترك

وقبل الاجتماع، تلا وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال الشهر الحالي، بياناً مشتركاً نيابة عن عدد كبير من الدول، التي أكدت «تأييدها التام للقرار 2817 الذين يدين هجمات إيران على الجيران الإقليميين وإغلاقها لمضيق هرمز»، وجددت دعوتها لفتح المضيق بشكل عاجل ودون عوائق، رافضة أي جهود لتهديد أو وقف الحقوق والحريات الملاحية، بما في ذلك عبر فرض رسوم بما «سيكون انتهاكاً للقانون الدولي».

من جهة أخرى، انطلقت في مقر الأمم المتحدة بنيويورك نشاطات المؤتمر السنوي الحادي عشر لمراجعة تنفيذ معاهدة عدم الانتشار النووي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970. ورشحت مجموعات مختلفة 34 نائباً للرئيس.

وأعلن رئيس المؤتمر المندوب الفيتنامي لدى المنظمة الدولية دو هونغ فييت، أن إيران اختيرت مما يسمى «مجموعة دول عدم الانحياز ودول أخرى». وعلى الأثر، اعتبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون مكتب الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي أن اختيار إيران «إهانة» لمعاهدة عدم الانتشار. وقال إنه «لا جدال في أن إيران لطالما أظهرت استخفافها بالتزامات المعاهدة»، واصفاً اختيارها بأنه «أمر مخزٍ للغاية ومُحرج لصدقية هذا المؤتمر».

في المقابل، رفض المندوب الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي، الموقف الأميركي، قائلاً إنه «من غير المقبول أن تسعى الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية... إلى وضع نفسها في موقع الحكم في مسألة الامتثال».


باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة» وبتغيير «نهجها» الإقليمي

الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
TT

باريس تربط انتهاء الحرب مع إيران بتقديمها «تنازلات مؤلمة» وبتغيير «نهجها» الإقليمي

الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)
الوزير جان نويل بارو ملقياً كلمة فرنسا بمناسبة الاجتماع المخصص في الأمم المتحدة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك الاثنين (رويترز)

تعد فرنسا الدولة الغربية الوحيدة التي تتمسك بالتواصل المباشر مع إيران. وساعدها على ذلك إغلاق ملف الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللتين كانتا محتجزتين في إيران منذ سنوات، وكانت باريس تعدهما «رهينتي دولة».

في المقابل، خرجت من السجن المواطنة الإيرانية مهدية أسفندياري، وعادت إلى بلادها، وبذلك تمت تصفية الملف، وفتحت صفحة جديدة بين باريس وطهران. ولم يتردد الرئيس إيمانويل ماكرون في الاتصال بنظيره مسعود بزشكيان، وكذلك فعل وزير الخارجية جان نويل بارو الذي تهاتف أكثر من مرة مع نظيره عباس عراقجي، وكان آخرها، الأحد الماضي.

ومن اللافت أن الدبلوماسية الفرنسية تميزت عن غيرها من الدول الغربية، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، بالتنديد بالهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي عدّتها «انتهاكاً للقانون الدولي». وإذا لم يتردد بارو، في الكلمة التي ألقاها، الاثنين، في مجلس الأمن، في تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل جزءاً من المسؤولية، قائلاً إنهما بدأتا الحرب «دون هدف محدد بوضوح وخارج إطار القانون الدولي»، فإنه استدرك قائلاً إن «النظام الإيراني يتحمل المسؤولية الكبرى عن هذا الوضع»، بالنظر إلى «تعنته» بشأن برنامجيه النووي والصاروخي الباليستي، و«دعمه المستمر للجماعات الإرهابية».

بالأحرى، تسير الدبلوماسية الفرنسية على حبل مشدود، وتسعى إلى المحافظة على نوع من التوازن من دون الوقوع في هذا الجانب أو ذاك. ولم تذهب باريس، مثلاً، إلى تبني المواقف المتشددة التي اتخذتها السلطات الإسبانية المنددة صراحة بالسياسة الأميركية تجاه إيران.

في هذه المقاربة الدبلوماسية، لم تتخلَّ باريس، رغم ما سبق، عن ثوابتها في سياستها إزاء إيران، وهي الثوابت التي ذكّر بها جان نويل بارو في الكلمة التي ألقاها، يوم الاثنين، في الأمم المتحدة، بمناسبة المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يصافح الاثنين أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قبل اجتماعهما في نيويورك على هامش اجتماع مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

والواضح أن الأهداف التي تسعى إليها باريس، عضو «الترويكا» الأوروبية إلى جانب ألمانيا وبريطانيا، والمهتمة بالملف النووي الإيراني منذ ما قبل عام 2015، تتطابق تماماً مع الأهداف الأميركية، إلا أن باريس تبتعد عن واشنطن في الوسائل التي يمكن أن تحقق هذه الأهداف.

ثمة 3 أهداف تركز عليها باريس، أولها قطعاً منع إيران من الحصول على السلاح النووي، لكن ما تريده فرنسا، ومعها شريكتاها بريطانيا وألمانيا، هو أن يتم ذلك عبر المسار الدبلوماسي.

عملياً، تريد باريس، ومعها لندن وبرلين، التوصل إلى اتفاق «قوي ودائم»، معطوف على رقابة صارمة تتكفل بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت «حارس» اتفاق 2015.

كذلك تريد فرنسا، وفق ما تؤكده سلطاتها، «نظاماً» يضبط برنامج طهران الصاروخي - الباليستي، وهو ما كانت تتمنى إدراجه في اتفاق عام 2015، إلا أن استعجال إدارة باراك أوباما، الرئيس الأميركي وقتها، حال دون تحقيق هذا الهدف.

وأخيراً، تريد باريس أن تتوقف طهران عن دعم «وكلائها» في المنطقة، بدءاً من اليمن، ووصولاً إلى لبنان، ومروراً بالعراق، وكما يبدو، فإن أهداف «الترويكا» تتطابق تماماً مع الأهداف الأميركية، وهذا التوافق كان صحيحاً في الماضي، وما زال كذلك اليوم.

تعي باريس أنه بعد الحرب الأخيرة التي لم تكتمل فصولاً، حصلت تغيرات يتعين أخذها في الحسبان، أولها الحصار المزدوج على مضيق هرمز، الذي يمنع تدفق الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية؛ لذلك، تقترح باريس ولندن إطلاق «مهمة دولية» لضمان أمن الإبحار في المضيق، شرط أن تضع الحرب أوزارها، وهو أمر لا يزال بعيد المنال رغم الهدنة الراهنة، وتتمسك الدول الراغبة في الانضمام إلى هذه «المهمة» بالعمل بعيداً عن الانتشار العسكري الأميركي.

لكن يبدو أن إدارة الرئيس ترمب لا تعيرها أهمية، خصوصاً بعد أن تبين للرئيس الأميركي أن الدول الأطلسية رفضت التعاون معه، ولم تستجب للنداءات التي وجهها إليها قبل أن تفرض قواته البحرية الحصار على الموانئ الإيرانية.

غير أن نقطة التلاقي مع واشنطن تكمن في أن الطرفين يرفضان الهيمنة الإيرانية على المضيق، وتغريم السفن وناقلات النفط رسوماً مقابل السماح لها بالعبور، بما يخالف القوانين الدولية وقوانين البحار.

بيد أن الأهم بالنسبة لفرنسا يبقى التوصل إلى حل دائم ينزع فتيل التفجير من منطقة الخليج والشرق الأوسط، ويعيد الهدوء إلى أسواق الطاقة، ويفرمل الأزمة الاقتصادية العالمية الآخذة في التوسع بسبب الإرباك الحاصل في إمدادات الطاقة.

ومن وجهة نظر فرنسا، فإن الخروج من الأزمة يمر عبر إيران. وفي هذا الخصوص، قال بارو خلال اجتماع مجلس الأمن، الاثنين، بدعوة من البحرين: «لن يكون هناك حل دائم لهذه الأزمة ما لم يوافق النظام الإيراني على تقديم تنازلات مؤلمة، وإحداث تغيير جذري في نهجه».

وأضاف أنه يتعين على إيران أن تظهر طريقاً «نحو التعايش السلمي داخل منطقتها، وأن يتمكن الشعب الإيراني من بناء مستقبله بحُرية»، وذلك بعد أشهر من حملة القمع التي ضربت إيران، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى.

وفي عبارة بارو تذكير بالوعود الأميركية المنسية الخاصة بمساعدة مواطني إيران، التي عدت إحدى مبررات الحرب التي أطلقتها القوات الأميركية - الإسرائيلية، ثم غابت لاحقاً عن المشهد، لكن بارو لم يفصل «التنازلات المؤلمة» التي يفترض بإيران أن تقدمها، وهو بذلك يشير قطعاً إلى برنامجها النووي.

يبقى أن باريس، مثل لندن وبرلين، لا تمتلك أوراقاً ضاغطة قادرة على التأثير في الوضع؛ إذ أخرجت من حلقة التفاوض، التي أمسكت بها واشنطن وحدها، معتمدة فقط على أطراف لنقل الرسائل بينها وبين طهران، رغم أن الأوروبيين كانوا ضالعين في ملف التفاوض مع إيران منذ عام 2003.