اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

روسيا تعارض تمديد العقوبات تلقائياً... لكنها لا تمتلك خطة لـ«إنقاذ إيران»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)
TT

اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)

تجري روسيا والصين وإيران مشاوراتٍ مهمة في طهران، الثلاثاء؛ بهدف تنسيق المواقف استباقاً لاجتماع «الترويكا الأوروبية» المقرر في جنيف الأسبوع المقبل. ومع توقع إعادة فرض جميع العقوبات على إيران في إطار آلية «سناب باك»، حذَّر خبراء روس من أن الخطوة سوف تؤدي إلى مزيد من تفاقم الوضع، وتدفع طهران إلى اتخاذ خطوات تبدد أكثر فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد.

لكن في هذه الظروف، وعلى خلفية الاتصالات الروسية - الإيرانية المكثفة خلال الفترة الأخيرة، وبروز مؤشرات إلى حدوث شرخ جدي في العلاقات بين موسكو وطهران بسبب ما وُصف بأنه «خيبة أمل» إيرانية حيال موقف روسيا المتردد في دعمها، برزت أسئلة حول قدرة الكرملين على تقديم عون جدي للإيرانيين في ظروف انشغال موسكو بتعقيدات الوضع حول أوكرانيا، وعدم رغبتها في الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

قبيل الاجتماع الثلاثي، كررت الدبلوماسية الروسية عرض مواقفها المتمثلة في رفض إعادة العقوبات، والتشكيك بـ«شرعية» اتخاذ قرارات في هذا الشأن من جانب «الثلاثي الأوروبي»، إلى جانب التأكيد مجدداً على استعدادها للعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين طهران والغرب.

لكن هذا المدخل التقليدي كان لافتاً أنه لا يحظى بدرجة الحماسة نفسها التي كانت موسكو تُظهرها خلال لقاءات ثلاثية مماثلة لبحث الملف النووي الإيراني. على الأقل، ظهر ذلك من خلال تركيز وسائل الإعلام المقرّبة من الكرملين على أن اللقاء جرى تنظيمه بمبادرة من الجانب الإيراني، خلافاً للتوصيف الذي كان يُقدم خلال لقاءات مماثلة سابقة. كما تجنّبت الخارجية الروسية التعليق على الموضوع، واكتفت بإشارات موجَّهة إلى اجتماع «الترويكا» المقبل.

وقال ميخائيل أوليانوف، رئيس الوفد الروسي في فيينا، لصحيفة «إزفستيا» إن «الثلاثي الأوروبي» قد فقد شرعيته في إعادة فرض جميع العقوبات على إيران، معترضاً بذلك على المهلة التي كانت فرنسا وألمانيا وبريطانيا قد منحتها لطهران حتى نهاية أغسطس (آب) لإبرام اتفاق نووي جديد.

وقال الدبلوماسي إن بريطانيا وألمانيا وفرنسا انتهكت بشكل متكرر بنود الاتفاق النووي؛ ما يُسقِط عنها شرعية تبنّي قرارات جديدة بشأن العقوبات.

في إشارة إلى أنه في حال عدم موافقة إيران على اتفاق جديد، فستتم إعادة فرض جميع العقوبات عليها. ولهذا الغرض؛ سيتم استخدام آلية «العودة السريعة» التي وضعها مجلس الأمن الدولي، والتي تسمح بإعادة فرض القيود الدولية على طهران تلقائياً في حال انتهاكها بنود الاتفاق النووي لعام 2015.

وكان لافتاً في هذا السياق أن وسائل إعلام حكومية روسية نقلت عن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الدول المشاركة في الاتفاق النووي لم تُبلِغ المنظمة الدولية بنيّتها إطلاق آلية لإعادة فرض العقوبات على إيران.

ولذلك؛ «تبقى هذه التهديدات الأوروبية حتى الآن مجرد كلام». وبرأي بعض الخبراء الروس، «من المحتمل جداً أن تكون هذه محاولةً لاستغلال مخاوف إيران وتخويف النخب من خلال إعادة فرض العقوبات».

يَظهر هذا أن موسكو لا تتعامل حتى الآن مع فكرة إعادة فرض العقوبات على أنها نهائية ومحتومة. كما أن بعض الخبراء يشيرون إلى أن عملية «سناب باك» تعني «عودة فورية» للعقوبات، إلا أن إطلاق الآلية نفسها يستغرق نحو 30 يوماً، ولن تكون فورية تماماً.

في المقابل، هناك رأي روسي يُرجّح أن القوى الأوروبية تتسرع في سعيها لتطبيق الآلية بالكامل قبل تولّي روسيا رئاسة مجلس الأمن، أي قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وفي هذه الحالة، تفترض «الترويكا الأوروبية» مشروعية إجراءاتها؛ إذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي من جانب واحد عام 2018، بينما خفّضت إيران التزاماتها بموجبه بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.

مشكلة التخصيب والوساطة الروسية

يرى خبراء روس أن فرص العودة إلى اتفاق نووي لم تُستنفد بعد، وأن قدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهمات تنظم التعامل مع كميات اليورانيوم المُخصب لدى طهران ما زالت قائمة.

وكانت «الترويكا الأوروبية» قد وعدت بعدم فرض عقوبات إذا أزالت طهران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60 في المائة من البلاد، ووافقت أيضاَ على استئناف مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت إيران قد أوقفتها.

وأشار ميخائيل أوليانوف إلى أنه عند إبرام الاتفاق النووي، اتفقت موسكو وطهران على نقل أكثر من 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب المُنتج في إيران إلى روسيا، ولم يستبعد أن «تعود الأطراف إلى هذه الفكرة مستقبلاً».

وقال الدبلوماسي: «من حيث المبدأ، لا أرى أي سبب يمنع تطبيق مثل هذه الخطة مستقبلاً إذا كانت ستساعد في حل الخلافات بين طهران والغربيين بشأن البرنامج النووي الإيراني».

وجدّد التأكيد على العرض الروسي بالوساطة، انطلاقاً من أن موسكو «اتبعت هذا النهج لسنوات عدة، وقد حقق نتائج إيجابية مراراً وتكراراً. ونحن مستعدون الآن للعب دور الوسيط، إذا طلب طرفا الاتفاق ذلك».

لكن اللافت هنا أيضاً، أن أوليانوف تجنّب توضيح الفكرة المتعلقة بالضمانات التي يمكن لموسكو أن تقدّمها للغرب في مسألة عدم لجوء إيران إلى إنتاج أسلحة نووية في المستقبل.

وقال أوليانوف: «من الصعب جداً تصوّر كيفية تطبيق هذه الفكرة عملياً. ففي النهاية، ينبغي على إيران تقديم ضمانات من هذا النوع، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشمل صلاحياتها التحقّق من استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط».

ويُقلل هذا المدخل، كما يقول خبراء، من أهمية أي وساطة روسية محتملة، حتى لو قبلت الأطراف الغربية بهذه الوساطة.

خيبة أمل إيرانية؟

على المستوى الرسمي، تواصل روسيا الدفاع عن حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ورفض آليات «المهل النهائية» والإنذارات وأسلوب الضغط المتواصل، عادَّةً أن هذا النهج يلعب دوراً سلبياً ولا يدفع نحو أي محادثات بنّاءة.

كما أكدت طهران بدورها أن الضغط لن يُحقق نتائج. وحتى قبل الضربات الأميركية على المنشآت النووية، صرّح السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، بأن قيادة البلاد لن تستأنف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي إذا استمر البيت الأبيض في هذا النهج.

ويعتقد الخبير فرهاد إبراهيموف أن إنذار «الترويكا الأوروبية» والمزيد من التهديدات من واشنطن قد يدفعان إيران إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ومواصلة برنامجها النووي بنشاط؛ ما يضع موسكو أمام خيار صعب: إما مواصلة دعم الإيرانيين سياسياً، أو تفضيل عدم الانخراط في مواجهة مع واشنطن.

وقد بدا أن اللقاءات والرسائل النشطة المتبادلة بين موسكو وطهران خلال الفترة الماضية هدفت إلى توضيح مواقف الطرفين، وتلمّس مدى قدرة موسكو على دعم طهران بشكل عملي مع احتدام المواجهة وتعاظم الضغوط الغربية عليها.

وناقش وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف ونظيره الإيراني عزيز نصير زاده تعزيز التعاون العسكري خلال اجتماع الاثنين في موسكو.

وجاء الاجتماع عقب محادثات الأحد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعلي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، تناولت الوضع في الشرق الأوسط والقضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

ونقلت وكالة «إرنا» عن السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، قوله إن نصير زاده شارك في لقاء بوتين ولاريجاني.

الرئيس الروسي يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 23 يونيو الماضي (الكرملين)

وتأمل طهران في المحافظة على دور لموسكو وبكين في هذا الشأن؛ انطلاقاً من قناعة عبّر عنها الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بأن الاتفاق النووي لعام 2015 وُقّع بمشاركة روسيا والصين، مشيراً إلى أن هاتين الدولتين «يمكنهما الاضطلاع بدور في أي عملية داخل مجلس الأمن الدولي».

كما تنطلق طهران من موقف قانوني يقوم على أن الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاق النووي؛ ما يعني - من وجهة نظرها - عدم قانونية فرض عقوبات على طهران.

وكانت هذه فحوى الرسائل التي وجّهها مؤخراً وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى ثلاثة أطراف، هي: الصين وروسيا، ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس.

ومفاد هذه الرسائل أن استخدام آلية «سناب باك»، التي تعني إعادة فرض العقوبات، «لا معنى له، وغير مبرر، وغير قانوني، وغير أخلاقي».

لكن في هذا السياق، برزت تقارير متضاربة بشأن موقف موسكو من تخصيب إيران لليورانيوم، كما ظهرت إشارات إلى تعاظم خيبة الأمل الإيرانية من تباطؤ موسكو في إعلان دعم واضح وعلني لطهران.

فعلى الجانب الأول، ندّدت وزارة الخارجية الروسية، الأحد، بتقرير غربي أفاد بأن الرئيس فلاديمير بوتين حضّ إيران على القبول باتفاق نووي لا يُسمح لها بموجبه بتخصيب اليورانيوم - وهو اتفاق سعت واشنطن إلى إبرامه - واعتبرت ذلك «افتراءً».

وكان موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي قد نقل، السبت، عن مصادر قريبة من الملف، أن بوتين دعا إيران إلى القبول باتفاق مع الولايات المتحدة يحرمها من إمكانية تخصيب اليورانيوم.

وقبل ذلك، برز تباين آخر عندما أعلنت موسكو أن بوتين لم يتلقَّ رسالة من خامنئي خلال زيارة سابقة لوزير الخارجية الإيراني إلى موسكو.

في حين كشفت صحيفة «فرهیختغان» الإيرانية عن أن عباس عراقجي حمل رسالة غير مُعلَنة من خامنئي إلى القيادة الروسية، عكست انزعاجاً واضحاً من مواقف موسكو حيال التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل.

وبحسب الصحيفة المحسوبة على التيار المتشدد في إيران، فإن الرسالة التي نُقلت خلال لقاء عراقجي بالرئيس الروسي، عبّرت عن خيبة أمل إيرانية من المواقف الأولية لروسيا، التي وُصفت بأنها لم ترقَ إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولا إلى سقف التوقعات الإيرانية من شريك رئيسي كروسيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن موسكو حاولت لاحقاً «إعادة تموضعها السياسي» عبر تعديل بعض مواقفها، إلا أن طهران تعدّ هذه الخطوة غير كافية، بل تطالب روسيا بالامتناع عن اتخاذ أي موقف من شأنه الإضرار بالمصالح الإيرانية، أو توفير غطاء ضمني للمواقف الغربية.

ورغم اللهجة العتابية التي حملتها الرسالة، أكّد التقرير أن العلاقات الإيرانية - الروسية لن تشهد قطيعة أو تراجعاً حاداً، مشيراً إلى استمرار مسار التعاون الثنائي في مجالات متعددة، كما في السابق.

لكن روسيا، التي وطّدت علاقتها بإيران منذ بدء هجومها على أوكرانيا عام 2022، امتنعت عن الرد بشكل مباشر على مضمون الخبر.

روسيا لا تمتلك خطة إنقاذ

في هذا الإطار، كتب الخبير ألكسندر بونوف أن «الكرملين يدرك أن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان لبذل جهود أكبر لتدمير النظام الإيراني، ممّا هو مستعد لإنقاذه».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين 14 مارس 2025 (رويترز)

ورأى أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وضعت الرئيس فلاديمير بوتين أمام خيارات صعبة للغاية؛ لأن «خصوم إيران الحاليين ليسوا أعداء لروسيا. وهذا ينطبق على إسرائيل، ودول الخليج العربية، وإدارة ترمب، التي لا يزال بوتين يأمل في (صفقة كبرى) معها».

لكن انطلاقاً من هذا المنطق، وكما أن الصين لا يمكنها السماح لروسيا بالهزيمة في أوكرانيا، كذلك لا ينبغي - من وجهة نظر النظام الروسي - لإيران أن تخسر هذه الحرب.

وعلى رغم أن روسيا غير قادرة على مساعدتها عسكرياً ولا تنوي ذلك، فإنها تحاول بكل قوتها بيع خدمات الوساطة التي تقدمها.

ورأى الخبير أن «من دون القدرة على إنقاذ الحليف الإيراني، كما أنقذت سابقاً الحليف السوري، ومن دون أصول الوساطة المعتادة، لا تبرز روسيا بأي شكل من الأشكال مقارنةً بوسطاء محتملين آخرين مثل تركيا أو قطر. لقد فقدت تماماً العملة التي كانت تنوي دفعها لواشنطن مقابل عودتها إلى النخبة العالمية. كما أن منظمتي (بريكس) و(شنغهاي للتعاون)، اللتين انضمت إليهما إيران العام الماضي، واللتين أشادت بهما روسيا، غير فعّالتين».


مقالات ذات صلة

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

شؤون إقليمية متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب لوَّح فيها بالتدخل «لإنقاذ الإيرانيين المتظاهرين في حال تعرضوا للقتل».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية تجار يسيرون فوق جسر خلال احتجاج على الظروف الاقتصادية في طهران 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يُلوّح بـ«إنقاذ» المتظاهرين الإيرانيين... وطهران: التدخل «خط أحمر»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه «إذا أطلقت إيران النار، وقتلت متظاهرين سلميين بعنف، كعادتها، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستهبّ لمساعدتهم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صاروخ باليستي إيراني يُعرض في شارع وسط طهران بجوار لافتة تحمل صورة المسؤول السابق للعمليات الخارجية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني ومسؤول البرنامج الصاروخي أمير علي حاجي زادة الذي قُتل بضربة إسرائيلية في يونيو الماضي (رويترز)

تقرير: إيران تعرض بيع أنظمة أسلحة متطورة لحكومات أجنبية مقابل عملات مشفرة

كشفت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية اليوم الخميس عن أن إيران عرضت على عدة دول أجنبية بيع أنظمة أسلحة متطورة مقابل عملات مشفرة

«الشرق الأوسط» (لندن )
شؤون إقليمية بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

بزشكيان: معيشة المواطنين «خط أحمر»

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية احتجاجات في لردغان بمحافظة جهار محال وبختياري غرب البلاد (فارس) play-circle

احتجاجات إيران تمتد إلى مدن صغيرة... وسقوط 6 قتلى

دخلت الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الخامس مع اتساعها إلى مدن أصغر وعودة التحركات الليلية، وسط تصعيد أمني وسقوط قتلى وتوسع الاعتقالات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب لوَّح فيها بالتدخل «لإنقاذ الإيرانيين المتظاهرين في حال تعرضوا للقتل»، ما فتح موجة واسعة من الردود الغاضبة من قِبل المسؤولين الإيرانيين من دوائر مختلفة، على رأسها تلك المقرَّبة من المرشد علي خامنئي، إذ هددوا باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية، بما في ذلك قواعد عسكرية وجنود بالمنطقة.

وتتواصل الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية.

تحذير ترمب

وأصدر ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، تحذيراً شديد اللهجة من أي عنف ضد المتظاهرين، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ستتدخل لإنقاذهم» في حال تعرضهم لأي اعتداء، مضيفاً: «نحن على أهبة الاستعداد»، دون أن يوضح طبيعة هذا التدخل.

كانت صفحة وزارة الخارجية الأميركية بالفارسية قد علّقت سابقاً على الاحتجاجات في إيران، وكتبت على «إكس»: «نحن قلقون بشدّة إزاء التقارير ومقاطع الفيديو التي تُظهر تعرّض المتظاهرين السلميين في إيران للترهيب والعنف والاعتقال. المطالبة بالحقوق الأساسية ليست جريمة. وعلى النظام الإيراني أن يحترم حقوق الشعب الإيراني وأن يضع حداً للقمع».

وعَدَّ كبار المسؤولين في طهران أن تحذيرات ترمب تدل على تورط واشنطن في الأحداث، مع تأكيد أن أي «تدخل خارجي سيكون له عواقب مباشرة على المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة».

وكتب علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «ليعلم ترمب أن التدخل من قِبل أميركا في المشكلة الداخلية سيؤدي إلى فوضى في المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية. ترمب هو من بدأ المغامرة، فليعتنوا بجنودهم».

في السياق نفسه، قال علي شمخاني، مستشار خامنئي، إن «الشعب الإيراني يعرف جيداً تجربة إنقاذ الأميركيين، من العراق وأفغانستان، إلى غزة، وأي يد تدخلية تقترب من أمن إيران بذريعة واهية ستُقطع قبل أن تصل، بردٍّ مُندم. الأمن القومي الإيراني خطٌّ أحمر، وليس موضوعاً لتغريداتٍ مغامرة».

وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على منصة «إكس»، أن القواعد والقوات الأميركية في المنطقة «أهداف مشروعة»، في حال قيام واشنطن بمجازفات، على حد تعبيره.

وهدد القائد السابق في «الحرس الثوري» الإيراني، محسن رضائي، بـ«تدمير إسرائيل والقواعد الأميركية وزعزعة استقرار المنطقة»، وذلك في منشور له على حسابه بمنصة «إكس».

كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي، عبر منصة «إكس»، إن الشعب الإيراني سيرفض بحزمٍ أي تدخل في شؤونه الداخلية، مشيراً إلى أن «القوات الإيرانية المسلّحة في حالة استعداد، وتعرف تماماً أين تُوجه ضرباتها في حال حدوث أي انتهاك للسيادة الإيرانية».

وانتقد عراقجي رسالة ترمب للإيرانيين، واصفاً إياها بأنها «متهوّرة وخطيرة»، وقال إنها جاءت بتأثير أطراف «تخشى الدبلوماسية أو تعتقد خطأً أنها غير ضرورية». وقال عراقجي إن المتأثرين في إيران بتقلبات مؤقتة في سعر الصرف خرجوا في احتجاجات سلمية، وعَدَّها أن ذلك «حق مشروع للمواطنين». وأضاف أن هذه التحركات تختلف عن «حوادث معزولة لأعمال شغب عنيفة» شملت هجوماً على مركز للشرطة وإلقاء زجاجات حارقة على عناصر الأمن، مشيراً إلى أن الاعتداءات على الممتلكات العامة «لا يمكن التسامح معها».

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الشعب الإيراني لن يسمح لأي طرف أجنبي بالتدخل في حواره الداخلي أو في تفاعله الوطني لحل مشكلاته، مشدداً على أن سِجل الولايات المتحدة الحافل بالانتهاكات يفضح زيف ادعاءاتها.

وربطت وسائل إعلام إيرانية، وعلى رأسها وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتان لـ«الحرس الثوري»، تصريحات ترمب بدعم «العوامل الخارجية لأعمال الشغب»، وعَدَّت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لتأجيج الاحتجاجات. أما وزير الخارجية الإيراني، عبر متحدثه، فقد شدد على أن «الولايات المتحدة هي آخِر دولة يمكنها التدخل باسم الشعب الإيراني».

تأتي تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي تضمنت تلويحاً باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، في وقتٍ يشهد الشرق الأوسط توتراً مستمراً بسبب الوجود العسكري الأميركي الواسع.

ويبدو أن الردود الإيرانية الغاضبة، والتي باتت تتسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تشير إلى حالة هلع من تصعيد أكثر خطورة، إذا لم يجرِ احتواء الاحتجاجات الداخلية.

سيارة مقلوبة وحرائق خارج مركز شرطة في أزنا بمحافظة لرستان (رويترز)

سادس أيام الاحتجاج

ميدانياً، وحتى مساء الجمعة، سادس أيام الاحتجاج، شهدت محافظة لرستان وقضاء ملارد في طهران تحركات أمنية مكثفة، إذ أعلن الجهاز القضائي في لرستان اعتقال عدد من المشاركين في الاحتجاجات بمدينة أزنا ودلفان، بعد أن أسفرت اشتباكات مع الشرطة عن مقتل 3 أشخاص، وإصابة 17 آخرين، وفق وكالة «فارس» الإيرانية.

وفي ملارد، اعتُقل 30 شخصاً متّهمون بالإخلال بالنظام العام، حيث تبيَّن أن بعضهم قَدِموا من مدن مجاورة.

وفي زاهدان، بمحافظة بلوشستان، وبعد انتهاء صلاة الجمعة، انضم مواطنون إلى احتجاجات في الشوارع. وقال عبد الحميد إسماعيل زهي، إمام جمعة زاهدان، وكان من أبرز الوجوه في الداخل التي دعمت الاحتجاجات عام 2020، إن الاحتجاجات السلمية تمثل حقاً قانونياً للشعب، داعياً المسؤولين إلى الاستماع لمطالب المواطنين وعدم فرض قرارات قسرية، مضيفاً: «حياة ومعيشة الشعب الإيراني وصلت إلى طريق مسدود». ورفع بعض المحتجين شعاراً يعكس التوتر الداخلي والخارجي: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»، في إشارة إلى الانتقاد المتزايد للسياسات الخارجية للسلطة.

وانضمت مدينة قم المحافِظة، مَعقل رجال الدين في إيران، إلى الحركة الاحتجاجية، إذ أظهرت مقاطع مصوَّرة – لم يتسنَّ التأكد من صحتها - انتشاراً واسعاً لقوات الأمن وإطلاقها الغاز المسيل للدموع بهدف تفريق المتظاهرين.

جانب من الاحتجاجات في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

العنف ضد الاحتجاج

استمرت الاحتجاجات الليلية في مدن عدة، مساء الخميس والجمعة، وأظهرت مقاطع مصوَّرة الشرطة الإيرانية وهي تطلق النار والغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين، الذين تعرَّض عدد منهم إلى الضرب باستخدام الهراوات.

وشهدت مدن مرودشت في محافظة فارس، وفولادشهر في محافظة أصفهان، وكوهدشت في محافظة لرستان، تشييع ثلاثة متظاهرين سقطوا خلال الاحتجاجات، من بينهم أمير حسام خداياري، الذي قدمته وسائل إعلام حكومية على أنه عنصر من قوات «الباسيج»، رغم أن والده نفى ذلك، كما استبعدت وكالة «فارس» انتماءه لتلك القوات.

من جهته، قال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن «الشرطة تُحبط، بإشرافها وسيطرتها العملياتية، سيناريوهات الفوضى والتقسيم التي يخطط لها الأعداء... وتدافع عن كيان الوطن في مواجهة المُعتدين الأجانب والعملاء والأشرار في الداخل».

إلى ذلك، دعا صادق دقيقيان، المدَّعي العام في شمال الأحواز، إلى تدخل «وجهاء العشائر والعائلات» لتوعية الشباب وتجنّب الانجراف وراء التحريض الإعلامي، مؤكداً أن «تخريب الممتلكات العامة والإخلال بأمن الناس أمر غير مقبول».

ورغم أن إمام جمعة طهران تجنب الحديث عن الاحتجاجات في الخطبة التي خصصها لأمور دينية، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى إن «وسائل إعلام صهيونية» تسعى إلى استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في سياق الاحتجاجات من خلال تركيب أصوات شعارات «مناهضة للثورة» على صور تجمعات شعبية، بهدف الإيحاء بأن الشارع الإيراني تجاوز «الثورة» ويطالب بإنهاء النظام، وفق تعبيره.

لقطة مأخوذة من فيديو متداول يُظهر عنصرين أمنيين يصوّبان سلاحهما على متظاهرين في همدان غرب إيران (إكس)

تحذير «العفو الدولية»

وعبّرت منظمة العفو الدولية، الجمعة، عن قلقها البالغ إزاء التقارير الواردة عن مقتل متظاهرين في إيران، خلال احتجاجات على تدهور الأحوال الاقتصادية بالبلاد.

وناشدت أنييس كالامار، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، عبر منصة «إكس»، السلطات الإيرانية احترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وعدم استخدام القوة غير المشروعة في مواجهة المحتجّين.

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، أثناء توقيفها من قِبل شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى.

غير أن المؤشرات الميدانية الحالية تُظهر مساراً مختلفاً في التوقيت والدينامية، إذ تنتقل التحركات تدريجياً إلى مدن أصغر، مع عودة الاحتجاجات الليلية واتساع نطاق التوقيفات والتغطية الأمنية، ما يجعل من المبكر الجزم بسقفها النهائي أو استبعاد احتمال انتقالها إلى مرحلةٍ أوسع تبعاً لتطور تفاعل السلطات معها، خلال الفترة المقبلة.

«تراكم مطالب اجتماعية»

ومن ردود الأفعال، انتقد السياسي المعارض مهدي كروبي، وهو أحد رؤساء مجلس الشورى السابقين، الإنفاق على المؤسسات الحكومية والدينية، واصفاً ذلك بأنه «نهب المال العام»، داعياً الرئيس الإيراني إلى إعادة توجيه الموارد لخدمة الشعب، بدلاً من السياسات الخارجية.

وأدانت رئيس «جبهة الإصلاحات»، آذر منصوري، عبر منصة «إكس»: «أي تدخل خارجي، بوضوح وحزم»، وأعربت عن اعتقادها بأن «هذه التدخلات تضرّ الاحتجاجات السلمية». وشددت على أن «الاحتجاج حق للشعب، جذوره في المعاناة والمطالب الحقيقية ويجب أن يُسمع».

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد صرح، الخميس، بأن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار، مشدداً على أن الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل «خطاً أحمر» لحكومته.

من جهتها، قالت مؤسّسة حائزة «نوبل» للسلام، نرجس محمدي، ومقرُّها باريس، عبر منصة «إكس»، إن الصمت حيال ما تشهده إيران من تصعيد أمني غيرُ مقبول، مشددة على أن «دعم المحتجّين واجب إنساني وليس خياراً سياسياً».

كما قالت جمعية مخرجي الأفلام الوثائقية في إيران، إن الاحتجاجات الحالية ليست مؤقتة وتعبر عن تراكم مطالب اجتماعية وإنسانية منذ عقود، مشيرة إلى أن ربط دوافعها بالعامل الاقتصادي فقط «وصف منقوص للواقع».


حزب حليف للحكومة التركية يلوّح بعملية عسكرية ضد «قسد»

مسلحون من «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
مسلحون من «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
TT

حزب حليف للحكومة التركية يلوّح بعملية عسكرية ضد «قسد»

مسلحون من «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
مسلحون من «قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

لمّح حزب «الحركة القومية»، الحليف لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، إلى احتمال استهداف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بعملية عسكرية مماثلة لعملية «غصن الزيتون» التي نفذتها القوات التركية وفصائل سورية في عفرين بمحافظة حلب عام 2018.

وقال يلدراي تشيشيك، مستشار رئيس حزب «الحركة القومية» الذي يشكل مع الحزب الحاكم «تحالف الشعب»، إن «قسد»، التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمادها الأساسي، لا تلتزم باتفاق الاندماج في الجيش ومؤسسات الدولة السورية، الذي وقّعه قائدها، مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، في 10 مارس (آذار) الماضي في دمشق.

جنود أتراك وعناصر من فصائل الجيش الوطني السوري (سابقاً) يحتفلون بالسيطرة على عفرين في عملية غضن الزيتون عام 2018 (إعلام تركي)

وأضاف أن المهلة المحددة لهم للالتزام بالاتفاق انتهت مع نهاية عام 2025، وقد يواجهون المصير نفسه الذي واجهوه في عملية «غصن الزيتون» في عفرين، لافتاً إلى أن «تنظيم وحدات حماية الشعب الكردية - قسد» (تصنفه أنقرة إرهابياً) مرتبط بالولايات المتحدة ويعمل على تشكيل هيكل جديد في سوريا من خلال مناقشات «الحكم الذاتي أو الفيدرالية».

لا تنازلات

وشدد تشيشيك على أن تركيا «لا تقدم تنازلات» في هذا الشأن، لافتاً إلى رسالة رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، بمناسبة العام الجديد، التي حذّر فيها من «عواقب وخيمة» إذا لم تنفذ «قسد» اتفاق 10 مارس.

وقال بهشلي، في رسالته، إنه «بعد تبديد ضباب عدم اليقين في سوريا، يعد إرساء الوئام والسلام والاستقرار الداخلي مسألة حياة أو موت، ومن مصلحة الجميع أن تكون (قسد) جزءاً من سوريا، بدل أن تكون أداة في يد إسرائيل، ودمية تُحرّك عن بُعد وتُغذّى وتُقاد إلى أوهام مستحيلة، وإلا، فإنّ العواقب ستكون وخيمة على كل من يتورط في استهداف أمن تركيا والمنطقة».

رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي (حساب الحزب في إكس)

كان بهشلي هو من أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في البرلمان التركي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، نيابة عن «تحالف الشعب» الحاكم في تركيا، ودعا من خلالها زعيم «حزب العمال الكردستاني»، السجين عبد الله أوجلان، إلى توجيه نداء لحل الحزب والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

رسائل أوجلان

ومعروف أن أوجلان وجّه نداء بعنوان «دعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي» في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا فيه حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء أسلحته. واستجاب الحزب لهذه الدعوة وأعلن حل نفسه.

لكن مسألة امتداد نداء أوجلان ليشمل «قسد» في سوريا أثارت تبايناً، لا سيما بعد أن صرّح مظلوم عبدي في البداية بأن «قسد» ليست معنية بهذا النداء، ثم عاد وقال إن هناك رسائل متبادلة مع أوجلان لتحقيق هذا الأمر.

أوجلان وجه نداء لحل حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به في 27 فبراير 2025 (إ.ب.أ)

وفي رسالة بمناسبة العام الجديد، نشرها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد في تركيا، أشاد أوجلان باتفاق 10 مارس، ووصفه بأنه يقدم نموذجاً للحكم الذاتي المشترك في سوريا.

وجاءت هذه الرسالة، بعد أخرى وجهها أوجلان إلى «قسد» دعاها فيها، بحسب وسائل إعلام تركية قريبة من الحكومة، إلى إخراج عناصرها من الأجانب من الأراضي السورية.

اتهامات لأميركا وإسرائيل

في السياق ذاته، قال نائب رئيس حزب «الحركة القومية»، فتي يلديز، إن المهلة الممنوحة لـ«فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا» (وحدات حماية الشعب الكردية - قسد) للالتزام باتفاق 10 مارس انتهت بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وقال يلديز، عبر حسابه في «إكس»، إن مظلوم عبدي، الذي وصفه بـ«قائد المنظمة الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل»، يسيطر على مساحة شاسعة في شمال وشرق سوريا، تقارب ثلث مساحة البلاد، وتزخر المنطقة باحتياطات وفيرة من النفط والغاز، ونهرَي دجلة والفرات، وموارد زراعية وحيوانية هائلة.

وأضاف أن «سيطرة هذه المنظمات على هذه المناطق تشكل عائقاً خطيراً أمام تعافي سوريا وتنميتها، وتهدف إسرائيل إلى تعزيز نفوذها في المنطقة وتفريغها من سكانها عبر إثارة الفوضى وإشعال الحروب باستمرار، وتفعل ذلك أحياناً بشكل مباشر، وأحياناً أخرى عبر وكلائها، أي (المنظمات الإرهابية)».

ولفت إلى أن إسرائيل تواصل قصف سوريا وشن غارات جوية عليها؛ وفي الوقت نفسه، ومن خلال دعمها لبعض الفصائل والمنظمات تسعى لفتح ممر من السويداء إلى مناطق «حزب العمال الكردستاني» (ويقصد بذلك «قسد») في شمال شرقي سوريا، يُعرف بـ«ممر داود». وتابع أن الإسرائيليين باحتلالهم جبل الشيخ يحاولون تطويق سوريا من الجنوب، ومن الشرق (عبر «قسد»)، والتوسع من هناك إلى تركيا، وهذا الوضع يشكل تهديداً وخطراً جسيماً على المنطقة، بحسب قوله.

وقال إن «موقف دولتنا في هذا الشأن واضح، لا لبس فيه، وأود أن أؤكد مجدداً أننا لن نسمح لأي منظمة إرهابية، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية – قسد، بمواصلة أنشطتها في المنطقة أو فرض أي أمر واقع».

وزير الدفاع التركي يشار غولر خلال اجتماع مع رئيس الأركان السوري علي نور الدين النعسان في أنقرة 30 ديسمبر لبحث موقف «قسد» من تنفذ اتفاق الاندماج (الدفاع التركية)

ولفت كل من تشيشيك ويلديز إلى التصريحات المتكررة للرئيس رجب طيب إردوغان ووزيري الدفاع والخارجية، التي أكدوا فيها أن تركيا لن تسمح لأي تنظيم إرهابي بتهديد أمنها واستقرار المنطقة، وأن أنقرة ستدعم أي مبادرة للحكومة السورية في هذا الشأن، في إشارة ضمنية إلى احتمال القيام بعملية عسكرية مشتركة ضد «قسد».

في السياق ذاته، قال المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في المفاوضات مع الحكومة السورية، ياسر السليمان، إنه من المتوقع بدء تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس خلال أيام.

وأضاف، في تصريحات نقلها تلفزيون سوريا، الخميس، أن الطرف الأميركي سيكون حاضراً في الإشراف على تنفيذ الاتفاق مع الحكومة، لافتاً إلى أن سوريا «لا تحتمل سوى جيش واحد بتشكيلات متنوعة».

ولفت إلى أن هناك الكثير من الخلافات مع تركيا، قائلاً «إننا نطمح لحلها عبر بنية الدولة السورية».


قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

قبل شهر من «7 أكتوبر».... إسرائيل طلبت زيادة الأموال من قطر لغزة

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن إسرائيل كانت قد طلبت من قطر، في بداية شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023، أي قبل نحو شهر من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، زيادة الأموال التي تنقلها إلى قطاع غزة الخاضع لحكم «حماس»، إضافة إلى الهبات المالية التي منحتها قطر إلى المواطنين الغزيين، وذلك من أجل منع الحركة الفلسطينية من التصعيد ضد إسرائيل.

وجاء الطلب الإسرائيلي خلال اجتماع عُقد في فندق في القدس، شارك فيه رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار قطاع غزة، السفير محمد العمادي، ومن الجانب الإسرائيلي رئيس منطقة الجنوب في «الشاباك»، الذي يُلقب بـ«أوسكار» ومنسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، غسان عليان، ومندوبون عن أجهزة أمنية إسرائيلية أخرى.

رجل وولد يمران قرب صور الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس» في أحد شوارع تل أبيب 21 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

وبحسب تقرير نُشر، الجمعة، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، جاء الطلب الإسرائيلي إثر توتر ساد في جهاز الأمن والمستوى السياسي في إسرائيل، على إثر تردد أنباء حول استئناف تنظيم مسيرات العودة عند السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، وأن «حماس» بدأت تمهد بواسطة آليات ثقيلة، في نهاية أغسطس (آب) 2023، لإقامة «مخيمات العودة» مجدداً في شمال شرقي القطاع.

وتم إرسال الوفد الإسرائيلي إلى اللقاء مع العمادي بمصادقة المستوى السياسي الإسرائيلي، على خلفية تقديرات في جهاز الأمن بأن «حماس» لا تريد تصعيداً في القطاع، وإنما تستخدم المواجهات عند السياج الأمني من أجل الحصول على تسهيلات اقتصادية.

أضافت الصحيفة العبرية أنه قبل شهر من لقاء العمادي مع الوفد الأمني الإسرائيلي في القدس، وصل دبلوماسي قطري آخر إلى غزة، حيث التقى مع رئيس «حماس»، يحيى السنوار، والقيادي في الحركة، روحي مشتهى، وآخرين، ولدى خروجه من القطاع أبلغت قطر إسرائيل بأن «حماس» لا تريد التصعيد وأنها معنية بالحفاظ على الاستقرار.

وطلب السنوار زيادة المبلغ المخصص لشراء الوقود لتشغيل محطة توليد الكهرباء خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر بسبب حرارة الصيف، كما طلب زيادة شراء الوقود من مصر، بتمويل قطر، من 3 ملايين إلى 7 ملايين دولار شهرياً. وحسب الصحيفة فإن الدبلوماسي القطري أبلغ السنوار بأن قطر لا توافق على ذلك.

ويذكر التقرير أنه منذ نهاية عام 2021، ومن أجل منع نقل أموال نقداً إلى «حماس» مباشرة، اتفقت إسرائيل وقطر والسنوار على أن تشتري قطر الوقود من مصر، وتنقله إلى سلطات «حماس» كهدية، على أن تباع لمحطات الوقود في القطاع، وبذلك تجني «حماس» أرباحاً تستخدمها لتسديد رواتب موظفي الحكومة. ونظر «الشاباك» وشعبة الاستخبارات العسكرية («أمان») ووحدة منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة إلى استئناف مسيرات العودة عند حدود القطاع على أنها محاولة من جانب «حماس» لممارسة ضغط من أجل إدخال مال أكثر إلى قطاع غزة، وذلك قبيل زيارة العمادي.

وخلال اللقاء مع العمادي في القدس في بداية سبتمبر، طلب المندوبون الإسرائيليون زيادة شراء الوقود من مصر لصالح «حماس» من أجل التيقن من استمرار التهدئة، ولم يكن بإمكان العمادي المصادقة على ذلك على الفور.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس 20 فبراير 2025 (د.ب.أ

ولاحقاً، خلال سبتمبر، توجه رئيس «الموساد»، دافيد برنياع، إلى الدوحة، والتقى مع مسؤولين قطريين في محاولة لتسوية استمرار تحويل الأموال إلى السلطة التي تديرها حركة «حماس»، وذلك بتوجيه من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وأشارت الصحيفة إلى أن برنياع، وكذلك رئيس «الشاباك» السابق، رونين بار، وسلفه في المنصب ناداف أرغمان، عارضوا تحويل هذه الأموال، وأن «نتنياهو بنفسه هو الذي أصدر الأوامر مرة تلو أخرى حول أولويات الحفاظ على الهدوء في القطاع، بأي ثمن تقريباً، وأوعز بتسوية ذلك مقابل القطريين».

وتابعت الصحيفة أن «إيعاز نتنياهو جاء بسبب معلومات لدى جهاز الأمن تفيد بأن (حماس) تريد الهدوء، وتحاول ابتزاز إسرائيل، والإخفاق في الحصول على معلومات حول عزمها التوغل إلى إسرائيل، لكن يتضح الآن أن الحكومة الإسرائيلية لم تكتفِ باستمرار تحويل المال من قطر (إلى قطاع غزة)، وإنما سعت إلى زيادته وإلى تسهيلات أخرى، وذلك كله بطلب من زعيم (حماس) السنوار، في محاولة إسرائيلية يائسة لشراء الهدوء».

وقد حاولت الصحيفة الحصول على أي رد أو تعليق على هذه المعلومات من الحكومة الإسرائيلية أو الجيش أو المخابرات أو مكتب عليان، لكن أحداً لم يرد.