اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

روسيا تعارض تمديد العقوبات تلقائياً... لكنها لا تمتلك خطة لـ«إنقاذ إيران»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)
TT

اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)

تجري روسيا والصين وإيران مشاوراتٍ مهمة في طهران، الثلاثاء؛ بهدف تنسيق المواقف استباقاً لاجتماع «الترويكا الأوروبية» المقرر في جنيف الأسبوع المقبل. ومع توقع إعادة فرض جميع العقوبات على إيران في إطار آلية «سناب باك»، حذَّر خبراء روس من أن الخطوة سوف تؤدي إلى مزيد من تفاقم الوضع، وتدفع طهران إلى اتخاذ خطوات تبدد أكثر فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد.

لكن في هذه الظروف، وعلى خلفية الاتصالات الروسية - الإيرانية المكثفة خلال الفترة الأخيرة، وبروز مؤشرات إلى حدوث شرخ جدي في العلاقات بين موسكو وطهران بسبب ما وُصف بأنه «خيبة أمل» إيرانية حيال موقف روسيا المتردد في دعمها، برزت أسئلة حول قدرة الكرملين على تقديم عون جدي للإيرانيين في ظروف انشغال موسكو بتعقيدات الوضع حول أوكرانيا، وعدم رغبتها في الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

قبيل الاجتماع الثلاثي، كررت الدبلوماسية الروسية عرض مواقفها المتمثلة في رفض إعادة العقوبات، والتشكيك بـ«شرعية» اتخاذ قرارات في هذا الشأن من جانب «الثلاثي الأوروبي»، إلى جانب التأكيد مجدداً على استعدادها للعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين طهران والغرب.

لكن هذا المدخل التقليدي كان لافتاً أنه لا يحظى بدرجة الحماسة نفسها التي كانت موسكو تُظهرها خلال لقاءات ثلاثية مماثلة لبحث الملف النووي الإيراني. على الأقل، ظهر ذلك من خلال تركيز وسائل الإعلام المقرّبة من الكرملين على أن اللقاء جرى تنظيمه بمبادرة من الجانب الإيراني، خلافاً للتوصيف الذي كان يُقدم خلال لقاءات مماثلة سابقة. كما تجنّبت الخارجية الروسية التعليق على الموضوع، واكتفت بإشارات موجَّهة إلى اجتماع «الترويكا» المقبل.

وقال ميخائيل أوليانوف، رئيس الوفد الروسي في فيينا، لصحيفة «إزفستيا» إن «الثلاثي الأوروبي» قد فقد شرعيته في إعادة فرض جميع العقوبات على إيران، معترضاً بذلك على المهلة التي كانت فرنسا وألمانيا وبريطانيا قد منحتها لطهران حتى نهاية أغسطس (آب) لإبرام اتفاق نووي جديد.

وقال الدبلوماسي إن بريطانيا وألمانيا وفرنسا انتهكت بشكل متكرر بنود الاتفاق النووي؛ ما يُسقِط عنها شرعية تبنّي قرارات جديدة بشأن العقوبات.

في إشارة إلى أنه في حال عدم موافقة إيران على اتفاق جديد، فستتم إعادة فرض جميع العقوبات عليها. ولهذا الغرض؛ سيتم استخدام آلية «العودة السريعة» التي وضعها مجلس الأمن الدولي، والتي تسمح بإعادة فرض القيود الدولية على طهران تلقائياً في حال انتهاكها بنود الاتفاق النووي لعام 2015.

وكان لافتاً في هذا السياق أن وسائل إعلام حكومية روسية نقلت عن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الدول المشاركة في الاتفاق النووي لم تُبلِغ المنظمة الدولية بنيّتها إطلاق آلية لإعادة فرض العقوبات على إيران.

ولذلك؛ «تبقى هذه التهديدات الأوروبية حتى الآن مجرد كلام». وبرأي بعض الخبراء الروس، «من المحتمل جداً أن تكون هذه محاولةً لاستغلال مخاوف إيران وتخويف النخب من خلال إعادة فرض العقوبات».

يَظهر هذا أن موسكو لا تتعامل حتى الآن مع فكرة إعادة فرض العقوبات على أنها نهائية ومحتومة. كما أن بعض الخبراء يشيرون إلى أن عملية «سناب باك» تعني «عودة فورية» للعقوبات، إلا أن إطلاق الآلية نفسها يستغرق نحو 30 يوماً، ولن تكون فورية تماماً.

في المقابل، هناك رأي روسي يُرجّح أن القوى الأوروبية تتسرع في سعيها لتطبيق الآلية بالكامل قبل تولّي روسيا رئاسة مجلس الأمن، أي قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وفي هذه الحالة، تفترض «الترويكا الأوروبية» مشروعية إجراءاتها؛ إذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي من جانب واحد عام 2018، بينما خفّضت إيران التزاماتها بموجبه بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.

مشكلة التخصيب والوساطة الروسية

يرى خبراء روس أن فرص العودة إلى اتفاق نووي لم تُستنفد بعد، وأن قدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهمات تنظم التعامل مع كميات اليورانيوم المُخصب لدى طهران ما زالت قائمة.

وكانت «الترويكا الأوروبية» قد وعدت بعدم فرض عقوبات إذا أزالت طهران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60 في المائة من البلاد، ووافقت أيضاَ على استئناف مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت إيران قد أوقفتها.

وأشار ميخائيل أوليانوف إلى أنه عند إبرام الاتفاق النووي، اتفقت موسكو وطهران على نقل أكثر من 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب المُنتج في إيران إلى روسيا، ولم يستبعد أن «تعود الأطراف إلى هذه الفكرة مستقبلاً».

وقال الدبلوماسي: «من حيث المبدأ، لا أرى أي سبب يمنع تطبيق مثل هذه الخطة مستقبلاً إذا كانت ستساعد في حل الخلافات بين طهران والغربيين بشأن البرنامج النووي الإيراني».

وجدّد التأكيد على العرض الروسي بالوساطة، انطلاقاً من أن موسكو «اتبعت هذا النهج لسنوات عدة، وقد حقق نتائج إيجابية مراراً وتكراراً. ونحن مستعدون الآن للعب دور الوسيط، إذا طلب طرفا الاتفاق ذلك».

لكن اللافت هنا أيضاً، أن أوليانوف تجنّب توضيح الفكرة المتعلقة بالضمانات التي يمكن لموسكو أن تقدّمها للغرب في مسألة عدم لجوء إيران إلى إنتاج أسلحة نووية في المستقبل.

وقال أوليانوف: «من الصعب جداً تصوّر كيفية تطبيق هذه الفكرة عملياً. ففي النهاية، ينبغي على إيران تقديم ضمانات من هذا النوع، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشمل صلاحياتها التحقّق من استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط».

ويُقلل هذا المدخل، كما يقول خبراء، من أهمية أي وساطة روسية محتملة، حتى لو قبلت الأطراف الغربية بهذه الوساطة.

خيبة أمل إيرانية؟

على المستوى الرسمي، تواصل روسيا الدفاع عن حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ورفض آليات «المهل النهائية» والإنذارات وأسلوب الضغط المتواصل، عادَّةً أن هذا النهج يلعب دوراً سلبياً ولا يدفع نحو أي محادثات بنّاءة.

كما أكدت طهران بدورها أن الضغط لن يُحقق نتائج. وحتى قبل الضربات الأميركية على المنشآت النووية، صرّح السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، بأن قيادة البلاد لن تستأنف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي إذا استمر البيت الأبيض في هذا النهج.

ويعتقد الخبير فرهاد إبراهيموف أن إنذار «الترويكا الأوروبية» والمزيد من التهديدات من واشنطن قد يدفعان إيران إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ومواصلة برنامجها النووي بنشاط؛ ما يضع موسكو أمام خيار صعب: إما مواصلة دعم الإيرانيين سياسياً، أو تفضيل عدم الانخراط في مواجهة مع واشنطن.

وقد بدا أن اللقاءات والرسائل النشطة المتبادلة بين موسكو وطهران خلال الفترة الماضية هدفت إلى توضيح مواقف الطرفين، وتلمّس مدى قدرة موسكو على دعم طهران بشكل عملي مع احتدام المواجهة وتعاظم الضغوط الغربية عليها.

وناقش وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف ونظيره الإيراني عزيز نصير زاده تعزيز التعاون العسكري خلال اجتماع الاثنين في موسكو.

وجاء الاجتماع عقب محادثات الأحد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعلي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، تناولت الوضع في الشرق الأوسط والقضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

ونقلت وكالة «إرنا» عن السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، قوله إن نصير زاده شارك في لقاء بوتين ولاريجاني.

الرئيس الروسي يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 23 يونيو الماضي (الكرملين)

وتأمل طهران في المحافظة على دور لموسكو وبكين في هذا الشأن؛ انطلاقاً من قناعة عبّر عنها الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بأن الاتفاق النووي لعام 2015 وُقّع بمشاركة روسيا والصين، مشيراً إلى أن هاتين الدولتين «يمكنهما الاضطلاع بدور في أي عملية داخل مجلس الأمن الدولي».

كما تنطلق طهران من موقف قانوني يقوم على أن الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاق النووي؛ ما يعني - من وجهة نظرها - عدم قانونية فرض عقوبات على طهران.

وكانت هذه فحوى الرسائل التي وجّهها مؤخراً وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى ثلاثة أطراف، هي: الصين وروسيا، ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس.

ومفاد هذه الرسائل أن استخدام آلية «سناب باك»، التي تعني إعادة فرض العقوبات، «لا معنى له، وغير مبرر، وغير قانوني، وغير أخلاقي».

لكن في هذا السياق، برزت تقارير متضاربة بشأن موقف موسكو من تخصيب إيران لليورانيوم، كما ظهرت إشارات إلى تعاظم خيبة الأمل الإيرانية من تباطؤ موسكو في إعلان دعم واضح وعلني لطهران.

فعلى الجانب الأول، ندّدت وزارة الخارجية الروسية، الأحد، بتقرير غربي أفاد بأن الرئيس فلاديمير بوتين حضّ إيران على القبول باتفاق نووي لا يُسمح لها بموجبه بتخصيب اليورانيوم - وهو اتفاق سعت واشنطن إلى إبرامه - واعتبرت ذلك «افتراءً».

وكان موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي قد نقل، السبت، عن مصادر قريبة من الملف، أن بوتين دعا إيران إلى القبول باتفاق مع الولايات المتحدة يحرمها من إمكانية تخصيب اليورانيوم.

وقبل ذلك، برز تباين آخر عندما أعلنت موسكو أن بوتين لم يتلقَّ رسالة من خامنئي خلال زيارة سابقة لوزير الخارجية الإيراني إلى موسكو.

في حين كشفت صحيفة «فرهیختغان» الإيرانية عن أن عباس عراقجي حمل رسالة غير مُعلَنة من خامنئي إلى القيادة الروسية، عكست انزعاجاً واضحاً من مواقف موسكو حيال التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل.

وبحسب الصحيفة المحسوبة على التيار المتشدد في إيران، فإن الرسالة التي نُقلت خلال لقاء عراقجي بالرئيس الروسي، عبّرت عن خيبة أمل إيرانية من المواقف الأولية لروسيا، التي وُصفت بأنها لم ترقَ إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولا إلى سقف التوقعات الإيرانية من شريك رئيسي كروسيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن موسكو حاولت لاحقاً «إعادة تموضعها السياسي» عبر تعديل بعض مواقفها، إلا أن طهران تعدّ هذه الخطوة غير كافية، بل تطالب روسيا بالامتناع عن اتخاذ أي موقف من شأنه الإضرار بالمصالح الإيرانية، أو توفير غطاء ضمني للمواقف الغربية.

ورغم اللهجة العتابية التي حملتها الرسالة، أكّد التقرير أن العلاقات الإيرانية - الروسية لن تشهد قطيعة أو تراجعاً حاداً، مشيراً إلى استمرار مسار التعاون الثنائي في مجالات متعددة، كما في السابق.

لكن روسيا، التي وطّدت علاقتها بإيران منذ بدء هجومها على أوكرانيا عام 2022، امتنعت عن الرد بشكل مباشر على مضمون الخبر.

روسيا لا تمتلك خطة إنقاذ

في هذا الإطار، كتب الخبير ألكسندر بونوف أن «الكرملين يدرك أن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان لبذل جهود أكبر لتدمير النظام الإيراني، ممّا هو مستعد لإنقاذه».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين 14 مارس 2025 (رويترز)

ورأى أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وضعت الرئيس فلاديمير بوتين أمام خيارات صعبة للغاية؛ لأن «خصوم إيران الحاليين ليسوا أعداء لروسيا. وهذا ينطبق على إسرائيل، ودول الخليج العربية، وإدارة ترمب، التي لا يزال بوتين يأمل في (صفقة كبرى) معها».

لكن انطلاقاً من هذا المنطق، وكما أن الصين لا يمكنها السماح لروسيا بالهزيمة في أوكرانيا، كذلك لا ينبغي - من وجهة نظر النظام الروسي - لإيران أن تخسر هذه الحرب.

وعلى رغم أن روسيا غير قادرة على مساعدتها عسكرياً ولا تنوي ذلك، فإنها تحاول بكل قوتها بيع خدمات الوساطة التي تقدمها.

ورأى الخبير أن «من دون القدرة على إنقاذ الحليف الإيراني، كما أنقذت سابقاً الحليف السوري، ومن دون أصول الوساطة المعتادة، لا تبرز روسيا بأي شكل من الأشكال مقارنةً بوسطاء محتملين آخرين مثل تركيا أو قطر. لقد فقدت تماماً العملة التي كانت تنوي دفعها لواشنطن مقابل عودتها إلى النخبة العالمية. كما أن منظمتي (بريكس) و(شنغهاي للتعاون)، اللتين انضمت إليهما إيران العام الماضي، واللتين أشادت بهما روسيا، غير فعّالتين».


مقالات ذات صلة

ترمب: أميركا تجري محادثات مع ممثلين عن إيران

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب خلال حديثه للصحافيين (د.ب.أ)

ترمب: أميركا تجري محادثات مع ممثلين عن إيران

‌قال ‌الرئيس الأميركي ​دونالد ‌ترمب، اليوم ​الجمعة، إن إدارته تجري ‌محادثات ‌مع ممثلين ​عن ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

«الخزانة الأميركية» تعلن إصدار عقوبات على شركات كندية بسبب معاملات تتعلق بإيران

أظهر إشعار ‌على موقع وزارة الخزانة الأميركية ‌أن ‌الولايات المتحدة أصدرت ‌عقوبات ‌جديدة ‌متعلقة بإيران، اليوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن تعبر مضيق هرمز كما تبدو من شبه جزيرة مسندم العُمانية 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

سفن مرتبطة بإيران تحوم فوق كابلات الإنترنت في بحر عُمان

رُصدت أربع سفن مرتبطة بإيران على الأقل وهي تسلك مسارات غير مألوفة وتتباطأ فوق كابلات اتصالات بحرية في بحر عُمان، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران 24 أكتوبر (أ.ب)

تحليل إخباري ترمب أمام قرار إيران... هزيمة انتخابية تضيّق الخيارات

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع المواجهة مع إيران أمام احتمال التصعيد، بإعلانه عقب اجتماع مع فريقه للأمن القومي، أنه سيتخذ قراراً «قريباً» بشأن الحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة وزعتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لإحدى قطعها البحرية في المنطقة يوم 30 أكتوبر 2026 p-circle

واشنطن وطهران... صراع الشروط وحسابات القوة

تكثفت التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لاحتواء التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع تجدد المواجهة العسكرية التي تهدد بتوسيع دائرة الحرب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)

شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

دور فانس يعكس مساعي واشنطن للخروج من الحرب

وبحسب «أكسيوس» يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من حرب حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية مع وسطاء قطريين وباكستانيين

وكشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران.

ويشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

فانس سبق أن عارض الحرب ودافع عن الحل الدبلوماسي

وكان فانس من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، إذ دعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وقاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، والتي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، وانتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني استأنف هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

رسالة من فانس إلى مسؤول إيراني لاستئناف المفاوضات

أما التطور الأبرز وفق «أكسيوس»، فكان قبل أسبوعين، إذ بعث فانس برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، واقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة.

وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

تقدم بطيء في الوساطة وإشارات إلى إمكان التوصل لاتفاق

وأشارت مصادر مشاركة في جهود الوساطة، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وقال رئيس الوزراء القطري، مساء الجمعة: «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».


«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
TT

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

كانت مجموعة من الدبلوماسيين الأميركيين تستقل مروحية إسرائيلية في أوائل عام 1960، عندما لفت انتباه أحدهم موقع بناء يمتد في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلاً غرب البحر الميت.

وأشار المسؤول الأميركي إلى الموقع، وسأل مرافقه الإسرائيلي، عدي كوهين، من وزارة المالية، عن طبيعة المنشأة التي يجري تشييدها، فأجابه كوهين بأنها «مصنع للمنسوجات»، وفق ما قاله للأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل آنذاك، أوجدن ريد.

لكن ما رآه الراكب كان منشأة ديمونا النووية، التي تُعرف اليوم بأنها مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. ولم يمر سوى عدة أشهر قبل أن يطالب ريد بعقد اجتماع مع كوهين، بعدما تمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية من تحديد الطبيعة الحقيقية لموقع البناء.

وجاء في برقية دبلوماسية أميركية سرية، ضمن مجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، وتتضمن تفاصيل رحلة المروحية: «تعامل كوهين في البداية مع الأمر باستخفاف، لكن الانطباع الذي تكوّن هو اعتقاده بأن المفاعل يمكن استخدامه في نهاية المطاف لأغراض تسليحية».

وبعد خمس سنوات اكتشف مسؤولون أميركيون معنيون بالملف النووي اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب بدرجة تصلح لصنع الأسلحة من منشأة في ولاية بنسلفانيا. ورأى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أن هذه الكمية حُوّلت لاستخدامها في البرنامج الإسرائيلي، وهو ما أشار إليه أيضاً فيلم وثائقي حديث، وفق ما أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية.

تعبير شائع على الأسلحة

وعلى مدى السنوات الستين التالية حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على موقف ملتبس، فلم تعترف أي منهما بتطوير الترسانة النووية الإسرائيلية. وأصبح رد كوهين العفوي على الدبلوماسيين الأميركيين، عندما وصف منشأة ديمونا بأنها «مصنع للمنسوجات»، تعبيراً شائعاً يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون للتلميح إلى أسلحة البلاد النووية. حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشار إلى واقعة «مصنع المنسوجات» خلال اجتماع مع رئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في خطاب ألقاه في 14 يوليو (تموز).

وتحول الأمر بمرور الوقت إلى ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أفنير كوهين بأنه «أسوأ سر معروف في العالم». وتقوم السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً على التعتيم، أو الغموض، من خلال التلميح إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، من دون تأكيد ذلك رسمياً.

وساعدت هذه السياسة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقف معلن يعارض تطوير دول إضافية أسلحة نووية، كما جنّبت إسرائيل التساؤلات بشأن كيفية حصولها على القنبلة، أو ما إذا كانت قد حصلت عليها بالفعل.

لكن هذا الوضع المستقر قد يكون في طريقه إلى التغير، مع تقدم البرامج النووية لدول أخرى في المنطقة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران -جزئياً- لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن خبراء بارزين في منع الانتشار النووي يرون أن هذه الجهود قد تكون غير مجدية.

وقد يبدو أن الدعم الأميركي الذي ظل راسخاً لطموحات إسرائيل العسكرية بدأ يتآكل. ففي يوم الثلاثاء قال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد توقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام، لأنها «لم تعد بحاجة إليها». كما دأب عدد من المشرعين الديمقراطيين ومجموعات الضغط خلال السنوات الأخيرة على المطالبة بإنهاء ما وصفوه بتظاهر الولايات المتحدة بعدم معرفة حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن الموقف الأميركي القائم على الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح سياسة متقادمة «تحولت إلى أمر متهور وخطير».

وأشار كاسترو، العضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أن خوض الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل من دون معرفة «الخط الأحمر» الذي قد يدفعها إلى استخدام السلاح النووي، ومن دون توضيح خطط الطوارئ في حال استخدام تلك الأسلحة، أو استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية، كل ذلك ينطوي على مخاطر.

سر يعرفه الجميع

وإذا جرى التخلي عن سياسة الإنكار الضمني، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة النظر في جذور التكنولوجيا النووية الإسرائيلية، وسنوات من المناورات التي استهدفت منع ظهور أدلة قاطعة على وجود البرنامج التسليحي.

فالمفتشون الأميركيون لم يعثروا قط على المنشأة السرية تحت الأرض في ديمونا، التي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم الصالح لصنع القنابل. ووفقاً لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية عُرض عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، وشمل مقابلات نُشرت بعد وفاة رئيس سابق لجهاز استخبارات إسرائيلي كان مكلفاً بدعم البرنامج التسليحي، كان مسؤولون إسرائيليون يعمدون إلى إغلاق مدخل المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين.

وقد يؤدي الكشف عن هذه المعلومات أيضاً إلى مزيد من تقويض مصداقية الولايات المتحدة، في وقت تواصل فيه معارضة انضمام دول أخرى إلى النادي النووي. كما قد يفضي إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو حظر مبيعات الأسلحة لمعاقبة الدول الساعية إلى امتلاك القنبلة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «السياسة المتبعة منذ فترة طويلة تقضي بعدم تعليق الوزارة علناً على التقارير المتعلقة بمنظومات أو أوضاع عسكرية محددة».

ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق، فيما أحالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن استفسار «سي إن إن» إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يقدم رداً.

وقال ماثيو كرونيغ، الخبير الاستراتيجي في الشؤون النووية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون: «إذا أعلنت إسرائيل أنها دولة نووية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على دول أخرى في المنطقة لتحذو حذوها. وسباق تسلح نووي منفلت في الشرق الأوسط ليس أمراً جيداً للسياسة الأميركية».

وخلال جلسة استماع علنية أمام الكونغرس في يونيو (حزيران)، واجه كاسترو وزير الخارجية ماركو روبيو بأسئلة بشأن هذه المسألة.

وقدم روبيو، الذي يُعد ثاني أميركي بعد هنري كيسنجر يتولى في الوقت نفسه منصبي كبير الدبلوماسيين ومستشار الأمن القومي، ربما أكثر التقييمات العلنية صراحة التي يقدمها مسؤول دبلوماسي أميركي بشأن هذه المسألة.

وقال روبيو: «أعتقد أن معظم دول العالم ترى أنهم يمتلكونها، لكننا لم... هم لم يعترفوا بذلك علناً. وباعتبار ذلك جزءاً من سياستنا الخارجية، فإننا لا نتحدث عن الأمر بهذه الطريقة أيضاً، لأسباب متعددة».

بناء سياسة الإنكار

قال خبراء لـ«سي إن إن» إن سياسة السرية نشأت بدافع ضرورات الحرب الباردة. فقد خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الكشف عن البرنامج إلى إطلاق برامج نووية عسكرية عربية برعاية الاتحاد السوفياتي، كما خشيت إسرائيل التداعيات الدبلوماسية التي قد تترتب على إعلانها رسمياً دولة تمتلك أسلحة نووية.

وفي العام نفسه الذي اكتشفت فيه المنشأة في بنسلفانيا اختفاء اليورانيوم، زار هنري كيسنجر تل أبيب، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأميركية في السفارة على محادثاته مع الإسرائيليين.

وكان كيسنجر، الذي عمل آنذاك أستاذاً في قسم العلوم الحكومية بجامعة هارفارد، مستشاراً للسياسة الخارجية لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديداً في عام 1969، تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون.


الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
TT

الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)

أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية اليوم (السبت).

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».