اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

روسيا تعارض تمديد العقوبات تلقائياً... لكنها لا تمتلك خطة لـ«إنقاذ إيران»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)
TT

اجتماع ثلاثي بين طهران وموسكو وبكين لتنسيق ردع «سناب باك»

بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015  (الكرملين)
بوتين يستقبل مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في سوتشي أكتوبر 2015 (الكرملين)

تجري روسيا والصين وإيران مشاوراتٍ مهمة في طهران، الثلاثاء؛ بهدف تنسيق المواقف استباقاً لاجتماع «الترويكا الأوروبية» المقرر في جنيف الأسبوع المقبل. ومع توقع إعادة فرض جميع العقوبات على إيران في إطار آلية «سناب باك»، حذَّر خبراء روس من أن الخطوة سوف تؤدي إلى مزيد من تفاقم الوضع، وتدفع طهران إلى اتخاذ خطوات تبدد أكثر فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد.

لكن في هذه الظروف، وعلى خلفية الاتصالات الروسية - الإيرانية المكثفة خلال الفترة الأخيرة، وبروز مؤشرات إلى حدوث شرخ جدي في العلاقات بين موسكو وطهران بسبب ما وُصف بأنه «خيبة أمل» إيرانية حيال موقف روسيا المتردد في دعمها، برزت أسئلة حول قدرة الكرملين على تقديم عون جدي للإيرانيين في ظروف انشغال موسكو بتعقيدات الوضع حول أوكرانيا، وعدم رغبتها في الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

قبيل الاجتماع الثلاثي، كررت الدبلوماسية الروسية عرض مواقفها المتمثلة في رفض إعادة العقوبات، والتشكيك بـ«شرعية» اتخاذ قرارات في هذا الشأن من جانب «الثلاثي الأوروبي»، إلى جانب التأكيد مجدداً على استعدادها للعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين طهران والغرب.

لكن هذا المدخل التقليدي كان لافتاً أنه لا يحظى بدرجة الحماسة نفسها التي كانت موسكو تُظهرها خلال لقاءات ثلاثية مماثلة لبحث الملف النووي الإيراني. على الأقل، ظهر ذلك من خلال تركيز وسائل الإعلام المقرّبة من الكرملين على أن اللقاء جرى تنظيمه بمبادرة من الجانب الإيراني، خلافاً للتوصيف الذي كان يُقدم خلال لقاءات مماثلة سابقة. كما تجنّبت الخارجية الروسية التعليق على الموضوع، واكتفت بإشارات موجَّهة إلى اجتماع «الترويكا» المقبل.

وقال ميخائيل أوليانوف، رئيس الوفد الروسي في فيينا، لصحيفة «إزفستيا» إن «الثلاثي الأوروبي» قد فقد شرعيته في إعادة فرض جميع العقوبات على إيران، معترضاً بذلك على المهلة التي كانت فرنسا وألمانيا وبريطانيا قد منحتها لطهران حتى نهاية أغسطس (آب) لإبرام اتفاق نووي جديد.

وقال الدبلوماسي إن بريطانيا وألمانيا وفرنسا انتهكت بشكل متكرر بنود الاتفاق النووي؛ ما يُسقِط عنها شرعية تبنّي قرارات جديدة بشأن العقوبات.

في إشارة إلى أنه في حال عدم موافقة إيران على اتفاق جديد، فستتم إعادة فرض جميع العقوبات عليها. ولهذا الغرض؛ سيتم استخدام آلية «العودة السريعة» التي وضعها مجلس الأمن الدولي، والتي تسمح بإعادة فرض القيود الدولية على طهران تلقائياً في حال انتهاكها بنود الاتفاق النووي لعام 2015.

وكان لافتاً في هذا السياق أن وسائل إعلام حكومية روسية نقلت عن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن الدول المشاركة في الاتفاق النووي لم تُبلِغ المنظمة الدولية بنيّتها إطلاق آلية لإعادة فرض العقوبات على إيران.

ولذلك؛ «تبقى هذه التهديدات الأوروبية حتى الآن مجرد كلام». وبرأي بعض الخبراء الروس، «من المحتمل جداً أن تكون هذه محاولةً لاستغلال مخاوف إيران وتخويف النخب من خلال إعادة فرض العقوبات».

يَظهر هذا أن موسكو لا تتعامل حتى الآن مع فكرة إعادة فرض العقوبات على أنها نهائية ومحتومة. كما أن بعض الخبراء يشيرون إلى أن عملية «سناب باك» تعني «عودة فورية» للعقوبات، إلا أن إطلاق الآلية نفسها يستغرق نحو 30 يوماً، ولن تكون فورية تماماً.

في المقابل، هناك رأي روسي يُرجّح أن القوى الأوروبية تتسرع في سعيها لتطبيق الآلية بالكامل قبل تولّي روسيا رئاسة مجلس الأمن، أي قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وفي هذه الحالة، تفترض «الترويكا الأوروبية» مشروعية إجراءاتها؛ إذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي من جانب واحد عام 2018، بينما خفّضت إيران التزاماتها بموجبه بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.

مشكلة التخصيب والوساطة الروسية

يرى خبراء روس أن فرص العودة إلى اتفاق نووي لم تُستنفد بعد، وأن قدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهمات تنظم التعامل مع كميات اليورانيوم المُخصب لدى طهران ما زالت قائمة.

وكانت «الترويكا الأوروبية» قد وعدت بعدم فرض عقوبات إذا أزالت طهران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60 في المائة من البلاد، ووافقت أيضاَ على استئناف مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت إيران قد أوقفتها.

وأشار ميخائيل أوليانوف إلى أنه عند إبرام الاتفاق النووي، اتفقت موسكو وطهران على نقل أكثر من 300 كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب المُنتج في إيران إلى روسيا، ولم يستبعد أن «تعود الأطراف إلى هذه الفكرة مستقبلاً».

وقال الدبلوماسي: «من حيث المبدأ، لا أرى أي سبب يمنع تطبيق مثل هذه الخطة مستقبلاً إذا كانت ستساعد في حل الخلافات بين طهران والغربيين بشأن البرنامج النووي الإيراني».

وجدّد التأكيد على العرض الروسي بالوساطة، انطلاقاً من أن موسكو «اتبعت هذا النهج لسنوات عدة، وقد حقق نتائج إيجابية مراراً وتكراراً. ونحن مستعدون الآن للعب دور الوسيط، إذا طلب طرفا الاتفاق ذلك».

لكن اللافت هنا أيضاً، أن أوليانوف تجنّب توضيح الفكرة المتعلقة بالضمانات التي يمكن لموسكو أن تقدّمها للغرب في مسألة عدم لجوء إيران إلى إنتاج أسلحة نووية في المستقبل.

وقال أوليانوف: «من الصعب جداً تصوّر كيفية تطبيق هذه الفكرة عملياً. ففي النهاية، ينبغي على إيران تقديم ضمانات من هذا النوع، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشمل صلاحياتها التحقّق من استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط».

ويُقلل هذا المدخل، كما يقول خبراء، من أهمية أي وساطة روسية محتملة، حتى لو قبلت الأطراف الغربية بهذه الوساطة.

خيبة أمل إيرانية؟

على المستوى الرسمي، تواصل روسيا الدفاع عن حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ورفض آليات «المهل النهائية» والإنذارات وأسلوب الضغط المتواصل، عادَّةً أن هذا النهج يلعب دوراً سلبياً ولا يدفع نحو أي محادثات بنّاءة.

كما أكدت طهران بدورها أن الضغط لن يُحقق نتائج. وحتى قبل الضربات الأميركية على المنشآت النووية، صرّح السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، بأن قيادة البلاد لن تستأنف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي إذا استمر البيت الأبيض في هذا النهج.

ويعتقد الخبير فرهاد إبراهيموف أن إنذار «الترويكا الأوروبية» والمزيد من التهديدات من واشنطن قد يدفعان إيران إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ومواصلة برنامجها النووي بنشاط؛ ما يضع موسكو أمام خيار صعب: إما مواصلة دعم الإيرانيين سياسياً، أو تفضيل عدم الانخراط في مواجهة مع واشنطن.

وقد بدا أن اللقاءات والرسائل النشطة المتبادلة بين موسكو وطهران خلال الفترة الماضية هدفت إلى توضيح مواقف الطرفين، وتلمّس مدى قدرة موسكو على دعم طهران بشكل عملي مع احتدام المواجهة وتعاظم الضغوط الغربية عليها.

وناقش وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف ونظيره الإيراني عزيز نصير زاده تعزيز التعاون العسكري خلال اجتماع الاثنين في موسكو.

وجاء الاجتماع عقب محادثات الأحد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعلي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، تناولت الوضع في الشرق الأوسط والقضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

ونقلت وكالة «إرنا» عن السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، قوله إن نصير زاده شارك في لقاء بوتين ولاريجاني.

الرئيس الروسي يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 23 يونيو الماضي (الكرملين)

وتأمل طهران في المحافظة على دور لموسكو وبكين في هذا الشأن؛ انطلاقاً من قناعة عبّر عنها الناطق باسم الخارجية الإيرانية، بأن الاتفاق النووي لعام 2015 وُقّع بمشاركة روسيا والصين، مشيراً إلى أن هاتين الدولتين «يمكنهما الاضطلاع بدور في أي عملية داخل مجلس الأمن الدولي».

كما تنطلق طهران من موقف قانوني يقوم على أن الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاق النووي؛ ما يعني - من وجهة نظرها - عدم قانونية فرض عقوبات على طهران.

وكانت هذه فحوى الرسائل التي وجّهها مؤخراً وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى ثلاثة أطراف، هي: الصين وروسيا، ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس.

ومفاد هذه الرسائل أن استخدام آلية «سناب باك»، التي تعني إعادة فرض العقوبات، «لا معنى له، وغير مبرر، وغير قانوني، وغير أخلاقي».

لكن في هذا السياق، برزت تقارير متضاربة بشأن موقف موسكو من تخصيب إيران لليورانيوم، كما ظهرت إشارات إلى تعاظم خيبة الأمل الإيرانية من تباطؤ موسكو في إعلان دعم واضح وعلني لطهران.

فعلى الجانب الأول، ندّدت وزارة الخارجية الروسية، الأحد، بتقرير غربي أفاد بأن الرئيس فلاديمير بوتين حضّ إيران على القبول باتفاق نووي لا يُسمح لها بموجبه بتخصيب اليورانيوم - وهو اتفاق سعت واشنطن إلى إبرامه - واعتبرت ذلك «افتراءً».

وكان موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي قد نقل، السبت، عن مصادر قريبة من الملف، أن بوتين دعا إيران إلى القبول باتفاق مع الولايات المتحدة يحرمها من إمكانية تخصيب اليورانيوم.

وقبل ذلك، برز تباين آخر عندما أعلنت موسكو أن بوتين لم يتلقَّ رسالة من خامنئي خلال زيارة سابقة لوزير الخارجية الإيراني إلى موسكو.

في حين كشفت صحيفة «فرهیختغان» الإيرانية عن أن عباس عراقجي حمل رسالة غير مُعلَنة من خامنئي إلى القيادة الروسية، عكست انزعاجاً واضحاً من مواقف موسكو حيال التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل.

وبحسب الصحيفة المحسوبة على التيار المتشدد في إيران، فإن الرسالة التي نُقلت خلال لقاء عراقجي بالرئيس الروسي، عبّرت عن خيبة أمل إيرانية من المواقف الأولية لروسيا، التي وُصفت بأنها لم ترقَ إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولا إلى سقف التوقعات الإيرانية من شريك رئيسي كروسيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن موسكو حاولت لاحقاً «إعادة تموضعها السياسي» عبر تعديل بعض مواقفها، إلا أن طهران تعدّ هذه الخطوة غير كافية، بل تطالب روسيا بالامتناع عن اتخاذ أي موقف من شأنه الإضرار بالمصالح الإيرانية، أو توفير غطاء ضمني للمواقف الغربية.

ورغم اللهجة العتابية التي حملتها الرسالة، أكّد التقرير أن العلاقات الإيرانية - الروسية لن تشهد قطيعة أو تراجعاً حاداً، مشيراً إلى استمرار مسار التعاون الثنائي في مجالات متعددة، كما في السابق.

لكن روسيا، التي وطّدت علاقتها بإيران منذ بدء هجومها على أوكرانيا عام 2022، امتنعت عن الرد بشكل مباشر على مضمون الخبر.

روسيا لا تمتلك خطة إنقاذ

في هذا الإطار، كتب الخبير ألكسندر بونوف أن «الكرملين يدرك أن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان لبذل جهود أكبر لتدمير النظام الإيراني، ممّا هو مستعد لإنقاذه».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين 14 مارس 2025 (رويترز)

ورأى أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وضعت الرئيس فلاديمير بوتين أمام خيارات صعبة للغاية؛ لأن «خصوم إيران الحاليين ليسوا أعداء لروسيا. وهذا ينطبق على إسرائيل، ودول الخليج العربية، وإدارة ترمب، التي لا يزال بوتين يأمل في (صفقة كبرى) معها».

لكن انطلاقاً من هذا المنطق، وكما أن الصين لا يمكنها السماح لروسيا بالهزيمة في أوكرانيا، كذلك لا ينبغي - من وجهة نظر النظام الروسي - لإيران أن تخسر هذه الحرب.

وعلى رغم أن روسيا غير قادرة على مساعدتها عسكرياً ولا تنوي ذلك، فإنها تحاول بكل قوتها بيع خدمات الوساطة التي تقدمها.

ورأى الخبير أن «من دون القدرة على إنقاذ الحليف الإيراني، كما أنقذت سابقاً الحليف السوري، ومن دون أصول الوساطة المعتادة، لا تبرز روسيا بأي شكل من الأشكال مقارنةً بوسطاء محتملين آخرين مثل تركيا أو قطر. لقد فقدت تماماً العملة التي كانت تنوي دفعها لواشنطن مقابل عودتها إلى النخبة العالمية. كما أن منظمتي (بريكس) و(شنغهاي للتعاون)، اللتين انضمت إليهما إيران العام الماضي، واللتين أشادت بهما روسيا، غير فعّالتين».


مقالات ذات صلة

الإمارات توقف التبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران

الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات توقف التبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران

أعلنت الإمارات وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً في باريس 2 مارس 2026 (رويترز)

فرنسا ستطرد دبلوماسيَّين إيرانيَّين في الأيام المقبلة

أعلن وزير الخارجية جان نويل بارو أن فرنسا ستطرد دبلوماسيين إيرانيين من أراضيها، رداً على قرار طهران اعتبار دبلوماسيين من سفارة باريس «غير مرغوب بهما».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية شاشات تعرض صورة لمحمد باقر قاليباف مترئساً جلسة افتراضية للبرلمان (خانه ملت)

قاليباف يعارض رفع أسعار البنزين وسط ضغوط الحرب

عارض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف،زيادة أسعار البنزين التي تبحثها حكومة مسعود بزشكيان، معتبراً أن رفع السعر في الظروف الحالية «ليس تدبيراً محسوباً».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية تساؤلات تزداد بشأن وكيل وزارة الاستخبارات بعد شهور من مقتل إسماعيل خطيب (الرئاسة الإيرانية)

غموض يحيط بقيادة الاستخبارات الإيرانية

لا يزال الغموض يحيط في إيران بهوية وزير الاستخبارات الجديد وكذلك رئيس الجهاز الموازي باستخبارات «الحرس الثوري» رغم سلسلة التغييرات الأمنية والعسكرية

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مساعد وزير الخارجية المصرية حداد الجوهري خلال استقباله الثلاثاء أهالي البحّارَين اللذين احتُجزا في إيران (صفحة الخارجية على فيسبوك)

مصر تطوي أزمة بحّارَين احتجزا في إيران 8 أشهر

طوت مصر، الثلاثاء، أزمة بحّارَين احتُجزا لنحو ثمانية أشهر على متن السفينة «ريم الخليج» في ميناء بندر عباس الإيراني.

علاء حموده (القاهرة )

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
TT

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)

رفضت تركيا مزاعم إسرائيل بشأن وضعها العسكري في سوريا وتبرير غاراتها على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب بالقرب من حدودها باتجاه دمشق بزعم أنها تسعى إلى نشر قواتها هناك.

وبدوره، أعلن السفير الأميركي لدى أنقرة ومبعوث الرئيس دونالد ترمب إلى سوريا والعراق، توم براك، عن مساعٍ لإنشاء آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، واصفاً الغارات الجوية بأنها غير مبررة.

وقالت الرئاسة التركية، في بيان الأربعاء، إن المزاعم الإسرائيلية بشأن سماح سوريا لقوات تركية بالانتشار في مطار أبو الظهور «لا أساس لها».

وشنت إسرائيل، الثلاثاء، 8 غارات جوية على المطار الواقع في ريف إدلب الجنوبي الشرقي قرب الحدود التركية.

واتهم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان، سوريا بقبول نشر قوات تركية، قائلاً إن إسرائيل حذرت سوريا، مراراً، من أن انتشاراً مثل هذا سيهدد أمنها، لكنها اختارت تجاهل هذه التحذيرات، وإن إسرائيل «لن تتساهل مع أي تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع القائم».

ورداً على البيان الإسرائيلي، قالت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، إن المزاعم التي أطلقها مكتب نتنياهو بحق تركيا تهدف إلى شرعنة الغارات الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وأكدت أن الاتهامات الواردة في البيان ضد تركيا تنبع من نية نتنياهو مواصلة سياساته التوسعية المزعزعة للاستقرار في المنطقة قبل الانتخابات في إسرائيل المرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وزراء الخارجية والدفاع ورئيسا المخابرات الأتراك والسوريون قبل اجتماع في وزارة الخارجية التركية بأنقرة في أكتوبر 2025 (الخارجية التركية)

وشدد البيان على أن تركيا، شأنها شأن الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، تؤيد إرساء السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط، وأن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك يمر عبر تخلي نتنياهو عن سياساته العدوانية واحترامه للقانون الدولي.

وأكد أن «تركيا ستواصل بحزم التعاون مع الحكومة السورية على أساسٍ مشروعٍ من أجل إرساء الأمن والاستقرار والرفاه في سوريا، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بزعزعة استقرار سوريا».

قلق أميركي

وجرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب، قالت الرئاسة التركية إنه تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب قضايا إقليمية وعالمية، لكنه لم يتطرق إلى ما إذا كان قد تم بحث الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور.

إردوغان وترمب خلال تصريحات عقب وصوله إلى أنقرة يوم 7 يوليو الماضي للمشاركة في قمة حلف الناتو (الرئاسة التركية)

وأعلن السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، عقب الضربات الإسرائيلية، أن واشنطن تعمل على إنشاء ​آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل ​وتركيا وسوريا، وتسهل بالفعل آلية لتبادل المعلومات والحوار بين الأطراف.

وذكر براك، في تصريح لـ«رويترز»، مساء الثلاثاء، أن «تركيا لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية، وبالتالي رصدت الطائرات وهي تتجه شمالاً نحو أراضيها، وكان من الممكن أن تستعد بشكل منطقي لاتخاذ ردها الخاص، ولحسن الحظ، تمكنت العقول الهادئة من منع الوضع من التدهور أكثر».

الوجود العسكري التركي

وتدرب تركيا، التي تشهد علاقاتها مع إسرائيل توتراً متصاعداً منذ الهجوم على غزة في عام 2023، فضلاً عن التنافس الإقليمي الذي يظهر بوضوح في سوريا، الجيش السوري، وتساعد سوريا في إعادة بناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، وتقدم لها الدعم العسكري في إطار خطة للتخفيض التدريجي لبقاء قواتها في مناطق داخل سوريا.

نقطة عسكرية تركية في إدلب (أرشيفية - إعلام تركي)

وحسب المتاح من معلومات حول انتشار القوات التركية في شمال سوريا، توجد هذه القوات في 126 موقعاً عسكرياً، من بينها 12 قاعدة رئيسية و114 نقطة مراقبة عسكرية وأمنية، تنتشر بشكل رئيسي في شمال وشمال غربي وشرقي سوريا، ضمن 6 محافظات تغطيها مناطق عمليات «درع الفرات» الواقعة في ريف حلب الشمالي والشرقي في مدن أعزاز وجرابلس والباب ومارع والراعي ودابق.

كما توجد في منطقة عفرين، المعروفة بمنطقة «غصن الزيتون»، في ريف حلب الشمالي الغربي، عبر قواعد ونقاط أمنية لحفظ الاستقرار وإدارة المنطقة بالتعاون مع المجالس المحلية والحكومة السورية (الجيش الوطني السوري سابقاً).

وفي محافظة إدلب ومحيطها (ما يعرف سابقاً بمنطقة خفض التصعيد التي حددت بالاتفاق مع روسيا)، حيث ثاني أكبر تجمع عسكري تركي بعد محافظة حلب كان مخصصاً لحماية خطوط التماس بين قوات النظام السابق والمعارضة.

وتوزعت هذه القوات في مطار تفتناز العسكري ومعسكر المسطومة، ومحيط مدينة جسر الشغور وجبل الزاوية، وأطراف ريف اللاذقية الشمالي وريف حماة الغربي المحاذيين لمحافظة إدلب.

قوات تركية في منطقة «نبع السلام» العسكرية شمال شرقي سوريا (أرشيفية -الدفاع التركية)

أما الوجود العسكري في شمال شرقي سوريا، فتركز قبل معركة «ردع العدوان» وسقوط نظام الأسد، في المنطقة الممتدة بين محافظتي الرقة والحسكة أو ما بعرف بـ«منطقة نبع السلام»، التي هي عبارة عن شريط حدودي يقع بين نهري دجلة والفرات، في تل أبيض، شمال محافظة الرقة، ورأس العين، شمال غربي محافظة الحسكة، وتخضع هذه المناطق لإشراف عسكري تركي مباشر بالتعاون مع «فصائل المعارضة السورية»، وأقر البرلمان التركي تمديد تفويض القوات هناك حتى عام 2028 لحماية الحدود التركية.

وكان عدد القوات التركية الموجودة في سوريا يقدر بنحو 20 ألف جندي وموظف أمني، لكن هذه الأعداد ومناطق وجودها شهدت تغييرات ملحوظة بعد سقوط نظام الأسد وتولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

وتم دمج النقاط الصغيرة في قواعد موحدة مثل مطار كويرس العسكري في حلب، ومطار تفتناز ومعسكر المسطومة في إدلب لإدارة المساحات الشاسعة بشكل أفضل.

وزيرا الدفاع التركي يشار غولر والسوري مرهف أبو قصرة خلال توقيع اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين في أنقرة العام الماضي (الدفاع التركية)

تفاهمات جديدة

ونتيجة للاتفاقات الأمنية مع الإدارة السورية الجديدة، سحبت تركيا «قوة مهام سوريا» التابعة للمديرية العامة للأمن وقوات الدرك من مراكز المدن الرئيسية بريف حلب الشمالي، مثل أعزاز وجرابلس، وسلّمت مقراتها لقوات الأمن السورية مع نقل معداتها إلى الولايات التركية الحدودية، هطاي، غازي عنتاب، وكلس.

ولا يقتصر دور القوات التركية بأسلحتها الثقيلة التي تشمل مئات الدبابات «إم 60» المطورة وليوبارد والعربات المصفحة، ووحدات المدفعية، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، حالياً على حماية الحدود وتوفير غطاء جوي للقواعد، بل تساهم بموجب الاتفاقات مع الحكومة السورية الجديدة في إعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية لسوريا.

وبدأت تركيا منذ العام الماضي برامج لتدريب آلاف الجنود وعناصر الشرطة السوريين داخل قواعد عسكرية في وسط وشرق تركيا، بهدف تأهيل أكثر من 20 ألف جندي، على المدى المتوسط، لتولي مسؤولية الأمن بالتدريج.


قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
TT

قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)

عدّ رئيس البرلمان الإيراني، محمد قاليباف، أن «المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة العالمية»، مشيراً إلى أن العلاقات بين بغداد وطهران تتجه نحو ترسيخ نظام جديد بعيداً عن التدخلات الأجنبية.

ووصل قاليباف، الأربعاء، إلى العاصمة العراقية في زيارة رسمية؛ استهلها بمؤتمر صحافي عقده عند «نُصب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس»؛ حيث موقع اغتيالهما قرب «مطار بغداد الدولي».

وقال قاليباف، خلال مؤتمر مشترك مع عدنان فيحان، النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي، إن «الجميع أظهر عناصر القوة في العراق خلال الحرب الأخيرة (مع الولايات المتحدة)»، مضيفاً أنه «بعد مضي سنوات من التجربة في العراق، تخطت المقاومة حدود البلدين، وباتت قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي».

وأوضح أن زيارته الحالية إلى العاصمة بغداد «تأتي في سياق تشكيل النظام الإقليمي الجديد، والإصرار على تعزيز التعاون الثنائي بين جميع دول المنطقة دون أي تدخل أجنبي».

ولفت رئيس البرلمان الإيراني إلى مواقفه السابقة خلال فترة الحرب، قائلاً: «صرحتُ أكثر من مرة بأن الدول الإسلامية بحاجة إلى توسيع مجالات التعاون كافة وتعميق العلاقات، لا سيما في القطاع الاقتصادي»، مؤكداً استعداد طهران الكامل لإبداء أعلى درجات التعاون في هذا المجال.

وجاءت زيارة قاليباف في خضمّ نقاشات داخل التحالف الحاكم بشأن مصير سلاح الفصائل بعد انسحاب القوات الأميركية المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إن المناخ السياسي احتدم بعد اعتقال قيادي في «حركة النجباء» الموالية لإيران.

ويواجه العراق ضغوطاً من واشنطن لنزع سلاح الفصائل المسلحة القوية المدعومة من إيران، والتي اكتسبت نفوذاً سياسياً ومالياً كبيراً في البلاد.

وأفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن «محادثات قاليباف مع كبار المسؤولين العراقيين ستتمحور حول تطورات المنطقة، وتعزيز التعاون الاستراتيجي بين طهران وبغداد، واستعراض السبل المشتركة للمساهمة في تحقيق الاستقرار والأمن في غرب آسيا».


«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
TT

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)
مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)

قال مسؤول في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأربعاء، إن الحلف مستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع الدول الأعضاء، رداً على تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» أفاد بأن طهران درست استهداف مواقع عسكرية أميركية في أوروبا إذا صعّد الرئيس دونالد ترمب الحرب.

وأضاف المسؤول: «كما اتضح هذا العام، عندما نجحت الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي في اعتراض صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا في أربع وقائع منفصلة، فإن قدرات الردع والدفاع في وضع قوي وفعال».

وأفادت «فايننشال تايمز»، نقلاً عن مصدرين من داخل النظام الإيراني، إن القوات الإيرانية قيّمت خيارات لتوسيع الرد على الولايات المتحدة إلى خارج الشرق الأوسط، بينها ضرب أصول عسكرية أميركية في جنوب شرقي أوروبا، واستهداف بنى تحتية بحرية في مضيق هرمز.

وأوضح المصدران أن القوات الإيرانية درست إمكان ضرب أصول أميركية في دول مثل بلغاريا، التي وافقت الشهر الماضي على استخدام قاعدة «بيزمر» الجوية لطائرات التزود بالوقود الأميركية. وقال أحدهما إن قبرص كانت أيضاً ضمن الأهداف المحتملة في حال شن واشنطن هجوماً جديداً.

وأضافا أن القوات الإيرانية بحثت بصورة منفصلة استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحر في مضيق هرمز إذا اتسعت المواجهة. وقال أحد المصدرين إن طهران تعد خطة لتوسيع الحرب إذا نفذ ترمب تهديداته السابقة بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية.

وكان ترمب قد قال الشهر الماضي إن واشنطن ستدمر جسراً أو محطة كهرباء إيرانية في كل مرة تستهدف فيها إيران سفينة في المضيق.

وقال المصدر الآخر إن إيران لن تضع «أي حدود» لردها إذا تعرضت لهجوم أميركي، مضيفاً: «إذا تمادت الولايات المتحدة، فستدافع إيران عن نفسها بأي ثمن، وستتجاوز المنطقة وتضرب أوروبا أيضاً».

وقال المصدران إن الهجوم الإيراني، الشهر الماضي، على قاعدة أميركية في الأردن، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، كان أدق هجوم بعيد المدى نفذته إيران، وأظهر، بحسبهما، قدرة طهران على إصابة أهداف على مسافات أبعد.

ونقل أحدهما أن الهجوم كان أيضاً «رسالة إلى أوروبا»، محذراً من أن ضربة أميركية كبيرة للبنية التحتية الإيرانية يمكن أن تدفع الحرب إلى تجاوز المنطقة والوصول إلى أوروبا.

تهديدات تتقدم إلى مستوى العمليات

ولا تعد التهديدات الإيرانية باستهداف قواعد خارج المنطقة جديدة بعد تصاعد التوترات رغم إبرام تفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وفي 23 يوليو (تموز)، هدد «الحرس الثوري» باستهداف أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات على إيران، ووجّه تحذيراً مباشراً إلى بريطانيا بعد تقارير عن استخدام قاعدة «فيرفورد» الجوية لدعم ضربات أميركية.

وفي اليوم نفسه، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي 25 سفيراً وقائماً بالأعمال من دول أوروبية من تقديم تسهيلات عسكرية لأي طرف يشارك في مهاجمة إيران، وقال إن الدولة التي تضع أراضيها أو قواعدها في خدمة تلك العمليات ستعدُّها طهران مشاركة فيها وستتحمل تبعات ذلك.

وجاءت تلك التحذيرات بعد موافقة البرلمان البلغاري، على استضافة ما يصل إلى ثماني طائرات أميركية من طراز «كيه سي - 135» للتزود بالوقود، ونحو 250 عسكرياً ومعدات دعم في قاعدة «بيزمر» حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت صوفيا قد تلقت تحذيراً إيرانياً أسبق في مارس (آذار)، بعدما احتجت طهران على توقف طائرات أميركية للتزود بالوقود في مطار بلغاري، وقالت في مذكرة دبلوماسية إنها «تحتفظ بالحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية».

طائرات تابعة لسلاح الجو الأميركي على مدرج مطار صوفيا في بلغاريا 19 فبراير 2026 (رويترز)

وفي نهاية الشهر الماضي، عاد وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الملف، وطلب من نظيرته البلغارية إعادة النظر «بشكل عاجل» في قرار استضافة الطائرات الأميركية، معتبراً أن توفير هذه التسهيلات يشكل «تسهيلاً للعدوان على إيران».

وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية القبرصي، قال عراقجي إن السماح باستخدام القواعد العسكرية الأجنبية في قبرص لتنفيذ عمليات ضد إيران يجعل الدولة المضيفة مشاركة في العمل العسكري. وأبلغته نيقوسيا بأنها تلقت تأكيدات بريطانية بعدم استخدام القواعد البريطانية في الجزيرة ضد إيران، بحسب بيان الخارجية الإيرانية.

تأتي معلومات «فايننشال تايمز» في مرحلة انتقلت فيها التهديدات، وفق المصدرين، من التحذير العلني من استخدام القواعد إلى تقييم أهداف بعينها، ودراسة قدرات الضرب وخيارات استهداف البنية التحتية، ضمن حملة إيرانية تتحدث صراحة عن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

قبل تقرير الصحيفة بريطانية بيومين، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قررت تحويل سياستها من الدفاع إلى «الهجوم بالكامل» بسبب تعثر الجهود للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «يجب على الكيانات الإيرانية أن تكون مستعدة لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل»، وقال إن إيران مستعدة لاتخاذ «قرارات صعبة»، وستنفذ هجوماً عسكرياً «في الوقت المناسب وبدقة» لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية.

وقال المسؤول إن على الولايات المتحدة، خلال مهلة إيرانية تبلغ «بضعة أسابيع»، تنفيذ جميع بنود مذكرة التفاهم، مضيفاً أن ذلك شرط مسبق لإجراء مزيد من المفاوضات.

خيارات صاروخية أبعد

وقال خبراء عسكريون لـ«فايننشال تايمز» إن إيران تستطيع استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى، بينها سلسلة «شهاب»، ضد أصول أميركية في جنوب وجنوب شرقي أوروبا، لكن قدرتها على إحداث أضرار تتراجع عند المديات الأطول.

وأضافوا أن صواريخ أثقل يمكن أن تصل إلى مسافات أبعد إذا حملت رؤوساً أخف، ما يحد من قدرتها التدميرية. وأشاروا إلى أن محاولات استهداف قاعدة «دييغو غارسيا» هذا العام أظهرت امتلاك إيران أسلحة يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، لكن حجم مخزونها غير معروف.

وقال الخبراء إن الدقة تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد المدى، وإن خطر فشل الصواريخ أو اعتراضها يرتفع أيضاً. ورأى أحدهم أن العمل عبر جماعات حليفة في العراق ولبنان واليمن قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على ضربات صاروخية بعيدة.

وكانت واشنطن قد اتهمت طهران، في الأسابيع التي أعقبت بدء الحرب في فبراير، بإطلاق عدة صواريخ باتجاه «دييغو غارسيا»، القاعدة العسكرية الأميركية - البريطانية في المحيط الهندي، من دون أن يصل أي منها إلى هدفه.

وفي مارس، قالت تركيا إن دفاعات «الناتو» اعترضت عدة صواريخ باليستية انطلقت من إيران، بينما أصابت طائرة مسيّرة قاعدة «أكروتيري» الجوية البريطانية في قبرص. وقال مسؤولون غربيون حينها إنهم اشتبهوا في أن مسيّرة إيرانية الصنع أطلقتها قوات حليفة لطهران نفذت الهجوم.

وكانت بريطانيا قد ردت في 24 يوليو على تهديدات «الحرس الثوري» بالتأكيد أن قواتها المسلحة جاهزة للدفاع عن المملكة المتحدة، وأن دفاعاتها الجوية والصاروخية تعمل بالتنسيق مع حلفائها في «الناتو».

كما أكدت لندن استمرار دعمها للعمليات الأميركية التي تعدها دفاعية، مع قولها إنها لا تريد الانجرار إلى حرب أوسع. وسبق أن هدد «الحرس الثوري» بأن «أي قاعدة تُستخدم لشن هجوم على الأراضي الإيرانية ستُعدُّ هدفاً مشروعاً».

التعيينات رسالة «هجوم»

تتزامن رسائل التهديد الجديدة مع تغييرات أجراها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في القيادة العسكرية والأمنية، ومع تصريحات من مسؤولين في «الحرس الثوري» تحدثت عن انتقال محتمل من العقيدة الدفاعية إلى نهج هجومي.

وشملت إعادة ترتيب القيادة تعيين أحمد وحيدي قائداً لـ«الحرس الثوري»، وإعادة حسين طائب، الذي تولى استخبارات «الحرس» 13 عاماً، إلى الواجهة قائداً لـ«الباسيج» مع مهمة توسيع شبكة الاستخبارات الشعبية، إلى جانب تغييرات هدفت إلى تشديد سلسلة القيادة بين القوات.

وجاءت التعيينات بعد خسائر واسعة في صفوف القيادات العسكرية والأمنية خلال الحرب.

وقال نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني، هذا الأسبوع، إن العمليات الإيرانية، التي كانت حتى الآن دفاعية، قد «تتخذ مستقبلاً طابعاً هجومياً»، وتحدث عن «مفاجآت استراتيجية» وعن تغييرات في العقيدة العسكرية بعد التعيينات.

وكان محمد رضا نقدي قد ربط بدوره التعيينات الجديدة بالانتقال من عقيدة دفاعية إلى أخرى هجومية، قائلاً إن القوات تستعد لعمليات يمكن أن تمتد إلى أراضي الخصم.

مارّة أمام لوحة دعائية بأحد شوارع طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» في 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبحسب «فايننشال تايمز»، يرى عدد متزايد داخل النظام أن استئناف الحرب بات مسألة «متى» لا «إذا». ويشعر بعض المسؤولين، في المقابل، بالقلق من أن طهران قد تبالغ في استخدام أوراقها، بينما يرى متشددون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق، وأن على إيران رفع كلفة المواجهة لضمان التزام واشنطن بأي تسوية نهائية.

ومن بين هؤلاء محسن رضائي، القائد السابق لـ«الحرس الثوري»، الذي عينه خامنئي، الأسبوع الماضي، في أعلى موقع أمني في البلاد. وفسر محللون إيرانيون الخطوة بأنها مؤشر إلى تراجع دور شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، مع تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق دائم.

وقال أحد المصدرين للصحيفة إن طهران تبعث برسالة مفادها أنه «إذا لم تتوصلوا إلى اتفاق مع قاليباف، فسيتعين عليكم التعامل مع رضائي»، مضيفاً: «الرسالة هي: لا تكن مجنوناً، لأنني أكثر جنوناً منك».

وفي 18 أغسطس (آب)، أعلن ترمب أنه لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة مع إيران، وقال إن الحصار البحري «لا يزال سارياً وبكامل قوته»، وإن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بشكل طبيعي».

وفي المقابل، قال قاليباف إن المضيق سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية، وتفرج عن الأصول المجمدة، وتنهي التهديدات والعمليات العسكرية على جميع الجبهات.

ونقلت «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن طهران لا تزال منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة، لكنها لا تخلط بين «التفاوض والاستسلام»، وأنها ستدافع عن أمنها وحلفائها من دون السعي إلى الحرب.

وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو (حزيران) قد انهارت بعد هجمات إيرانية على سفن في المضيق وتبادل الطرفين الاتهامات بانتهاكها، قبل أن تعيد واشنطن فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وقال ترمب في 7 يوليو إن الاتفاق «انتهى».