قلق أوروبي من «التهميش»... وإصرار على المفاوضات لاتفاق جديد مع طهران

ماكرون لغروسي: من المُلّح استئناف تفتيش المواقع النووية

ماكرون يلتقي غروسي (يمين) في قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)
ماكرون يلتقي غروسي (يمين) في قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)
TT

قلق أوروبي من «التهميش»... وإصرار على المفاوضات لاتفاق جديد مع طهران

ماكرون يلتقي غروسي (يمين) في قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)
ماكرون يلتقي غروسي (يمين) في قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)

يُجهد الأوروبيون في البحث عن دور يمكنهم الاضطلاع به في الملف النووي الإيراني، فهم قلقون من البقاء على الهامش، في حين تصول الولايات المتحدة وتجول، سواء من خلال استعراض قوتها، عبر تنفيذ ضربات على المواقع النووية الإيرانية الرئيسية (فوردو، أصفهان، نطنز)، أو من خلال فرض وقف لإطلاق النار بشكل مباشر، ومن دون إشراك الشركاء الأوروبيين.

ويظهر تهميش الحلفاء الأوروبيين أيضاً في استبعادهم عن خطط واشنطن في الخليج، وعدم اطلاعهم على مواعيد الضربات العسكرية التي أقرتها الإدارة الأميركية. والأسوأ من ذلك، أن الأوروبيين أصيبوا بالإحباط، وفق ما أفاد به مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، بعد أن أقدمت واشنطن على إرسال طائراتها القاذفة من طراز «بي-2»، المحملة بأكثر القنابل تدميراً في العالم، وذلك بعد 30 ساعة فقط من انتهاء اجتماع جنيف، الذي عوَّل عليه وزراء الخارجية الأوروبيون كثيراً، وكان من المفترض أن يُعقد مع نظيرهم الإيراني في روما، وقد عدّوه مدخلاً مثالياً للعودة إلى الملف النووي من الباب العريض، واستعادة الدور الذي لعبوه منذ عام 2003، حين كانوا المفاوضين الأساسيين، وصلة الوصل بين طهران وواشنطن.

ومنذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي، جرى إبعادهم فعلياً عن الملف، الذي أصبح حكراً على ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي، والمقرّب منه. ولم يُسمع صوت الأوروبيين إلا مؤخراً، في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، الذي اختُتم ببيان شديد اللهجة ضد إيران، يتهمها بانتهاك التزاماتها بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهو البيان الذي استخدمته إسرائيل لتبرير استهدافها للبرنامج النووي الإيراني.

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الأكثر صراحة عندما قال في البرلمان، يوم الاثنين الماضي، إن بلاده «لم تكن على علم، ولم تُشارك» في الضربة الأميركية.

ومنذ ما قبل هذه الضربة، تبنّى الأوروبيون الثلاثة (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) السردية الأميركية حيال ما هو مطلوب من إيران، التي تتمثل في 3 مطالب رئيسية: أولاً، رفض تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وهو ما كان مسموحاً به في اتفاق عام 2015؛ حيث قَبِل الأميركيون والأوروبيون آنذاك بأن تُخصّب إيران بنسبة لا تتجاوز 3.67 في المائة؛ ثانياً، منع إيران من امتلاك قنبلة نووية بشكل نهائي؛ وثالثاً، ضرورة الحد من القدرات الصاروخية والباليستية الإيرانية، إلى جانب مطالبة طهران بالكفّ عن سياسة «زعزعة الاستقرار» في الإقليم، أي وقف دعمها للأذرع التابعة لها، والمعروفة في المنطقة.

وقد ذهب الأوروبيون -سواء «الترويكا» الأوروبية أو الدول الأخرى، بالإضافة إلى المفوضية الأوروبية- إلى ما هو أبعد من مجرد تبني المطالب، إذ امتنعوا عن توجيه أي انتقادات للعملية العسكرية الأميركية، تماماً كما امتنعوا سابقاً عن انتقاد إسرائيل أو تحميلها مسؤولية الهجمات التي استهدفت إيران، سواء مواقعها أو علماؤها النوويون؛ بل إن المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، لم يتردد في القول إن إسرائيل «تقوم بالعمل الوسخ» بالنيابة عن الأوروبيين، في حين أشار الرئيس الفرنسي إلى أن نتائج الضربات الإسرائيلية والأميركية تصبُّ في «خانة الأهداف» التي يسعى الأوروبيون لتحقيقها فيما يتعلق بـ«النووي الإيراني».

وفُتح فصل جديد، بعد أن نجح ترمب في فرض وقف للأعمال العدائية بين طهران وتل أبيب، مستعيناً بوساطة كل من قطر وسلطنة عمان. وسارع الأوروبيون، الثلاثاء، إلى الترحيب بهذه الخطوة؛ حيث تداعى قادة «الترويكا» الأوروبية إلى اجتماع عُقد في لاهاي، على هامش القمة الأطلسية، لوضع خطة تحرك للمرحلة التالية لما بعد وقف القتال.

وصدر عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بيان مقتضب جاء فيه أن القادة الثلاثة (ستارمر، وماكرون، وميرتس) «ناقشوا الوضع المتقلب في الشرق الأوسط... واتفقوا على أن الوقت قد حان للدبلوماسية، وأن على إيران أن تجلس إلى طاولة المفاوضات»، وقد حرص القادة الثلاثة على تجهيل الجهة التي يُفترض أن تتفاوض معها إيران.

غروسي يصل إلى قصر الإليزيه في باريس الأربعاء (أ.ف.ب)

ومرة أخرى، لم يتأخر ترمب، الذي شارك في القمة الأطلسية وحصل على ما أراده من الأوروبيين فيما يخصّ المخصصات الدفاعية، في تأكيد أن اجتماعات «ستُعقد مع الإيرانيين الأسبوع المقبل». وبطبيعة الحال، كان يقصد أن المباحثات ستُجرى عبر ممثله الخاص، ستيف ويتكوف، وحتى الآن، لم يصدر أي تأكيد من طهران، كما لم ترد أي تفاصيل إضافية من واشنطن بشأن موعد الاجتماع أو مكان انعقاده.

العودة إلى أحضان الدبلوماسية

ما صدر جماعياً عن «الترويكا» الأوروبية، صدر أيضاً بشكل فردي عن قادتها. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأكثر نشاطاً، إذ اجتمع مع رافاييل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأجرى اتصالاً برئيس الوزراء الإسرائيلي، كما تشاور مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، حاملاً رسائل متشابهة يمكن اختصارها بالدعوة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

وقد وجّه ماكرون 3 رسائل رئيسية إلى بنيامين نتنياهو: أولاً، أن فرنسا «تتشارك مع إسرائيل الهدف نفسه: لا سلاح نووياً لإيران على الإطلاق»؛ وثانياً، ضرورة احترام جميع الأطراف للهدنة القائمة؛ وثالثاً، أهمية العودة إلى طاولة المفاوضات لمناقشة الملفين النووي والباليستي، «لأن أمن إسرائيل وسائر بلدان المنطقة مرتبط بهما».

وعقب اجتماعه بغروسي، غرّد ماكرون داعياً «الوكالة الذرية» إلى «استئناف مهمتها في إيران»، مؤكداً التزام فرنسا بالوكالة الأممية التي وصف دورها بـ«الأساسي للسلامة والأمن النوويين». وأضاف ماكرون أنّ «من المُلّح» استئناف عمليات التفتيش في المواقع النووية الإيرانية، في موقف ينسجم مع دعوات غروسي اليومية بهذا الشأن.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة، كونها جاءت بعد تصويت البرلمان الإيراني على قرار يقضي بـ«تعليق» التعاون مع الوكالة التي تتهمها طهران بـ«تقديم المساعدة» لأولئك الذين نفّذوا هجمات على منشآتها النووية.

وفي السياق نفسه، دعا وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، الخميس، إيران إلى عدم تعليق تعاونها مع الوكالة، عادّاً أن خطوة مثل هذه ستكون «إشارة سيئة جداً». أما المتحدث باسم الخارجية الفرنسية، كريستوف لو موان، فقد أعرب عن أمل باريس بأن «تستأنف إيران مسار الحوار من دون تأخير، بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي متين، قابل للتحقق، ودائم، يُعالج المخاوف المشروعة للمجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي».

وتؤكد برلين، على لسان فاديفول، أن أوروبا لا تزال قادرة على لعب دور مهم في هذا الصراع، وأن لدى الأوروبيين «مكانة قوية» تتيح لهم ذلك. ويستند فاديفول في حجّته إلى طلب أميركي صدر الأسبوع الماضي -أي قبل الضربات الجوية الأميركية- يدعو الأوروبيين إلى «البقاء على تواصل ومواصلة الحوار». كما أشار إلى أن إيران أعلنت حينها استعدادها للتفاوض فقط مع الأوروبيين، وهو ما وصفه بـ«الإشارة الجيدة بالنسبة إلينا».

لكن هذا الموقف، كما يقول فاديفول، كان صالحاً الأسبوع الماضي، أما اليوم، فقد فقد فاعليته بعد إعلان ترمب عن اجتماع قريب مع الإيرانيين، بعيداً عن الأوروبيين.

ماذا بقي للـ«ترويكا» من أوراق ضاغطة؟

في حقيقة الأمر، تبدو «الترويكا» الأوروبية مستبعدة من مجريات الملف النووي الإيراني، وحراكها حتى الآن «لا يقدّم ولا يؤخر»، حسب تعبير دبلوماسيين في باريس. وقد عبَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن هذا التوجّه صراحة، حين تساءل في مؤتمره الصحافي في لاهاي عن جدوى توقيع اتفاق جديد، عادّاً، على ما يبدو، أن الحاجة إليه انتفت بعد «تدمير» البرنامج النووي الإيراني؛ وهو تقييم لا يزال موضع جدل حاد داخل الولايات المتحدة وخارجها.

من جانبه، أدلى المرشد الإيراني على خامنئي، الخميس، بتصريح أعلن فيه أن بلاده «انتصرت» في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى أن الضربات الأميركية على المواقع النووية الثلاثة «لم تكن ذات تأثير كبير» على البرنامج النووي الإيراني.

والثابت، حسب مصادر أوروبية في باريس، أن ترمب هو «سيد اللعبة»، وهو إلى حد بعيد «الآمر الناهي»، وأبرز دليل على ذلك، قدرته على إلزام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعادة الطائرة التي كانت متجهة لقصف مواقع في إيران مباشرة بعد إعلان الهدنة.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «لو موند» عن ماكرون قوله: «لديّ قناعة بأنه عندما يتم اللجوء إلى السلاح ولا نشارك فيه، يتولّد شعور بالتهميش، لكنني مؤمن بأنه إذا كنا ثابتين في مواقفنا، فإننا الرابحون استراتيجياً وعلى المدى الطويل».

الواضح اليوم أن خروج «الترويكا» الأوروبية عن الخط الأميركي ليس مطروحاً، خاصة في ظل إحكام واشنطن قبضتها على خيوط اللعبة؛ إلا أن ورقة واحدة لا تزال بيد الأوروبيين، وقد تُعيدهم، ولو جزئياً، إلى طاولة التأثير: تفعيل آلية «سناب باك» المنصوص عليها في القرار الدولي رقم «2231» الصادر عام 2015، والتي تتيح إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران.

وباختصار، يمكن للأوروبيين، في حال إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، طلب تفعيل هذه الآلية، ما يؤدي تلقائياً إلى إعادة فرض 6 مجموعات من العقوبات التي سبق أن فُرضت على إيران. وبما أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي في 2018، فإنها فقدت حق تفعيل الآلية، ما يجعلها بحاجة إلى الشركاء الأوروبيين في هذه المرحلة.

في المقابل، قد تجد إيران نفسها مضطرة للتقرب من الأوروبيين وطلب إشراكهم في المفاوضات، لتجنّب الانفراد الأميركي في إدارتها.

وقد قال ماكرون في هذا السياق: «لدينا جدول زمني واضح، ويجب اتخاذ قرارات حاسمة بحلول الصيف».

هل سيتحقق هذا السيناريو؟

الجواب سيظهر في قادم الأيام، على أن تتضح الصورة قبل نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهو الموعد الذي ينتهي فيه العمل بالاتفاق النووي لعام 2015.


مقالات ذات صلة

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق هرمز في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

تحقيق أميركي في تداولات نفط مشبوهة مرتبطة بحرب إيران

قال مدير قسم إنفاذ اللوائح في لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية ديفيد ميلر، الخميس، إن اللجنة تحقق في أنشطة تداول نفط مشبوهة مرتبطة بالحرب الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات الآتية من إيران في وقت تكدست مئات الشاحنات بالمعابر الحدودية

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفينة شحن تُبحر باتجاه مضيق هرمز (أ.ب)

«الحرس الثوري» يعلن إصابة 7 ناقلات… ويهدد القوات الأميركية

أعلن «الحرس الثوري»، الخميس، إصابة 7 ناقلات نفط بضربات وألغام بحرية في مضيق هرمز، وهدد باستهداف القوات الأميركية إذا واصلت واشنطن مرافقة السفن عبر المضيق.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران ترفع السقف قبل القرار الأميركي

رفعت إيران سقف مواقفها السياسية والعسكرية، في انتظار قرار نهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب، وسط مؤشرات على احتمال جولة ثالثة من المواجهة.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.


برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم الجمعة، إن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي.

ودعا إلى دعم السعودية واليمن في الدفاع عن نفسيهما وتمهيد الطريق لاستئناف مفاوضات جادة مع الحوثيين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

واجتمع وزراء خارجية ثماني دول أوروبية وشرق أوسطية في إسطنبول، الجمعة، في صيغة غير مسبوقة، لإجراء محادثات حول مضيق هرمز والأزمات في المنطقة.

والتقى وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي الدول المعروفة باسم «مجموعة الثلاث» (إي 3)، بالإضافة إلى إيطاليا، ونظرائهم من مجموعة «آر 4» التي تشكلت حديثاً وتضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر، لمناقشة القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن ومنطقة مضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وانطلقت المحادثات في فندق في إسطنبول يطلّ على مضيق البوسفور، بعد اجتماعات منفصلة بين الوزراء والوفود، وفق ما أفاد مصدر في وزارة الخارجية التركية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إن «الجميع سيكون خاسراً» في حال تجدّد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، محذّراً من «تداعيات خطيرة جداً على أسعار الطاقة».

وأضاف للصحافيين على هامش المحادثات في إسطنبول: «لذلك، فإن أول ما ستقوم به هذه المجموعة المؤلفة من ثماني دول هو دعوة الطرفين إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، لأننا لا نستطيع تحمّل تصعيد جديد في المنطقة».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن الهدف يتمثّل في العمل على «خفض التصعيد لضمان حرية الملاحة»، مضيفاً: «لا أعتقد أن هذه الأزمة قابلة للحلّ بالوسائل العسكرية فقط».

وتابع: «إذا أردنا إعادة فتح مضيق هرمز، وهو حيوي لاقتصاداتنا، فعلينا تشجيع الحوار وإفهام إيران أن نهجها هذا لا يمكن أن يستمر».

وذكر مكتب وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قبل انطلاق المحادثات، أنها ستتمحور خصوصاً حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية». وأضاف أن ميليباند «سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة (هرمز) يعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة».

وسيشدد أيضاً على «تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة، حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس».