«الوكالة الذرية» تدين إيران بـ«عدم الامتثال» لمعاهدة حظر الانتشار

القرار صدر بعد 20 عاماً من آخر توبيخ رسمي ويهدد بإحالة ملف طهران إلى مجلس الأمن

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
TT

«الوكالة الذرية» تدين إيران بـ«عدم الامتثال» لمعاهدة حظر الانتشار

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين
صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جلسة افتتاح مجلس المحافظين في فيينا الاثنين

صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، على قرار يدين إيران لعدم امتثالها لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، في أول خطوة من نوعها منذ 20 عاماً، ما ينذر بتفعيل العقوبات الأممية مجدداً على طهران في وقت لاحق من هذا العام.

وجاء القرار في ظل توترات متصاعدة، حيث سبق للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أن لوّح بإمكانية توجيه ضربات جوية ضد المنشآت النووية الإيرانية في حال فشل المفاوضات.

وهذا أول اجتماع لـ«الوكالة الذرية» منذ تولي ترمب مهامه لولاية ثانية في يناير (كانون الثاني) الماضي. ويتزامن مع المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران الذي انطلق قبل شهرين.

وأيّدت النصّ الذي أعدّته لندن وباريس وبرلين وواشنطن 19 دولة من أصل 35، على ما أفادت مصادر دبلوماسية عدة. وصوّتت الصين وروسيا وبوركينا فاسو برفض النصّ، في حين امتنعت 11 دولة عن التصويت، حسبما صرح دبلوماسيون.

ورحبت الدول الأربع باعتماد القرار المتعلق بتنفيذ إيران لاتفاق الضمانات، معتبرةً أنه يعزز نظام عدم الانتشار النووي. وأكدت أن أمام إيران فرصة للامتثال الكامل والإجابة بشفافية على أسئلة الوكالة حول المواد والأنشطة النووية غير المعلنة.

وأعربت عن أملها في أن يُظهر التقرير المرفوع لاحقاً إلى مجلس الأمن تغيّراً إيجابياً في سلوك إيران، مشيدةً بعمل مدير الوكالة وفريقه.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قوله، اليوم (الخميس)، إن قرار «الوكالة الذرية» سيزيد من تعقيد المحادثات النووية مع الولايات المتحدة، المتوقع إجراؤها يوم الأحد المقبل في عُمان.

غروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي الاثنين الماضي (الوكالة الذرية)

ولم تتمكن باراغواي وفنزويلا من المشاركة لعدم سدادهما الإسهامات المالية الكافية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وهذه أحدث الخطوات الدبلوماسية في مساعٍ بدأت قبل سنوات لتقييد أنشطة إيران النووية، وسط مخاوف غربية من مساعٍ لطهران لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.

وتُخصّب إيران اليورانيوم بالفعل إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، ويُمكن رفع هذه النسبة بسهولة إلى نحو 90 في المائة، وهي الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة.

ويُظهر معيار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» أن إيران لديها كمية من المواد عند هذا المستوى تكفي لصنع 10 أسلحة نووية إذا واصلت تخصيبها.

وتقول «الوكالة الذرية» إنها لا تستطيع حالياً «تقديم ضمانات بأن برنامج إيران النووي سلمي تماماً»، مؤكدة أنه لا يوجد بلد آخر خصَّب اليورانيوم إلى هذا المستوى العالي دون إنتاج أسلحة نووية.

تلويح بمجلس الأمن

ويدعو القرار إيران إلى «العمل بشكل عاجل على إصلاح مسألة عدم امتثالها» لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. كما يعبر القرار عن «أسفه العميق» لأن طهران «رغم النداءات المتكررة من مجلس المحافظين والفرص العديدة المُتاحة... لم تتعاون بشكل كامل مع الوكالة». وعدّ القرار أن «عجز الوكالة الذرية... عن تقديم ضمانات بأن البرنامج النووي الإيراني سلمي حصراً، يثير تساؤلات تقع ضمن اختصاص مجلس الأمن الدولي»، الذي يمكنه فرض عقوبات. وتسعى الوكالة التابعة للأمم المتحدة منذ سنوات للحصول على توضيحات بشأن مواد ومعدات نووية عُثر عليها في مواقع غير مُعلنة، ناجمة عن نشاطات غير مُعلنة نُفذت حتى أوائل القرن الحادي والعشرين. ويشتبه مسؤولون غربيون في أن هذه الآثار قد تكون دليلاً على برنامج سري للأسلحة النووية أوقفته إيران عام 2003.

وينصّ القرار على أن «فشل إيران المتكرر منذ 2019 في التعاون الكامل وفي الوقت المناسب مع الوكالة بشأن المواد والأنشطة النووية غير المعلنة... يشكّل خرقاً لالتزاماتها وفق اتفاق الضمانات».

وبموجب اتفاقية الضمانات، التي هي جزء من معاهدة حظر الانتشار النووي، تُلزم إيران بالإعلان عن جميع المواد النووية والسماح بالتفتيش للتحقق من الاستخدامات السلمية فقط.

ويشير القرار إلى أن عجز الوكالة عن التأكد من سلمية البرنامج الإيراني «يثير تساؤلات، تدخل في اختصاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وتدعم المسودة المسار الدبلوماسي، ما يشير إلى «أهمية التوصل إلى حلّ من خلال الحوار، بما يشمل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة».

مصورون يلتقطون صوراً للسفير الإيراني الجديد لدى المنظمات الدولية بفيينا رضا نجفي (الوكالة الذرية)

ويأتي القرار عقب تقرير شامل أصدرته الوكالة، وصف فيه تعاون إيران بشأن آثار اليورانيوم في عدة مواقع بأنه «أقل من مرضٍ». وجرى الكشف عن أحد تلك المواقع تم كشفه عام 2018 من قِبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة له في الأمم المتحدة، وادّعى أنه «مستودع نووي سري» داخل منشأة لتنظيف السجاد. ونفت إيران ذلك، لكن المفتشين اكتشفوا فيه لاحقاً آثاراً مشعة.

وفي حين أشار القرار إلى إحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي، قال دبلوماسيون إن الأمر سيتطلب قراراً ثانياً لإحالتها مثلما حدث في المرة السابقة التي أُعلن فيها عدم امتثالها في سبتمبر (أيلول) 2005، ثم جرت الإحالة في فبراير (شباط) 2006.

فرصة للدبلوماسية... ولكن تحت ضغط الوقت

وعبّرت الدول الغربية عن قلق متزايد من تطور البرنامج النووي الإيراني، في اجتماع مجلس محافظي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» المنعقد في فيينا، على ضوء تقرير المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، الذي سلّط الضوء على استمرار تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة.

وشهدت جلسات مجلس المحافظين، التابع لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مداولات حثيثة بشأن اعتماد مشروع قرار يوبخ طهران، ويعيد طرح ملفها على مجلس الأمن.

ورغم التصعيد، قال دبلوماسي غربي رفيع إن القرار «خطوة جادة»، لكنه أكّد أن «باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً». وحذّر من أنه في حال استمرار عدم التعاون الإيراني، قد يُعقد اجتماع استثنائي خلال الصيف لإحالة الملف إلى مجلس الأمن.

وأكّدت الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، في بيان مشترك، أنها لن تدخر جهداً في السعي لحلّ دبلوماسي، لكنها حذرت من أنها قد تلجأ إلى تفعيل آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات إذا لم تقدم إيران إجابات فنية موثوقة.

وتنتهي صلاحية استخدام هذه الآلية في أكتوبر المقبل، ما يعني أن الغرب يسابق الزمن للضغط على إيران قبل فقدان هذه الورقة القانونية.

من جانبه، أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلق بالغ» من «التوسع المقلق» للأنشطة النووية الإيرانية، معتبراً أن إيران اكتسبت قدرات لا يمكن التراجع عنها في مجال التخصيب. وشدّد الاتحاد على أن ضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي «أولوية أمنية أساسية»، داعياً إلى استئناف الشفافية وتنفيذ البروتوكول الإضافي، محذراً من تداعيات استمرار التصعيد الإيراني على الأمن الإقليمي والدولي.

من جانبها، أكّدت الولايات المتحدة عبر مبعوثها بالإنابة أن إيران «تواصل تسريع برنامجها النووي دون مبرّر مدني»، معتبراً أن تراكم اليورانيوم عالي التخصيب يثير «قلقاً بالغاً» بشأن نيات طهران.

وجدّدت واشنطن التزامها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، داعية طهران إلى وقف التصعيد، والعودة الفورية للامتثال الكامل، وقبول مفتشي «الوكالة».

وقال القائم بالأعمال الأميركي، هاورد سولومون، في بيانه، خلال اجتماع «الوكالة الذرية»، إن «الولايات المتحدة تتفاوض بحسن نية للتوصل إلى اتفاق يسمح لنا بالقول بثقة ما دأب الرئيس ترمب على قوله؛ لن تمتلك إيران سلاحاً نوويّاً أبداً». وأضاف أن «لدى إيران الآن فرصة سانحة لبناء الثقة، من خلال توفير شفافية أكبر للوكالة» و«وقف نشاطاتها النووية التصعيدية».

وشدّد على أن استمرار السلوك الإيراني الحالي «لن يقربها من أهدافها، ويقلّص فرص التوصل إلى اتفاق».

وقبيل التصويت، هدّدت طهران بـ«الردّ بقوة» عن طريق تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حال تبني القرار.

وقال دبلوماسيون إن القرار يهدف إلى زيادة الضغط على إيران. ويأتي القرار في خضم مباحثات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمان.

وأجرى البلدان 5 جولات تفاوض منذ أبريل (نيسان)، سعياً إلى إيجاد بديل لاتفاق 2015 الذي هدف إلى كبح برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها.

وتتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه أصبح «أقل ثقة» بشأن التوصل إلى اتفاق مع إيران حول الملف النووي.

وهدّدت إيران، الأربعاء، باستهداف قواعد عسكرية أميركية في المنطقة في حال اندلاع نزاع.

ومن المقرر إجراء جولة جديدة من المحادثات بشأن الملف النووي، في مسقط، الأحد.


مقالات ذات صلة

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي سيزور باكستان مجدداً بعد عُمان

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.