نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


مقالات ذات صلة

ترقب لإعلان الاتفاق بعد «التقدم الكبير»

الولايات المتحدة​ مقاتلة من طراز «إف-35 بي» تقلع من على متن السفينة الهجومية البرمائية الأميركية «يو إس إس تريبولي» خلال عمليات في بحر العرب(سنتكوم)

ترقب لإعلان الاتفاق بعد «التقدم الكبير»

تصاعد الترقب حيال اتفاق أميركي - إيراني محتمل، بعدما تحدثت واشنطن عن «تقدم كبير» في المفاوضات، غير أن زخم التفاؤل تراجع مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

فتح رجلٌ النارَ، مساء السبت، عند نقطة تفتيش أمنية قرب البيت الأبيض في واشنطن، ولقي حتفه متأثراً بإصابته برصاص عناصر الخدمة السرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب) p-circle

مقتل مسلّح أطلق النار قرب البيت الأبيض

أطلقت «الخدمة السرية» الأميركية النار على شخص بالقرب من البيت الأبيض، السبت، كما أُصيب أحد المارة بالرصاص، وفق مسؤول في «إنفاذ القانون».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا من عبءٍ على الغرب، إلى مختبرٍ لحروب المستقبل.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

روبيو: بعض التقدم تحقق في المحادثات مع إيران

قال وزير ​الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، إنه تسنّى إحراز بعض التقدم ‌في الصراع ‌مع ​إيران.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

الاستخبارات الأميركية: مجتبى خامنئي يختبئ في موقع سري ويعيش بعزلة شبه تامة

امرأة تسير بجوار لافتة تحمل صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في طهران 8 مايو الحالي (رويترز)
امرأة تسير بجوار لافتة تحمل صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في طهران 8 مايو الحالي (رويترز)
TT

الاستخبارات الأميركية: مجتبى خامنئي يختبئ في موقع سري ويعيش بعزلة شبه تامة

امرأة تسير بجوار لافتة تحمل صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في طهران 8 مايو الحالي (رويترز)
امرأة تسير بجوار لافتة تحمل صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في طهران 8 مايو الحالي (رويترز)

كشفت معلومات استخباراتية أميركية أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي يختبئ حالياً في موقع سري غير معلن، ويعيش في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر شبكة معقدة من الوسطاء، الأمر الذي تسبب في بطء المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن بشأن اتفاق محتمل.

وقال مسؤولون أميركيون مطَّلعون على الأمر لشبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية، إن المسؤولين الإيرانيين المخولين بالتواصل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يواجهون صعوبة كبيرة في إيصال الرسائل داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، بسبب القيود الأمنية المفروضة على تحركات واتصالات خامنئي.

أشخاص يسيرون في طهران بجوار لافتة تحمل صورة مجتبى خامنئي يوم 19 مارس 2026 (رويترز)

وأوضح المسؤولون أن الرسائل والمقترحات الأميركية تمر عبر شبكة معقدة من الوسطاء، ما يؤدي إلى تأخير طويل قبل تلقي أي رد من الجانب الإيراني.

وقال أحد المسؤولين: «كل معلومة تصل إلى المرشد تكون قديمة نسبياً، وهناك بطء كبير في صدور ردوده».

وأضاف مسؤول آخر واصفاً حالة الارتباك داخل القيادة الإيرانية: «مشاهدتهم وهم يحاولون إيجاد طريقة للتواصل أشبه بمشاهدة مسلسل كوميدي. إنهم في غاية الإحباط».

وأشار التقرير إلى أن المرشد الإيراني يتخذ إجراءات أمنية استثنائية لتجنب أي استهداف محتمل؛ خصوصاً بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة التي أدت إلى إصابته وأودت بحياة والده، علي خامنئي، وبحياة عدد من كبار القادة الإيرانيين.

ووفقاً للمصادر، فإن معظم القيادات الإيرانية باتت تقضي أسابيع داخل ملاجئ شديدة التحصين، مع تقليل التواصل المباشر فيما بينها إلى الحد الأدنى، خوفاً من الاختراقات الأمنية.

وأكدت المصادر أن حتى كبار المسؤولين الإيرانيين لا يعرفون الموقع الحالي للمرشد، ولا يملكون وسيلة اتصال مباشرة معه؛ حيث يتم نقل الرسائل عبر شبكة سرية من الوسطاء بهدف إخفاء مكانه.

وفي المقابل، رفض متحدث باسم البيت الأبيض التعليق على التقارير المتعلقة بمكان وجود المرشد الإيراني، أو أساليب التواصل داخل القيادة الإيرانية.

وكان مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية قد كشف أن المرشد الإيراني وافق مبدئياً على الخطوط العريضة لمسودة الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه، بينما أعرب الرئيس الأميركي عن توقعه صدور القرار النهائي خلال الأيام المقبلة.

وحسب التقرير، فإن المرشد الإيراني يكتفي بإرسال توجيهات عامة إلى مساعديه، يحدد فيها القضايا المسموح بالتفاوض بشأنها، والملفات التي يُمنع طرحها خلال المحادثات.


برلمان إيران يعيد انتخاب قاليباف في أول جلسة حضورية بعد الحرب

قاليباف في مقر الخارجية الإيرانية الأسبوع الماضي (موقعه الرسمي)
قاليباف في مقر الخارجية الإيرانية الأسبوع الماضي (موقعه الرسمي)
TT

برلمان إيران يعيد انتخاب قاليباف في أول جلسة حضورية بعد الحرب

قاليباف في مقر الخارجية الإيرانية الأسبوع الماضي (موقعه الرسمي)
قاليباف في مقر الخارجية الإيرانية الأسبوع الماضي (موقعه الرسمي)

في خطوة متوقعة، أعيد انتخاب محمد باقر قاليباف رئيساً للبرلمان الإيراني للعام السابع على التوالي، بأغلبية الأصوات في أول جلسة حضورية للبرلمان بعد أكثر من 80 يوماً من توقف جلساته العلنية منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفاد موقع البرلمان الإيراني إن قاليباف حصل على 235 صوتاً من أصل 271 صوتاً في الانتخابات الداخلية لاختيار هيئة الرئاسة في السنة الثالثة من الدورة الثانية عشرة للبرلمان.

وخلال هذه الفترة، اكتفى البرلمان بعقد جلسة افتراضية واحدة، فيما ظلت أعمال اللجان مستمرة بصورة محدودة.

وهذه هي المرة الثالثة التي يُنتخب فيها قاليباف رئيساً للبرلمان في دورته الثانية عشرة، إذ تُجرى انتخابات هيئة الرئاسة مرة كل عام.

وقالت وكالة «إيلنا» ووكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن قاليباف بقي على كرسي رئاسة البرلمان لعام إضافي، في اقتراع حضره 279 نائباً من أصل 285، أي نحو 98 في المائة من أعضاء البرلمان.

تتزايد الأسئلة في الداخل الإيرانية حول أسباب عدم حضور نواب البرلمان في الجلسات الحضورية بعد الحرب (موقع البرلمان)

وحضر قاليباف إلى مركز الاقتراع، وكان «أول نائب يدلي بصوته»، وفقاً لوكالة «فارس». لكن موقع البرلمان لم ينشر صوراً تظهر حضور النواب في الجلسة. وكان نائب قد قال، الأحد، إن انتخابات هيئة الرئاسة ستُجرى عبر «صناديق اقتراع إلكترونية»، على أن يدلي النواب بأصواتهم بعد «التحقق من الهوية».

وجاء في الموقع الرسمي للبرلمان، أن قاليباف حصل على 235 صوتاً، في مقابل 29 صوتاً للنائب محمد تقي نقد علي، و7 أصوات للنائب عثمان سالاري، فيما بلغ عدد الأوراق البيضاء 5.

وأُعيد كذلك انتخاب النائب علي نيكزاد ثمرين، نائباً أول لرئيس البرلمان بـ143 صوتاً، و والنائب حميد رضا حاجي بابائي نائباً ثانياً بـ100 صوت.

وأدى أعضاء هيئة الرئاسة اليمين بعد إعلان النتائج، في جلسة حملت رمزية سياسية إضافية، لأنها جاءت بعد فترة طويلة من غياب البرلمان عن جلساته الحضورية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير.

وكانت إعادة انتخاب قاليباف شبه محسومة، رغم محاولة أطراف محافظة متشددة الدفع بخيارات أخرى لرئاسة البرلمان.

وقبل جلسة التصويت، أفادت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية، أن «جبهة الصمود» وحلقة سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، حاولتا خفض حجم التصويت لقاليباف عبر تقديم مرشحين منافسين، حتى لو لم يكن الهدف العملي إسقاطه من الرئاسة.

وقالت الصحيفة إن الخلافات القديمة بين قاليباف وخصومه داخل المعسكر المحافظ عادت إلى الواجهة مع انتخابات هيئة الرئاسة. ووفق روايتها، كان جزء من التيار المحافظ يسعى إلى توجيه «رسائل سياسية» إلى رئيس البرلمان، لا إلى تغيير النتيجة النهائية فقط.

ورغم هذه المحاولات، منحت النتيجة قاليباف تفويضاً برلمانياً واسعاً في لحظة سياسية حساسة، إذ خرج من اختبار هيئة الرئاسة بعد الحرب بأصوات أكثر من خصومه مجتمعين، وبما يعزز موقعه داخل مؤسسة تشريعية محدودة النفوذ لكنها مهمة في توازنات النظام.

علي نيكزاد نائب رئيس البرلمان للعام الثالث على التوالي (موقع البرلمان)

وقال رئيس إدارة الأخبار في البرلمان، أمير حسين يزدان بناه، إن «ظروف البلاد لم تكن عادية، كما أن بعض الأطراف واصلت استهداف قاليباف»، لكن حصوله على 235 صوتاً، أي أكثر من 82 في المائة من النواب، «يظهر تجاهل غالبية البرلمان للأجواء السياسية التخريبية».

وأضاف أن حصول قاليباف على 235 صوتاً، وهو أعلى عدد من الأصوات يناله رئيس للبرلمان خلال السنوات السبع الماضية، «يحمل رسائل سياسية مهمة».

جنرال «الحرس»

جاءت إعادة انتخاب قاليباف في وقت توسع فيه دوره داخل دوائر صنع القرار الإيرانية خلال الحرب الأخيرة. وتولى قاليباف، الذي بدأ مسيرته في «الحرس الثوري» ثم قاد الشرطة وبلدية طهران، ملفات حساسة خلال الأشهر الماضية، بينها المفاوضات مع الولايات المتحدة والعلاقات مع الصين.

ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، برز قاليباف بوصفه حلقة وصل بين المؤسسات السياسية والأمنية. وبعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب، وصعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة، زاد اعتماد النظام على شخصيات تجمع بين الخلفية الأمنية والخبرة التنفيذية والغطاء السياسي، وكان قاليباف في مقدمتها.

وفي أبريل، شارك قاليباف على رأس الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد مع الولايات المتحدة، في أعلى مستوى من الاتصالات المباشرة بين البلدين منذ الثورة الإيرانية عام 1979. ومنذ ذلك الحين، بات يُشار إليه بوصفه أحد وجوه المسار التفاوضي، إلى جانب موقعه البرلماني.

في أبريل، ترأس قاليباف الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد مع الولايات المتحدة، في أعلى مستوى من الاتصالات المباشرة بين البلدين منذ عام 1979. ومنذ ذلك الحين، تعزز حضوره في المسار التفاوضي، إلى جانب موقعه رئيساً للبرلمان.

ثم أسندت طهران إليه، في مايو، مهمة الإشراف على العلاقات مع الصين، بناءً على اقتراح من الرئيس مسعود بزشكيان وموافقة المرشد مجتبى خامنئي.

وأفادت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، الأسبوع الماضي، بأن قاليباف عُيّن ممثلاً خاصاً للجمهورية الإسلامية لشؤون الصين، على أن تشمل مهمته تنسيق مختلف قطاعات العلاقات مع بكين.

ويكشف هذا التكليف اتساع وظيفة قاليباف داخل بنية القرار، إذ لم يعد دوره مقتصراً على إدارة البرلمان أو تمثيل التيار المحافظ داخله، بل بات يمتد إلى ملفات تتصل بالتفاوض الخارجي، والتحالفات الاقتصادية، وإدارة علاقات استراتيجية تحتاجها طهران في ظل الحرب والعقوبات.

ويستند قاليباف في صعوده إلى سجل طويل داخل مؤسسات النظام، بدأه في الحرب العراقية - الإيرانية، قبل أن يتدرج في مواقع داخل «الحرس الثوري»، ثم يتولى قيادة الشرطة وبلدية طهران، وصولاً إلى رئاسة البرلمان، مع احتفاظه بعلاقات وثيقة داخل الدائرة الصلبة للحكم.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من استقباله لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير السبت الماضي

يعكس مسار قاليباف قدرته على البقاء في الصف الأول من السلطة، لا مجرد الفوز في انتخابات داخلية للبرلمان. فهو شخصية أمنية - تنفيذية تجمع بين الولاء للمؤسسة وخبرة الإدارة، وحافظت على موقعها في مركز القرار رغم إخفاقاته المتكررة في السباقات الرئاسية.

وحاول قاليباف خلال السنوات الماضية الوصول إلى الرئاسة أكثر من مرة، من دون أن ينجح في بلوغ المنصب. خاض انتخابات 2005، ثم عاد إلى السباق في 2013، وانسحب في 2017، قبل أن يفشل في 2024 في فرض نفسه مرشحاً توافقياً داخل المعسكر المحافظ.

ورغم هذه الإخفاقات، بقي قاليباف واحداً من أكثر رجال النظام قدرة على الاستمرار في مواقع النفوذ. وُلد عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، ودخل الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية - الإيرانية، حيث انخرط في «الباسيج» ثم في «الحرس الثوري»، وصعد سريعاً خلال سنوات القتال، قبل أن يتحول لاحقاً إلى قائد أمني وتنفيذي وسياسي.

وتولى قاليباف قيادة القوة الجوية في «الحرس الثوري»، وارتبط اسمه برسالة قادة «الحرس» إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي عام 1999 خلال احتجاجات الطلاب. وفي عام 2000 عُيّن قائداً للشرطة، حيث جمع بين خطاب تحديث الجهاز الأمني وتشديد القبضة على الشارع.

وفي بلدية طهران، التي رأسها 12 عاماً، رسخ قاليباف صورة «رجل الإنجاز» عبر مشاريع البنية التحتية والمترو والطرق، لكنه واجه في الوقت نفسه اتهامات بالفساد والمحسوبية، وملفات أثقلت صورته العامة، من بينها قضايا عقارية ومالية وشبهات طالت مقربين منه.

ورغم ذلك، لم يخرج قاليباف من معادلة النفوذ. انتقل إلى البرلمان عام 2020، وسرعان ما تولى رئاسته، محافظاً منذ ذلك الحين على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية، ومستفيداً من حضوره في مراكز صنع القرار وصلاته القديمة بـ«الحرس الثوري» ومكتب المرشد.


إيران: توصلنا لنتائج حول قضايا عدة في المذكرة المحتملة مع أميركا

قوارب تبحر في مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان (رويترز)
قوارب تبحر في مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان (رويترز)
TT

إيران: توصلنا لنتائج حول قضايا عدة في المذكرة المحتملة مع أميركا

قوارب تبحر في مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان (رويترز)
قوارب تبحر في مضيق هرمز قبالة سلطنة عمان (رويترز)

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الاثنين، إنه تم التوصل إلى نتائج بشأن العديد من الموضوعات التي نوقشت ضمن مذكرة تفاهم محتملة مع الولايات المتحدة، لكن هذا لا يعني أن طهران قريبة من توقيع اتفاق، وفق ما نقلته «رويترز».

وأضاف بقائي أن إيران تتفاوض من أجل إنهاء الحرب ولا تناقش حالياً القضايا النووية، وذكر مجدداً أن التغييرات في مواقف المسؤولين الأميركيين تضع عراقيل أمام أي اتفاق.

وقال دبلوماسي إيراني كبير لـ«وكالة أنباء الطلبة الإيرانية» في وقت سابق اليوم، إن طهران ستناقش برنامجها النووي واليورانيوم عالي التخصيب مع الولايات المتحدة إذا أوفت واشنطن بالتزاماتها في مذكرة تفاهم محتملة يجري التفاوض عليها.

وأضاف حسين نوش آبادي، وفق «رويترز»، أن هذه القضايا ستناقش خلال مفاوضات تستغرق 60 يوماً مقابل رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية في الخارج.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، قال بقائي إن طهران تفرض رسوماً لقاء «خدمات ملاحية» على السفن العابرة في الممر الملاحي الاستراتيجي. وأضاف: «الخدمات المقدمة، وهي خدمات ملاحية إضافة إلى الإجراءات اللازمة لحماية بيئة مضيق هرمز والخليج وبحر عُمان، تتطلب تحصيل رسوم معينة».

لكنه أوضح أن إيران «لا تسعى إلى تحصيل رسوم عبور».

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو صباح الاثنين إن هناك «شيئاً متيناً مطروحاً على الطاولة فيما يتعلق بقدرتهم على فتح مضيق» هرمز. وتابع أنه إما أن تتوصل الولايات المتحدة إلى اتفاق جيد مع إيران أو ​ستتعامل معها «بطريقة أخرى».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن أمس أنه قد أبلغ ممثليه بعدم التسرع في إبرام اتفاق، متوعداً بمواصلة الحصار البحري على إيران «بشكل كامل حتى التوصل إلى اتفاق والمصادقة عليه وتوقيعه».