المحادثات الإيرانية - الأميركية في جولة «كسر العظم» بسبب «الخطوط الحمراء»

عراقجي: النجاح في إحباط العقوبات يُحبطُ من يفرضونها ويساعدنا في المفاوضات

عناصر شرطة وصحافيون أمام مدخل سفارة سلطنة عمان في روما حيث جرت جولة التفاوض الثانية بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
عناصر شرطة وصحافيون أمام مدخل سفارة سلطنة عمان في روما حيث جرت جولة التفاوض الثانية بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
TT

المحادثات الإيرانية - الأميركية في جولة «كسر العظم» بسبب «الخطوط الحمراء»

عناصر شرطة وصحافيون أمام مدخل سفارة سلطنة عمان في روما حيث جرت جولة التفاوض الثانية بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)
عناصر شرطة وصحافيون أمام مدخل سفارة سلطنة عمان في روما حيث جرت جولة التفاوض الثانية بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

تدخل المفاوضات الإيرانية - الأميركية، الجمعة، مرحلة كسر العظم مع تشبث الطرفين بـ«الخطوط الحمراء»، في خامس جولة من المسار الدبلوماسي بوساطة عمانية.

وتعود المفاوضات إلى العاصمة الإيطالية روما التي استضافت الجولة الثانية من العملية التفاوضية في 19 أبريل (نيسان)، بعد أسبوع من بداية الجولة الأولى في العاصمة العمانية، مسقط، التي احتضنت الجولتين الثالثة والرابعة.

وأعلن وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي، الوسيط بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، استئناف المحادثات، بعد ساعات من شكوك أثارتها طهران بشأن مشاركتها في المفاوضات.

وكتب بدر البوسعيدي على منصة «إكس» أن «الجولة الخامسة من المباحثات بين إيران والولايات المتحدة ستعقد في روما، الجمعة في 23 مايو (أيار)»، وأنهى بذلك التكهنات التي أثارها عراقجي، صباح الأربعاء، بقوله إن طهران «لم تحسم بعد مشاركتها في الجولة المقبلة».

ومن الجانب الأميركي، أفاد مصدر مطلع، اليوم (الخميس)، أن ويتكوف سيتوجه إلى روما، حسب «رويترز».

وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن المسؤول الكبير في وزارة الخارجية مايكل أنطون سينضم إلى ويتكوف. وأضاف «من المتوقع أن تكون المناقشات مباشرة وغير مباشرة». ويشرف أنطون على فريق الخبراء ضمن الوفد الأميركي المفاوض.

وفي وقت سابق، أعلنت طهران، بدورها، موافقتها على المشاركة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في بيان، إن طهران وافقت على «اقتراح قدمته عُمان لتنظيم جولة أخرى من المحادثات الإيرانية - الأميركية»، الجمعة، في روما.

وأضاف بقائي أن الوفد المفاوض الإيراني «مصمم وثابت الخطى» في السعي لضمان حقوق الشعب الإيراني في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب، ورفع العقوبات الظالمة، ولن يدخر أي جهد أو مبادرة لتحقيق ذلك».

ومن شيراز في جنوب إيران، قال عراقجي، الخميس: «كلما زاد نجاحنا في تعطيل العقوبات، زاد إحباط المُعَاقِبين، وهذا يساعدنا في المفاوضات».

وأضاف عراقجي في مستهل أول اجتماع إقليمي للدبلوماسية الاقتصادية: «لو كانوا متأكدين من أن العقوبات ستجبرنا على الركوع، لما تفاوضوا معنا. مقاومة الشعب الإيراني وقدرة تجارنا جعلتا العقوبات غير مؤثرة بشكل فعال».

عراقجي یفتتح اجتماعاً إقليمياً للدبلوماسية الاقتصادية في شيراز جنوب إيران (الخارجية الإيرانية)

وقال عراقجي، صباح الأربعاء، إن «التصريحات المتطرفة لا تساهم في دفع الحوار إلى الأمام... نحن نواجه على طاولة المفاوضات مطالب مفرطة، لكننا لم نتخلَّ عن الدبلوماسية في أي مرحلة».

«تأثيرات خارجية»

وقبل تأكيد عقد الجولة الخامسة، نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول إيراني قوله: «لا نريد جولة مفاوضات جديدة تفشل». وأضاف: «نريد بالتأكيد مواصلة الدبلوماسية»، لكنه استدرك أن تصريحات ويتكوف «جعلت المفاوضات أكثر صعوبة».

وأشار المسؤول إلى أن ويتكوف قد يكون تحت ضغوط من معارضي أي اتفاق مع إيران: «أعلم أن هناك ضغوطاً هائلة عليه من داخل الولايات المتحدة وأطراف أخرى بالمنطقة، لكن هذا ليس مشكلتي. لا يمكنه مواجهة الضغوط على حسابنا».

وأوضح المسؤول: «إذا كان الهدف ضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، فهذا ممكن بل سهل التحقيق. لكن إذا أرادت الولايات المتحدة سلب حقوقنا أو مطالب غير واقعية، فهنا تكمن المشكلة»، وهي جملة وردت في مناسبات عدة على لسان عراقجي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وقال مصدر مقرب من الخارجية الإيرانية للصحيفة إن الفريق المفاوض أراد في البداية جولة مفاوضات واحدة تمتد 2 - 3 أسابيع لتجنب «تأثيرات خارجية» تعيق التقدم. لكن المفاوضين الأميركيين رفضوا، مفضلين حضور ويتكوف لجلسات قصيرة في عمان وإيطاليا.

تشكيك

والثلاثاء، استبعد المرشد الإيراني علي خامنئي أن تفضي المفاوضات إلى نتيجة. وقال: «خسئوا من يقولون إن على إيران وقف تخصيب اليورانيوم». وفي إشارة إلى المبعوث الأميركي، قال: «على الطرف الأميركي ألا يتفوه بالهراء».

وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يأمل التوصل إلى اتفاق مع إيران، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ في واشنطن، الثلاثاء.

وشدد روبيو على أن المفاوضات على ملف التخصيب بوصفه الأكثر حساسية، وقال إن واشنطن لن تسمح لإيران بأي تخصيب، وستستمر العقوبات المتعلقة بالصواريخ والإرهاب حتى بعد الاتفاق لردع النشاطات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن الاتفاق لن يكون سهلاً.

روبيو أكد للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ تمسك واشنطن بعدم رفع العقوبات غير النووية (أ.ب)

وأوضح روبيو أن إيران تستخدم التخصيب وسيلةً للردع والوصول إلى عتبة السلاح النووي، مؤكداً أن هذا هو جوهر الخلاف في المحادثات الجارية. وكان ويتكوف قال، في وقت سابق الأحد، إن الولايات المتحدة «لا يمكنها السماح حتى بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب».

تباين داخلي

وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إسماعيل كوثري، إن بعض الجهات سعت إلى تعليق تخصيب اليورانيوم مؤقتاً في إطار اتفاق مع الولايات المتحدة، متهماً إياها بـ«الخيانة وضعف الإرادة».

وقال كوثري، وهو جنرال في «الحرس الثوري» أيضاً: «منذ البداية، أكدت لفريقنا المفاوض أن هذه المحادثات لن تُثمر؛ لأن الفجوة بين المطالب الأميركية والثوابت الوطنية التي حددها المرشد لا يمكن تجاوزها».

وأضاف في حديث لموقع «إيران أوبزرفر» الإخباري، أن المفاوضات هذه المرة تختلف جذرياً عن مفاوضات الاتفاق النووي السابق، حيث استسلم فريق المفاوضين بسهولة»، مضيفاً أن «الأمور اليوم تحت الرقابة الكاملة، والفريق المفاوض يتحرك وفق استراتيجية واضحة ويحظى بالدعم الكامل من القيادة».

وأوضح كوثري أن «بعض المسؤولين والجهات الداخلية طرحوا فكرة تعليق التخصيب مؤقتاً كمدخل للتفاهم مع الولايات المتحدة، في خطوة اعتبرناها آنذاك خروجاً عن المسار الوطني، بل تهديداً للسيادة».

وتابع: «لو كانت نية إيران إنتاج سلاح نووي لاستطعنا ذلك بسهولة. لكننا لا نسير وفق منطق الإملاءات الغربية. من تظن أميركا نفسها حتى تملي علينا قراراتها؟». وأضاف: «لا نخشى أي هجوم أميركي لأنهم عاجزون عن فعل أي شيء، ولو كانوا قادرين لقاموا به بالفعل».

وقال كوثري إن «إيران لن تقبل بأي اتفاق لا يراعي مصالحها الاستراتيجية وحقوقها النووية المشروعة»، مضيفاً: «كل جولة تفاوض لن تكون إلا مضيعة للوقت إن لم يُدرك الطرف الآخر أن الشعب الإيراني لن يخضع للضغوط أو الابتزاز».

وعن إمكانية التوصل لاتفاق جديد، أجاب كوثري: «المفاوضات مع أميركا لن تنجح. يظنون أننا سنستسلم كما في السابق، لكن هذه المرة المفاوضات تحت سيطرة كاملة. فريق التفاوض الحالي يتحرك بحزم ويحظى بالدعم الكامل، ونأمل أن يلتزم بالإطار المحدد والخطوط الحمراء».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن أحمد خاتمي، أحد أئمة الجمعة وممثلي خامنئي في طهران، أن «المفاوضات المباشرة مع أميركا لا تتناسب مع الشرف والعقلانية والحكمة، لكننا نواصل المفاوضات غير المباشرة بتوجيه من القيادة».

وأضاف: «تخصيب اليورانيوم قد يكون تقنية لصنع القنبلة الذرية أيضاً، لكننا نعارض السلاح؛ لأن تعاليمنا الدينية تحظر استخدام أسلحة الدمار الشامل».

ورأى أن «ترمب يقدم نفسه كمجنون ليخيف الشعوب والحكومات، لكن الشعب الإيراني سيجعله أكثر جنوناً؛ لأنه لا يوجد في قاموس شعبنا الخوف من العدو».

صحيفة «وطن أمروز» تحت عنوان «سجين الوهم» وصفت تقرير شبكة «سي إن إن» عن هجوم إسرائيلي محتمل على إيران بـ«الحملة النفسية السخيفة التي كشفت فراغ يد ترمب»

من جانبه، قال الرئيس الإصلاحي السابق، محمد خاتمي، إن «المفاوضات والتواصل لا يعنيان الاستسلام للعدو، بل هي إجراء لتحقيق الإمكانيات لصالح الخير الوطني».

وأضاف خاتمي، في بيان للمؤتمر العام لحزبه، أنه «ليس من الصحيح أن يكون الصوت العالي لمن يعتبرون العقوبات نعمة... يجب أن نرى ما إذا كانت سياساتنا تستند إلى المصلحة العامة وخير البلاد».

على نقيض ذلك، تساءلت صحيفة «كيهان»، المقربة من مكتب المرشد الإيراني: «ألم يحن الوقت لوقف المفاوضات مع أميركا؟»، وقالت: «يجب أن تحل سياسة (المقاومة النشطة) محل هذه العملية المرهقة والمحفوفة بالمخاطر للتفاوض مع ذئب يبتسم بينما يبرز مخالبه».

وقالت: «التجربة أثبتت أن الأميركيين لا يفهمون سوى لغة القوة، وفي كل مرة تراجعت أمام الشعب الإيراني، لم يكن ذلك في ساحة المفاوضات، بل في مواجهة صمود الشعب وتقدمنا الداخلي. واليوم، نفس الوصفة هي الحل للتقدم».

بدورها، وصفت صحيفة «وطن أمروز» الرئيس الأميركي بـ«سجين الوهم»، وقللت على صفحتها الأولى من أهمية تقرير شبكة «سي إن إن» بشأن هجوم إسرائيلي محتمل على إيران، ووصفته «الحملة النفسية السخيفة التي كشفت فراغ يد ترمب». وقالت إن الإدارة الأميركية «ترتكب أخطاء في الحسابات بشأن البرنامج النووي الإيراني».

«خطة بديلة»

ونقلت «رويترز» عن مصادر إيرانية، الثلاثاء، أن القيادة الإيرانية تفتقر إلى خطة بديلة واضحة لتطبيقها في حال انهيار الجهود الرامية إلى حل الخلاف النووي المستمر منذ عقود، وذلك في ظل تعثر المحادثات بين واشنطن وطهران جراء التوتر المتصاعد بين الطرفين بشأن تخصيب اليورانيوم. وأضافت المصادر أن إيران ربما تلجأ إلى الصين وروسيا «كخطة بديلة» إذا استمر هذا التعثر. لكن في ظل الحرب التجارية بين بكين وواشنطن وانشغال موسكو بحربها في أوكرانيا، تبدو خطة طهران البديلة هشة.

وقال مسؤول إيراني كبير: «الخطة البديلة هي مواصلة الاستراتيجية قبل بدء المحادثات. ستتجنب إيران تصعيد التوتر، وهي مستعدة للدفاع عن نفسها... تتضمن الاستراتيجية أيضا تعزيز العلاقات مع حلفاء مثل روسيا والصين».

وقال اثنان من المسؤولين الإيرانيين ودبلوماسي أوروبي إن طهران ترفض شحن كل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، أو الدخول في مناقشات حول برنامجها للصواريخ الباليستية.

ويحذر محللون من أن دعم الصين وروسيا له حدود؛ فالصين تصر على تخفيضات كبيرة للنفط الإيراني، وربما تضغط من أجل تخفيض الأسعار مع ضعف الطلب العالمي على الخام. وفي حال انهيار المحادثات، وهو سيناريو تأمل كل من طهران وواشنطن تجنبه، فلن تستطيع بكين أو موسكو حماية إيران من عقوبات أميركية وأوروبية أحادية الجانب.

وحذرت فرنسا وبريطانيا وألمانيا، على الرغم من عدم مشاركتها في المحادثات الأميركية - الإيرانية، من أنها ستعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق على وجه السرعة. وبموجب قرار الأمم المتحدة الخاص بالاتفاق النووي لعام 2015، فإن الدول الأوروبية الثلاث لديها مهلة حتى 18 أكتوبر (تشرين الأول) لتفعيل ما يسمى «آلية إعادة فرض العقوبات».

ويحذر دبلوماسيون من أن التوصل إلى اتفاق قبل ذلك التاريخ يعني، في أفضل الأحوال، إطاراً سياسياً أولياً، كما في عام 2013، حيث يقدم الجانبان تنازلات ملموسة فورية، مما يتيح وقتاً لمفاوضات أكثر تفصيلاً.

وقال مسؤول أوروبي كبير: «ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأمر سيستغرق وقتاً أقل من الثمانية عشر شهراً التي استغرقتها المفاوضات في عام 2013، وخصوصاً أن المعايير والوضع الجيوسياسي صارا أشد تعقيداً في الوقت الحالي».


مقالات ذات صلة

إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

شؤون إقليمية طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)

إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

بعد 34 يوماً من الحرب، جاء إسقاط الطائرتين الأميركيتين ليكسر السردية التي روّجت لها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أن إيران فقدت القدرة على الإيذاء، وأن…

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة قاسم سليماني تظهر خلال مسيرة لتقديم التعازي في وفاته بالعاصمة الإيرانية طهران (أرشيفية - رويترز)

أميركا توقف قريبتين لقائد «فيلق القدس» السابق قاسم سليماني

أعلنت «الخارجية الأميركية»، السبت، توقيف قريبتين للقائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني، الذي قُتل بغارة أميركية بالعراق عام 2020.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تستعد طائرات مقاتِلة تابعة للبحرية الأميركية لطلعات قتالية خلال عملية في إيران الأربعاء (سنتكوم)

تحطم طائرتين أميركيتين يفتح مرحلة جديدة من الحرب

تحطمت طائرة مقاتِلة أميركية فوق الأراضي الإيرانية، الجمعة، في أول واقعة معلَنة من هذا النوع منذ بدء الحرب في 28 فبراير

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
تحليل إخباري هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

تحليل إخباري مجلس الأمن يصوّت على مشروع قرار «هرمز» وسط تباينات كبيرة

تتجه الأنظار مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي، حيث يُنتظَر أن يتم التصويت يوم السبت، على مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بشأن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج جاسم البديوي خلال تقديمه إحاطة رفيعة المستوى بمجلس الأمن الدولي في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

رفض خليجي لرهن استقرار المنطقة للفوضى

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن دول المجلس لا تقبل التفريط في أمنها والمساس بسيادة أراضيها، أو أن يكون استقرار منطقتها رهينة للفوضى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إسرائيل تستعد لأسبوعين من التصعيد في إيران

قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
TT

إسرائيل تستعد لأسبوعين من التصعيد في إيران

قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تتفقد الأضرار التي لحقت بمبنى أصيب بصاروخ إيراني في بيتح تكفا يوم 4 أبريل (أ.ب)

تستعد إسرائيل لأسبوعين آخرين من القتال في إيران، حيث قررت استهداف البنى التحتية والاقتصادية فيما تبقى من الحرب في مراحلها النهائية، مع مواصلة استهداف الصناعات الدفاعية الإيرانية. وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لتلفزيون «كان» إن الاقتصاد الإيراني سيكون الهدف التالي في الحملة.

وأفاد مسؤولون أمنيون القناة بأن إسرائيل أعدّت قائمة أهداف لضربها في الأسابيع المقبلة، ومن المتوقع أن يؤثر ذلك بشكل غير مباشر في الشعب الإيراني. وتشمل هذه الأهداف، بحسب المصادر، «البنية التحتية الوطنية والجسور، بالإضافة إلى أهدافٍ لم تتعرض لهجماتٍ كثيرة حتى الآن، مثل منشآت الطاقة والنفط».

وقالت «كان» إن المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون أن الحرب قد تطول أيضاً أكثر من أسبوعين. وتمديد الحرب لأسبوعين إضافيين أصلاً يعني أنها ستستمر مدة أطول من المدة المخطط لها أصلاً.

وكانت المدة الأصلية قد تحددت بأربعة أسابيع إلى ستة أسابيع؛ ما يعني أن الحرب التي دخلت الآن أسبوعها السادس، يفترض أن تكون على وشك نهايتها.

وفيما يُعرف في إسرائيل بحرب البنى التحتية، كما وصفتها القناة «12» الإسرائيلية، أكدت مصادر مطلعة لموقع «آي 24 نيوز» أن الجيش يستعد لتصعيد كبير سيشعر به كل الشرق الأوسط، مع تلاشي التوقعات بنهاية سريعة للحرب.

وأكدت المصادر أنه عقب اجتماع حاسم بين كبار قادة الجيش الإسرائيلي والأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، تمت الموافقة على خطط عملياتية لمواصلة القتال لمدة 3 أسابيع على الأقل، والهدف التالي للهجمات هو النظام الاقتصادي والبنوك.

المرحلة التالية

الجسر الذي دمرته غارة جوية أميركية في موقع جنوب غربي طهران (أ.ف.ب)

وتمثل المرحلة التالية من الحملة تحولاً استراتيجياً في اختيار الأهداف، وانتقالاً إلى التركيز على «خنق» إيران اقتصادياً، بحسب القناة.

وإلى جانب مواصلة مهاجمة المنشآت العسكرية، تخطط إسرائيل والولايات المتحدة لشنّ هجوم دقيق على القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك استهداف المؤسسات المالية والبنوك، والبنية التحتية للطاقة، والمنشآت البتروكيماوية التي تُشكل «أنبوب الأكسجين» الرئيسي للنظام.

وبحسب الخطة، ستعمل الولايات المتحدة في المناطق المحددة ضمن مسؤوليتها، بينما سيعمّق الجيش الإسرائيلي أنشطته ضد البنية التحتية الأساسية في مختلف الدوائر.

وأُخذت هذه القرارات في ظل اقتراب انتهاء مهلة الإنذار التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والمتوقع أن تنتهي خلال يومين، بحسب تحذيره الجديد، متوعداً بالجحيم إذا لم تُبرم إيران الاتفاق.

ويقول الوسطاء إنهم يسيرون في مسار صحيح من أجل إبرام اتفاق، لكن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أقرت بوجود أوجه تشابه مع سلوك سابق، حيث جرى تعزيز خطط سياسية بالتوازي مع الاستعدادات لتصعيد خطير.

وبينما ينتظر ترمب لمعرفة ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق أو اتخاذ إجراء عسكري كبير، فإن الوجود المكثف للقوات الأميركية في المنطقة يشير إلى استعداد لتصعيد الإجراءات.

وقالت «كان» إن قائمة الأهداف الواسعة التي أعدّتها إسرائيل والولايات المتحدة لم تحظَ بموافقة الرئيس ترمب، الذي لم يتخلَّ بعد عن المفاوضات مع إيران، لكنه أمر بالهجوم على الجسر كي يعطي إشارة للنظام الإيراني بشأن جدية نوايا الولايات المتحدة في المستقبل.

ضربات مفاجئة

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل (أ.ف.ب)

وتستعد إسرائيل لتصعيد كبير على الرغم من أنها تلقت المزيد من الضربات المفاجئة. واستهدفت إيران وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب، واعترفت إسرائيل لاحقاً بأن قنبلتين عنقوديتين سقطتا قرب مقر وزارة الدفاع، وأحدثتا أضراراً كبيرة في مدرسة وموقف سيارات. وأطلقت إيران عدة دفعات من الصواريخ الباليستية على إسرائيل، يوم السبت؛ ما تسبب في أضرار جسيمة للمنازل وإصابة 6 أشخاص بجروح.

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن القنابل العنقودية أصابت 9 مواقع، ودمّرت مباني بشكل جزئي، وخلَّفت أضراراً كبيرة وهائلة، وصدمةً وذعراً لدى الإسرائيليين. كما شوهدت مبانٍ منهارة بشكل جزئي ودمار ومركبات مشتعلة.

ومع مواصلة الحرب، تراجعت نسبة الإسرائيليين الذين يؤيدون استمرارها، واستغلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية القيود على التجمعات العامة لأسباب أمنية، وأبلغت المحكمة العليا، يوم السبت، أنها ستسمح بمظاهرات تضم ما يصل إلى 150 مشاركاً في تل أبيب، مقارنةً بـ50 شخصاً في بقية المناطق فقط.

ووفقاً للسلطات العسكرية، تستند هذه القيود إلى تقييمات ميدانية. وتم إبلاغ هذا القرار على وجه السرعة، قبل ساعات فقط من مظاهرة مناهضة للحرب، وذلك في إطار دعوى قضائية رفعتها جمعية حقوقية في إسرائيل طعنت في القيود المفروضة على التجمعات خلال النزاع.

وطلبت الجمعية عقد جلسة استماع عاجلة أمام المحكمة للنظر في تأثير هذه الإجراءات على حرية التجمع، وردّت السلطات أن هذه الإجراءات جزء من إطار أمني استثنائي يهدف إلى حماية السكان المدنيين. والأسبوع الماضي، فضّت الشرطة بعنف مظاهرات ضد الحرب بدعوى عدم امتثالها لتوجيهات قيادة الجبهة الداخلية.

وتساءل رئيس المحكمة العليا، يتسحاق أميت، عن سبب حظر الاحتجاجات، وقال خلال جلسة الاستماع: «دعونا نفهم ما يعنيه عدم تنظيم مظاهرات وقت الحرب (..) هناك مئات الأشخاص في محلات عالم الموضة».

وتراقب إسرائيل من كثب نتائج عملية إنقاذ الطيار الأميركي المفقود، إذ سيكون لها تأثير مباشر على حرية تحرك القوات الجوية، كما قالت «القناة 14»، التي أكدت أن الحادث يثير تساؤلات جدية حول القدرات العملياتية التي طورها الإيرانيون، «على الأرجح بمساعدة تكنولوجية روسية أو صينية»، لكشف واعتراض طائرات الجيل الخامس.

وحذّر خبراء عسكريون من أنه إذا تمكنت إيران من الحصول على حطام الطائرة وأجهزة حاسوبها، فسيكون ذلك كارثة استخباراتية ستكشف أسراراً خفية للولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل.


روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تباشر إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

بدأت روسيا، السبت، إجلاء 198 عاملاً من محطة بوشهر النووية في إيران، التي أُصيب محيطها بضربة أميركية-إسرائيلية جديدة في وقت سابق، أدانتها موسكو بشدة.

ونقلت وكالة «تاس» عن المدير العام لوكالة «روساتوم» النووية، أليكسي ليخاتشيف، قوله إنّ «موجة الإجلاء الرئيسية لموظفي (روساتوم) من إيران بدأت اليوم كما هو مخطط لها».

وأضاف أنّ حافلات تقل «198 شخصاً» غادرت نحو الحدود الأرمينية «بعد نحو 20 دقيقة» من الضربة الجديدة التي استهدفت محيط محطة الطاقة النووية.

وقال إن هذه «أكبر عملية إجلاء» لموظفين روس من المحطة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط.

وأسفرت ضربة أميركية-إسرائيلية جديدة على محيط محطة بوشهر النووية في جنوب غربي إيران عن مقتل أحد عناصر الحماية السبت، حسبما أفادت وسائل إعلام رسمية في إيران.

صورة ملتقطة من قمر «بلانيت لابس بي بي سي» تظهر محطة بوشهر في جنوب إيران (أرشيفية - أ.ب)

وشاركت روسيا في بناء المحطة، ويساعد فنيون روس في تشغيلها.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في بيان: «ندين بشدة هذا العمل الشرير الذي أسفر عن مقتل شخص»، لافتة إلى أن «الضربات على المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها محطة (بوشهر) للطاقة النووية، يجب أن تتوقف فوراً».

وهذه المرة الرابعة التي تُستهدف فيها هذه المنطقة الواقعة على سواحل الخليج منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط)، حسبما أفادت وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء.

وقال ليخاتشيف لصحافيين روس: «للأسف، يتزايد احتمال وقوع أضرار أو حادث نووي يومياً، كما أظهرت أحداث هذا الصباح».

وسبق أن أُجلي عشرات الموظفين الروس من المحطة في الأيام الأولى للحرب.

وكان 163 موظفاً آخرين قد غادروا الموقع في 25 مارس (آذار) بعدما استهدفته ضربة، واستبعد ليخاتشيف، حينها، إمكان إجلاء جميع موظفي «روساتوم»، مؤكداً أنه سيتعين على «عشرات الأشخاص» البقاء في الموقع.


إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
TT

إسقاط الطائرتين الأميركيتين يبدد سردية «الحسم السريع»

طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)
طائرة أميركية ترافقها طائرات هليكوبتر متخصصة في عمليات إنقاذ الطيارين في ميادين القتال خلال البحث عن الطيار الأميركي المفقود (أ.ف.ب)

بعد 34 يوماً من الحرب، جاء إسقاط الطائرتين الأميركيتين ليكسر السردية التي روّجت لها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أن إيران فقدت القدرة على الإيذاء، وأن الحملة الجوية تسير نحو «خط النهاية».

فالحادثة لم تكن مجرد خسارة ميدانية، بل ضربة سياسية ونفسية في توقيت بالغ الحساسية، قبل يومين فقط من انتهاء مهلة 6 أبريل (نيسان) التي لوّح ترمب بعدها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري».

الأهم أن التطور تزامن مع تقارير استخبارية أميركية تفيد بأن طهران تعيد فتح المخابئ والصوامع المقصوفة خلال ساعات، ومع استمرار قبضتها على مضيق هرمز بوصفه ورقة الضغط الأكثر فاعلية لديها. هكذا، بدا أن الحرب دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال فقط كم هدفاً دُمّر داخل إيران، بل هل استطاعت واشنطن فعلاً حرمان طهران من القدرة على الصمود، أم أنها ألحقت بها أضراراً جسيمة من دون أن تنتزع منها أوراق الردع الأخيرة؟

فجوة الخطاب والميدان

أبرز ما كشفه إسقاط الطائرتين هو الفجوة بين الخطاب الأميركي والواقع الميداني. فواشنطن تحدثت خلال الأيام الماضية عن تراجع الهجمات الإيرانية بنسبة حادة، وعن «هيمنة جوية ساحقة». لكن وكالة «أسوشييتد برس» أشارت إلى أن إسقاط مقاتلة أميركية، وهبوط أخرى اضطرارياً بعد إصابتها، مع استمرار البحث عن أحد أفراد الطاقم، أظهر أن إيران ما زالت تملك قدرة كافية لإرباك العمليات، وفرض تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة.

هذا لا يعني أن الدفاعات الإيرانية استعادت توازنها السابق، لكنه يعني أن تدميرها لم يكن كاملاً، وأن ما تبقى منها، أو ما استُحدث من وسائل متنقلة ومنخفضة البصمة، يكفي لكسر صورة الحرب المعقمة التي حاولت واشنطن تسويقها.

إيران والبقاء المرن

الجسر الذي دمرته غارة جوية أميركية في موقع جنوب غربي طهران (أ.ف.ب)

سياسياً، يرى مراقبون أن خطورة الحادثة تكمن في أنها تمنح طهران إنجازاً رمزياً كبيراً؛ فهي لا تغيّر ميزان القوى العام، لكنها تثبت أن إيران لم تتحول إلى ساحة مفتوحة بلا أنياب، وأن أي حديث أميركي عن الحسم السريع كان سابقاً لأوانه.

التحليلات الأميركية الأخيرة توحي بأن المسألة الأهم لم تعد في عدد البطاريات أو المنظومات التي بقيت لدى إيران، بل في قدرتها على اعتماد نمط «البقاء المرن». وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن تقارير الاستخبارات تحدثت بوضوح عن إزالة الأنقاض سريعاً من فوق المخابئ والصوامع المقصوفة، وإعادتها إلى العمل بعد ساعات.

كما أشارت إلى أن طهران ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من الصواريخ والقاذفات المتحركة. هذا يعني أن انخفاض وتيرة الإطلاقات الإيرانية لا يثبت بالضرورة انهيار القدرة، بل قد يعكس قراراً واعياً بترشيد الاستخدام، والحفاظ على ما تبقى لأطول وقت ممكن.

كما أن كثافة الأهداف الوهمية والتمويه تجعل تقدير ما دُمّر فعلاً أكثر صعوبة، وهو ما يفسر تزايد الشكوك داخل واشنطن بشأن مدى اقترابها من القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية.

ترمب وتناقضات النهاية

المعضلة الأكثر وضوحاً الآن هي أن ترمب رفع سقف التهديد إلى مستوى يصعب التراجع عنه من دون ثمن سياسي، وفق محللين غربيين. ففي الأيام الأخيرة، أطلق رسائل متناقضة: مرة يقول إن الدول الأوروبية والآسيوية هي التي يفترض أن تعيد فتح هرمز لأنها الأكثر اعتماداً على نفطه، ومرة يتحدث عن أن الولايات المتحدة تستطيع «بسهولة» السيطرة على المضيق و«تحقيق ثروة» من النفط. وفي الوقت نفسه، استمر فريقه في التأكيد أن إيران تتراجع وأن نهاية الحرب باتت مرئية.

لكن إسقاط الطائرتين أربك هذه المعادلة؛ لأن الرئيس الأميركي بات أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما التصعيد لإثبات أن الضربة الإيرانية لن تغيّر مسار الحرب، وإما ترك باب التسوية مفتوحاً، بما قد يظهره كمن خفف شروطه تحت النار، بحسب «رويترز».

وتوقعت أن تزداد في الساعات المقبلة اللغة الأميركية تشدداً، ليس فقط للضغط على طهران، بل أيضاً لاستيعاب التداعيات على الداخل الأميركي، حيث لا تحظى الحرب أصلاً بإجماع واسع، بينما ترتفع حساسية الرأي العام تجاه القتلى والخسائر وارتفاع أسعار الوقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

«هرمز» مركز الثقل

إذا كان البرنامج النووي هو عنوان الحرب المعلن، فإن مضيق هرمز صار عنوانها العملي. وأشارت «رويترز»، يوم السبت، إلى أن إيران تستخدم المضيق ورقة ابتزاز رئيسية، وسمحت بعبور بعض السفن المرتبطة بدول أو شحنات لا تعدّها معادية، بينما يبقى المرور خاضعاً لشروط إيرانية مباشرة أو غير مباشرة.

وبهذا المعنى، لم تعد طهران تراهن فقط على ما تبقى من صواريخها، بل على قدرتها على إبقاء جزء أساسي من الاقتصاد العالمي في حالة قلق دائم.

فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمنح إيران ما عجز برنامجها النووي عن منحه: نفوذاً فورياً ومستمراً على الأسواق وعلى حسابات خصومها الإقليميين والدوليين؛ ولهذا يرى كثير من المراقبين أن نتيجة الحرب لن تحددها الغارات الجوية وحدها، بل ما إذا كانت إيران ستخرج منها وهي لا تزال ممسكة بمفتاح هرمز. فإن حدث ذلك، فستكون قد خسرت عسكرياً على الأرض، لكنها احتفظت بورقة جيوسياسية قادرة على تعويض جزء من تلك الخسائر.

يزيد المشهد تعقيداً أن حلفاء واشنطن لا يبدون استعداداً حقيقياً لمجاراة ترمب في أي مغامرة عسكرية واسعة لفتح المضيق بالقوة. الأوروبيون، خصوصاً فرنسا، بعثوا بإشارات واضحة إلى أن الخيار العسكري في هرمز «غير واقعي»، وأن إعادة الملاحة الحرة تمر بتفاهمات أوسع لا بتوسيع الحرب.

وحتى القوى الآسيوية المستفيدة مباشرة من فتح المضيق تبدو حذرة من الانخراط في مواجهة قد تفجر أسعار الطاقة أكثر، وتدفع الإقليم إلى مرحلة أشد فوضى. ويرى محللون أن هذا التردد يترك الولايات المتحدة شبه وحيدة أمام معضلة ثقيلة: فإذا أرادت فتح هرمز بالقوة، فقد تحتاج إلى عملية عسكرية أوسع وأكثر تكلفة، مع أخطار بشرية وسياسية متزايدة بعد إسقاط الطائرتين. وإذا أحجمت، فإنها تترك لإيران أهم ورقة ابتزاز في الحرب.

تصعيد غير مضمون

بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة أبقار في مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

ورجحت وكالة «أسوشييتد برس» قبل انتهاء مهلة 6 أبريل، أن يواصل ترمب رفع السقف، وأن تكثف إدارته الضغط العسكري والسياسي لإظهار أن إسقاط الطائرتين لن يبدل اتجاه الحرب.

وأوضحت الوكالة أنه على الأرجح أن هذا التصعيد لن يحل المعضلة الأساسية: الولايات المتحدة تستطيع زيادة التدمير، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على فرض نهاية سياسية واضحة؛ فإيران، رغم إنهاكها، ما زالت تقاتل من تحت الأنقاض، وتحتفظ بقدرة على الضرب، وبمرونة في استعادة بعض قدراتها، وبورقة هرمز التي تمنحها نفوذاً يتجاوز وزنها العسكري الراهن.

لذلك، فإن ما كشفته الأيام الأخيرة هو أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة لا يكفي فيها التفوق الجوي لإعلان النصر، ولا يكفي فيها الصمود الإيراني لادعاء الانتصار، بل تُقاس النتائج بقدرة كل طرف على فرض شكل النهاية التي قيل إنها تقترب.