«فصح الفلسطينيين»... آلام لا تنتهي وآمال بالانتصار

صلوات في كنائس القدس والضفة وغزة... ولا احتفالات

بطريرك القدس بييرباتيستا بيتسابالا يقود قداس عيد الفصح في كنيسة القيامة بالبلدة القديمة الأحد (رويترز)
بطريرك القدس بييرباتيستا بيتسابالا يقود قداس عيد الفصح في كنيسة القيامة بالبلدة القديمة الأحد (رويترز)
TT

«فصح الفلسطينيين»... آلام لا تنتهي وآمال بالانتصار

بطريرك القدس بييرباتيستا بيتسابالا يقود قداس عيد الفصح في كنيسة القيامة بالبلدة القديمة الأحد (رويترز)
بطريرك القدس بييرباتيستا بيتسابالا يقود قداس عيد الفصح في كنيسة القيامة بالبلدة القديمة الأحد (رويترز)

بلا احتفالات، أحيا المسيحيون في الأراضي الفلسطينية عيد الفصح الذي يمثل بالنسبة لهم ولكثير من الفلسطينيين بارقة أمل بانتصار النور على الظلام، مع إيغال إسرائيل في دمهم المسفوح، في حرب طغت فيها مظاهر الألم والدمار على ما سواها.

وللعام الثاني على التوالي أمضى المسيحيون في فلسطين أسبوع العيد الذي يبدأ بـ«أحد الشعانين»، ثم «خميس الأسرار» و«الجمعة العظيمة»، ثم «سبت النور»، قبل عيد الفصح يوم الأحد، في أجواء قاتمة، لم تدق فيها طبول الكشافة، ولم تخرج مسيرات النور البهيجة، ولم تتزين الشوارع بالأنوار، واقتصر الأمر على شعائر ومعزوفات دينية بالكنائس، وكثير من الأمل بانتهاء الحرب واستعادة البهجة المفقودة في المنازل والشوارع.

وقال أنطون سلمان، عمدة مدينة بيت لحم التي تضم كنيسة المهد، أقدس الكنائس عند المسيحيين، إنه «عيد مختلف».

وأضاف للصحافيين في بيت لحم: «احتفالنا هذا العام يختلف كلياً عن الأعوام السابقة. قلوبنا حزينة ومتضامنة مع أهلنا في غزة، ولذلك قررنا ألا يغيب نزيف الدم الفلسطيني عن المشهد، وبقيت احتفالاتنا داخل الكنائس في دائرة ضيقة».

وتابع: «اقتصار العيد على الشعائر الدينية رسالة للجميع بأننا شعب واحد».

«السلام والعدل»

قررت الكنائس في الأراضي الفلسطينية أن تقتصر احتفالات العيد على الشعائر الدينية فقط، وهو قرار اتخذته للعام الثاني على التوالي بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي سقط فيها أكثر من 51 ألف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء.

كما سقط مسيحيون وتهدمت كنائس عندما فتحت إسرائيل حرباً أخرى على المخيمات في شمال الضفة الغربية.

ومع احتفال المسيحيين بعيد الفصح، أحالت إسرائيل القدس إلى ثكنة عسكرية، ومنعت الأغلبية من الوصول إلى المدينة، باستثناء 6000 مسيحي مُنحوا تصاريح لدخول المدينة المقدسة، وهو عدد متواضع.

ويشكل المسيحيون أقلية صغيرة، إذ يقدر عددهم بنحو 180 ألفاً في إسرائيل، و50 ألفاً في القدس الشرقية والضفة الغربية، ونحو ألف في قطاع غزة، وهي أرقام تخشى القيادات المسيحية أن تتقلص أكثر مع استمرار التوتر في المنطقة.

وأعرب بطريرك القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، في قداس عيد الفصح بكنيسة القيامة في البلدة القديمة بالقدس، عن القلق إزاء احتمال تدهور الوضع السياسي وتفاقم الكارثة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، وصلَّى من أجل السلام والعدل.

وعمَّت الصلاة للسلام والعدل جميع كنائس القدس والضفة وغزة. وقال عمدة بيت لحم إن المسيحيين صلُّوا وكلُّهم أمل بالانتصار. وأضاف: «صلواتنا ودعاؤنا كانت لله بأن يمنحنا السلام الدائم والعادل الذي نصبو إليه».

صلوات غزة

وأقيمت مثل هذه الصلوات في قطاع غزة، الذي يرزح تحت وطأة حرب طاحنة.

وصلَّى عشرات المسيحيين في «كنيسة القديس بيرفريوس» للروم الأرثوذكس بمدينة غزة، من أجل انتهاء الحرب وعودة السلام.

وبثّت الكنيسة، التي لم تسلم من القصف الإسرائيلي خلال الحرب المتواصلة، عبر صفحتها على «فيسبوك» تسجيلاً مصوراً مباشراً للصلوات التي خلت من أي مظاهر فرح.

وجاءت الصلوات من أجل السلام على وقع اعتداءات إسرائيلية مباشرة على المحتفلين في كنيسة القيامة بالقدس، يوم السبت.

مصلون ورجال دين مسيحيون يشاركون في قداس عيد الفصح بكنيسة القيامة في البلدة القديمة بالقدس يوم الأحد (أ.ب)

وتحتضن كنيسة القيامة عادة جميع الاحتفالات بعيد الفصح، لكن التضييق الإسرائيلي أخذ يزداد عاماً بعد عام، قبل أن يتحول العيد بمرور الوقت إلى مناسبة للمواجهة.

ومثل العام الذي سبقه، قيَّدت إسرائيل وصول آلاف المسيحيين إلى كنيسة القيامة للاحتفال بـ«سبت النور»، ما فجَّر توترات انتهت بدفع وضرب واعتداءات ومناوشات عند حواجز الشرطة في محيط الكنيسة الذي بات أشبه بالثكنة العسكرية، إذ نصبت إسرائيل الحواجز، وأغلقت الأبواب المؤدية للكنيسة، وحددت مسارات للمحتفلين من أجل تقييد أعدادهم.

وأظهرت لقطات فيديو مناوشات واعتداءات من الشرطة الإسرائيلية على المسيحيين ومنعهم من الوصول إلى الكنيسة، في مشهد متكرر. وطالت الاعتداءات رجال دين وأفراد كشافة ومحتفلين.

كما منعت إسرائيل القاصد الرسولي في القدس، ممثل الفاتيكان لدى دولة فلسطين، المطران أدولفو تيتو إيلانا، من الوصول إلى الكنيسة، وشوهد واقفاً خلف أحد الحواجز.

وقال الصحافي والناشط المقدسي، رافي غطاس، في تسجيل مصور من ساحة كنيسة القيامة، إن عدد عناصر الشرطة الإسرائيلية الذين انتشروا في ساحة ومحيط الكنيسة يفوق عدد المصلين. وأظهر التصوير اعتداءات على المصلين.

استفزازات وإدانات

وأدانت الخارجية الفلسطينية الإجراءات التعسفية والاعتداءات والتقييدات التي يمارسها الجنود الإسرائيليون والمستوطنون على المسيحيين طيلة فترة عيد الفصح، واعتبرت أنها تندرج في إطار استهداف القدس ومقدساتها المسيحية والإسلامية، وتمثل انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة وحرية الوصول للمقدسات «وامتداداً لجرائم الإبادة والتهجير».

طقوس وصلوات خلال قداس عيد الفصح بكنيسة القيامة في البلدة القديمة بالقدس يوم الأحد (أ.ب)

وقالت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين إن السياسات والممارسات الإسرائيلية خلال عيد الفصح تمثل «استهدافاً مباشراً للوجود المسيحي في المدينة المقدسة، ومحاولة ممنهجة لفرض واقع سياسي وأمني جديد يعكس سياسة الاحتلال الهادفة إلى تهويد المدينة وتقويض التعددية الدينية والثقافية التي لطالما ميّزت القدس».

ومثل غيرهم من الفلسطينيين، يشكو المسيحيون من أن الحكومة الحالية في إسرائيل جعلت حياتهم أسوأ.

وفي السنوات السابقة، زاد الغضب المسيحي على الحكومة الإسرائيلية، واضطر الفاتيكان وعدد من الدول لإجراء اتصالات معها لحثها على التصدي بحزم لزيادة الاعتداءات على رجال الدين والكنائس.

وفي أثناء جولة للكاردينال بيير باتيستا بيتسابالا في ساحة باب الخليل في القدس، يوم الأحد، أشار إليه متطرفون يهود بحركات غير لائقة. وحدث سابقاً أن أتى متطرفون بتصرفات مسيئة، منها البصق على مسيحيين وعلى كنائس في البلدة القديمة.


مقالات ذات صلة

إدانة عربية - إسلامية لاستمرار إسرائيل في إغلاق «الأقصى»

الخليج طالَب الوزراء إسرائيل بالتوقّف عن إغلاق أبواب المسجد فوراً (أ.ف.ب)

إدانة عربية - إسلامية لاستمرار إسرائيل في إغلاق «الأقصى»

أدان وزراء خارجية السعودية والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا، في بيان مشترك، استمرار إسرائيل في إغلاق أبواب المسجد الأقصى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية صورة لمجمع الأقصى في القدس يوم 28 فبراير 2026 (رويترز)

إسرائيل تغلق الأماكن المقدسة في القدس نهاية الأسبوع لأسباب أمنية

أعلن متحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، الخميس، أن الأماكن المقدسة في القدس سيتم إغلاقها في نهاية هذا الأسبوع لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية يلجأ الناس إلى موقف سيارات تحت الأرض بينما تدوي صفارات الإنذار من الغارات الجوية محذرةً من هجمات صاروخية إيرانية وشيكة في تل أبيب (أ.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي: سقوط صاروخ إيراني في وسط إسرائيل

 ​أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، وقوع ‌ضربات ​صاروخية ‌إيرانية ⁠في ​وسط إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

حرب إيران تستحضر المجاعة في غزة... وتُغري المستوطنين بالضفة

انعكست أجواء حرب إيران على الضفة وغزة؛ إذ يخشى مواطنون في القطاع من عودة شبح المجاعة، بينما أغرت المعارك المستوطنين في الضفة ومدينة القدس بتكثيف هجماتهم.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
TT

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يفتح المجال أمام الشعب الإيراني للاحتجاج.

وأشاد هرتسوغ، الثلاثاء، بعملية قتل لاريجاني ووصفها بأنها «خطوة مهمة للغاية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال في وقت سابق، إن لاريجاني قُتل في غارة جوية إسرائيلية في طهران.

وأعلنت إسرائيل في عدة مناسبات أن هدفها هو تغيير السلطة في طهران ودعت الشعب الإيراني إلى الإطاحة بقيادته السياسية.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائد وحدات الباسيج الإيرانية غلام رضا سليماني.

وقال هرتسوغ إن لاريجاني وسليماني نشرا الكراهية والإرهاب. وأشار أيضاً إلى اختطاف جنديين إسرائيليين عام 2006، ما أدى إلى اندلاع حرب في لبنان.

وأوضح هرتسوغ أن لاريجاني أعطى موافقته لجماعة «حزب الله» اللبنانية. وأضاف: «آمل بصدق أن يفتح هذا الصراع آفاقاً جديدة للشرق الأوسط. وآمل أن يفيد هذا أيضاً العالم وأوروبا».


غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
TT

غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)

لم يكن غلام رضا سليماني من الشخصيات التي اعتادت الظهور في واجهة المشهد السياسي الإيراني، لكن نفوذه داخل منظومة الأمن الداخلي كان واسعاً. فقد تولى قيادة قوات «الباسيج»، الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» التي تشكل إحدى أهم أدوات الضبط الاجتماعي والأمني في إيران، رغم أن كثيراً من تفاصيل حياته ومسيرته ظل بعيداً عن الضوء.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، أن قائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قُتل في هجمات أميركية - إسرائيلية. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق من اليوم مقتل سليماني في ضربة استهدفته في طهران.

ولا تربط سليماني أي صلة قرابة بالجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الذي قُتل في ضربة أميركية عام 2020. لكن الرجلين تقاطعا في نقطة واحدة: فكلاهما كان جزءاً من شبكة النفوذ العسكري والأمني التي تعتمد عليها الدولة في إدارة صراعاتها، داخلياً وخارجياً.

وُلد غلام رضا سليماني في منتصف ستينات القرن الماضي في مدينة فارسان بمحافظة چهارمحال وبختياري في غرب إيران. ودخل الحياة العسكرية مبكراً حين انضم متطوعاً إلى قوات «الباسيج» عام 1984 خلال الحرب الإيرانية - العراقية. وفي تلك المرحلة اكتسبت هذه القوة سمعتها القتالية عبر تكتيك «الموجات البشرية» الذي استخدمه المتطوعون الإيرانيون لاختراق المواقع العراقية المحصنة.

تدرج سليماني في صفوف «الباسيج» على مدى عقود، مستفيداً من طبيعة هذه المؤسسة التي تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الاجتماعي والديني. وفي عام 2019 عُيّن قائداً عاماً لهذه القوة، ليصبح مسؤولاً عن شبكة واسعة تضم مئات الآلاف من الأعضاء والمتطوعين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.

ولا تقتصر «الباسيج» على دور عسكري تقليدي. فهي بنية متعددة الوظائف داخل النظام الإيراني، تضم وحدات ذات طابع قتالي، وقوات مكافحة شغب، وشبكات مراقبة اجتماعية. وتعمل هذه القوة في الأحياء والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتدير في كثير من الأحيان شبكة واسعة من المخبرين الذين يقدمون معلومات عن النشاط السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإيراني.

وخلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، كانت «الباسيج» في الخط الأمامي لعمليات القمع. وغالباً ما يظهر عناصرها بملابس مدنية وهم يهاجمون المتظاهرين ويعتقلونهم أو يقتادونهم بعيداً عن الشوارع. وقد جعل هذا الدور من القوة، ومن قائدها، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية للنظام.

وبسبب هذا الدور، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عقوبات على غلام رضا سليماني منذ عام 2021، على خلفية تورطه في قمع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، كما اتهمت وزارة الخزانة الأميركية قوات «الباسيج» بالمسؤولية عن مقتل «مئات الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين» خلال حملة القمع التي رافقت احتجاجات عام 2019.

وتكرر المشهد في موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية. وقد قُتل الآلاف واعتُقل عشرات الآلاف خلال تلك الأحداث، في واحدة من أعنف حملات القمع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

داخل بنية النظام، كان سليماني يمثل وجهاً مختلفاً للقوة مقارنة بقادة «الحرس الثوري» العاملين في الخارج. فإذا كان «فيلق القدس» يشكل الذراع الخارجية لإيران في الإقليم، فإن «الباسيج» تمثل الذراع الداخلية الخشنة. فهي شبكة تعبئة اجتماعية وأداة أمنية في الوقت نفسه، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتنظيم المؤيدين، والتدخل الميداني في حالات الاضطراب.

وخلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، برز دور «الباسيج» مجدداً مع تشديد الإجراءات الأمنية داخل المدن الإيرانية. فقد أقامت هذه القوة نقاط تفتيش في طهران ومدن أخرى، وشاركت في عمليات التفتيش والمراقبة، في محاولة لاحتواء أي اضطرابات داخلية محتملة في ظل الحرب والتوتر السياسي.

ويمثل مقتل سليماني، إذا ثبتت تفاصيله الكاملة، ضربة لإحدى أبرز أدوات الضبط الداخلي في إيران، إذ ترتبط قوات «الباسيج» مباشرة بإدارة الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن دورها في تعبئة الأنصار ومراقبة المجتمع. ولهذا يحمل استهداف قائدها بعداً رمزياً وعملياً في آن واحد، في لحظة يحتاج فيها النظام الإيراني إلى تماسك مؤسساته الأمنية أكثر من أي وقت مضى.


إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
TT

إسرائيل تعلن مقتل لاريجاني… وطهران تقر بمقتل قائد «الباسيج»

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

قالت إسرائيل، الثلاثاء، إنها قتلت أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وقائد قوات «الباسيج» غلام رضا سليماني، في واحدة من أكثر الضربات حساسية منذ بدء الحرب، ومقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأولى.

وقبل تأكيد مقتل سليماني، التزمت طهران الصمت رسمياً حيال مصير الرجلين في الساعات الأولى، واكتفت وسائل إعلامها بنشر رسالة بخط يد لاريجاني، ورسالة من قائد «الباسيج»، من دون الإشارة إلى مقتلهما.

وجاء الإعلان الإسرائيلي في وقت رفضت فيه إيران، وفق رواية مسؤول كبير، مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشددة على أن الوقت «ليس مناسباً للسلام» قبل رضوخ واشنطن وإسرائيل.

وفي موازاة ذلك، اتسع نطاق الضربات المتبادلة بين الطرفين، من طهران وشيراز وتبريز إلى أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، بينما بقي مضيق هرمز في صلب المواجهة، مع استمرار إغلاقه العملي وتزايد التداعيات على الطاقة والتجارة العالمية.

ضربة في القلب

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية قتلت علي لاريجاني، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أقوى رجال الدولة في إيران، إلى جانب غلام رضا سليماني قائد «الباسيج» الذراع التعبوية لجهاز «الحرس الثوري».

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه استهداف لاريجاني في غارة قرب طهران استناداً إلى معلومات استخباراتية.

وذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك حين وصف لاريجاني بأنه «زعيم عصابة تتولى إدارة إيران فعلياً»، معتبراً أن استهدافه جزء من جهد أوسع لتقويض بنية الحكم في طهران ومنح الإيرانيين «فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم».

ومع أن نتنياهو أقر بأن هذا الهدف «لن يحدث دفعة واحدة، ولن يكون سهلاً»، فإن توصيفه للاريجاني عكس بوضوح قناعة إسرائيلية بأن الرجل كان يتجاوز موقعه الرسمي إلى دور تنسيقي مركزي داخل مؤسسات النظام.

وتزداد أهمية هذا الاستهداف إذا تأكدت الرواية الإسرائيلية، لأن لاريجاني سيكون أعلى مسؤول سياسي يقتل منذ مقتل علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب.

وقد برز اسمه خلال الأشهر الأخيرة، ثم بصورة أوضح منذ اندلاع الحرب، بوصفه الشخصية التي تجمع بين النفوذ الأمني والسياسي والقدرة على التعامل مع مراكز القوة المتعددة داخل النظام، من مؤسسات رجال الدين إلى «الحرس الثوري» مروراً بالأجهزة الأمنية والدبلوماسية.

لاريجاني يشارك في مسيرة «يوم القدس» يوم الجمعة الماضي بطهران

ولم يصدر عن طهران أي نفي أو تأكيد رسمي في الساعات الأولى. غير أن هذا الصمت لم يبدُ صمتاً عادياً. فقد بثّت قناة الأخبار في التلفزيون الإيراني رسالة لكل من لاريجاني وغلام رضا سليماني من دون الإشارة إلى أن إسرائيل تقول إنها قتلتهما. لكن بعد ساعات أكد «الحرس الثوري»في بيان رسمي مقتل سليماني.

وكانت رسالة لاريجاني، التي انتشرت صورة مخطوطتها في وسائل الإعلام الإيرانية، تكريماً لـ«ذكرى محاربي القوات البحرية للجيش»، فيما كانت رسالة سليماني، رئيس منظمة «الباسيج»، موجهة إلى القائد العام للجيش بمناسبة مراسم الوداع وتشييع المدمرة «دينا» التي ضربت قبالة سواحل سريلانكا .

ونُشر نص الرسالتين في وسائل الإعلام، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها محاولة لإظهار استمرار حضورهما أو على الأقل تجنب الإقرار السريع بما أعلنته إسرائيل.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد «الباسيج» في ضربة دقيقة نُفذت في طهران، معتبراً أن قتله يمثل ضربة إضافية لهياكل القيادة والسيطرة الأمنية في إيران. وقال بعد ذلك إن سلاح الجو بدأ استهداف مقار وعناصر «الباسيج» المنتشرين في أنحاء طهران، قبل أن يعلن لاحقاً قصف أكثر من 10 مواقع لهذه القوات خلال يوم واحد.

وأشار إلى أن هذه الضربات جاءت بعد رصد انتقال نشاط «الباسيج» من مقراته الأصلية إلى مواقع بديلة، بعضها داخل مناطق مدنية في العاصمة. وأضاف أن من بين الأهداف التي ضُربت موقع قيادة طارئ كان يستخدمه «الباسيج» و«الحرس الثوري»، وكان في السابق مجمعاً لنادٍ لكرة القدم.

منظر عام للدمار الذي خلّفه القصف بمجمع «شهيدان إسماعيلي» الرياضي غرب طهران (د.ب.أ)

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، خلال تقييم أمني صباح الثلاثاء، إن الجيش الإسرائيلي يواصل تنفيذ ضربات «بحزم» ضد أهداف متعددة في إيران، مؤكداً أن العمليات الليلية حققت «إنجازات وقائية كبيرة» قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية وأهدافها.

وأضاف زامير أن الضربات لا تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، بل تستهدف أيضاً عناصر في «الحرس الثوري» وأجهزة القمع التابعة للنظام.

خامنئي يرفض التهدئة

في الأثناء، «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن القيادة الجديدة رفضت مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

وبحسب هذا المسؤول، فإن مجتبى خامنئي، في أول اجتماع يبحث السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، أبلغ بأن «هذا ليس الوقت المناسب للسلام» قبل أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات.

ولم يوضح المصدر ما إذا كان مجتبى خامنئي حضر الاجتماع شخصياً أم عن بعد، في ظل استمرار الغموض حول وضعه الصحي ومكان وجوده. لكن الرسالة السياسية هنا بدت واضحة؛ لا استعداد لتلقف الوساطات في هذه المرحلة، ولا رغبة في تقديم إشارة ضعف بعد إعلان إسرائيل استهداف أحد أبرز رجال النظام.

غبار ودخان يتصاعدان بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء (شبكات التواصل)

وتكتسب هذه المعادلة ثقلاً إضافياً إذا أخذ في الاعتبار أن لاريجاني كان يُنظر إليه، قبل إعلان مقتله، بوصفه من أكثر الشخصيات قدرة على لعب دور قناة تفاوض أو مخرج سياسي إذا قررت طهران خوض مسار تفاوضي مع واشنطن.

هذا الرفض لا ينفصل عن التصعيد اللفظي الداخلي. فقد قال محمد باقر قاليباف، في مقابلة تلفزيونية، إن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد، وإنها اتخذت تدابير لمواجهة محاولات تقويض قدراتها العملياتية، معتبراً أن الحديث الأميركي عن تدمير القدرة الهجومية الإيرانية «لم يعد يُصدّق».

كما أكد امتلاك بلاده مخزوناً كافياً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب القدرة على إنتاجها محلياً بوتيرة أعلى وتكلفة أقل من الصواريخ الاعتراضية لدى الخصوم.

وإلى جانب هذا الخطاب، شددت طهران قبضتها الداخلية عبر التحذير من اضطرابات أربعاء، واعتقال العشرات بتهم التجسس أو إرسال معلومات إلى الخارج، مع التهديد بمصادرة الأموال، بل الإعدام في قضايا التعاون مع «العدو».

في هذه البيئة، يظهر أن رفض التهدئة ليس مجرد رد فعل عاطفي على الاستهداف، بل جزء من معادلة بقاء. فالقيادة الإيرانية، وهي تواجه حرباً خارجية مفتوحة واهتزازاً في قمة هرم السلطة، لا تبدو مستعدة لإعطاء انطباع بالتراجع تحت الضغط.

لكن هذا الموقف يرفع في المقابل تكلفة المواجهة ويجعل أي مخرج سياسي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا ثبت فعلاً غياب لاريجاني، أحد الوجوه القليلة القادرة على وصل المتشددين بالبراغماتيين داخل النظام.

استخفاف بالخيارات الوسط

في واشنطن، واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب استخدام لغة تميل إلى تضخيم أثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، مع تجنب التورط في تفاصيل مزاعم مقتل المسؤولين الإيرانيين. فقد قال إن الولايات المتحدة «قضت على أسطولهم البحري وقضت على جيشهم في كل جوانبه»، وكرر أن الضربات أزالت معظم القدرات العسكرية الإيرانية إلى جانب التهديد النووي، معتبراً أن إعادة البناء ستستغرق سنوات إذا توقفت الحرب الآن.

وبدا أن ترمب يدرس خيارين، من شأنهما أن يتطلبا عمليات برية، أحدهما متعلق بجزيرة خرج، حيث تمر غالبية صادرات النفط الإيرانية، والآخر بالموقع النووي تحت الأرض في أصفهان، حسبما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز».

ولم يُظهر ترمب ميلاً إلى تسويق الحرب بوصفها مأزقاً أميركياً. بل على العكس، قال إنه لا يخشى تحوّل النزاع إلى حرب شبيهة بفيتنام، وإن ما يجري بالنسبة إليه «مجرد عملية عسكرية». وانتقد «الناتو» مجدداً، معتبراً أن الحلفاء ينبغي أن يشكروه على ضرب إيران، ومشيراً إلى أن امتناعهم عن المساعدة في الملفات الحساسة، وفي مقدمها هرمز، أمر «يجب أن نفكر فيه». كما لمح إلى أن الولايات المتحدة تستطيع التحرك بمفردها إذا لزم الأمر، قائلاً إنها لا تحتاج إلى كثير من المساعدة، «بل لا تحتاج إلى أي مساعدة» فعلياً.

في الملف الإيراني الداخلي، تجنب ترمب التركيز على مزاعم مقتل المسؤولين، لكنه واصل مهاجمة النظام كله. وكرر انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015، وادعى أن إيران كانت ستحصل على سلاح نووي لولا انسحابه من الاتفاق، وهو قول يظل موضع نزاع واسع.

طهران تحت القصف

ميدانياً، بدت ليلة الثلاثاء من بين الأشد عنفاً على طهران منذ بداية الحرب. فقد تحدثت تقارير ومشاهدات عن سلسلة انفجارات متزامنة في مناطق واسعة من العاصمة بين نحو الساعة 3:07 و3:11 فجراً، تركزت خصوصاً في الشمال والشمال الشرقي. وأفاد سكان في تجريش ونياوران وباسداران ومناطق مجاورة بسماع انفجارات متتالية ترافقها أصوات طائرات مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض.

وفي شمال طهران، تحدثت تقارير عن انفجارات هزّت فرمانية، وأشارت تقارير إلى استهداف موقع مرتبط بقوات «الباسيج» في محيط كامرانية، حيث تردد الحديث عن 7 إلى 8 ضربات متتالية. وفي الشمال الشرقي، سجلت انفجارات في نارمك وسبلان وتهران بارس ومناطق مجاورة، فيما تحدث سكان عن 4 إلى 6 انفجارات بين 3:08 و3:11 فجراً.

أما في الوسط، فسمعت موجات انفجار في فاطمي ويوسف آباد وأمير آباد، بينما سُجلت في الغرب انفجارات قرب صادقية وستارخان وجنت آباد. وفي الجنوب والجنوب الشرقي، سُمع دوي قوي في شهر ري ومسعودية وخاوران، مع ترجيحات بأن بعض الضربات طالت مناطق صناعية أو لوجستية في أطراف المدينة.

ولم تقتصر الضربات على طهران. ففي كرج، أفيد عن انفجارين قويين قرابة الخامسة صباحاً. وفي كرمانشاه، وردت تقارير عن انفجارين شديدين عند نحو 4:50 فجراً. كما سُمع دوي انفجار في نجف آباد قرب أصفهان، وتحدثت تقارير لاحقة عن انفجارات وتحليق مقاتلات في أصفهان خلال النهار. وفي الجنوب، أفادت معلومات بسماع انفجارات في شيراز هزت عدة أحياء، وفي بندر عباس قرابة 2:50 فجراً.

وتعززت صورة الاستهداف المنهجي مع ما نشره الجيش الإسرائيلي عن غارات استهدفت بنى تحتية للنظام في طهران وشيراز وتبريز. وذكر المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي أن الضربات في طهران طالت مقرات أمنية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع لتخزين وإطلاق المسيّرات والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

وفي شيراز استُهدف، بحسب البيان الإسرائيلي، مقر قيادة الأمن الداخلي وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية، بينما طالت الضربات في تبريز منظومات دفاع جوي «بهدف توسيع التفوق الجوي وإزالة التهديدات».

وقال الجيش الإسرائيلي إن عشرات الطائرات المقاتلة نفّذت يوم الاثنين غارات في 3 مناطق رئيسية داخل إيران، هي طهران وشيراز وتبريز، استناداً إلى معلومات استخباراتية. وقال إن الضربات في طهران استهدفت مراكز قيادة تابعة لأجهزة الأمن الإيرانية، بينها وزارة الاستخبارات وقوات «الباسيج»، إضافة إلى مواقع تُستخدم لتخزين وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي.

الردّ الإيراني

في المقابل، سعت إيران إلى إظهار أن قدرتها على الردّ لم تتراجع. فقد أعلن الجيش الإيراني استخدام طائرات مسيّرة في هجوم على مراكز أمن تكنولوجي في إسرائيل، إلى جانب مراكز تصنيع أسلحة تابعة لشركة «رافائيل». كما أعلن «الحرس الثوري» تنفيذ موجة جديدة من الصواريخ فجر الثلاثاء، قال إنها استهدفت مواقع في شمال ووسط إسرائيل، من بينها نهاريا وبيت شيمش وتل أبيب والقدس الغربية، فضلاً عن وصفه «قواعد أميركية» في المنطقة.

وبحسب بيان العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري»، استخدمت في الهجمات منظومات «فوق ثقيلة» وصواريخ من طراز «خرمشهر» برؤوس حربية زنة طنين، و«قدر» متعددة الرؤوس، و«فتاح» و«خيبر شكن»، إلى جانب منظومات متوسطة المدى من طراز «فاتح» و«قيام» وطائرات مسيّرة انتحارية. وأكد البيان أن جولة جديدة من العمليات «التأثيرية والموجهة» بدأت منذ الفجر، وأن نتائجها ستُعلن تباعاً.

كما قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن القدرة العملياتية لقاعدة الظفرة الجوية تراجعت «بشكل كبير» بعد استهدافها، مشيراً إلى أن الهجمات شملت أيضاً قاعدة «العديد». وفي السياق نفسه، أعلن قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» مجيد موسوي أن «خاصرة الاستكبار تُكسر في الشارع والميدان».

هرمز: الممر المغلق

بقي مضيق هرمز محوراً مركزياً في الحرب، ليس من زاوية التهديد العسكري فقط، بل أيضاً من زاوية المأزق الدولي في كيفية التعامل معه. فالمضيق لا يزال مغلقاً إلى حد كبير، وتمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وقد أدّى استمرار إغلاقه العملي، مقترناً بهجمات إيرانية على منشآت نفطية في الإمارات، إلى رفع أسعار النفط مجدداً وإحياء المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.

وترتبط أهمية هرمز هذه المرة بعاملين متوازيين: الأول أن إيران تتعامل معه كورقة ضغط استراتيجية مباشرة في مواجهة الحرب، والثاني أن حلفاء واشنطن أظهروا تردداً واضحاً في الانضمام إلى أي ترتيبات عسكرية لإعادة فتحه. فقد دعا ترمب مراراً الدول الحليفة إلى إرسال سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكن أياً منها لم يوافق حتى الآن.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إنه لا بد من إيجاد حلول دبلوماسية لإبقاء المضيق مفتوحاً، مضيفة أنه «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في مضيق هرمز». وأكدت فرنسا أنها غير مستعدة للمشاركة في تأمين المضيق «في الظرف الراهن»، في حين شددت ألمانيا على أن «هذه الحرب لا دخل لها بالناتو»، واستبعدت اليابان وأستراليا وبولندا وإسبانيا واليونان والسويد أي تدخل عسكري.

في الداخل الإيراني، سعى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى تقديم قراءة سياسية للمضيق، تتجاوز البعد العسكري المباشر. فقال إن هرمز «تحول إلى فرصة ذات مخاطرة» في الحرب، معتبراً أن الأميركيين وقعوا في «خطأ استراتيجي» نصبه لهم «الكيان الصهيوني»، وحوّلوا القدرة الكامنة في المضيق إلى ورقة فعلية. وأوضح أن هرمز «لن يعود من الناحية القانونية كما كان في السابق»، في إشارة إلى رغبة طهران في إعادة تعريف قواعد التعامل مع هذا الممر بعد الحرب.

في سياق موازٍ، أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالاً بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وربط صراحة بين اضطراب الملاحة في المضيق وبين الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، معتبراً أنه لا يمكن النظر إلى وضع هرمز بمعزل عن الوضع العام في المنطقة، حسب بيان للخارجية الإيرانية.