محاكمة عشرات الطلاب والصحافيين للمشاركة في الاحتجاجات بتركيا

تجمع جديد لأنصار إمام أوغلو... وتأجيل اضطراري للقاء «وفد إيمرالي» ووزير العدل

طلاب جامعات يجلسون أمام حواجز الشرطة أثناء محاكمة زملائهم (أ.ب)
طلاب جامعات يجلسون أمام حواجز الشرطة أثناء محاكمة زملائهم (أ.ب)
TT

محاكمة عشرات الطلاب والصحافيين للمشاركة في الاحتجاجات بتركيا

طلاب جامعات يجلسون أمام حواجز الشرطة أثناء محاكمة زملائهم (أ.ب)
طلاب جامعات يجلسون أمام حواجز الشرطة أثناء محاكمة زملائهم (أ.ب)

بينما تتواصل الاحتجاجات على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، مَثَل العشرات أمام محكمتين في إسطنبول بتهمة مخالفة «قانون الاجتماعات والتظاهرات».

ووسط أجواء متوترة بين الشرطة وطلاب جامعات تجمعوا دعماً لزملائهم والمطالبة بمحاكمات عادلة لهم، عقدت محكمتان مختلفتان في إسطنبول، الجمعة، أولى جلسات الاستماع في قضية اتهم فيها 189 شخصاً، بينهم 90 طالباً جامعياً، و8 صحافيين و4 محامين، احتجزوا بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات التي أقيمت في ساراتشهانه أمام بلدية إسطنبول لأيام، عقب اعتقال إمام أوغلو في إطار تحقيق يتعلق بالفساد في 19 مارس (آذار) الماضي.

وسبق الإفراج عن هؤلاء بعد احتجازهم أياماً في سجن سيليفري، في غرب إسطنبول، الذي يحتجز به إمام أوغلو منذ 23 مارس (آذار) الماضي.

مظاهرة في محيط مجمع محاكم تشاغلايان في إسطنبول للمطالبة بالعدالة لطلاب الجامعات (إكس)

وأعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، خلال تجمع لدعم إمام أوغلو في إسطنبول ليل الأربعاء إلى الخميس، أنه من بين 301 طالب جامعي اعتقلوا في الاحتجاجات، لا يزال 57 طالباً من ولايات أنقرة وبورصة وإزمير محتجزين.

وروى بعض الطلاب المفرج عنهم أنهم تعرضوا للإهانة وسوء المعاملة وبعض مظاهر التعذيب، خلال فترة احتجازهم، وهو ما أكده أوزيل أيضاً. لكن وزير العدل، يلماظ تونتش، رفض ادعاءات التعذيب أو الإهانة بالسجون.

وقال محامون إنه تم توزيع الجلسات على محكمتين جنائيتين ابتدائيتين، كما تم فصل محاكمة الصحافيين عن محاكمة الطلاب، وتم تقسيم الطلاب على مجموعتين بسبب صغر قاعات المحكمتين.

تدابير أمنية واحتجاجات

ورفضت المحكمتان طلبات المحامين بتبرئة جميع المتهمين، وأصدرت إحداهما قراراً بتأجيل محاكمة 45 طالباً إلى 4 يوليو (تموز) المقبل، بينما لم تصدر المحكمة الثانية قرارها على الفور.

طلاب جامعات يتظاهرون أمام مجمع محاكم تشاغلايان في إسطنبول احتجاجاً على محاكمة زملائهم (أ.ب)

وحضر عدد كبير من أعضاء البرلمان والسياسيين وممثلي الأحزاب ووسائل الإعلام المحلية والدولية إلى المحكمة، لحضور الجلسة في مجمع محاكم تشاغلايان في إسطنبول، الذي وضع تحت حراسة أمنية مشددة، وتم نشر الحواجز وعناصر قوات مكافحة الشغب على جميع الشوارع والمداخل المؤدية إليه.

وتجمع مئات الطلاب وأعضاء في أحزاب سياسية يسارية، منها حزبا «العمال التركي» و«اليسار»، أمام مجمع المحاكم رافعين أعلاماً ولافتات تطالب بالعدالة، وتؤكد استمرار النضال من أجل الحق في التظاهر، ورفض محاولة الحكومة «تجريم الشوارع». وألقت قوات الشرطة القبض على أحد الطلاب خلال التجمع.

وشهدت الجامعات التركية، ولا تزال، للمرة الأولى منذ سنوات، مظاهرات واحتجاجات واسعة في أعقاب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، واجهتها الشرطة بعنف وتم خلالها اعتقال العشرات من الطلاب.

تجمع لعائلات الطلاب والشباب المحتجزين للمطالبة بالعدالة لأبنائهم (إكس)

كما تجمع أهالي الشباب الخاضعين للمحاكمة ممن لم يطلق سراحهم بعد، والذين أسسوا معاً «شبكة تضامن الآباء»، أمام مجمع تشاغلايان، مطالبين بالإفراج عن المحتجزين، وبالحرية لمن يتم محاكمتهم، والذين وضعوا تحت الإقامة الجبرية أو تحت شروط الرقابة القضائية.

وقالت الشبكة، في بيان عشية المحاكمة، إن «أبناءنا تعرضوا للعنف أثناء احتجازهم، وقضوا أياماً بين المحكومين الجنائيين، وتعرضوا لإيذاء جسدي ونفسي. ومع أن المادة 34 من الدستور تنص على أن لكل فرد الحق في تنظيم الاجتماعات والمظاهرات دون إذن مسبق، سلبت حرية أبنائنا لمجرد ممارستهم هذا الحق الأساسي».

رفض لمحاكمة الصحافيين

وعلى صعيد محاكمة الصحافيين الثمانية، أصدر اتحاد عمال الصحافة والنشر والطباعة، التابع لاتحاد نقابات العمال الثوريين في تركيا، بياناً أكد فيه أنه لن يتم السماح بالتشكيك في الصحافة أو عرقلة الصحافيين عن أداء مهام عملهم ودورهم في خدمة الجمهور وإطلاعه على الحقيقة.

عناصر من الشرطة في زي مدني تدخلوا في الاحتجاجات على اعتقال إمام أوغلو للقبض على صحافيين وشباب (د.ب.أ)

ووصف المصور الصحافي بولنت كيليتش، في بيان، لائحة الاتهام ضد الصحافيين بـ«المضحكة»، قائلاً إنه «كان من الممكن إعدادها بشكل أفضل لو كتبها طالب في المدرسة الابتدائية».

بدوره، قال مصور وكالة الصحافة الفرنسية، ياسين أكغول: «واجب الصحافي هو متابعة الأخبار، يوثق الصحافي حريقاً، لكن لا يمكن تحميله مسؤولية ذلك الحريق. كنا في مهمة لتوثيق ما كان يحدث هناك. ومع ذلك، كانت التهمة الموجهة إلينا أننا ناشطون، لا صحافيون، ورأت المحكمة أيضاً أن هذا غير صحيح، وفصلت قضيتنا. آمل ألا يحاكم أحد مرة أخرى في هذا البلد لمجرد تغطيته للأحداث».

تجمع جديد لدعم إمام أوغلو

وتتواصل، السبت، التجمعات التي ينظمها حزب الشعب الجمهوري، تحت شعار: «الأمة تدافع عن إرادتها... مرشحنا إلى جانبنا وصندوق الاقتراع أمامنا»، التي تستهدف الضغط لإطلاق سراح إمام أوغلو وإجراء انتخابات مبكرة. ويعقد الحزب تجمعاً في ولاية يوزغات، بعد التجمع الأول الذي عقد، الأحد الماضي، وشارك فيه الآلاف.

تجمع لأنصار إمام أوغلو في سامسون شمال تركيا الأحد الماضي (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

على صعيد آخر، تأجل لقاء «وفد إيمرالي» المؤلف من نائبي حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، سري ثريا أوندر وبروين بولدان، الذي كان مقرراً عقده مع وزير العدل، يلماظ تونتش، الجمعة، بسبب خضوع ثريا أوندر لجراحة بالقلب.

وكان مقرراً أن يبحث الوفد مع وزير العدل خلال اللقاء الجوانب القانونية لإنجاح تنفيذ دعوة زعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين، عبد الله أوجلان، لحل الحزب وإلقاء أسلحته.


مقالات ذات صلة

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

المشرق العربي محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

تُلقي أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان...

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا انتشار أمني كثيف في طرابلس لتعزيز الأمن بعد الاحتجاجات (متداولة)

أزمة انقطاع الكهرباء تجدد الاحتجاجات في غرب ليبيا

أعادت أزمة انقطاع الكهرباء في غرب ليبيا إشعال احتجاجات شعبية، بعدما أغلق محتجون الطريق الساحلي عند مدخل مدينة صبراتة، وسط توتر مع مدينة صرمان المجاورة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا تعزيزات أمنية مكثفة وسط العاصمة لاحتواء الاحتجاجات (أ.ف.ب)

«الوحدة» الليبية تُعزز الانتشار العسكري بعد اتساع رقعة الاحتجاجات

عززت حكومة «الوحدة» الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا انتشارها العسكري والأمني في العاصمة طرابلس، السبت، بالتزامن مع اتساع نطاق العصيان المدني.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قوات «جهاز الردع» تعود إلى «ميدان الشهداء» في طرابلس (حسابات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

إغلاق مقار لسلطات العاصمة الليبية باللحام المعدني... والدبيبة يلجأ لـ«الردع»

لجأ عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة إلى «خصمه» عبد الرؤوف كارة، رئيس «جهاز الردع»، لمواجهة المحتجين في العاصمة طرابلس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا انتشار قوات تابعة لحكومة الوحدة بعد احتجاجات طرابلس (أ.ف.ب)

اتساع رقعة احتجاجات وإغلاق وزارات يصيبان غرب ليبيا بالشلل

شهدت العاصمة الليبية طرابلس غرب البلاد تصعيداً ميدانياً متنامياً «شلّ» عدداً من المؤسسات عقب إقدام محتجين ونشطاء بالمدينة على إغلاق عدة مقار وزارات ومنشآت نفطية

خالد محمود (القاهرة )

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
TT

ترمب يؤكد أولوية منع إيران من امتلاك «سلاح نووي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب)

جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، تحديد أولويته في الصراع مع إيران، مؤكداً أن منعها من امتلاك سلاح نووي يظل الهدف الأول لإدارته، مع استمرار الجمود في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «الهدف الأول هو، وسيظل دائماً، ألا تمتلك إيران، بأي طريقة أو شكل، سلاحاً نووياً».

ولا تزال المفاوضات في حالة جمود قبل انتهاء المهلة، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على تمديد وشيك، مع ربط أي تقدم باستعداد إيران للعودة إلى التفاوض والتوصل إلى اتفاق.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا تدخلت عُمان في ترتيبات مضيق هرمز على نحو يتعارض مع الموقف الأميركي.

وتراوحت أهداف إدارة ترمب خلال الحرب بين مطالبة إيران بالاستسلام الكامل، وإنهاء دعمها للجماعات الحليفة، وصولاً إلى طرح تغيير النظام. لكن نائب الرئيس جي دي فانس وضع أخيراً استقرار تدفقات النفط والغاز من المنطقة في صدارة الأولويات، قائلاً إن «الهدف الأول» هو إبقاء أسعار الطاقة منخفضة للأميركيين.

وكانت المذكرة، التي وُقعت بوساطة باكستانية وقطرية، قد حددت مهلة 60 يوماً قابلة للتمديد للتفاوض على تسوية أوسع تشمل وقف الحرب والبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. لكن طهران أعلنت في 15 يوليو (تموز) أنها لا تعد نفسها ملزمة ببنودها، بعد إعادة واشنطن فرض الحصار البحري واستئناف الضربات.


طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
TT

طهران تعدّ مهلة التفاهم «غير قائمة»

رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)
رجل إيراني يقرأ صحيفة «همشهري» التي تصدّر غلافها إعلان مكافأة قدرها 30 ألف دولار لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً أمام كشك في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

قالت إيران، الاثنين، إن فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة فقدت موضوعيتها من دون بدء المفاوضات، محمّلة واشنطن مسؤولية تعطيل المسار، مع استمرار الوساطة الباكستانية والمحادثات مع عُمان بشأن مضيق هرمز.

وتنتهي، الاثنين، الفترة التي حددتها المذكرة لإجراء مفاوضات بشأن الملف النووي ورفع العقوبات، من دون عودة طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض.

وقال المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية» إسماعيل بقائي في مؤتمره الصحافي الأسبوعي: «ليس لدينا في نص التفاهم شيء تحت عنوان مهلة الستين يوماً»، مضيفاً أن إيران «ليست طرفاً يرتب سياساته تحت الضغط والإنذارات والمهل الزمنية»، حسبما أوردت وكالة «أرنا» الرسمية.

لكنه أوضح أن مذكرة إسلام آباد نصّت على إجراء محادثات خلال فترة مدتها 60 يوماً بشأن «رفع العقوبات» و«الموضوع النووي»، مع إمكان تمديدها إذا لم يتوصل الطرفان إلى نتيجة.

وقال: «ما ورد في التفاهم هو أنه خلال فترة زمنية مدتها 60 يوماً يجري الحوار بشأن موضوعين، رفع العقوبات والموضوع النووي، وإذا لم نصل خلال هذه الستين يوماً إلى نتيجة، يتم تمديدها».

لا مفاوضات

وحاول بقائي الفصل بين وجود فترة الستين يوماً في المذكرة وعدّها مهلة ملزمة لطهران، قائلاً إن المسار الذي كان يفترض أن يجري خلالها لم يبدأ أساساً.

وأضاف: «المفاوضات أساساً لم تبدأ؛ لأن أميركا، بعد أسابيع فقط من توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو (حزيران)، أقدمت على انتهاك فادح وواسع لنصها؛ ولذلك لم يعد موضوع الستين يوماً قائماً من أساسه».

ووصف وضع تنفيذ المذكرة بأنه بات «غير فعال»؛ نتيجة ما تقول طهران إنها انتهاكات أميركية، في حين لم يشر إلى موعد محتمل لاستئناف المفاوضات.

وقال إن إيران تركز حالياً على «إدارة شؤون البلاد»، مضيفاً أن القوات المسلحة تراقب أي تحركات «بعيون مفتوحة ويقظة كاملة».

وجاءت تصريحات بقائي بعد أشهر من الحرب ومسار دبلوماسي انتهى إلى مذكرة التفاهم، التي كان يفترض أن تفتح الباب أمام مفاوضات أوسع، قبل توقف الاتصالات المباشرة وتجدد المواجهة بين الطرفين.

وأكد بقائي أن أي قرار إيراني جديد بشأن المفاوضات سيخضع لما تعدّه طهران مصالحها وأمنها القومي، قائلاً إن طهران لا تتخذ قراراتها استجابة لـ«إنذار» أو موعد تحدده جهة أخرى.

بقائي يردُّ على أسئلة الصحافيين خلال مؤتمر صحافي أسبوعي في طهران الاثنين (إيسنا)

وأكد بقائي أن باكستان لا تزال الوسيط الرئيسي في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، في حين تواصل قطر أيضاً جهودها في المسار الدبلوماسي.

وقال إن استعداد بعض الدول الأوروبية لتقديم «مساعيها الحميدة» لا يعني ظهور وسيط جديد بين طهران وواشنطن.

وأضاف: «المشكلة في علاقتنا مع أميركا ليست مسألة الوسيط»، عادَّاً أن الخلاف يتعلق بنهج واشنطن وما سماه «الأخطاء الحسابية» والإصرار على سياسات سبق اختبارها.

وتطرق إلى زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأسبوع الماضي، نافياً تقارير عن حمله رسالة خاصة من رئيس الوزراء شهباز شريف أو قائد الجيش عاصم منير.

وقال إن الزيارة جاءت في إطار العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، فضلاً عن استمرار جهود الوساطة الباكستانية.

وأضاف أن «باكستان تحاول استخدام جميع قدراتها للاضطلاع بدور الوسيط»، وأن ملف المفاوضات يحظى بأهمية خاصة لدى إسلام آباد؛ نظراً إلى «الدور المهم الذي لعبته في صياغة مذكرة تفاهم إسلام آباد».

واتهم الولايات المتحدة بالإضرار بجهود الوساطة بسبب ما سماه «نكث العهود وانتهاك الالتزامات»، قائلاً إن طهران سبق أن واجهت المشكلة نفسها في المسار الذي رعته عُمان.

مفاوضات «هرمز»

وفي ملف مضيق هرمز، قال بقائي إن إيران وسلطنة عُمان توصلتا إلى تفاهم بشأن خريطة مسارات حركة السفن، لكن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد.

وأوضح أن طهران ومسقط تعملان على حزمة تتضمن «الخريطة، إضافة إلى بيان مشترك»، وصحح حديثاً عن «خريطة طريق»، قائلاً إن المقصود تحديداً هو «خريطة مسار الملاحة».

وعزا بقائي تأخر التوصل إلى اتفاق نهائي إلى ثلاثة عوامل، أولها تعقيد القضية، والثاني تعدد الأطراف التي تحاول التأثير في المحادثات، والثالث ما سماه محاولات أطراف «سيئة النية» تعطيل المسار.

وقال إن الآلية التي يناقشها البلدان تهدف إلى الجمع بين ما تعدّه طهران «سيادة وحقوق السيادة للدولتين الساحليتين» وبين ضمان المرور الآمن للسفن التجارية.

وأضاف أن المفاوضات الإيرانية - العُمانية تتواصل «بجدية»، وأن الطرفين يتبادلان الآراء بشأن نص البيان المشترك.

وقال إن الهدف هو صياغة آلية «تؤمّن مصالح ومخاوف الطرفين»، وفي الوقت نفسه تضع في الحسبان متطلبات الملاحة الدولية.

ونفى بقائي أن تكون وزارة الخارجية الإيرانية طلبت من البرلمان تجميد مشروع يتعلق بإدارة وأمن مضيق هرمز.

وكان السؤال يتعلق بمشروع «العمل الاستراتيجي لتأمين أمن وتنمية مضيق هرمز والخليج (...)»، وما إذا كانت الوزارة قد أرسلت رسالة إلى البرلمان تطلب وقف مناقشته.

وقال بقائي: «وزارة الخارجية لم ترسل مثل هذه الرسالة».

وأضاف أن الوزارة تحترم الإجراءات التشريعية للبرلمان، وأنها قدّمت وجهة نظرها بشأن المشروع، وستواصل تقديم الآراء الفنية عند طلبها.

وأشار إلى وجود تشريعات إيرانية سابقة تتعلق بما تعدّه طهران حقوقها السيادية في الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان، وقال إن الوزارة وضعت القوانين القائمة والتطورات الحالية في الحسبان عند إبداء رأيها.

إيرانيون يمرُّون أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران الاثنين (إ.ب.أ)

نفي قناة سرية مع «الحرس»

ونفى بقائي أيضاً تقريراً عن استعانة واشنطن بقناة خلفية عبر إقليم كردستان العراق للتواصل مع «الحرس الثوري»، والتأكد من أن المؤسسة العسكرية الإيرانية تدعم الفريق المفاوض.

كما نفى عقد اجتماع إيراني - أميركي سري في أربيل، قائلاً: «خبر الاجتماع السري بين إيران وأميركا في أربيل مختلق بالكامل».

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف، الأحد، عن أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعانت برئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني لفتح قناة خلفية مع قيادة «الحرس الثوري»، بعدما شككت واشنطن في امتلاك محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي صلاحية كاملة لإبرام اتفاق ينهي الحرب.

ونقل الموقع عن مصادر مطلعة أن بارزاني أجرى في 14 مايو (أيار) اتصالاً آمناً مع قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، الذي أبلغه دعم المؤسسة العسكرية للفريق المفاوض وتفضيلها الحل عبر المفاوضات. وقال «أكسيوس» إن واشنطن طرحت لاحقاً عقد لقاء سري في أربيل، لكنه لم يُعقد بسبب مخاوف أمنية إيرانية.

لكن بقائي وصف الحديث عن وجود قناة اتصال عبر أربيل بأنه جزء من «حرب نفسية وإعلامية» تستهدف، الإيحاء بوجود خلافات بين المؤسسات الإيرانية بشأن الحرب والمفاوضات، حسب قوله.

وقال إن الأشهر الستة الماضية أظهرت «انسجاماً وتوافقاً غير مسبوقين» بين الجهات المعنية في إيران فيما يتعلق بقرارات «السلام والحرب».

وأضاف أن الفريق المفاوض «يحظى بالثقة الكاملة لجميع أركان النظام، بما فيها القطاعات الدفاعية في البلاد».

وأكد أن أي قرار بشأن استئناف الحوار مع الولايات المتحدة سيصدر بعد وضع مواقف جميع المؤسسات المعنية في الحسبان، قائلاً إن صنع القرار بشأن السياسة الخارجية والمفاوضات يجري عبر المؤسسات المختصة.

مصير الطيارين

وقال بقائي إن قطر بدورها تواصل دوراً في الاتصالات المتعلقة بالمسار الإيراني - الأميركي، لكنه شدد على أن ذلك لا يمنع طهران من إثارة الخلاف معها بشأن مصير ثلاثة طيارين إيرانيين.

وأوضح أن أربعة طيارين توجهوا في الأيام الأولى من الحرب لتنفيذ مهمة استهدفت قاعدة العديد الجوية التي تستخدمها القوات الأميركية، وأن جثمان أحدهم أعيد إلى إيران، في حين لا يزال مصير ثلاثة آخرين غير محسوم.

وقال: «ما دام وضع طيارينا لم يتضح، فإن الافتراض هو أنهم وقعوا في الأسر».

ويظل ذلك افتراضاً إيرانياً تنفيه الدوحة، التي نفت احتجاز طيارين إيرانيين.

وقال بقائي إن طهران بدأت متابعة القضية منذ الأيام الأولى للحرب، وإن أول مراسلة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر أُجريت في أواخر مارس (آذار)، إضافة إلى اتصالات عبر السفارتين الإيرانية والقطرية.

وأضاف أن إيران ستستخدم «جميع القدرات الثنائية والمتعددة الأطراف والقانونية» لتحديد مصير الطيارين، مؤكداً أن الخلاف لا يتعارض، من وجهة نظر طهران، مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية مع الدوحة.


خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
TT

خطة إيران لتصعيد الحرب... صواريخ ومسيّرات وإعادة تشكيل القيادة العسكرية

إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تسير بجوار لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة انقلاب بوسط طهران (إ.ب.أ)

بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مذكرة تفاهم مع إيران، في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، سارع مسؤولو الإدارة الأميركية إلى حشد الدعم لاتفاقٍ كانوا يأملون أن يُعيد فتح مضيق هرمز ويمهد لإنهاء الحرب تدريجياً.

لكن، وفقاً لما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين إيرانيين وعرب، فقد اجتمع قادة إيران المتشددون في ذلك الوقت بطهران، ووضعوا خطةً مختلفة تتمثل في إعادة تنظيم القوات الإيرانية وتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، حيث كانوا يرون أن الاتفاق هو، على الأرجح، مجرد محاولة من الولايات المتحدة وإسرائيل لتخفيف الضغط عن الاقتصاد العالمي وكسب الوقت لشنّ هجوم أكبر لاحقاً.

وبدلاً من الوثوق بالمفاوضات، استغلوا الشهرين الماضيين للاستعداد لمعركةٍ أوسع.

استعدادات إيران لجولة جديدة من الحرب

شملت الإجراءات الإيرانية منح «الحرس الثوري» مزيداً من السيطرة على الجيش النظامي، وتعيين قيادات عسكرية وأمنية من أصحاب الخبرة في الحرب مع العراق وفي قمع الاحتجاجات الداخلية، إلى جانب توسيع عمليات مكافحة التجسس المحلية وتسريع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقال المحلل الدفاعي الإيراني المقرَّب من الحكومة، محمد حسن سنغتراش: «هناك رأي واسع في إيران بأن الحرب الرئيسية لم تبدأ بعد».

وأضاف أن ما جرى، حتى الآن، يُنظَر إليه بصورة متزايدة بوصفه تكتيكاً يقوم على «تصعيد محدود ومتدرج مصمم لإضعاف القدرات قبل مواجهة أكبر».

وأفاد مسؤولون مُطّلعون على معلومات استخباراتية عربية حديثة بأن «الحرس الثوري» استغلّ الهدوء الذي أفرزته مذكرة التفاهم لتمهيد الطريق مع الميليشيات المتحالفة معه في المنطقة لتصعيد الهجمات عند الحاجة، حيث أرسل مستشارين إلى العراق واليمن ولبنان لمناقشة الخطط، مع نشر صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات إطلاق طائرات مسيّرة قرب البحر الأحمر.

وأكد المتحدث باسم «الحرس الثوري»، العميد حسين محبي، في مقابلة مع وكالة أنباء «تسنيم» في يوليو (تموز) الماضي، أن قواته استفادت من فترة وقف إطلاق النار.

وقال: «لقد استغللنا فترة وقف إطلاق النار استغلالاً كاملاً، عززنا قدراتنا، ورفعنا معدل إنتاج الصواريخ، وحسّنّا دقتها».

لوحة دعائية على مبنى في طهران تُظهر الرئيس الأميركي داخل نعش وعليها شعار بالفارسية «نحن نقتل ترمب» (رويترز)

إعادة تشكيل المنظومة العسكرية والأمنية

واتخذ المرشد الإيراني مجتبى خامنئي خطوات لإعادة تشكيل المنظومة العسكرية والأمنية، شملت تعيين سبعة مسؤولين بارزين بمواقع رئيسية.

وعُيّن محسن رضائي، الذي قاد «الحرس الثوري»، خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، بينما عاد حسين طائب، الذي ارتبط بقمع احتجاجات عام 2009، لقيادة قوات «الباسيج»، مع تكليفه بتحويلها إلى «شبكة استخبارات شعبية».

كما عزّزت القيادة الإيرانية نفوذ «الحرس الثوري» على الجيش النظامي، من خلال توحيد قيادة القوتين تحت إشراف العميد علي عبد اللهي، وهو أحد كبار قادة «الحرس الثوري» السابقين.

وتولّى أحمد وحيدي رسمياً قيادة «الحرس الثوري»، بعدما كان يتولى المهمة بصورة غير رسمية منذ مارس (آذار) الماضي، مع تكليفه بتنفيذ «عمليات هجومية قوية ضد العدو». وفي اليوم التالي، صرّح اللواء محمد رضا نقدي، مستشار وحيدي، بأنه على القوات شِبه العسكرية أن تكون على أهبة الاستعداد لشنّ عمليات داخل أراضي العدو.

ووصف سعيد غولكار، الخبير في أجهزة الأمن الإيرانية بجامعة تينيسي، ترقية وحيدي بأنها تتفق مع قيادة تستعدّ «لفترة من المواجهة المستمرة، بدلاً من العودة إلى الحياة السياسية في زمن السلم».

خلاف حول مستقبل المفاوضات

رغم هذه الاستعدادات، لا تزال داخل القيادة الإيرانية أصوات أكثر براغماتية ترى أن البلاد بحاجة إلى اتفاق يخفف العقوبات وينقذ اقتصادها من الانهيار، وفق «التقرير».

لكن مسؤولين مقرَّبين من المفاوضات حذَّروا من أن محادثات السلام قد تكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من القتال.

وقال آلان إير، الدبلوماسي الأميركي السابق والمفاوض النووي مع إيران: «الأساس هو الحرب. ستبقى إيران على أهبة الحرب، وتستعد لهجوم لاحق».

أما مهدي محمدي، المستشار الاستراتيجي لكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، فوصف حالة الجمود الحالية بأنها «الهدوء الذي يسبق العاصفة». وفي تصريح آخر، قال محمدي: «لا يزال لدى الشعب الإيراني حسابات لم تُصفَّ مع ترمب»، مضيفاً: «إيران مستعدة للمواجهة الكبرى».