الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

سحبت المواد الزجرية بقانون المرور في ظل مخاوف من انتقال الإضرابات إلى قطاعات أخرى

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
TT

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)
من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

بعد أسبوعين من الاحتقان والاحتجاجات، التي شلت قطاع نقل المسافرين والبضائع في الجزائر، خضعت السلطات لضغط الشارع المهني بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل. ويأتي هذا التراجع من خلال مراجعة 11 مادة كانت محل نزاع، حيث تمَّ تخفيف العقوبات المُشدَّدة التي وصفها الناقلون بـ«التعجيزية».

خطوة لامتصاص الغضب

تهدف هذه الخطوة، في تقدير المراقبين للإضراب الذي شنَّه الناقلون، إلى امتصاص غضب المهنيين، وإعادة الهدوء للقطاع، في محاولة للتوفيق بين مقتضيات الأمن المروري، وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسائقين، بعيداً عن منطق «الجباية العقابية»، والحلول الردعية الصارمة، التي أشعلت شرارة الإضراب.

جلسة التصويت على قانون المرور المثير للجدل في البرلمان (البرلمان)

وفي خطوة لافتة لتبديد حالة الاحتقان، تولَّى الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي»، منذر بودن، وهو أحد أبرز أحزاب الغالبية الرئاسية، الإعلان رسمياً عن سحب «الطابع الزجري» من القانون، خلال لقاء مع مناضلي الحزب نُظِّم، الجمعة، بجنوب غربي البلاد. وأشار في فيديو بثّه الحزب عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تخلي الحكومة عن 11 مادة في القانون، كانت سبباً في «ثورة» الناقلين مع بداية العام الجديد، بعد أيام قليلة من اعتماد المجلس الشعبي الوطني (الغرفة البرلمانية السفلى) للنص كما أعدّته الحكومة، التي أكدت أنها عززته بالعقوبات «للحد من العدد الكبير للوفيات في حوادث الطرقات»، الذي يفوق، حسبها، 4 آلاف وفاة سنوياً.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

من جهته، حاول وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، التهوين من «الطابع العقابي» للنص، مؤكداً في خطاب عاطفي أمام أعضاء «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا)، يوم الخميس، استعداده للاستقالة «على أن يقال عني إنني أسعى لإنزال عقوبات قاسية على المواطنين».

وتم التخلي عن العقوبات الزجرية في المواد الـ11 المثيرة للجدل، خلال عرض القانون على «مجلس الأمة» يومَي الأربعاء والخميس الماضيين، وهي الخطوة التي عدَّها مراقبون وسيلة الحكومة لـ«تفكيك قنبلة الناقلين»، التي أربكت الفريق الحكومي؛ خشية اتساع رقعة الاحتجاجات، وانتقالها إلى قطاعات أخرى تعيش حالة من «الاحتقان الصامت».

قانون «أحادي الجانب»

يهدف هذا النص، بحسب الوزير سعيود، إلى «تحديث الإطار القانوني لحركة السير على الطرقات». غير أنه تعرّض لانتقادات من طرف عدد من أعضاء مجلس الأمة؛ بسبب طابعه الزجري، وتشديد العقوبات، وارتفاع مستوى الغرامات. وحذَّر المتدخلون من تداعياته على السائقين المهنيين وعلى المواطنين، الذين يعتمدون على مركباتهم في تأمين عيشهم اليومي، مع التشديد على ضرورة تحقيق توازن بين الردع والوقاية، وأخذ الحالية السيئة للطرقات بعين الاعتبار، إضافة إلى مسؤولية السلطات في مجال الصيانة. وأشار بعض البرلمانيين إلى «النتائج السلبية»، التي خلَّفها قرار الحكومة منذ 5 سنوات بوقف استيراد قطع الغيار، على حالة المركبات، وهو ما يفسر حسبهم ارتفاع الحوادث.

وكانت مداخلة مهني حدادو، منتخب «جبهة القوى الاشتراكية» المعارضة، لافتة بشكل خاص، إذ ندد بالمشروع، وعدَّه نصاً «أحادي الجانب، تم إقراره من دون تشاور حقيقي مع مهنيي النقل والنقابات، والخبراء والمجتمع المدني».

وقال حدادو: «إن قانوناً يتعلق بأمن المواطنين لا يمكن فرضه دون نقاش وطني، ويجب أن يعكس حوكمة تشاركية حقيقية». وطالب بسحبه، مؤكداً «ضرورة تعويضه بنص نابع من حوار وطني شامل ومتوازن، ومتكيف مع واقع القطاع ومتطلبات السلامة المرورية».

وزير الداخلية والنقل (مجلس الأمة)

وأمام هذه الانتقادات، أكد وزير القطاع في رده على انشغالات أعضاء «مجلس الأمة» أن القانون «لا يهدف إطلاقاً إلى معاقبة المواطنين، بل إلى ضمان سلامتهم». وقال بهذا الخصوص: «لسنا في منطق معاقبة المواطنين. ولو علمت أنني قد أكون يوماً مجرد ذريعة لمعاقبة المواطنين، فسأغادر منصبي على الفور».

وأوضح الوزير أن الجانب الزجري في النص «يُعدّ أداةً للوقاية قبل كل شيء، وليس غايةً في حد ذاته، ويهدف إلى تحميل جميع الفاعلين في المنظومة مسؤولياتهم، وحماية أرواح مستعملي الطريق». كما شدد على أنه «يُشكِّل مرحلةً أساسيةً لتعزيز السلامة المرورية والحد من حوادث المرور»، التي وصفها بأنها «من أخطر الظواهر ذات الآثار الجسيمة».

الحالات الأشد خطورة

يجرّم المشروع تزوير التقارير الفنية، عندما لا تذكر الأعطال الموجودة في المركبة، أو عندما تتضمَّن التقارير معلومات غير صحيحة. كما يوسّع نطاق المسؤولية ليشمل مدارس تعليم السياقة ومراكز التكوين، والمسؤولين عن صيانة الطرق، إضافة إلى المستوردين والمصنعين والموزعين لقطع الغيار المقلدة. ويصنف المخالفات حسب خطورتها، مُميِّزاً بين المخالفات والجنح، مع إقرار عقوبات تكميلية، مثل سحب أو إلغاء رخصة السياقة.

وزير العدل (مجلس الأمة)

وكان وزير العدل، لطفي بوجمعة، قد تطرَّق إلى الموضوع، موضحاً أن أقسى العقوبات لا تخص إلا الحالات المشددة، مثل السياقة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والفرار بعد حادث، واستعمال وثائق مزورة (خاصة بالمراقبة الفنية)، و«انتحال الهوية»، أو غيرها من المخالفات الخطيرة. وأكد أن الهدف ليس معاقبة المواطنين «بصورة عشوائية»، موضحاً أن كل قضية تعالج على حدة من قبل القضاء، وفقاً لأدلتها وملابساتها الخاصة، وفي إطار احترام صارم للضمانات القانونية.

كما قال وزير العدل إن هذه العقوبات «متناسبة وقانونية، وتهدف أساساً إلى حماية المواطنين وضمان حقهم في طريق آمنة، وليس إلى المعاقبة التعسفية. ويأتي النص في إطار منطق الوقاية والسلامة والمسؤولية الجماعية».


مقالات ذات صلة

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

شمال افريقيا الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

باريس : زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر والعكس صحيح».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

قطار التطبيع يتسارع بين باريس والجزائر بملفات الأمن والقضاء

«أولئك الذين لا يسعون إلا لاستفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات (الرئاسة الجزائرية)

الملفات الخلافية بين الجزائر وباريس تفتح فصلاً جديداً من الاختبار القضائي

يبحث وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بالجزائر، الاثنين المقبل، عدة قضايا خلافية، بعضها شكل «أزمة داخل الأزمة الكبرى» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع الرئيس بوزراء وقادة أمنيين حول انتخابات البرلمان (الرئاسة)

المعارضة الجزائرية «تستنجد» بالرئاسة لمواجهة «أزمة التزكيات»

قبل 3 أسابيع من انطلاق حملة الانتخابات البرلمانية الجزائرية، تتصاعد حدة العقبات أمام الأحزاب السياسية التي تفتقر لوعاء من المنتخبين المحليين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

عادت وقائع «الهجرة غير الشرعية» إلى الواجهة في مصر بعد سقوط ضحايا جدد على متن ما يُعرف بـ«قوارب الموت» التي تُقلهم إلى السواحل الأوروبية، ما دفع نواب في البرلمان للتحرك وتقديم طلبات إحاطة حول أسباب استمرار تجاوب المصريين مع عصابات التهريب في القرى والنجوع رغم تشديد الإجراءات الأمنية على السواحل.

وجددت المأساة التي شهدتها منطقة سيدي براني بمحافظة مرسى مطروح بشمال غربي البلاد، الجمعة الماضي، مع العثور على جثامين 17 شخصاً لقوا حتفهم في أثناء محاولة الهجرة، تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها الحكومة للحد من الظاهرة، ومدى انعكاسها على جهود تضييق الخناق على «الهجرة غير النظامية»، وأسباب استمرارها.

وجاءت الواقعة الأحدث بعد أيام من تحرير مئات من المصريين سعوا إلى الهجرة لأوروبا في رحلات غير نظامية، واحتُجزوا في ليبيا. وخلال الأشهر الماضية لقي آخرون حتفهم في حوادث غرق قرابة السواحل الأوروبية، في ظل استمرار المناشدات التي توجهها جهات حكومية بضرورة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وعدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر، والابتعاد تماماً عن السفر عبر الطرق غير القانونية.

تحرك برلماني

وتقدم وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب ياسر الهضيبي، الثلاثاء، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزارات الخارجية والشباب والرياضة والتضامن الاجتماعي والعمل والتربية والتعليم، بشأن ازدياد استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن من قبل سماسرة الهجرة غير الشرعية، وتحول بعض القرى والمناطق إلى بيئات طاردة للشباب ومحفزة للهجرة غير النظامية.

«الخارجية» المصرية أعادت في السابق مهاجرين غير شرعيين هربوا إلى ليبيا قبل وصولهم إلى سواحل أوروبا (وزارة الخارجية)

وجاء في طلب الإحاطة أن «بعض المحافظات والقرى المصرية تشهد خلال السنوات الأخيرة تنامياً خطيراً في ثقافة الهجرة غير الشرعية، بعدما تحولت لدى عدد من الأسر إلى حلم جماعي يتم الترويج له بوصفه الطريق الأسرع لتحسين الأوضاع المعيشية؛ الأمر الذي خلق بيئة خصبة تستغلها شبكات السمسرة والاتجار بالبشر في استقطاب الشباب والأطفال، ودفعهم إلى خوض رحلات شديدة الخطورة عبر الحدود البحرية والبرية».

وأكد الهضيبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة تولي اهتماماً بمواجهة الظاهرة، وأنها كثفت من إجراءاتها الأمنية واستحدثت إدارات شرطية تتبع «إدارة الأموال العامة» لضبط شبكات التهريب، ونجحت بالفعل في ضبط كثير من القضايا التي استهدفت تهريب مصريين أو أجانب يوجدون على الأراضي المصرية، لكنه شدد أيضاً على أن «التعامل الأمني وحده لا يكفي للتعامل مع الأزمة التي تأخذ أبعاداً مختلفة».

ويطالب الهضيبي، وهو أيضاً سكرتير عام حزب «الوفد»، بوجود تعاون مشترك بين وزارات الإعلام والأوقاف والتعليم والتضامن الاجتماعي إلى جانب مؤسسة الأزهر للتعرف على أسباب اتجاه الشباب نحو الهجرة، وتعريفهم بخطورة المسارات غير النظامية، وتوجيههم نحو فرص شرعية للسفر الجيد الذي يلبي طموحاتهم إذا اقتضى الأمر ذلك.

أعداد في ازدياد

لم يكن تحرك الهضيبي هو الوحيد، إذ سبقه وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب أيمن محسب، الذي تقدم أيضاً بطلب إحاطة «بشأن تصاعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، وما تمثله من تهديد لحياة الشباب واستقرار المجتمع، في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر عبر مسارات الهجرة غير النظامية».

وأوضح محسب أن البيانات الدولية تشير إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب.

وأضاف: «رغم نجاح الدولة منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة مباشرة من السواحل المصرية، فإن شبكات التهريب أعادت تشكيل نشاطها عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط». وطالب بإعادة تقييم السياسات الحالية، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية والتوعية والتأهيل الاقتصادي في المناطق التي تتصدر الهجرة غير الشرعية.

«ثغرة» الحدود

ويرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أيمن زهري، أن مصر ما زالت تعاني «كابوس الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أن نشاط هذه العمليات يزداد خلال أشهر الصيف بسبب مخاوف عصابات التهريب والمهاجرين من الإبحار في الشتاء خشية من تقلبات الجو ونوات البحار، وبالتالي فإن تعدد الحوادث أخيراً يُعد «نمواً طبيعياً يرتبط بالظروف المناخية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة المصرية تبذل جهوداً ضخمة للحد من الظاهرة، وهناك لجنة وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية تتشارك فيها 30 وزارة وجهة مختلفة، بالإضافة إلى تشريعات رادعة تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وهناك عقوبات تم تغليظها مؤخراً على المشاركين في عمليات التهريب، إلى جانب الضبط الأمني شبه الكامل على السواحل الشمالية».

ويؤكد زهري أن الثغرة الحالية تتعلق بالحدود الغربية مع ليبيا، وقال: «الظروف الأمنية الصعبة في ليبيا تجعل الظروف غير مواتية لتحقيق سيطرة كاملة، كما أن مصر تواجه صعوبات في السيطرة على أكثر من 1000 كيلومتر من الحدود المشتركة».

وتابع بقوله إن استمرار نشاط التهريب يعود أيضاً «إلى التواطؤ بين الراغبين في الهجرة والمُهربين، وبالتالي تكون البلاغات ضئيلة للغاية، وهو أمر توظفه شبكات التهريب للإيقاع بالشباب وتشجيعهم على السفر».

ويبقى الأمل في فرص معيشية أفضل من أكبر العوامل وراء السعي إلى الهجرة غير النظامية رغم كل ما يحيق بها من أخطار.


«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
TT

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)
رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو (تموز) المقبل، بعد فترة دامت عدة أسابيع، شهدت سباقاً محموماً بين الأحزاب السياسية وقوائم المرشحين المستقلين، لجمع التوقيعات واستكمال الملفات الإدارية.

أمين عام التجمع الديمقراطي في حملة انتخابية مبكرة بالعاصمة (إعلام حزبي)

وفي المؤشرات الميدانية، كشفت مصادر حزبية عن فشل قوى سياسية عديدة في استيفاء الشروط القانونية لجمع التوقيعات، خصوصاً في الدوائر الانتخابية الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة بـ(31 مقعداً). وهذا الإخفاق التنظيمي للأحزاب يعكس، بحسب مراقبين، عمق الفجوة والعزوف الانتخابي لدى المواطنين، ما يفتح الباب أمام شبح المقاطعة القياسية التي شهدها استحقاق عام 2021.

ووفق المكاتب الولائية لسلطة الانتخابات، فإن الساعات الأخيرة التي سبقت انتهاء المهلة القانونية، شهدت طوابير وضغطاً كبيراً من قبل ممثلي الأحزاب والأحرار، الذين تدافعوا على مقراتها لإيداع قوائم الترشيحات قبل غلق النظام آلياً.

صراع «الماركات» السياسية

أكبر الاحزاب المتنافسة هي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل» و«حركة البناء الوطني»، عن أحزاب الغالبية الرئاسية، و«حركة مجتمع السلم» و«حزب العمال» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«جبهة القوى الاشتراكية» عن المعارضة.

وبانقضاء الآجال القانونية للإيداع، تبدأ انطلاقاً من اليوم الثلاثاء، المرحلة الأكثر حرجاً للمترشحين، حيث تنطلق عملية دراسة الملفات، وتدقيقها من طرف الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية وذلك لمدة ثمانية أيام. وسيركز «الغربال القانوني» لهيئة الانتخابات على مراجعة السوابق القضائية، والتحري حول مدى استيفاء المترشحين لشروط السيرة والنزاهة، وإسقاط أي صلة محتملة بـ«المال الفاسد»، أو محاولات التأثير على أصوات الناخبين بطرق غير قانونية، قبل الإعلان عن قوائم الترشيحات المقبولة نهائياً لخوض غمار الحملة الانتخابية التي ستنطلق في التاسع من يونيو (حزيران) المقبل.

الملصق الرسمي الدعائي لانتخابات 2 يوليو 2026

وكتبت «القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض بحسابها بالإعلام الاجتماعي، إثر الانتهاء من إيداع لوائح مرشحيها أن «المرحلة المقبلة مخصصة للعمل الميداني، وتجنيد المواطنين للتصويت، والتعريف بالمشروع الديمقراطي والاجتماعي الذي يقترحه حزبنا».

وتشير توقعات إلى أن الاستحقاق الجديد سيشهد قفزة في عدد قوائم المستقلين، التي يقودها مترشحون لا تتجاوز أعمارهم الـ40، مستفيدين من دعم مالي مباشر خصصته الدولة، قدره 300 ألف دينار لكل مترشح (ما يعادل 1250 دولاراً)، ومن الإعفاء من بعض الرسوم، وهو ما يمثل الورقة الرابحة التي تراهن عليها هيئة الانتخابات لضخ دماء جديدة داخل «المجلس الشعبي الوطني» في تركيبته الجديدة المنتظرة.

وقبل ساعات قليلة من إسدال الستار على مهلة إيداع ملفات الترشح، تلقت القوة السياسية الثانية في البلاد ضربة موجعة؛ حيث أسقطت هيئة الانتخابات ملفات سبعة مترشحين عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» بولاية مستغانم بغرب البلاد، على خلفية تحريات أمنية وإدارية أكدت وجود شبهات فساد تحوم حول الأسماء المقصاة.

وضع اللمسات الأخيرة للترشحيات في جبهة القوى الاشتراكية (إعلام حزبي)

ولم يكن الغربال القانوني هذه المرة عادياً، إذ أطاح بالصف الأول لرجال الحزب في الولاية؛ وشمل قرار الرفض رئيس المجلس الشعبي الولائي عباسة إدريس، ورئيس المكتب الولائي للحزب عفيف سنوسي، إلى جانب عضو سابق في «مجلس الأمة» (غرفة البرلمان الثانية) وخمسة مترشحين آخرين. وهذا الإقصاء الجماعي وضع الحزب في مأزق تنظيمي حرج داخل ولاية، تُعد تاريخياً من أبرز معاقله الانتخابية، ما دفع بقيادته إلى تسريع تفعيل «قوائم التعويض» في الربع الساعة الأخيرة لتفادي سيناريو الغياب الكلي عن السباق.

«إرث أويحي»

فتحت هذه الصدمة نقاشاً سياسياً حاداً حول آليات انتقاء الترشحات، وتزكية الوجوه داخل الهياكل الحزبية. كما يضع التطور الميداني الخطاب الإعلامي للأمين العام للحزب، منذر بودن، أمام محك مصداقية عسير؛ فالرجل الذي لم يتوقف في حملته الأخيرة عن رفع شعار «محاربة الفساد وتطهير الصفوف»، يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع تنظيمي عنيد، يثبت أن الشبهات لا تزال تلاحق قيادات بارزة من قسنطينة شرقاً إلى وهران ومستغانم غرباً. علماً أن أمين عام الحزب سابقاً، أحمد أويحي، يقضي عقوبة 12 سنة سجناً بعد إدانته بتهمة «الفساد وسوء التسيير»، وذلك بوصفه رئيس حكومة سابقاً.

وشهد «التجمع» هزة عنيفة الشهر الماضي، إثر تداول تسريب صوتي لقياديين منه في ولاية قسنطينة، أظهر ممارسات غير قانونية بخصوص معايير اختيار الناخبين. وجر هذا التسريب المسؤول الأول عن الحزب في هذه الولاية إلى المساءلة عند النيابة.

اجتماع لحركة مجتمع السلم تحضيرا للحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

ويرى متابعون للشأن السياسي أن تساقط أوراق المترشحين في «فخ النزاهة والمال الفاسد» يعكس أزمة أعمق، تتعلق بغياب الرقابة القبلية الصارمة داخل الأحزاب الفاعلة قبل تقديم قوائمها رسمياً.

وفي نظر مراقبين، فإن ما شهدته مستغانم وقبلها قسنطينة، يبعث بإشارات شديدة السلبية إلى الرأي العام، ويؤكد أن الشبهات والممارسات التي لاحقت المواعيد الانتخابية السابقة ــ بدءاً بجمع التوقيعات وصولاً إلى هندسة القوائم ــ لا تزال تُستنسخ بحذافيرها في الموعد الثاني، أي في يوليو المقبل. وهذا التكرار المشهدي يُكسب الشارع الجزائري مبررات موضوعية إضافية للتمسك بخيار «النفور» وتكريس قطيعته مع صناديق الاقتراع، في ظل غياب أي كوابح حقيقية، تشي بحدوث مراجعة جذرية لآليات الماضي، بحسب المراقبين أنفسهم.


محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم التونسية، للمطالبة بإصلاحات في القطاع، والاحتجاج ضد ما عدُّوه «قيوداً على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء».

وحسبما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية»، فقد تجمع المحامون ببدلاتهم السوداء في ساحة قصر العدالة في العاصمة، اليوم، للإعلان عن بدء تحركهم الاحتجاجي، بينما ارتدى المحامون في أغلب محاكم البلاد الشارات الحمراء. ولم تسمح السلطات الأمنية بدخول وسائل الإعلام إلى ساحة المحكمة لتغطية الاحتجاج.

وحمل المحامون في وقفتهم لافتة كبيرة تحمل عبارة: «لا لتجاهل مطالب المحاماة... لا لإنكار العدالة»، ولافتات أخرى من بينها «لا للتضييق على حق الدفاع»، و«واجب توفُّر ضمانات المحاكمة العادلة». كما ردد المحامون: «لا سجون لا إيقاف... المحامي لا يخاف»، و«حريات حريات يا قضاء التعليمات».

وقال عميد المحامين بوبكر بالثابت: «ترفض المحاماة التونسية تجاهل مطالبها وإنكار العدالة. نحن اليوم مصرُّون على مطالبنا بكل تصميم ومسؤولية. ومطالبنا لا تكلف الدولة إلا القيام بواجبها. النظر في المطالب والإصلاحات والضمانات التي نطالب بها».

وتسود حالة من التوتر بين المحامين ووزيرة العدل ليلى جفال، بسبب تعطل الحوار حول مطالب مهنية وظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعتبره هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء.

ويحتج محامون، بشكل خاص، ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية ضد محامين بسبب شبهات فساد مالي.

وتشمل تحركات المحامين إضرابات تدريجية في الولايات على مدى الأسابيع المقبلة، وحتى يوم الثامن من يونيو (حزيران) المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني المقرر يوم 18 من الشهر نفسه.