خلاف محتدم بين واشنطن وطهران حول صيغة محادثات مسقط

بزشكيان يصرّ على عدم سعى إيران لامتلاك قنبلة نووية ويعرض فرصاً تجارية لترمب

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتوسط محمد إسلامي رئيس المنظمة الذرية ومحسن حاجي ميرزايي مدير مكتبه في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتوسط محمد إسلامي رئيس المنظمة الذرية ومحسن حاجي ميرزايي مدير مكتبه في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)
TT

خلاف محتدم بين واشنطن وطهران حول صيغة محادثات مسقط

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتوسط محمد إسلامي رئيس المنظمة الذرية ومحسن حاجي ميرزايي مدير مكتبه في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتوسط محمد إسلامي رئيس المنظمة الذرية ومحسن حاجي ميرزايي مدير مكتبه في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)

احتدم الخلاف بين واشنطن وطهران بشأن صيغة المحادثات المقررة في سلطنة عمان بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف السبت المقبل.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، إن عراقجي سيخوض السبت حواراً غير مباشر مع الولايات المتحدة في عمان؛ بناءً على توجيهات وتوصيات المرشد علي خامنئي.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليل الاثنين بشكل مفاجئ أن بلاده ستبدأ مباحثات «مباشرة» رفيعة المستوى مع إيران بشأن برنامجها النووي السبت المقبل، وذلك خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، تامي بروس، للصحافيين: «إنها ليست مفاوضات»، موضحة أن الهدف منها «تحديد ما هو ممكن في المباحثات» مع طهران. وأضافت: «إنه اتصال، إنه لقاء وليس تفاوضاً»، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكّدت طهران أن المحادثات ستعقد في عُمان، لكنها شددت على أنها ستكون «غير مباشرة». وسئلت بروس عن هذا الأمر، فرفضت الإدلاء بتفاصيل عن كيفية إجراء المحادثات أو مضمونها، لكنها ذكّرت بأن الرئيس الأميركي «يؤيد الدبلوماسية».

في الوقت نفسه، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بوجود احتمال عدم حضور المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة في اجتماع عمان إذا أصرت إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة.

وكان ترمب قد صرّح بأن المحادثات ستكون مباشرة — وهو أمر لم تستبعده الأوساط المقربة من حكومة بزشكيان بعد الجولة الأولى من النقاشات.

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن بزشكيان قوله بمناسبة اليوم الوطني للصناعة النووية إن «موقف الجمهورية الإسلامية من القضايا الكبرى هو الموقف نفسه الذي أكد عليه المرشد مراراً وتكراراً بوضوح»، مضيفاً أنه «موقف واضح، راسخ، وغير قابل للتشكيك. أما في المواضيع الأخرى التي يمكن فيها التفاعل، فستجري الحوارات بناءً على ذلك» دون أن يحدد تلك المحاور.

إسلامي يشرح لبزشكيان أمام نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي (الرئاسة الإيرانية)

وقال: «كما صرح المرشد نحن مستعدون للحوار والتعامل، لكن يجب أن يكون ذلك غير مباشر ويحفظ كرامتنا ويشمل ضمانات واضحة؛ لأننا لا نزال غير واثقين من الطرف الآخر. نؤكد مرة أخرى أن إيران لم تكن ولن تكون ساعية لامتلاك القنبلة النووية».

وأشار بزشكيان إلى أن «سياسة إيران الثابتة رفض السعي لامتلاك الأسلحة النووية»، مشيراً إلى أن هذا الموقف نابع من «قناعة راسخة لدى المرشد وليس مجرد تكتيك أو مصلحة مؤقتة».

وأضاف: «لا يزال البعض يرددون مزاعم بأن إيران تسعى لامتلاك القنبلة النووية. يدّعون أنهم يسعون للتحقق، في حين أنهم قاموا بمئات عمليات التحقق ولم يجدوا شيئاً وحتى لو قاموا بألف عملية تحقق أخرى، لن يجدوا شيئاً نخفيه».

وأكد بزشكيان أن إيران «لا تسعى للحرب، لكنها ستدافع بقوة ضد أي عدوان»، مشيراً إلى أن «كل تهديد يزيد من قوة صمودها». وأضاف «إيران ليست معتدية ولا تنوي الهجوم على أي دولة».

ورفض الرئيس الإيراني مرة أخرى أن تكون بلاده «تمر بأضعف مرحلة»، وألقى باللوم على انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق النووي قبل سبع سنوات، دون أن يذكر أسمه. وقال: «لم نكن نحن من بدأ بالانسحاب من الحوار، بل كان الآخرون هم من غادروا طاولة المفاوضات وهددونا. وفي مواجهة التهديدات، سنضطر إلى الرد والتصدي، لكننا ما زلنا نؤكد على الحوار والحلول السلمية».

من جهة أخرى، قال بزشكيان إن «المرشد لا يعترض على الاستثمارات الأجنبية، بما في ذلك من المستثمرين الأميركيين، بشرط ألا تكون مرتبطة بمؤامرات أو محاولات للإطاحة بالنظام أو سياسات غير صحيحة». وتابع: «إيران ليست مكاناً للمؤامرات والتسلل، بل هي ساحة للاستثمار والتنمية».

وتمثل تصريحات الرئيس الإيراني تحولاً في موقف طهران مقارنة بما بعد الاتفاق النووي لعام 2015 مع القوى العالمية، والذي سعت خلاله طهران إلى شراء طائرات أميركية، لكنها في الوقت ذاته منعت فعلياً دخول الشركات الأميركية إلى السوق الإيرانية.

وقد يلفت هذا العرض التجاري انتباه ترمب، الذي انسحب من الاتفاق النووي الإيراني ويبحث الآن عن اتفاق جديد مع طهران.

لطالما كانت إيران مترددة بشأن إقامة علاقات تجارية مع الولايات المتحدة. ففي عام 2015، عارض خامنئي استيراد السلع الاستهلاكية الأميركية أو الشركات الأميركية إلى إيران، حيث صرح قائلاً: «نحن لا نسمح بالتأثير الاقتصادي، ولا بالتأثير السياسي، ولا بالحضور أو التأثير الثقافي للأميركيين في بلادنا. سنواجه ذلك بكل الوسائل، ولن نسمح به».

وبعد تصريحات ترمب العلنية بشأن المفاوضات، أظهر الاقتصاد الإيراني المتهالك إشارات جديدة على الانتعاش. فقد تعافى الريال الإيراني، الذي كان قد سجّل أدنى مستوى له عند أكثر من مليون ريال مقابل الدولار الواحد، يوم الثلاثاء إلى 990 ألف ريال، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».

وانتقد بزشكيان «الحملات الإعلامية ضد إيران، مؤكداً أن من يتهمها بالاضطراب في المنطقة هم من يسببون الفوضى من خلال التدخلات العسكرية وإشعال حروب بالوكالة».

وقال: «يدّعي هؤلاء السلام، لكنهم حولوا العالم ساحة نزاع لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عبر بيع الأسلحة وإشعال الفتنة بين المسلمين وشعوب المنطقة، ويحاولون استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية». وأضاف: «نحن نسعى للسلام والأمن والحوار العقلاني، لكننا لن نتنازل عن إنجازاتنا، ولن نسمح لأحد بإعاقة إبداعه وتقدمه».

وتابع بزشكيان: «المحللون الذين يتوقعون فشلنا غالباً ما تكون توقعاتهم خاطئة. مهما كانت الخلافات الداخلية، فإننا متحدون في الدفاع عن وحدة أرضنا وكرامتنا». وأضاف: «الشعب الإيراني مستعد للدفاع عن وطنه، ولن نسمح لأحد بتقويض أمننا واستقلالنا. من يعتقد أنه يمكنه استغلال الظروف ضد إيران يعيش في أوهام».

من جانبه، قال رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، إن «أنشطة منظمة الطاقة الذرية استمرت بقوة رغم التهديدات والتخريب والعمليات الإرهابية والمضايقات الخارجية».

مظاهرة في طهران

وتظاهر مئات الأشخاص في طهران، الأربعاء، حيث أحرقوا دمية تمثل عَلم الولايات المتحدة وسط هتافات مناهضة لأميركا وإسرائيل، بما في ذلك «الموت لأميركا!» و«الموت لإسرائيل!». وفي جانب المظاهرة، وٌضعت توابيت مزيفة تحمل أسماء مسؤولين إسرائيليين، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. كما رفع المحتجون لافتات تندد بمقتل المدنيين في حرب غزة.

في هذه الأجواء، صرحت إحدى المتظاهرات، التي كانت تحمل لافتة «الموت لإسرائيل» وفضلت عدم كشف هويتها خوفاً من الانتقام، قائلة: «مفاوضات مع من؟ مع قاتل؟ مع محتل؟»، وتابعت: «يجب أن نضع هذه الأمور في الحسبان، فهم دائماً يظهرون طبيعتهم الحقيقية»، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وكان هناك رفض من بعض الأوساط الإيرانية للحوار مع الولايات المتحدة، فقد كان هناك غضب تجاه ترمب من جانب الهيئة الحاكمة الإيرانية، خصوصاً بسبب قراره بشن غارة بطائرة مسيَّرة أسفرت عن مقتل مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» الجنرال قاسم سليماني في بغداد عام 2020. وقال مسؤولون أميركيون إن ترمب تعرَّض لتهديدات بالاغتيال من قِبل إيران قبل الانتخابات الرئاسية في 2024.


مقالات ذات صلة

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

شؤون إقليمية وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، ​اليوم الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

أضحت الخلافات الجوهرية في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتركز على أولويات الأجندة؛ إذ تتمسك واشنطن باتفاق نووي بينما تركز طهران على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بأميركا

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة البريطانية (رويترز)

إيرانيان يمثلان أمام محكمة بريطانية بتهمة التخطيط لهجوم على الجالية اليهودية

مثل رجلان إيرانيان أمام محكمة في لندن، السبت، بعد اتهامهما بالتخطيط لهجوم يستهدف الجالية اليهودية في مانشستر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
TT

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، ​اليوم الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال، وأن حامد بوفارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية المملوكة ‌للدولة، سيتولى ‌منصب ​القائم ‌بأعمال ⁠الوزير.

وقال مهدي ‌طباطبائي، ‌نائب رئيس مكتب ​الرئيس الإيراني ‌مسعود بزشكيان لشؤون الاتصالات، في ‌تصريح للتلفزيون الرسمي، إن باك نجاد استقال لأسباب شخصية قائمة «منذ فترة طويلة»، مضيفاً أن الرئيس ‌قبل استقالته بعد إصرار الوزير، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتولى محسن باك نجاد وزارة النفط في إيران، عضو منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، ⁠في أغسطس (آب) 2024، ‌وتأتي ‌استقالته في ​ظل ضغوط الحرب ‌الدائرة بين إيران ‌والولايات المتحدة منذ سبعة أشهر على اقتصاد البلاد.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن مسؤول ‌بمكتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله: «بعد قبول ⁠الدكتور ⁠بزشكيان استقالة محسن باك نجاد، تم تعيين حامد بوفارد وزيراً للنفط بالوكالة».

وقبل إعلان استقالته، نقلت وسائل الإعلام الرسمية عن باك نجاد قوله: «لا تزال عائدات النفط الذي بعناه ​مستمرة، ​وستستمر بإذن الله».


بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
TT

بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، بمراجعة الإجراءات الأمنية للرحلات الجوية الدولية المتجهة إلى إسرائيل، عقب مهاجمة مساعد طيار قبطان طائرة عائدة لشركة «فلاي دبي» متجهة من دبي إلى تل أبيب هذا الأسبوع.

وقال مكتب رئيس الوزراء، في بيان، إن نتنياهو «أوعز إلى رئيس مجلس الأمن القومي، شموئيل بن عزرا، بتعيين مُدقّق لإجراء مراجعة شاملة لجميع الجوانب الأمنية المتعلقة بالطيران المدني الأجنبي المتجه إلى إسرائيل»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب قد اقتربت من كارثة صباح الأربعاء، عندما طعن المهاجم قائده.

وقال أشخاص كانوا على متن الطائرة في مقابلات معهم، إن القائد، الذي أصيب بجروح بالغة، تمكن من فتح باب قمرة القيادة، ما سمح لمجموعة من الركاب وأفراد الطاقم بالسيطرة على المهاجم، فيما تمكن طياران احتياطيان كانا على متن الرحلة من استعادة السيطرة على الطائرة وتثبيتها، ثم الهبوط بها بسلام.

وكشفت شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مصادر، أن مساعد قائد الطائرة يدعى همام الهمامي.


إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)

قررت السلطات الإسرائيلية، الأحد، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، يومي الاثنين والأربعاء المقبلين، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في بيان، إنه أقر توصية الجيش بفرض الإغلاق في الخامس والسابع من الشهر الحالي، في ضوء ما وصفه بـ«تقييم الوضع الأمني»، وبمناسبة إحياء ذكرى أحداث السابع من أكتوبر 2023.

وينص القرار على استثناء حالات محددة في الضفة الغربية بعد الحصول على موافقة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب السماح بمرور العاملين الأساسيين في القطاع الصحي وحالات مرتبطة بالتزامات قدمتها إسرائيل أمام المحكمة العليا، واحتياجات تتعلق بمنطقة التماس.

ويشمل القرار كذلك إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة خلال اليومين المحددين؛ ما يفرض قيوداً إضافية على حركة الفلسطينيين عبر نقاط العبور.

الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة في يونيو الماضي (رويترز)

وربط البيان الإسرائيلي قرار الإغلاق بتقييم الوضع الأمني، وبمناسبة إحياء ذكرى هجمات السابع من أكتوبر 2023، دون الإشارة إلى حادث أمني محدد وراء القرار.

وتفرض إسرائيل إغلاقات على الضفة الغربية في مناسبات وأوقات تقول السلطات إنها تتطلب تشديد الإجراءات الأمنية، وتشمل القيود حركة الفلسطينيين عبر الحواجز والمعابر، مع السماح باستثناءات تحددها السلطات الإسرائيلية.

ويتزامن الإغلاق المقرَّر، الأسبوع الحالي، مع تنظيم مراسم في إسرائيل لإحياء الذكرى الثالثة للهجمات، من بينها مراسم مقررة، الاثنين، في القدس لعائلات قتلى الهجمات والحرب.

المسؤولية عن الإخفاق في «فلاي دبي»

في غضون ذلك، تحول ملف محاولة إسقاط طائرة «فلاي دبي»، الذي وقع، الأسبوع الماضي، في أثناء تحليقها من دبي إلى تل أبيب، إلى مادة للجدل السياسي، وتحميل المسؤولية عن «إخفاق أمني» إسرائيلي.

وتواكب ذلك السجال مع قرب الانتخابات الإسرائيلية المقررة، نهاية الشهر. ونقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل تلقت مسبقاً قائمة بأسماء أفراد طاقم وركاب رحلة «فلاي دبي». وبحسب مصادر أمنية فإن «الجهات في المؤسسة الأمنية المسؤولة عن مراقبة وفحص أطقم الرحلات الخارجية في إسرائيل، والتي كان يُفترض أن تفحص القائمة هي قسم الأمن في وزارة المواصلات وجهاز (الموساد)».

ووفق المصادر الأمنية، «يُفترض بالجهتين المذكورتين أن تتلقيا قوائم أطقم الرحلات من الخارج القادمة إلى إسرائيل، قبل 48 ساعة من موعد الرحلة، وأن تبلغا عن وجود شبهات بشأن أي من أفرادها».

وجاء في موقع قسم الأمن والطوارئ والأمن السيبراني في وزارة المواصلات، أن من ضمن مهام القسم الأمني «تحديد وتطوير وتكييف وتوجيه إجراءات الأمن لخدمات النقل الجوي من إسرائيل وإليها، بما يضمن خلوها من التهديدات الإرهابية، ومن بينها إجراء فحص أمني للرحلات الأجنبية التي تعبر إسرائيل أو تصل إليها».

ركاب من رحلة تابعة لشركة «فلاي دبي» (كانت قد حَوَّلت مسارها سابقاً) بعد هبوطهم في مطار بن غوريون الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وقال جهاز الأمن العام (الشاباك) في هذا السياق، إنه مسؤول عن أمن شركات الطيران الإسرائيلية فقط، إلى جانب توجيهات الأمن في مطار «بن غوريون»، وليس عن شركات الطيران من الخارج.

وتوافق ذلك مع تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» عمن وصفته بـ«مسؤولين إقليميين»، الأحد، أن «السلطات الإماراتية كانت قد شاركت مع إسرائيل قائمة بأسماء الركاب وطاقم العمل قبل انطلاق رحلة (فلاي دبي)»، وأضافت أن تل أبيب لم تبلغ عن أي ملاحظات أمنية حول الركاب أو طاقم الرحلة.

وكان النائب العام الإماراتي حمد الشامسي، قد أعلن السبت، أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد طائرة «فلاي دبي» في تنفيذ «عملية إرهابية». وبحسب الشامسي، فإن «التحقيقات لا تزال جارية لكشف جميع ملابسات الواقعة ودوافعها والصلات المرتبطة بها، إلى جانب استكمال الفحوص الفنية، وفحص الأدلة المادية والرقمية، على أن تُعلن النتائج النهائية فور استكمال الإجراءات اللازمة».

نتنياهو يكرس الاحتفالات

ويسعى المسؤولون الأمنيون والسياسيون الإسرائيليون إلى التهرب من المسؤولية عن واقعة «فلاي دبي». بينما يعمل رئيس الوزراء نتنياهو على تكريس مسار الاحتفالات بنجاة الركاب «بفضل الطيار الهندي والركاب الإسرائيليين»، بينما سعى فريقه الانتخابي إلى الترويج بأن الحادث يثبت أهمية دوره في قيادة إسرائيل.

وقد علق الكاتب الإسرائيلي البارز، بن كسبيت بالقول، في منشور على «إكس»: «والآن، يمكننا أن نحدد بشكل مؤكد: كان هنا تقصير. إخفاق من النوع الكبير. الطيار (...)، وجد نفسه يقود طائرة تضم 174 إسرائيلياً إلى إسرائيل. وهذه ليست المرة الأولى. الإخفاق هو أولاً لدى المستوى المهني: (الموساد) و(الشاباك) ووزارة المواصلات، رومان غوفمان ودافيد زيني وغيرهما من المسؤولين في (الليكود)، ووزيرة المواصلات ميري ريغف، الذين قاموا بتعيينهم في مناصبهم. في دولة طبيعية سليمة كان يتحمل مسؤولية إخفاق كهذا أيضاً القيادة السياسية، ولكن ليس عندنا؛ فهنا ستواصل ريغف شم الهواء في الخارج، بينما نتنياهو يستطيع الاستمرار في التقاط الصور، وتسجيل الأفلام مع الأبطال الناجين، وتجاهل حقيقة أنهم اضطروا إلى إنقاذ أنفسهم؛ لأنه فشل. فشل للمرة المائة في أداء واجبه».

وذكر بن كسبيت أن «إسرائيل مرت بتجربة شبيهة في سنة 2002؛ ففي حينه حاول مسلحان من كينيا تفجير طائرة مدنية إسرائيلية بواسطة صاروخي كتف من طراز (ستريلا)، بعد أن أقلعت. وبناءً على ذلك، أجريت دراسات ومشاورات عدة، ووضعت سلسلة قوانين وإجراءات جديدة، تستند إلى القناعة بأنه حيثما يوجد إسرائيليون وطائرات متجهة إلى إسرائيل يوجد خطر تفجير».

وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق في عام 2023، على مشروع قانون نص على إنشاء مركز يفحص مسبقاً قوائم أسماء الركاب وأفراد الطواقم القادمين إلى إسرائيل. وأنشئت وحدة فحص قوائم الركاب داخل سلطة الضرائب، ومن المفترض أن تنقل المعلومات التي تصل إليها أيضاً إلى ممثلي «الشاباك» والشرطة و«الموساد» لفحص القوائم. وفي سنة 2024، أصدر مراقب الدولة متنياهو إيغلمان، تقريراً حذر فيه من إن إجراءات الأمن في الطائرات الإسرائيلية من جهة، وفي الطائرات الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل غير كافية لتوفير الأمن.

وأمام كل هذه المعطيات، لا تتحمل الحكومة المسؤولية، والإعلام باشر اتهام نتنياهو ووزيرته ريغف، لكن مصادر مقربة منه اتهمت أجهزة الأمن بالتقصير - كما في 7 أكتوبر - والتهرب من المسؤولية، وإلقائها على القيادة السياسية.

ونشرت وسائل إعلام عبرية أن «مصادر سياسية في أبوظبي أبلغتها بأن الإمارات غاضبة بسبب تسرع الحكومة الإسرائيلية في إصدار الأحكام، واستغلالها القضية في المعركة الانتخابية، بينما هي قضية أمنية ضخمة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وتحتاج إلى تغليب كل المصالح وإخضاعها لهذه المصلحة».