رسالة إيران لترمب: لا نريد الحرب ومستعدون للرد القوي

طهران ترفض التفاوض المباشر في ظل «التهديد بالقوة»

رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
TT

رسالة إيران لترمب: لا نريد الحرب ومستعدون للرد القوي

رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)
رئيس الأركان محمد باقري وقائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده خلال الكشف عن ترسانة باليستية نهاية الشهر الماضي (التلفزيون الرسمي)

أزاح رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، اللثام عن رد المرشد علي خامنئي على رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلاً إن إيران «سترد على التهديدات بكل قوة، لكننا لا نسعى وراء الحرب». وبدوره، أبلغ وزير الخارجية عباس عراقجي دبلوماسيين أجانب بأن طهران ترفض التفاوض المباشر في ظل «التهديدات» و«التناقضات».

ووضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران أمام خيارين: إما التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بشأن برنامجها النووي، وإما مواجهة الحل العسكري.

وقال ترمب، الجمعة، إن إيران ستكون مستعدة لإجراء محادثات مباشرة بشأن برنامجها النووي، وأبلغ صحافيين يرافقونه: «تجاهلوا الرسائل. أعتقد أنهم يريدون محادثات مباشرة».

وأضاف ترمب أنه يفضل إجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، مشيراً إلى أن ذلك قد يسهم في تسريع التوصل إلى اتفاق، وذلك بعدما ردت طهران على رسالة بعث بها ترمب، الشهر الماضي، برفض التفاوض المباشر، لكنها تركت الباب مفتوحاً أمام مفاوضات عبر الوسطاء.

وقال باقري إن «الرد الذي أصدره المرشد الإيراني ونقله وزير الخارجية ارتكز على أننا سنرد على التهديدات بكل قوة، لكننا لسنا طالبين للحرب، وليس لدينا أي نية لبدء حرب».

وبحسب باقري، فإن رد خامنئي «تم التأكيد فيه على أننا نسعى لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ولا نبحث عن امتلاك أسلحة نووية، بل نلبي احتياجات شعبنا في المجال النووي، إلى جانب قضايا أخرى تم التطرق إليها في الرد»، دون تقديم التفاصيل.

في السياق نفسه، أفادت «رويترز» عن «مسؤول إيراني رفيع المستوى» بأن إيران ترفض مطالب الولايات المتحدة بإجراء مفاوضات مباشرة حول برنامجها النووي تحت تهديد الضربات العسكرية، محذراً من الدول التي تضم قواعد أميركية في المنطقة من أنها «قد تصبح أهدافاً في حال مشاركتهم في أي هجوم ضد إيران».

وخاطب باقري الأميركيين قائلاً: «لن نجري مفاوضات مباشرة، لكن المفاوضات غير المباشرة ليست مشكلة. لقد كنتم الطرف الذي أخلف العهود في المفاوضات السابقة، ومن ثم لا يوجد أي ثقة بكم. رغم ذلك، فإننا لا نغلق باب المفاوضات غير المباشرة، وإذا تحركتم بنية صادقة، فإنه يمكننا التفاوض».

ووصف باقري رد خامنئي بأنه معقول وحكيم، ويهدف إلى إبلاغ شعبنا وشعوب العالم بأن استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدفاع عن مصالحها، والتقدم نحو أهدافها المرسومة». وأضاف: «نحن لسنا نظاماً محباً للحرب، لكننا في الوقت نفسه لا نتحمل الغطرسة، وسنقف بصلابة».

وجاءت تصريحات باقري غداة رفض وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إجراء مفاوضات مباشرة مع طرف يهدد باستخدام القوة ضد إيران، ويعبر مسؤولوه عن «مواقف متناقضة».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن عراقجي قوله خلال مناسبة عامة، ليلة السبت، إن «إجراء مفاوضات مباشرة مع طرف يلوّح باستمرار باستخدام القوة، في خرقٍ واضح لميثاق الأمم المتحدة، ويعبّر مسؤولوه عن مواقف متناقضة، أمر لا معنى له».

لكنه قال في الوقت نفسه إن «إيران ما زالت ملتزمة بالمسار الدبلوماسي، ومستعدة لاختبار خيار التفاوض غير المباشر».

وقال عراقجي لمسؤولين إيرانيين ودبلوماسيين أجانب إن «رد إيران على رسالة الرئيس الأميركي جاء منسجماً مع محتواها ولهجتها، مع الحفاظ على باب الدبلوماسية مفتوحاً».

وجدّد عراقجي التأكيد على موقف طهران الرافض للتفاوض المباشر مع «أطراف تنتهج التهديد بالقوة»، مضيفاً أن «الالتزام بالدبلوماسية لا يعني التغاضي عن التناقضات الصارخة في مواقف بعض الدول، لكننا ما زلنا منفتحين على مسارات بديلة، مثل التفاوض غير المباشر».

وأردف: «نحن الآن مستعدون، في إطار منطق بناء الثقة مقابل رفع العقوبات الجائرة، لمواصلة الحوار بشأن البرنامج النووي وسبل رفع العقوبات». وأضاف: «إيران، في الوقت الذي تتمسك فيه بالدبلوماسية والحوار لحل الخلافات، فهي أيضاً مستعدة لكل الاحتمالات والتطورات. وكما نُظهر الجدية في المفاوضات، فإننا نُظهر الحزم نفسه في الدفاع عن مصالحنا وسيادتنا الوطنية».

عراقجي يتحدث أمام عدد من المسؤولين الإيرانيين بمقر عمله في يناير الماضي (الخارجية الإيرانية)

ودافع عراقجي عن أنشطة إيران النووي، وقال إن «طبيعته سلمية بحتة»، قائلاً: «إيران التزمت سابقاً بإجراءات طوعية ضمن خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) لضمان سلمية برنامجها النووي، لكن الولايات المتحدة هي من انسحبت بشكل أحادي من الاتفاق». وأتى تعليق عراقجي بعد ساعات من قول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إيران مستعدة للانخراط في حوار «على قدم المساواة» مع الولايات المتحدة. وسأل بزشكيان: «إذا كان الطرف الآخر يريد التفاوض، فلماذا يقوم بالتهديد؟»، مضيفاً: «اليوم، لا تهين أميركا إيران فحسب، بل العالم أيضاً».

نافذة زمنية قصيرة

وقال مسؤول إيراني رفيع لوكالة «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويته إنه رغم رفض إيران دعوة ترمب لإجراء محادثات مباشرة، فإنها عبَّرت عن استعدادها لمواصلة المفاوضات غير المباشرة عبر الوساطة العمانية التي كانت قناة تواصُل بين البلدين في فترات سابقة.

وقال المسؤول: «المفاوضات غير المباشرة توفر فرصة لتقييم جدية واشنطن في التوصل إلى حل سياسي مع إيران». وأضاف أن هذه المفاوضات ربما تبدأ قريباً إذا كانت الرسائل الأميركية تدعم هذا المسار، رغم أنه أشار إلى أن الطريق قد يكون «وعراً».

ولمح المسؤول الإيراني إلى أن بلاده اقترحت عمل «جولة أولى» من المفاوضات غير المباشرة «ربما تشمل وساطة عُمانية بين الوفدين الإيراني والأميركي»، مشيراً إلى أن « المرشد الإيراني علي خامنئي قد سمح لوزير الخارجية أو نائبه مجيد تخت روانجي بالمشاركة في أي محادثات عبر مسقط».

على الرغم من عدم تلقي تعليق رسمي من الحكومة العمانية، فإن المسؤول يعتقد أن هناك نافذة زمنية تمتد نحو شهرين للتوصل إلى اتفاق، محذراً من أن إسرائيل قد تستغل تأخر المفاوضات لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران؛ ما قد يؤدي إلى استعادة جميع العقوبات الدولية على طهران.

حالة تأهب قصوى

وفي سياق متصل، أفاد المسؤول بأن إيران وجهت تحذيرات إلى العراق والكويت والإمارات وقطر وتركيا والبحرين مفادها أن أي دعم لهجوم أميركي على إيران، بما في ذلك السماح باستخدام الأجواء أو الأراضي لمصلحة القوات الأميركية، «سيعد عملاً عدائياً»، ولم يصدر تعليق رسمي من تلك الدول على تقرير «رويترز».

وقال المسؤول إن مثل هذا التصرف «ستكون له عواقب وخيمة»، مضيفاً أن خامنئي وضع القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب قصوى.

وحذَّر قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، أمير علي حاجي زاده، الاثنين، من أنّ «الأميركيين لديهم ما لا يقلّ عن 10 قواعد في المنطقة المحيطة بإيران، ولديهم 50 ألف جندي». وأضاف أنّ «مَن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة».

وعاود ترمب العمل باستراتيجية «الضغوط القصوى» التي اتبعها في ولايته الأولى، وتتضمن جهوداً لخفض صادرات إيران النفطية إلى الصفر. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مبيعات النفط الإيرانية منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني).

وزارة الدفاع الإيرانية تعرض نظام الدفاع الجوي بعيد المدى «أرمان» في حفل بطهران في فبراير الماضي (رويترز)

وانسحب ترمب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي، في مايو (أيار) 2018، بعدما دأب على مدى أشهر مطالباً إيران بالعودة لطاولة المفاوضات لمعالجة «عيوب» الاتفاق النووي لعام 2015، بما في ذلك عدم تطرُّقه لأنشطة «الحرس الثوري» الإقليمية، وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية.

وفشلت جهود إدارة جو بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي. وتقوم طهران منذ أبريل (نيسان) 2021، وحتى الآن، بمراكمة اليورانيوم المخصب لدرجة نقاء تصل 60 في المائة، أي ما يقرب من الـ 90 في المائة اللازمة لتصنيع أسلحة نووية، وأعلى كثيراً من الحد الأقصى المنصوص عليه في الاتفاق وهو 3.67 في المائة.

ويقول ترمب إن إيران قريبة جداً من صنع قنبلة نووية، وهدد بقصف إيران ما لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن برنامجها النووي.

وفي حين تقول إيران إن أهدافها سلمية تماماً، وإن لها الحق في التخصيب إلى مستويات عالية لأغراض مدنية، تقول القوى الغربية إنه لا يوجد تفسيرٌ مدنيٌّ موثوقٌ به للتخصيب إلى هذا المستوى، وتقول «الذرية الدولية» إن أي دولة لم تفعل ذلك دون إنتاج قنبلة نووية.

وحذَّرت إسرائيل والولايات المتحدة من أنها لن تسمح لإيران بتطوير سلاح نووي، مع تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بزيادة كبيرة في توسع إنتاج طهران من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستويات الأسلحة.

وحذَّرت أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن إسرائيل تدرس تنفيذ ضربات كبيرة ضد المنشآت النووية الإيرانية، خلال النصف الأول من العام الحالي، مستغلّةً حالة الضعف التي تمر بها إيران، نتيجة انتكاسات إقليمية لتفكك حلفائها، وسقوط حليفها الإقليمي الأبرز بشار الأسد، وضربات استهدفت «حزب الله» اللبناني، وسخط داخلي يزداد بسبب تدهور الوضعين المعيشي والاقتصادي.

ويؤكد المحللون أن طهران مضطرة للتفاوض مع ترمب. ويرى ترمب أن تراجُع القوة العسكرية الإيرانية جعلها في موقع دفاعي ضعيف؛ ما يزيد من احتمال لجوئها إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من التصعيد العسكري.

وتصاعدت الحرب الكلامية بين إيران وإسرائيل، بعد تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرب المنشآت النووية الإيرانية، بدعم من واشنطن.

وأجرى الجيش الإسرائيلي، الشهر الماضي، تدريبات تحاكي ضربةً للمنشآت النووية الإيرانية، وذلك بالتزامن مع طلعات جوية لقاذفات «بي 52» الأميركية، مع مقاتلات إسرائيلية تدرَّبت على التزوُّد بالوقود جواً.

وأرسلت الولايات المتحدة قاذفات استراتيجية إلى جزيرة دييغو غارسيا في أرخبيل، كبرى جزر أرخبيل شاغوس في وسط المحيط الهندي. وأمر «البنتاغون» بتحريك أسطول بحري ليكون الثاني من نوعه، مع تصاعد العلميات العسكرية ضد جماعة الحوثي في اليمن، والتلويح بالخيار العسكري ضد طهران بشأن برنامجها النووي.

وأواخر مارس (آذار)، حذّر علي لاريجاني مستشار المرشد الإيراني من أن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، لكن «لن يكون أمامها خيار سوى القيام بذلك» في حال تعرّضت لهجوم.

وتخشى القوى الغربية من تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني، بعدما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة بات يكفي لإنتاج 6 قنابل، إذا أرادت طهران رفع نسبة التخصيب إلى 90 في المائة المطلوب لإنتاج الأسلحة.

من جهة أخرى، أكدت روسيا، الحليف الإيراني، أن التهديدات الأميركية باستخدام القوة ضد إيران غير مقبولة، ودعت إلى ضبط النفس في المنطقة.

وقال مسؤول إيراني إن إيران تسعى لتعزيز دعم روسيا، رغم شكوكها بشأن التزام موسكو التام بحليفتها، مشيراً إلى أن ذلك «يعتمد على ديناميكيات العلاقة» بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حسبما أوردت «رويترز».

وأثار التحرك العسكري الأميركي تساؤلات بين الخبراء الاستراتيجيين الأوروبيين عما إذا كان بمثابة تمهيد لضربة أميركية على إيران في الأشهر المقبلة.


مقالات ذات صلة

إيرانيون يحتفلون بـ«نوروز» في كردستان العراق رغم الحرب

شؤون إقليمية أكراد يحملون مشاعل نارية وهم يقفون على جبل خلال احتفالات رأس السنة الكردية «نوروز» في مدينة عقرة (د.ب.أ)

إيرانيون يحتفلون بـ«نوروز» في كردستان العراق رغم الحرب

رغم الحرب والمطر الغزير، احتفل أكراد إيرانيون بـ«عيد النوروز» في مدينة السليمانية بكردستان العراق على بُعد نحو مائة كيلومتر فقط من الحدود مع بلادهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

الرئيس الإيراني: بلادنا ليست لديها «أي خلافات» مع جيراننا

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم السبت، إن «المستفيد الوحيد من خلافاتنا هو الكيان الصهيوني» في إشارة إلى إسرائيل. وأضاف أن…

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران (رويترز)

حرب «هرمز» تتصاعد... وخطط أميركية للسيطرة على «خرج»

برزت جزيرة خرج بوصفها محوراً مركزياً في التفكير العسكري الأميركي، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه بدأ موجة من الضربات ضد البنية التحتية للنظام الإيراني في طهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية مجندة إسرائيلية من الوحدة السيبرانية (الجيش الإسرائيلي)

اتهام ضابط إسرائيلي في «القبة الحديدية» بالتجسس لإيران

أعلنت الشرطة الإسرائيلية وجهاز «الشاباك»، الجمعة، توجيه اتهام إلى ضابط يخدم في منظومة «القبة الحديدية»، بالتجسس ونقل معلومات «أمنية» حساسة إلى جهات إيرانية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو في صورة ترجع إلى لقاء بينهما في منتجع مارالاغو بفلوريدا ديسمبر الماضي (أ.ب)

خلافات بين ترمب ونتنياهو حول أهداف حرب إيران

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختلافاً واضحاً عما يبتغيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أهداف للحرب ضد إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع.

علي بردى (واشنطن)

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة
TT

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

عادت الحرب بين إيران وإسرائيل، السبت، إلى أخطر تقاطعاتها النووية، مع سقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في مدينة ديمونة، المدينة التي تضم المنشأة النووية الرئيسية في جنوب إسرائيل، بعد ساعات من إعلان طهران تعرض منشأة نطنز للتخصيب لهجوم جديد.

وبينما قالت تل أبيب إن محاولة اعتراض الصاروخ أخفقت، أكدت طهران عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي في نطنز، في وقت جددت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية دعوتها إلى ضبط النفس لتجنب أي حادث نووي.

وارتفع عدد المصابين في ديمونة إلى 54 شخصاً بعد نحو ساعة من الهجوم، بينهم طفل في الثانية عشرة في حالة خطيرة، بعد سقوط صاروخ إيراني أو شظاياه على المدينة. وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليات اعتراض نُفذت لكنها فشلت، مؤكداً فتح تحقيق في الحادث، فيما قالت طهران إن الضربة جاءت «رداً» على استهداف منشأة نطنز.

صورة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية من موقع إصابة الصاروخ في ديمونة

محاولات الاعتراض أخفقت

قالت خدمات الإسعاف الإسرائيلية إن 54 شخصاً نقلوا إلى المستشفى بعد سقوط صاروخ باليستي إيراني في ديمونة، بينهم طفل في حالة خطيرة وامرأة أصيبت بجروح متوسطة، فيما أصيب آخرون بشظايا أو أثناء اندفاعهم إلى الملاجئ، إضافة إلى حالات هلع. وكانت حصيلة سابقة تحدثت عن نحو 20 جريحاً، قبل أن ترتفع لاحقاً مع اتضاح حجم الأضرار.

وأفاد الجيش الإسرائيلي بأنه رصد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه الجنوب، وأن الدفاعات الجوية حاولت اعتراض الصاروخ الذي أصاب ديمونة، لكن «محاولات الاعتراض أخفقت». وأضاف أن الحادث سيخضع للتحقيق. ونقلت الشرطة الإسرائيلية صوراً من موقع الإصابة أظهرت أضراراً كبيرة في مبانٍ سكنية، فيما تحدث مسعفون عن «دمار واسع» ووجود محاصرين في بعض الأبنية.

وقال مسعفان من «نجمة داود الحمراء» إنهما وصلا إلى «ساحة صعبة» شهدت دماراً كبيراً، وإن فرق الإنقاذ سمعت نداءات استغاثة من داخل المنازل المتضررة، بينما تحدث سكان عن وجود مسنين في الأبنية المصابة. وأضافا أن المصابين شوهدوا قرب ملجأ عام في الشارع، بينهم رجل في الثلاثين أصيب في رأسه وآخر أصيب بشظايا وهو في طريقه إلى مكان محمي؛ وفقاً للقناة الـ13 الإسرائيلية.

وفي وقت لاحق، أفاد الإسعاف الإسرائيلي عن إصابة نحو 30 شخصاً في بلدة عراد الواقعة على مسافة نحو 25 كيلومتراً الى الشمال الشرقي من ديمونة، بعد إنذار بإطلاق إيران صواريخ إضافية.في إيران، قال التلفزيون الرسمي إن الهجوم الصاروخي على مدينة ديمونة، جاء «رداً» على قصف «العدو» منشأة نطنز النووية في وقت سابق السبت.

وفي أول تعليق رسمي إيراني، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى ديمونة، «أكثر المناطق الإسرائيلية تحصيناً»، يعد مؤشراً عملياً على دخول الحرب مرحلة جديدة، معتبراً أن «السماء الإسرائيلية باتت بلا دفاع».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا التطور يعني، أن وقت تنفيذ «الخطط اللاحقة» قد حان، واصفاً ذلك بأنه بداية مرحلة جديدة في مسار المواجهة.

وتكتسب ديمونة حساسية خاصة بسبب قربها من المنشأة النووية الإسرائيلية الرئيسية في صحراء النقب. ولم ترد تقارير فورية تؤكد إصابة المنشأة نفسها، لكن سقوط الصاروخ في المدينة دفع الملف النووي الإسرائيلي مجدداً إلى واجهة الحرب.

وتواصل إسرائيل سياسة الغموض حول برنامجها النووي، وتقول رسمياً إن مفاعل ديمونة مخصص للأبحاث، لكنها لا تؤكد ولا تنفي امتلاك أسلحة نووية، فيما يقدّر معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن لديها 90 رأساً نووياً.

قوات قيادة الجبهة الداخلية بموقع الحادث في ديمونة (الجيش الإسرائيلي)

ضربة على منشأة نطنز

جاءت ضربة ديمونة، بعد ساعات من إعلان المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا صباح السبت هجوماً على مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم في وسط إيران. وقالت، في بيان، إن الموقع استُهدف «إثر الهجمات الإجرامية» الأميركية والإسرائيلية، لكنها شددت على أنه «لم يتم الإبلاغ عن أي تسرب لمواد مشعة».

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الضربة لم تؤد إلى أي تسرب إشعاعي، وإن السكان القريبين من المنشأة ليسوا في خطر. وأضافت وسائل إعلام رسمية أن هذه هي المرة الثانية التي يستهدف فيها الموقع منذ بدء الحرب الحالية، بعد أن كان قد تعرض أيضاً للقصف في الأسبوع الأول من العمليات.

وتقع نطنز، وهي الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، على بُعد نحو 220 كيلومتراً جنوب شرقي طهران. وكانت قد تعرضت كذلك لضربات في حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت 12 يوماً. وحسب المواد المتاحة، فإن الضربات الأولى في هذه الحرب أصابت مباني مدخل المنطقة الواقعة تحت الأرض، حيث كانت تجري غالبية أنشطة التخصيب في الموقع.

وفي المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي علمه بوقوع ضربة على نطنز، فيما لم يصدر تعليق فوري من الجيش الأميركي. لكن سواء أقرت إسرائيل أو لم تقر، فإن تكرار ورود اسم نطنز في قلب المواجهة يثبت أن موقع التخصيب الأكثر حساسية في إيران لا يزال هدفاً مباشراً أو محتملاً في الحرب الجارية.

دعوة لـ«ضبط النفس»

كرر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، السبت، دعوته إلى «ضبط النفس» بعد إعلان إيران تعرض نطنز للقصف.

وقالت الوكالة التابعة للأمم المتحدة في منشور على منصة «إكس» إن إيران أبلغتها بالهجوم على الموقع، وإنه «لم يُرصد أي ارتفاع في مستويات الإشعاع خارج الموقع»، مضيفة أنها تتحقق من الحادث.

وشدّد غروسي على ضرورة تجنب «أي خطر لوقوع حادث نووي»، في ظل استهداف مواقع شديدة الحساسية خلال حرب مفتوحة ومتعددة الجبهات. وتكتسب هذه الدعوة وزناً إضافياً لأن الوكالة كانت قد ذكرت سابقاً أن الضربات الأولى على نطنز في هذه الحرب لا يُتوقع أن تؤدي إلى «أي عواقب إشعاعية»، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن استمرار استهداف المواقع النووية يرفع المخاطر.

وكان غروسي قد أعلن، الأربعاء الماضي في واشنطن، أن الوكالة لا تملك أي معلومات عن حالة منشأة التخصيب الإيرانية الجديدة في أصفهان، الواقعة داخل مجمع نووي تحت الأرض.

وقال إن منشأة أصفهان «موجودة تحت الأرض، لكننا لم نتمكن من زيارتها بعد»، بعدما ألغى المفتشون زيارة سابقة إثر القصف الذي تعرض له المجمع في بداية حرب يونيو 2025.

وأضاف أن الوكالة لا تعرف ما إذا كانت المنشأة الجديدة «مجرد قاعة فارغة»، أم أنها تضم قواعد خرسانية بانتظار تركيب أجهزة الطرد المركزي، أو ما إذا كان قد تم تركيب بعض هذه الأجهزة بالفعل. وقال: «هناك كثير من الأسئلة التي لن نتمكن من توضيحها إلا عندما نستطيع العودة».

إدانة روسية

نددت وزارة الخارجية الروسية، السبت، بما قالت طهران إنه ضربات أميركية - إسرائيلية على منشأة نطنز، ووصفتها بأنها «غير مسؤولة». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن من واجب المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقديم «تقييم حازم وموضوعي» لهذا السلوك.

وأضافت أن هذه الضربات تهدف بوضوح إلى تقويض السلام والاستقرار والأمن في المنطقة. وتعكس المواقف الروسية، وإن جاءت ضمن حدود الإدانة السياسية، تنامي القلق الدولي من انتقال الحرب إلى مستوى أكثر خطورة مع إدخال المواقع النووية في دائرة النار المباشرة.

أضرار في موقع قرب مجمع أصفهان

في موازاة ذلك، نشر معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن، تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهر أضراراً في موقع قرب مجمع أصفهان النووي يرجح أنها وقعت بين 28 فبراير (شباط) و6 مارس(آذار)، في موقع يحتمل أن يكون مرتبطاً بالدفاع عن المجمع.

وقال التحليل إن المبنى الرئيسي الذي تعرض للهجوم ربما كان مركز القيادة والسيطرة المسؤول عن الحماية المادية للمنشأة النووية فوق الأرض، الواقعة على بُعد نحو 1.2 كيلومتر من الموقع، ونحو 2.1 كيلومتر من المجمع الواقع تحت الأرض.

وأضاف أن الموقع يضم مجمع أنفاق صغيراً شُيد نحو عام 2007، وأن الضربات الأخيرة أصابت مدخلي النفقين، أحدهما ربما كان يستخدم في السنوات الأخيرة أساساً لدعم الخدمات، ويضم ما يبدو أنها وحدة تبريد محمية بحاجز دفاعي خرساني. وحسب التحليل، فإن هذين العنصرين يبدوان وقد دمرا في الضربة.

وأشار المعهد أيضاً إلى أن منشأة محصنة يرجح أنها كانت مركزاً للقيادة والسيطرة تعرضت لضربة ثانية بين 6 و18 مارس 2026، وأن جزءاً تحت الأرض متصلاً بها يبدو أنه انهار. ووفقاً للتحليل، عرّف موقع «ويكيمابيا» هذا المكان على أنه «وحدة الدفاع التابعة للجيش في أصفهان»، فيما تظهر المنطقة السكنية المجاورة، الموسومة باسم «بلدة ثمري - إسكان منظمة الطاقة الذرية الإيرانية»، من دون مؤشرات على تعرضها للقصف.

وتُظهر الصور، حسب المعهد، الموقع قبل الهجوم وبعده، إلى جانب صور للنفق والملجأ خلال مرحلة إنشائهما عام 2007، وموقع المنشأة نسبة إلى مجمع أصفهان النووي الرئيسي. ويعني ذلك أن الحرب لا تشمل فقط مواقع التخصيب المباشرة مثل نطنز، بل تمتد أيضاً إلى البنية الدفاعية والقيادية المحيطة بالمجمعات النووية.


مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا وزراء خارجية دول مجموعة السبع، السبت، إيران، إلى «الوقف الفوري وغير المشروط» لهجماتها «غير المبرّرة» على دول الشرق الأوسط في إطار الرد على الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها.

وجاء في بيان لوزراء خارجية دولها «ندعو إلى الوقف الفوري وغير المشروط لكل الهجمات التي يشنها النظام الإيراني». وتضم المجموعة ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، إضافة إلى الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي.

وأعربت المجموعة عن «دعمها لشركائنا في الشرق الأوسط في مواجهة الهجمات غير المبرّرة التي تشنّها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووكلاؤها».

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

وتابع وزراء الخارجية: «ندعم حق الدول التي تعرضت لهجمات غير مبرّرة تشنّها إيران أو وكلاؤها، في الدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها. ونؤكد مجدداً دعمنا الراسخ لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها».

وفي ما يتّصل بحركة الملاحة في مضيق هرمز، شدّدت مجموعة السبع على «أهمية صون مسارات النقل البحري وضمان سلامة الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز وسائر الممرات البحرية الرئيسية المتصلة به، وكذلك حماية سلاسل الإمداد واستقرار أسواق الطاقة».


إسرائيل تعلن قصف منشأة جامعية في طهران تُستخدم لبحوث نووية

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
TT

إسرائيل تعلن قصف منشأة جامعية في طهران تُستخدم لبحوث نووية

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قصف منشأة جامعية في طهران قال إنها تستخدم كموقع «بحث وتطوير استراتيجي» مرتبط بمكونات للأسلحة النووية.

وقال الجيش في بيان: «في إطار الطلعات الجوية الهجومية التي تم إنجازها مؤخراً في طهران، قام سلاح الجو بمهاجمة موقع بحث وتطوير استراتيجي آخر تابع للصناعات العسكرية ومنظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية».

وأوضح أن الموقع في جامعة مالك الأشتر للتكنولوجيا في العاصمة الإيرانية كان «يستخدم من قبل الصناعات العسكرية ومنظومة الصواريخ الباليستية للنظام الإرهابي الإيراني لغرض تطوير مكونات لازمة لإنتاج السلاح النووي وغيره من الوسائل القتالية».

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)

وأشار إلى أن الجامعة «تتبع لوزارة الدفاع الإيرانية، وهي مدرجة في قوائم العقوبات الدولية بسبب مساهمتها خلال عقود في تطوير البرنامج النووي وتطوير الصواريخ الباليستية».

وتتهم الولايات المتحدة وإسرائيل ودول غربية إيران منذ أعوام بالسعي لتطوير سلاح ذري، وهو ما تنفيه طهران.