تركيا تحاول إقناع المستثمرين بالبقاء بعد أزمة إمام أوغلو

توقعات بآثار سلبية تزيد من هشاشة الاقتصاد في المستقبل

استمرار الاحتجاجات الحاشدة على احتجاز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (د.ب.أ)
استمرار الاحتجاجات الحاشدة على احتجاز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (د.ب.أ)
TT

تركيا تحاول إقناع المستثمرين بالبقاء بعد أزمة إمام أوغلو

استمرار الاحتجاجات الحاشدة على احتجاز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (د.ب.أ)
استمرار الاحتجاجات الحاشدة على احتجاز رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو (د.ب.أ)

عقد وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك، ورئيس البنك المركزي فاتح كاراهان، مباحثات مع مستثمرين دوليين، في محاولة للحدّ من التأثير السلبي لاعتقال رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو على الاقتصاد التركي، ومنع هروب المستثمرين على خلفية الاحتجاجات الواسعة المستمرة على مدى أسبوع.

وأجريت المباحثات، الثلاثاء، عبر اتصال هاتفي استضافته «سيتي غروب» و«دويتشه بنك» لتقييم آخر التطورات في الاقتصاد التركي.

وقال شيمشك، خلال الاتصال، إن أولويتهم في الاجتماع كان الحديث عن الاستقرار المالي الكلي، حيث تم التأكيد على أن التقلبات في الأسواق تتضاءل يوماً بعد يوم.

وأضاف، بحسب ما نقلته مصادر، حضرت الاتصال: «إن الطلب على النقد الأجنبي زاد، ونلاحظ أن 60 في المائة من الطلب على النقد الأجنبي يأتي من المستثمرين الأجانب، و30 في المائة من الشركات المحلية، و10 في المائة من الأفراد».

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك (رويترز)

وتابع شيمشيك: «سوف تنخفض التقلبات في الأسواق المالية، لدينا دائماً خطط إضافية، والرئيس رجب طيب إردوغان يؤيد البرنامج الاقتصادي للحكومة بشكل كامل».

من جانبه، أكد رئيس البنك المركزي، فاتح كاراهان، أن البنك يواصل اتخاذ القرارات على أساس اجتماع تلو آخر، وأن الاجتماعات التي عقدها الأسبوع الماضي، والقرارات التي اتخذت خلالها، أسهمت في الحفاظ على استقرار السوق.

وأكد كاراهان أن البنك المركزي يمتلك مجموعة كبيرة من الأدوات، وأنه يمكن اتخاذ إجراءات جديدة عند الضرورة.

وأدى احتجاز إمام أوغلو، وهو أبرز منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، الذي كان أطلق بالفعل حملة للترشح للرئاسة، إلى انخفاض حاد في قيمة الليرة التركية والأسهم والسندات، وأثار احتجاجات من حزب المعارضة الرئيسي الذي ينتمي إليه، حزب الشعب الجمهوري، والقادة الأوروبيين ومئات الآلاف من المتظاهرين، الذين انتقدوا الإجراءات ضده، ووصفوها بأنها مُسيّسة وغير ديمقراطية.

تداعيات خطيرة وإجراءات

انعكست الأزمة سريعاً على الاقتصاد التركي، حيث شهدت الأسواق المالية انهياراً كبيراً، إذ فقدت بورصة إسطنبول 67 مليار دولار خلال 3 أيام فقط، متأثرة بانخفاض مؤشرها العام بأكثر من 15 في المائة، في أكبر خسارة منذ أزمة بنك «ليمان براذرز» عام 2008.

الليرة التركية شهدت هزة عنيفة عقب القبض على إمام أوغلو الأربعاء الماضي (أ.ف.ب)

كما سجّلت الليرة التركية أسوأ أداء أسبوعي لها منذ عامين، وبلغت أدنى مستوياتها التاريخية يوم الأربعاء الماضي، فور القبض على إمام أوغلو فجر ذلك اليوم، ما اضطر البنك المركزي إلى التدخل بضخّ 26 مليار دولار، بحسب مصادر مصرفية تحدثت لوسائل الإعلام، لمحاولة وقف نزيف العملة.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال ثقة المستثمرين تتراجع وسط تصاعد التوتر السياسي والمخاوف من استمرار عدم الاستقرار.

وتراجعت السيولة النقدية الزائدة في النظام المالي التركي إلى أدنى مستوى لها في نحو 4 أشهر، مع تسارع جهود البنك المركزي لسحب السيولة الفائضة، وضمان بقاء السياسة النقدية متشددة في أعقاب الاضطرابات، التي شهدتها السوق الأسبوع الماضي.

وبحسب بيانات نشرتها وكالة «بلومبرغ»، الثلاثاء، تراجعت السيولة الفائضة إلى نحو 234 مليار ليرة (6.2 مليار دولار)، مقابل 1.2 تريليون ليرة يوم 18 مارس (آذار) الحالي، عشية القبض على إمام أوغلو.

ويحدث صافي التمويل السلبي عادة عندما يزيد المعروض من السيولة بالعملة المحلية عن الطلب في السوق، ما يشكل خطراً على جهود تشديد الأوضاع المالية.

وطرح البنك المركزي، الاثنين، سندات بقيمة 50 مليار ليرة لسحب السيولة النقدية، في خطوة لم يلجأ إليها منذ عام 2007، واتخذ البنك تدابير أخرى، شملت رفع سعر الإقراض لليلة واحدة بمقدار 200 نقطة أساس إلى 46 في المائة.

وبدأ البنك، الثلاثاء، معاملات بيع النقد الأجنبي، التي تتم تسويتها بالليرة التركية. وقال وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك، على حسابه في «إكس»: «يتم اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان الأداء السليم وكفاءة الأسواق».

وأضاف: «الهدف هو الحد من التقلبات في الأسواق وزيادة القدرة على التنبؤ من خلال معاملات بيع العملات الأجنبية الآجلة التي تتم تسويتها بالليرة التركية».

وخسرت الليرة التركية نحو 5 في المائة من قيمتها خلال الأسبوع الماضي، بعد خسارة فادحة بنسبة 11.8 في المائة عقب القبض على إمام أوغلو مباشرة، فجر الأربعاء الماضي. وسجّلت بورصة إسطنبول أعلى خسارة منذ عام 2008 بنسبة أكثر من 16 في المائة، قبل أن تستعيد 3 في المائة من خسائرها، الاثنين، في بداية تعاملات الأسبوع.

آثار مستقبلية

وعلّق المحلل الاقتصادي التركي، علاء الدين أكطاش، على التطورات الأخيرة التي صاحبت اعتقال إمام أوغلو، قائلاً: «الآن، بالنظر إلى الهدوء الذي لوحظ بشكل خاص في سوق الصرف الأجنبي، الاثنين، والانتعاش في سوق الأسهم على الأقل في البداية، على الرغم من تقلبه كثيراً لاحقاً، وغياب الانخفاض الدراماتيكي مثل الأسبوع الماضي، هل من الصحيح القول إن أحداث الأيام الماضية لم تؤثر على الاقتصاد التركي كثيراً؟».

وأضاف: «وفقاً لبعض الناس، نعم، هذا ممكن، وقد يفسر البعض هذا الوضع على أنه إشارة إلى قوة الاقتصاد التركي»، متسائلاً: «إذا كان الاقتصاد التركي قوياً إلى هذه الدرجة، وليس اقتصاداً هشاً، فكيف نفسر ما حدث يوم الأربعاء الماضي، وهذا التقلب الهائل؟».

مشاهد المواجهات بين قوات الأمن والمحتجين على اعتقال إمام أوغلو أثارت قلق المستثمرين (أ.ف.ب)

وأكد أنه سيكون من المبالغة القول إن أحداث الأيام الأخيرة لم تؤثر على الاقتصاد التركي كثيراً، وإذا كان هناك من يفضل تجاهل ما يحدث والتأثير الناتج عنه، وهو أمر موجود بالتأكيد، فمن الأفضل أن نقترح عليه الانتظار قليلاً. ربما لم نشعر بالتأثير بشكل كامل بعد بسبب حرارة ما حدث، ومن الأفضل ترك بعض الوقت يمر.

وقال أكطاش: «بطبيعة الحال، لم يتم اتخاذ كل هذه الاحتياطات من جانب البنك المركزي ووزارة الخزانة والمالية من فراغ. هناك مشكلة خطيرة للغاية تتطلب اتخاذ مثل هذه الإجراءات الجذرية».

وأضاف أنه قبل الأحداث الأخيرة كان الحديث يدور حول: أي قدر من خفض أسعار الفائدة سيطبق في الاجتماع المقبل للجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي في أبريل (نيسان) المقبل، لكن هل لا يزال أحد يتحدث عن خفض أسعار الفائدة الآن؟


مقالات ذات صلة

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

حققت الصادرات غير النفطية في السعودية نمواً قياسياً خلال عام 2025، حيث ارتفعت بنسبة 15 في المائة إلى 624 مليار ريال (166 مليار دولار) في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

اليابان وأميركا تتفقان على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف

قالت وزيرة المالية اليابانية، عقب اجتماعها مع وزير الخزانة الأميركي، إن اليابان والولايات المتحدة اتفقتا على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)

لماذا هوى الدولار دون حاجز الـ3 شيقلات إسرائيلية لأول مرة منذ عقود؟

كسر الشيقل الإسرائيلي نزولاً حاجز الـ3 شيقلات مقابل الدولار الأميركي لأول مرة منذ أكثر من 30 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.