نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

الحرب الإيرانية تزيد من مخاطر النمو وتُهيئ لاختبار السياسات الاقتصادية

أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)
أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)
أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، مما يُهدد الطلب العالمي الذي يُعدّ حيوياً لطموحات بكين التنموية.

ويُمثل معدل النمو السنوي البالغ 5.0 في المائة في الربع الأول أعلى نطاق هدف الصين للعام بأكمله، والذي يتراوح بين 4.5 و5.0 في المائة، مما يُبرز مرونةً تميزها عن معظم دول آسيا، ومدعومةً باحتياطيات نفطية استراتيجية وفيرة، ومزيج طاقة متنوع.

ومع ذلك، يكشف الصراع في الشرق الأوسط عن نقطة ضعف جوهرية، وهي أن نموذج النمو القائم على التصدير، والذي يحقق فوائض تجارية سنوية بحجم الاقتصاد الهولندي، يعتمد على خطوط الملاحة البحرية المفتوحة للصين، وللعملاء الذين تبيع لهم.

وباعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، وقوة صناعية عظمى، فإن ارتفاع أسعار النفط يهدد برفع تكاليف الإنتاج، وتقليص هوامش الربح الضئيلة أصلاً في المصانع التي توظف مئات الملايين من الأشخاص. وكلما طال أمد الصراع، زادت المخاطر، وتصاعدت الضغوط بالفعل.

ويقول بنغ شين، المدير العام لشركة «قوانغدونغ رونغسو للمواد الجديدة»، التي تشتري المواد الخام البتروكيماوية من المصافي، وتحولها إلى حبيبات بلاستيكية لمصانع قولبة الحقن، إن أسعار نوعين من النايلون ارتفعت بنسبة تتراوح بين 40 و60 في المائة.

ويقوم بنغ بتمرير هذه الزيادات إلى عملائه، بينما يسارع بعضهم إلى تقديم طلبات الشراء وتخزين البضائع قبل أن ترتفع التكاليف أكثر. وقال: «الأسلوب المُتبع حالياً هو التفاوض على سعر كل طلبية على حدة. إذا قبلتم سعري، نتعاون. وإلا، فلا حيلة لنا... فسلسلة التوريد بأكملها تحت ضغط».

مخاطر الطلب العالمي

وتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول التوقعات البالغة 4.8 في المائة، مُسجلاً أدنى مستوى له في ثلاث سنوات خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، والذي بلغ 4.5 في المائة، وهو ما وصفه مسؤول في مكتب الإحصاء بأنه إنجاز «نادر وجدير بالثناء»، مُحذراً في الوقت نفسه من بيئة خارجية «معقدة، ومتقلبة».

لكن بيانات التجارة لشهر مارس (آذار)، التي صدرت في وقت سابق من هذا الأسبوع، أشارت إلى وجود ضغوط. فقد نمت الصادرات بنسبة 2.5 في المائة فقط الشهر الماضي، مُتباطئة بشكل حاد من 21.8 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط).

وبينما ارتفعت أسعار المصانع من الانكماش في مارس لأول مرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، يُحذر المحللون من أن «التضخم السلبي» الناجم عن تكاليف المدخلات قد يكون أسوأ بالنسبة للنمو.

وقال جونيو تان، الخبير الاقتصادي لشؤون شمال آسيا في شركة «كوفاس»: «تشير البداية القوية للعام، مدعومةً بأداء تصديري متميز، إلى أن التأثير المباشر للصراع في الشرق الأوسط لا يزال محصوراً في الوقت الراهن».

وأضاف تان: «لكن التوقعات ليست وردية تماماً رغم مرونة الصين النسبية. فقد يظل محرك التصدير مقيداً بضعف الطلب العالمي إذا استمر الصراع».

ولا يزال الاقتصاد يعاني من اختلال التوازن، حيث من غير المرجح أن يعوض المستهلكون النقص في حال تراجع الصادرات. ونمت مبيعات التجزئة، وهي مؤشر على الاستهلاك، بنسبة 1.7 في المائة الشهر الماضي، بانخفاض عن 2.8 في المائة في شهري يناير، وفبراير، وكما جرت العادة في السنوات الأخيرة، كان أداؤها أقل من أداء الإنتاج الصناعي، الذي ارتفع بنسبة 5.7 في المائة في مارس مقابل 6.3 في المائة في الشهرين الأولين.

كما أظهرت بيانات الإقراض الصادرة في وقت سابق من هذا الأسبوع ضعفاً في طلب الائتمان من الأسر، والشركات. ويُعدّ كسر الركود العقاري المُطوّل في الصين أمراً بالغ الأهمية لإنعاش الاستهلاك، إلا أن البيانات الحديثة التي تُظهر استمرار انخفاض أسعار المنازل الجديدة تُنذر بمزيد من المعاناة لمطوري العقارات المُتعثرين في البلاد.

ويقول تيانتشن شو، كبير الاقتصاديين في وحدة أبحاث «إيكونوميست» الاقتصادية: «من جهة، نرى مرونةً في السوق، فتأثير الحرب الإيرانية على الصين محدود للغاية. ومن جهة أخرى، نرى اختلالاً في التوازن، حيث قطاع تصدير قوي مقابل طلب محلي متواضع».

التحفيز الاقتصادي

ولا يتوقع المحللون أن يُخفّف البنك المركزي سياسته النقدية بشكلٍ كبير، لكنهم يقولون إن بكين قد تُوظّف المزيد من القوة المالية إذا ما تعرّض الهدف للخطر، ما يُضيف إلى عبء ديون يتجاوز ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد.

وارتفع الإنفاق الحكومي بنسبة 3.6 في المائة في شهري يناير وفبراير، بعد أن كان قد سجل زيادة بنسبة 1 في المائة في عام 2025.

وقال دان وانغ، مدير قسم الصين في مجموعة «أوراسيا»: «قد يتحول صافي مساهمة الصادرات في النمو الصيني إلى قيمة سلبية في الربع الثاني».

وأضاف: «إذا حدث ذلك، فسيزداد الإنفاق المحلي على البنية التحتية، والإنفاق الحكومي لسد الفجوة». مع ذلك، ثمة جانب إيجابي للصين. فبعد أن انقطعت عنها الإمدادات من الغرب إثر غزو روسيا لأوكرانيا، باتت روسيا تزودها بالنفط والغاز بأسعار مخفضة.

كما أن الاستخدام المكثف للفحم، والتوسع السريع في مصادر الطاقة المتجددة، وتزايد أسطول السيارات الكهربائية، كلها عوامل تحمي الصين من صدمات الطاقة. ومع اضطراب الأسواق جراء الأزمة الإيرانية، قد يخرج المصنعون الصينيون من الأزمة في وضع أفضل من منافسيهم في أوروبا وغيرها، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج بوتيرة أسرع. وأوضح شو أنه «في دورة تضخم مدفوعة بارتفاع التكاليف، لا تستطيع الشركات عادةً تحميل المستهلكين كامل الزيادة في التكاليف، وهذا سيؤثر سلباً على هامش ربحهم»... ومع ذلك، لا يزال المصنّعون الصينيون يتمتعون بتكاليف إنتاج أقل مقارنةً بنظرائهم في الدول الأخرى. وهذا سيساعد في الحفاظ على حصتهم في السوق العالمية، إن لم يكن زيادتها.


مقالات ذات صلة

احتجاجات في «الجزيرة السورية» على تردي الأوضاع المعيشية

المشرق العربي تجمع للأهالي على طريق الهول - الحسكة يوم الأحد تعبيراً عن استيائهم من ارتفاع أسعار الوقود والمياه في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة (مرصد الحسكة)

احتجاجات في «الجزيرة السورية» على تردي الأوضاع المعيشية

قطع محتجون في منطقة الهول شرق محافظة الحسكة الطريق الرئيسي لعبور صهاريج المحروقات نحو الداخل السوري، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، وسط دعوات للتظاهر.

سعاد جروس (دمشق)
الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف بالقرب من مبنى مكاتب شركة «سبايس إكس» في تكساس (رويترز)

طرح «سبايس إكس» التاريخي يُنعش شهية الاستثمار الفردي في بريطانيا وأوروبا

يخوض مستثمرون أفراد في بريطانيا وأوروبا سباقاً محموماً للفوز بحصة من الطرح العام الأولي المرتقب لشركة الفضاء «سبايس إكس» المملوكة للملياردير إيلون ماسك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص نائب الرئيس الإقليمي لـ«إياتا» في أفريقيا والشرق الأوسط كامل العوضي يتحدث لـ «الشرق الأوسط» في ريو دي جانيرو (الشرق الأوسط)

خاص «إياتا» لـ«الشرق الأوسط»: الناقلات السعودية تقود مرونة الطيران الخليجي في امتصاص الصدمات

أعلن مسؤول في الاتحاد الدولي للنقل الجوي لـ«الشرق الأوسط» أن الناقلات السعودية أثبتت مرونة استثنائية، وأداءً مبهراً في امتصاص الصدمات في ظل ما تمر به المنطقة.

عبير حمدي (ريو دي جانيرو)
الاقتصاد ترمب خلال اجتماعه مع قادة التكنولوجيا الأميركية في البيت الأبيض سبتمبر 2025 لتعزيز هيمنة الذكاء الاصطناعي الأميركية (البيت الأبيض)

ترمب يفتح ملف ملكية الذكاء الاصطناعي: مَن يربح ثروة المستقبل؟

يرى البعض في الولايات المتحدة أن «تأميم» جزء من الذكاء الاصطناعي قد يسرّع اندماج الحكومة مع قوة الشركات، مما يزيد الخطر على النظام الرأسمالي الأميركي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد صورة عامة للمباني الشاهقة في مدينة مومباي (رويترز)

الاقتصاد الهندي ينمو 7.8 % متجاوزاً التوقعات رغم تداعيات الحرب الإيرانية

أعلنت الحكومة الهندية، الجمعة، أن الاقتصاد سجل نمواً سنوياً قوياً بلغ 7.8 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026 (من يناير إلى مارس)، متجاوزاً التوقعات.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )

«أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج بـ188 ألفاً


نموذج لحفارات نفط أمام شعار منظمة «أوبك» (رويترز)
نموذج لحفارات نفط أمام شعار منظمة «أوبك» (رويترز)
TT

«أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج بـ188 ألفاً


نموذج لحفارات نفط أمام شعار منظمة «أوبك» (رويترز)
نموذج لحفارات نفط أمام شعار منظمة «أوبك» (رويترز)

حسمت 7 دول في «أوبك بلس» قرارها بالمضي قدماً في زيادة طوعية للإنتاج بنحو 188 ألف برميل يومياً في يوليو (تموز)، في خطوة هي الرابعة منذ إغلاق مضيق هرمز.

وأكدت الدول السبع، وهي: السعودية والعراق والكويت والجزائر وكازاخستان وروسيا وسلطنة عُمان، «الالتزام بدعم استقرار السوق النفطية». كما شددت على التزامها «نهجاً حذراً»، ومرونة كاملة تتيح لها زيادة، أو إيقاف، أو عكس الإعادة التدريجية للإنتاج، بما في ذلك إلغاء خفض نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 تتبعاً لمتغيرات الأسواق.

ونوّهت الدول السبع بأن هذا الإجراء التشغيلي سيُوفّر فرصة لتسريع جداول تعويض الكميات الزائدة المنتجة منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وتزامن هذا الإجراء مع قرار استراتيجي موسع اتخذته دول «أوبك» والمنتجون المستقلون في اجتماعهم الوزاري الـ41، قضى بتثبيت سقف ومستويات الإنتاج الإجمالية الحالية وتمديد العمل بها حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) لضمان التوازن.


«طيران الرياض» يطرح 5 وجهات جديدة ويعجل انطلاق رحلاته إلى لندن

طائرات «بوينغ 787 دريملاينر» (الشرق الأوسط)
طائرات «بوينغ 787 دريملاينر» (الشرق الأوسط)
TT

«طيران الرياض» يطرح 5 وجهات جديدة ويعجل انطلاق رحلاته إلى لندن

طائرات «بوينغ 787 دريملاينر» (الشرق الأوسط)
طائرات «بوينغ 787 دريملاينر» (الشرق الأوسط)

أعلن «طيران الرياض» السعودي توسيع شبكة وجهاته الدولية والإقليمية بإعلان طرح التذاكر إلى خمس وجهات جديدة تشمل القاهرة ودبي وجدة ومدريد ومانشستر، في خطوة تعكس تسارع جاهزيته التشغيلية.

وجاء الإعلان بالتزامن مع وصول ثالث طائرة من طراز «بوينغ 787 - 9 دريملاينر» إلى المملكة، ضمن خطة تستهدف بناء أسطول حديث يدعم طموحات الشركة لربط العاصمة السعودية بأكثر من 100 وجهة حول العالم بحلول عام 2030؛ بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تعزيز قطاع الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية.

وبحسب الناقل الوطني الجديد المملوك لصندوق الاستثمارات العامة، ستبدأ الرحلات إلى جدة اعتباراً من 14 يونيو (حزيران)، تليها دبي في 18 يونيو، ثم القاهرة في 25 يونيو، فيما تنطلق الرحلات إلى مدريد في 17 يوليو (تموز)، ومانشستر في 23 يوليو.

وستُشغَّل جميع الرحلات على متن طائرات «بوينغ 787 - 9 دريملاينر» الحديثة التي تشكل العمود الفقري لأسطول الشركة المستقبلي البالغ 72 طائرة من الطراز ذاته.

كما أعلن «طيران الرياض» تقديم موعد أولى رحلاته إلى لندن من الأول من يوليو إلى العاشر من يونيو الجاري، مستفيداً من تسلم طائراته الجديدة قبل الجدول الزمني المتوقع، في مؤشر على تسارع استعداداته التشغيلية.

وقال توني دوغلاس، الرئيس التنفيذي لـ«طيران الرياض»، إن إطلاق الوجهات الجديدة يمثل محطة مهمة في مسيرة الشركة، ويعكس وتيرة النمو التي يشهدها الناقل الوطني الجديد، مؤكداً أن اختيار الوجهات جاء استجابة للطلب المتنامي على السفر وتعزيزاً لحركة الأعمال والسياحة والتجارة بين السعودية والأسواق العالمية الرئيسية.

وأضاف أن الشركة تسعى إلى إعادة تعريف تجربة السفر الجوي من خلال الجمع بين أحدث التقنيات والضيافة السعودية، مع جعل الرياض مركزاً محورياً لحركة المسافرين بين أوروبا والأميركتين من جهة، والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية من جهة أخرى.

ويعزز التوسع الجديد مكانة الرياض باعتبارها مركزاً للربط الجوي الدولي، إذ لن تقتصر الرحلات على خدمة المسافرين القادمين إلى العاصمة السعودية، بل ستوفر خيارات عبور واسعة للمسافرين عبر شبكة الوجهات المستقبلية التي تعتزم الشركة إطلاقها خلال السنوات المقبلة.

ويُنظر إلى التوسع السريع في شبكة الوجهات ووصول الطائرات الجديدة باعتباره مؤشراً على اقتراب دخول «طيران الرياض» مرحلة التشغيل الكامل، في وقت تراهن فيه المملكة على قطاع الطيران ليكون أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل خلال العقد الحالي.


والش: الناقلات الخليجية ستستعيد ريادتها ما إن تنتهي الاضطرابات الجيوسياسية

جانب من المؤتمر الصحافي على هامش الاجتماع العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي في ريو دي جانيرو (الشرق الأوسط)
جانب من المؤتمر الصحافي على هامش الاجتماع العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي في ريو دي جانيرو (الشرق الأوسط)
TT

والش: الناقلات الخليجية ستستعيد ريادتها ما إن تنتهي الاضطرابات الجيوسياسية

جانب من المؤتمر الصحافي على هامش الاجتماع العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي في ريو دي جانيرو (الشرق الأوسط)
جانب من المؤتمر الصحافي على هامش الاجتماع العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي في ريو دي جانيرو (الشرق الأوسط)

في وقت تواصل فيه حركة السفر العالمية كسر أرقامها القياسية، لتسجل 5.1 مليار مسافر في عام 2026، تسببت التوترات الجيوسياسية الحاصلة وصدمة أسعار الوقود في إعادة تشكيل الخريطة المالية لقطاع الطيران العالمي.

ووفقاً للتوقعات المالية والتشغيلية الأحدث التي أعلنها الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) يوم الأحد في مؤتمره السنوي بريو دي جانيرو -والذي تحضره «الشرق الأوسط»- أطلق المدير العام للاتحاد، ويلي والش، حزمة من المؤشرات الصادمة؛ مبرزاً هبوط صافي أرباح القطاع العالمي بنحو النصف، لتستقر عند 23 مليار دولار مقارنة بـ45 ملياراً في عام 2025، مدفوعةً بانكماش هوامش الربحية الصافية إلى 2.0 في المائة جرّاء قفزة بـ70 في المائة في أسعار وقود الطائرات.

ووضع والش إقليم الشرق الأوسط في قلب أزمة الإمدادات والخسائر المباشرة؛ حيث رجّح تحول ناقلات المنطقة جماعياً نحو تسجيل خسارة مجمعة بقيمة 4.3 مليار دولار، وبأثر تشغيلي قاد الهوامش الإقليمية إلى سالب 6.1 في المائة.

وأوضح أن الناقلات الخليجية تواجه حالة حادة من عدم اليقين التشغيلي عقب الإغلاق شبه الكامل للمجال الجوي في بداية الحرب، وما صاحب ذلك من ارتفاع في أسعار النفط، كاشفاً عن أن حركة السفر لدى شركات الطيران الخليجية تراجعت بنسبة 24 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع توقعات بتقلص هذا التراجع إلى 11.4 في المائة بنهاية العام مع استمرار تحسن الأوضاع.

وبيّن والش أنه على الرغم من الكفاءة الاستثنائية التي تبديها هذه الشركات للحفاظ على أكبر عدد ممكن من الرحلات والربط الجوي، فإن التبعات المالية الضخمة أصبحت حتمية، لكنه قلّل في الوقت ذاته من ديمومة هذا النزيف، مؤكداً أن الناقلات الخليجية، التي تستأثر وحدها بنحو 9.5 في المائة من السعة الجوية العالمية، و15 في المائة من السعة الدولية، تمتلك مرونة هيكلية فائقة ستسمح لها باستعادة مكانتها الريادية فور استقرار المنطقة، معتبراً التراجعات الحالية «تأثيراً تشغيلياً مؤقتاً» وليس تحولاً دائماً في نموذج أعمالها المحوري.

النزيف الإقليمي

ووفقاً للبيانات الرقمية الصادرة عن التقرير خلال الاجتماع السنوي للاتحاد، الذي يمثل القمة الأكبر لقادة وصناع قرار الطيران حول العالم، تلقت شركات الطيران في الشرق الأوسط الصدمة الأكبر جرّاء استمرار الحرب؛ إذ تشير التوقعات التشغيلية لعام 2026 إلى:

  • عجز مالي بمليارات الدولارات: توقع تسجيل خسارة صافية مجمعة للمنطقة بقيمة 4.3 مليار دولار، مقارنة بأرباح بلغت 7.2 مليار دولار في 2025.
  • انكماش الهوامش والطلب: تراجع هامش الربح الصافي للمنطقة إلى سالب 6.1 في المائة، مع هبوط حاد في مستويات الطلب (المقاس براكب-كيلومتر) بنسبة 11.4 في المائة، وانخفاض السعة الاستيعابية بنسبة 4.4 في المائة.
  • خسارة ملموسة عن كل راكب: ستتحمل ناقلات المنطقة خسارة تقدر بـ21.40 دولار عن كل مسافر، بعد أن كانت تحقق ربحاً قدره 31.50 دولار في العام الماضي.

يسير الناس عبر مكان انعقاد الاجتماع السنوي للجمعية الدولية للنقل الجوي في ريو دي جانيرو (رويترز)

صدمة وقود الطائرات تُعيد صياغة النفقات

على الصعيد العالمي، حدد التقرير الارتفاع الحاد لأسعار الطاقة بوصفه متهماً أول في انكماش ربحية الطيران؛ إذ يُتوقع أن تقفز فاتورة الوقود الإجمالية بنسبة 40 في المائة لتصل إلى 350 مليار دولار، مقارنة بـ252 ملياراً في 2025، وهو ما يعود إلى قفزة أسعار وقود الطائرات بنسبة 70 في المائة، لتبلغ 152 دولاراً للبرميل، مدفوعة باتساع الفارق بين سعر الوقود المكرر وخام برنت (Crack Spread) إلى مستوى تاريخي عند 57 دولاراً للبرميل.

ونتيجة ذلك، سيرتفع نصيب الوقود من إجمالي المصاريف التشغيلية للشركات إلى 31.4 في المائة. وأكد والش أن شركات الطيران «تتحمل العبء الأكبر من هذه الصدمة، وهي تمتص جزءاً من هذه الارتفاعات في قوائمها المالية لحماية الطلب»، ما هوى بمتوسط الربح المحقق عن كل راكب عالمياً إلى 4.50 دولار فقط (نصف مستويات 2025)، وهي قيمة علّق عليها والش بالقول: «إنها لن تكفي حتى لشراء شطيرة هوت دوغ في معظم ملاعب كأس العالم المقبلة».

إيرادات تريليونية وسفر قياسي

على الجانب الآخر من المعادلة، أظهر التقرير أن رغبة المستهلكين في السفر لا تزال مرنة بشكل استثنائي؛ إذ يُتوقع أن ترتفع إيرادات القطاع العالمي بنسبة 9.4 في المائة لتصل إلى 1.165 تريليون دولار.

كما يُتوقع أن تحقق الشركات معدلات قياسية في «عامل الحمولة» (نسبة إشغال المقاعد)، لتصل إلى 84.0 في المائة، بالتوازي مع نمو أعداد الركاب إلى 5.1 مليار مسافر. وفي تحول استراتيجي هو الأول من نوعه منذ عام 2019، ستتجاوز العائدات الثانوية (الخدمات الإضافية)، والتي ستصل إلى 165 مليار دولار، مساهمة قطاع الشحن الجوي الذي يُتوقع أن يحقق 162 مليار دولار.

قيود الإمداد

إلى جانب الحرب والطاقة، يواجه القطاع أزمة هيكلية متمثلة في نقص الطائرات الجديدة؛ حيث ارتفع حجم الطلبيات المتأخرة إلى 18100 طائرة في مايو (أيار) 2026، وهو ما يعادل 50 في المائة من الأسطول العالمي النشط، ما تسبب في رفع أسعار تأجير الطائرات إلى مستويات قياسية، واضطرار الشركات لتشغيل أساطيل قديمة ترفع من تكاليف الصيانة، وتكبح التحسن في كفاءة استهلاك الوقود والانبعاثات.

وحذّر التقرير من مخاطر «الركود التضخمي» وتأثيره على قدرة المسافرين الشرائية على المدى الطويل، في وقت يخوض فيه العالم عاماً انتخابياً مفصلياً (يشمل انتخابات منتصف المدة الأميركية وانتخابات البرازيل وإسرائيل)، وهي استحقاقات ستُعيد صياغة السياسات المالية والنقدية وأولويات الطاقة العالمية.

آسيا وأفريقيا تستقطبان حركة العبور

وأظهر «الرصد الإقليمي» للاتحاد تباينات واضحة في كيفية التعامل مع الأزمة:

  • آسيا والمحيط الهادئ (أرباح 6.6 مليار دولار): تستفيد بعض ناقلاتها من إعادة توجيه حركة المرور بين أوروبا وآسيا بعيداً عن الشرق الأوسط، لكنها تعاني تراجع عملاتها المحلية مقابل الدولار، وارتفاع تكاليف الوقود المستورد من الخليج.
  • أوروبا (أرباح 9.6 مليار دولار): تواجه ضغوطاً تشغيلية جرّاء استمرار إغلاق الأجواء الروسية وارتفاع تكاليف الالتزام البيئي (تفويضات وقود الطيران المستدام)، رغم استفادتها مؤقتاً من عقود تحوط للوقود بنسبة 70 في المائة.
  • أميركا الشمالية (أرباح 9.4 مليار دولار): تظل الأكثر عزلة عن الصدمات التشغيلية المباشرة للحرب، إلا أن غياب سياسات التحوط ضد تقلبات الوقود وارتفاع تكاليف العمالة يفرضان عليها تعديلات فورية في أسعار التذاكر.
  • أفريقيا (أرباح 0.1 مليار دولار): تشهد ناقلات المحاور الكبرى فيها نمواً قوياً جرّاء إعادة توجيه الرحلات، لكن الهشاشة الهيكلية وضعف الميزانيات العمومية يحدان من قدرتها على تعظيم العوائد.