الين عند قاع أربعة عقود... وطوكيو تلوّح بالتدخل

«حرب إيران» متهمة والأسواق تختبر قدرة بنك اليابان

شاشة تظهر حركة الين والأسهم في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تظهر حركة الين والأسهم في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

الين عند قاع أربعة عقود... وطوكيو تلوّح بالتدخل

شاشة تظهر حركة الين والأسهم في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تظهر حركة الين والأسهم في شركة للصرافة بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

دخل الين الياباني مرحلة جديدة من الضعف بعدما تجاوز الدولار مستوى 163 يناً، مسجلاً أعلى سعر له أمام العملة اليابانية منذ أواخر عام 1986، في تطور أعاد الأسواق إلى حالة التأهب لاحتمال تدخل مباشر من الحكومة، وكشف في الوقت نفسه عن محدودية تأثير التحذيرات الرسمية في مواجهة قوى اقتصادية أوسع تدفع الين إلى الهبوط.

وبلغ الدولار 163.24 ين في تعاملات نيويورك يوم الثلاثاء، قبل أن يستقر قرب مستوى 163 يناً خلال الجلسة الآسيوية الأربعاء. وجاء التراجع الحاد للعملة اليابانية مع ارتفاع واسع للدولار، مدعوماً بصعود أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية، إلى جانب زيادة الطلب على العملة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً مع استمرار الضربات الأميركية على إيران وتصاعد المخاوف من امتداد الحرب في الشرق الأوسط.

وسارعت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إلى تأكيد استعداد السلطات لاتخاذ «إجراء حاسم ومناسب في أي وقت»، بينما قال كبير أمناء مجلس الوزراء مينورو كيهارا إن الحكومة مستعدة للرد بالشكل الملائم على تحركات السوق. وتراقب طوكيو تراجع الين بقلق متزايد، لأن ضعف العملة يرفع كلفة واردات الطاقة والغذاء والمواد الخام، وينتقل سريعاً إلى أسعار المستهلكين في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتأمين احتياجاته من الوقود.

لكن التصريحات القوية لم تنجح حتى الآن في تغيير اتجاه السوق. فقد أصبحت الأسواق أقل اقتناعاً بقدرة التدخل الرسمي وحده على وقف تراجع الين، بعدما تلاشى الأثر الذي أحدثته عمليات الشراء الحكومية للعملة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، عندما تدخلت اليابان عقب تجاوز الدولار مستوى 160 يناً.

• فجوة كبيرة

وتكمن المشكلة في أن المتعاملين لا يرون ضعف الين مجرد موجة مضاربية قصيرة يمكن ردعها بضخ مليارات الدولارات، بل نتيجة لفجوة كبيرة في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة، وارتفاع العوائد الأميركية، والقلق المتزايد بشأن المالية العامة اليابانية. لذلك قد يؤدي التدخل إلى ارتفاع قوي ومفاجئ للعملة، لكنه لا يغير المسار الأساسي ما لم تتبدل الظروف التي تشجع المستثمرين على بيع الين. ويظل صمت أتسوكي ميمورا، كبير مسؤولي شؤون العملة في وزارة المالية، موضع متابعة دقيقة، إذ تنظر إليه الأسواق باعتباره صاحب القرار الأهم في تحديد توقيت التدخل.

ومع ذلك، تحولت استراتيجية الحكومة في الأسابيع الأخيرة من التهديد المباشر المتكرر إلى إبقاء المستثمرين في حالة عدم يقين، على أمل دفع المضاربين إلى تقليص مراكزهم خشية تحرك مفاجئ من طوكيو. ويزيد من صعوبة مهمة الحكومة أن الدولار يستفيد من بيئة عالمية مواتية. فقد ارتفعت أسعار خام برنت إلى 92.67 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى في 6 أسابيع، بينما صعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.15 في المائة، وبلغ عائد السندات لأجل عشر سنوات 4.64 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مايو.

ويعزز ارتفاع العوائد جاذبية الأصول الأميركية مقارنة بنظيرتها اليابانية، ويدفع المستثمرين إلى تمويل استثماراتهم بالين منخفض العائد ثم شراء الدولار والأصول الأعلى عائداً.

• بنك اليابان في قلب الضغوط

وفي قلب الأزمة يقف بنك اليابان، الذي يواجه ضغوطاً متناقضة. فمن جهة، أدى ضعف الين وارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم المستورد، ما يدفع البنك نحو تشديد السياسة النقدية. ومن جهة أخرى، فإن رفع الفائدة بسرعة قد يضغط على الاقتصاد المثقل بتكاليف الاقتراض، ويرفع خدمة الدين العام الضخم، ويؤدي إلى اضطرابات في سوق السندات. وكان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة في يونيو (حزيران) إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، بعدما زادت الحرب في الشرق الأوسط كلفة الطاقة وعمّقت الضغوط التضخمية الناتجة عن ضعف العملة وضيق سوق العمل. وتشير توقعات محللين إلى احتمال رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة بحلول نهاية العام، في حين أفادت «بلومبرغ» بأن مسؤولي البنك منفتحون على تسريع وتيرة الزيادات إذا استمر ضعف الين في رفع مخاطر التضخم، وهي معلومات قالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة. غير أن الأسواق لا تزال تشكك في قدرة البنك على التحرك بالسرعة المطلوبة.

ويرتبط هذا التشكيك بالخطة الاقتصادية الأولى لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، المعروفة بتأييدها سياسات مالية ونقدية تيسيرية. فقد أثارت الخطة مخاوف من أن تضغط الحكومة على بنك اليابان للإبقاء على الفائدة منخفضة، بما يسمح بتمويل الإنفاق العام بتكلفة أقل، حتى لو جاء ذلك على حساب مكافحة التضخم.

• حرب إيران

وقال تاكاهيدي كيوتشي، كبير الاقتصاديين في معهد «نومورا» للأبحاث، إن حرب إيران وتطورات الشرق الأوسط قد تكون السبب المباشر وراء هبوط الين دون مستوى 163، لكن عدم نجاح الخطة الاقتصادية في تبديد المخاوف المتعلقة بالمالية العامة واستقلال السياسة النقدية يمثل عاملاً أكثر عمقاً.

وأضاف أن تصور الأسواق أن الحكومة قد يكون لها نفوذ واسع على قرارات البنك المركزي يثير الخشية من تأخره في مواجهة التضخم، وهو ما يضغط على العملة.

وتوضح هذه التطورات أن أزمة الين لم تعد مرتبطة بسعر الصرف وحده، بل أصبحت اختباراً لمصداقية السياسة الاقتصادية اليابانية. فالحكومة تريد حماية الأسر والشركات من ارتفاع الأسعار، لكنها تفضل في الوقت نفسه أسعار فائدة منخفضة لتخفيف عبء الدين وتمويل خططها الاستثمارية.

أما بنك اليابان، فيحاول الحفاظ على استقلاليته واحتواء التضخم من دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد. ويرى محللو «إتش إس بي سي» أن اليابان قد تتدخل مجدداً قريباً، لكنهم يستبعدون أن يكون لأي تحرك أثر دائم ما لم يرفع بنك اليابان الفائدة عدة مرات، أو يعود الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى خفض الفائدة، أو تتحسن نظرة المستثمرين إلى أوضاع المالية العامة اليابانية.

وبذلك تبدو طوكيو قادرة على إبطاء تراجع الين، لكنها لا تزال عاجزة عن تغيير اتجاهه بمفردها. ومع اقتراب الدولار من مستويات لم تشهدها اليابان منذ 4 عقود، تزداد احتمالات مواجهة مباشرة بين السلطات والمضاربين.

غير أن نتيجة هذه المواجهة لن تتحدد بحجم الأموال التي قد تضخها وزارة المالية فقط، بل بقدرة الحكومة وبنك اليابان على تقديم سياسة متماسكة تقنع الأسواق بأن التضخم سيُحتوى، وأن استقلال البنك لن يُقوض، وأن توسع الإنفاق لن يؤدي إلى مزيد من التدهور في الثقة بالين.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد السويسري يتجاوز التوقعات وينمو 1.5 % في الربع الثاني

الاقتصاد لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)

الاقتصاد السويسري يتجاوز التوقعات وينمو 1.5 % في الربع الثاني

سجل الاقتصاد السويسري نمواً قوياً في الربع الثاني من العام، مدفوعاً بأداء قطاعي الصناعات الكيماوية والصيدلانية.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )
الاقتصاد سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

مع انتقال الهجمات بصورة متزايدة إلى السفن والموانئ ومنشآت التصدير في البحر الأسود، عاد واحد من أهم ممرات تجارة الحبوب في العالم إلى دائرة الخطر

لمياء نبيل (القاهرة)
الاقتصاد مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يقترب من تسريع رفع الفائدة

تتزايد المؤشرات على أن بنك اليابان يستعد لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر، وربما تسريع وتيرة التشديد النقدي بعد ذلك.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اليوان يواصل الصعود رغم ضغوط الأسهم الصينية

واصل اليوان الصيني التحرك قرب أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام ونصف العام، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع السابع على التوالي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ ب)

الأسهم اليابانية عند قمة قياسية والسندات تتراجع

تحركت الأسواق اليابانية، الجمعة، في اتجاهين متباينين يعكسان تعقيدات المرحلة التي يمر بها ثالث أكبر اقتصاد في العالم

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

الاقتصاد السويسري يتجاوز التوقعات وينمو 1.5 % في الربع الثاني

لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)
لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)
TT

الاقتصاد السويسري يتجاوز التوقعات وينمو 1.5 % في الربع الثاني

لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)
لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)

سجل الاقتصاد السويسري نمواً قوياً في الربع الثاني من العام، مدفوعاً بأداء قطاعي الصناعات الكيماوية والصيدلانية، ما ساعد البلاد على تجاوز تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة.

وأظهرت تقديرات أولية صدرت يوم الجمعة أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 1.5 في المائة خلال الربع الثاني، بعد نموه 0.4 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، متجاوزاً بفارق كبير توقعات المحللين التي أشارت إلى نمو بنحو 0.3 في المائة.

وقالت وزارة الاقتصاد السويسرية، في بيان مقتضب، إن «القطاع الصناعي ساهم بشكل كبير في النمو، مدفوعاً بشكل خاص بالصناعات الكيميائية والصيدلانية».

وأضافت الوزارة، قبل نشر البيانات التفصيلية في 3 سبتمبر (أيلول)، أن قطاع الخدمات سجل نمواً أيضاً.

وكانت جمعية «سويسميم» لأصحاب العمل قد أشارت مؤخراً إلى استفادة الشركات الصناعية من الطلب المتزايد على معدات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

وفي مايو (أيار)، أظهر مؤشر مديري المشتريات، الذي يحظى بمتابعة وثيقة، ارتفاعه إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، رغم تأثير التعريفات الجمركية الأميركية الجديدة البالغة 12.5 في المائة على الصادرات السويسرية.

وأظهرت بيانات مصلحة الجمارك السويسرية ارتفاع الصادرات بنسبة 1.7 في المائة في الربع الثاني، مقارنة بنمو بلغ 0.3 في المائة في الربع السابق.

وقال محلل في «كابيتال إيكونوميكس» في مذكرة بحثية عقب صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي: «تشير المؤشرات الأولية إلى استمرار هذا الزخم خلال الربع الثالث».

وأضاف: «كنا نتوقع في البداية نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق، لكن هذه المؤشرات تشير إلى إمكانية تسجيل نمو أقوى».


حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
TT

حرب البحر الأسود تهدّد شرايين تجارة الحبوب العالمية

سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)
سفينة شحن بميناء نوفوروسيسك في البحر الأسود بروسيا (رويترز)

لم تعد الحرب في البحر الأسود مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا، بل تحولت مجدداً إلى أحد أبرز مصادر المخاطر على تجارة الغذاء العالمية، مع تصاعد الهجمات على الموانئ والسفن وارتفاع تكلفة التأمين، في منطقة يُتوقع أن تصدر منها روسيا وأوكرانيا معاً أكثر من 60 مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي.

وزادت المخاوف بعدما عرضت أوكرانيا، عبر طرف ثالث، وقف الهجمات المتبادلة على السفن المدنية في البحر الأسود، في محاولة لتخفيف الضغط على طرق التصدير، في حين لم تبدِ موسكو حتى الآن استعداداً لقبول هدنة مماثلة. وتأتي المبادرة بعد تصاعد حاد للهجمات خلال يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، استهدف موانئ وسفناً على جانبي البحر الأسود.

وتكمن أهمية التطورات في الوزن الاستثنائي للمنطقة في سوق القمح. فقد قدرت وزارة الزراعة الأميركية صادرات روسيا من القمح في موسم 2026 -2027 بنحو 47 مليون طن في مايو (أيار)، قبل رفع التقدير في يوليو إلى نحو 47.5 مليون طن، لتبقى موسكو أكبر مصدر للقمح في العالم. أما صادرات أوكرانيا فتدور التقديرات حول 14 مليون طن؛ ما يعني أن البلدين يمثلان معاً كتلة تصديرية تفوق 60 مليون طن.

* أوديسا... شريان اقتصادي تحت النار

بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثل البحر الأسود الطريق الأرخص والأكثر قدرة على نقل المنتجات الزراعية. ففي عام 2025 عالجت الموانئ الأوكرانية 82.2 مليون طن من البضائع، جاءت المنتجات الزراعية في الصدارة بنحو 44.2 مليون طن، أي أكثر من نصف إجمالي حركة الموانئ. ورغم الحرب، صدَّرت هذه الموانئ منتجات إلى 55 دولة، وذلك حسب بيانات سلطات ميناء أوديسا.

ومنذ تشغيل الممر البحري الأوكراني في سبتمبر (أيلول) 2023، نقل الطريق أكثر من 190 مليون طن من البضائع، بينها أكثر من 110 ملايين طن من الحبوب، وفق بيانات حكومية أوكرانية في أبريل (نيسان) 2026. وهذا الحجم يوضح لماذا يصعب تعويض موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني بالسكك الحديدية أو طرق النقل البري ونهر الدانوب.

وفي أول شهرين تقريباً من 2026 وحدهما، عالجت الموانئ الأوكرانية أكثر من 15 مليون طن، استحوذت موانئ «أوديسا الكبرى» على 14.5 مليون طن منها، بينها 8.5 مليون طن من الحبوب، في حين عالجت موانئ الدانوب 1.1 مليون طن فقط، منها 221 ألف طن من الحبوب.

وتكشف الفجوة بين الرقمين عن حدود البدائل المتاحة لكييف. فصحيح أن الدانوب والسكك الحديدية يوفران شبكة أمان، لكن الأمم المتحدة سبق أن أشارت إلى أن الطرق النهرية أكثر تكلفة، ولا تستطيع استقبال سفن الشحن الكبيرة نفسها التي تستخدمها الموانئ البحرية، كما تتطلب زمناً أطول للوصول إلى الأسواق الخارجية.

سفينة شحن تغادر ميناء أوديسا على البحر الأسود في أوكرانيا (رويترز)

* الضربات تصل إلى بوابة روسيا

لكن المخاطر لم تعد أوكرانية فقط؛ فقد تسببت هجمات حديثة على نوفوروسيسك، مركز تصدير الحبوب الروسي الرئيسي على البحر الأسود، في توقف عمليات بمنشآت للحبوب؛ وهو ما أدى إلى قفزة فورية في أسعار القمح في الأسواق العالمية. وارتفعت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو بنحو 3 في المائة عقب أحدث اضطرابات الميناء، في مؤشر على حساسية السوق لأي تهديد للإمدادات الروسية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية؛ فإذا تعرضت صادرات روسيا وأوكرانيا للاضطراب في الوقت نفسه، فلن تواجه السوق مشكلة منتج واحد أو ميناء واحد، وإنما تهديداً لاثنين من أكبر موردي القمح والحبوب في العالم.

* التأمين يتحول إلى ضريبة حرب

وتظهر الفاتورة الاقتصادية بصورة أوضح في سوق التأمين البحري. فقد تجاوزت أقساط مخاطر الحرب الإضافية على بعض الرحلات في البحر الأسود 1 في المائة من قيمة السفينة في يوليو، في حين قدرت مصادر في سوق التأمين المعدلات في بعض الحالات بنحو 1.5 في المائة، ارتفاعاً من مستويات أدنى بكثير قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وهذا يعني، على سبيل المثال، أن سفينة تبلغ قيمتها 50 مليون دولار قد تتحمل علاوة حرب إضافية تصل إلى 500 ألف - 750 ألف دولار للرحلة الواحدة، قبل إضافة تكاليف الوقود والتأخير والشحن والتشغيل.

ولا تتوقف الخسارة عند التأمين. فارتفاع المخاطر يدفع بعض ملاك السفن إلى رفض دخول المنطقة أصلاً، في حين يطالب آخرون بأجور شحن أعلى. وقد حذرت «أونكتاد» منذ بداية الحرب من أن زيادة تكاليف الشحن البحري للحبوب يمكن أن تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء؛ إذ قدرت في موجة الاضطراب الأولى أن تزامن ارتفاع أسعار الحبوب والشحن يمكن أن يزيد أسعار الغذاء للمستهلكين عالمياً بنحو 4 في المائة، يأتي نحو نصفها من ارتفاع تكاليف النقل وحده.

سفينة قرب مدخل مضيق البوسفور في البحر الأسود بتركيا (رويترز)

* أسعار الغذاء دخلت الأزمة من موقع مرتفع

ويأتي التصعيد الجديد في وقت أسعار الغذاء العالمية مرتفعة بالفعل. فقد بلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة 131.1 نقطة في يوليو، وهو أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، مع ارتفاع أسعار الحبوب 3.4 في المائة خلال الشهر وقفزة أسعار القمح 5.8 في المائة، وسط مخاوف من اضطراب صادرات البحر الأسود والأضرار المناخية بالمحاصيل.

وكان مؤشر «فاو» قد بلغ 130.3 نقطة في يونيو (حزيران)، بزيادة 1.7 في المائة على أساس سنوي، رغم انخفاض أسعار الحبوب آنذاك بفعل توقعات وفرة الإمدادات من البحر الأسود. وهذا التغير السريع بين يونيو ويوليو يكشف إلى أي مدى يمكن للمخاطر العسكرية أن تقلب اتجاه السوق في غضون أسابيع.

ورغم أن المخزونات العالمية توفر قدراً من الحماية، فإن الخطر يتركز في التجارة الفعلية وتوقيت وصول الشحنات. فالأسواق قد تكون لديها كميات كافية من القمح إجمالاً، لكن تعطل ميناء رئيسي أو تأخر السفن أو تضاعف كلفة التأمين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار لدى المشترين النهائيين.

* الشرق الأوسط في مقدمة المتأثرين

وتبدو دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأكثر حساسية لأي اضطراب جديد. فمصر، على سبيل المثال، من أكبر مستوردي القمح عالمياً، وتشير تقديرات وزارة الزراعة الأميركية إلى واردات قد تصل إلى 13.5 مليون طن في موسم 2026- 2027، بعدما بلغت التقديرات للموسم السابق 15.5 مليون طن. كما رفعت الوزارة توقعاتها لواردات السودان إلى 2.8 مليون طن، والسعودية إلى 4.2 مليون طن في الموسم السابق.

وتجعل هذه الأرقام أي زيادة بنسب محدودة في سعر القمح أو الشحن عبئاً بمئات الملايين من الدولارات على فواتير الاستيراد الحكومية والخاصة، خصوصاً في الاقتصادات التي تدعم الخبز أو تعاني أصلاً ضغوطاً على العملات الأجنبية.

والتجربة السابقة تبرهن على أهمية فتح الممرات. فقد سمحت مبادرة حبوب البحر الأسود التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا بين 2022 و2023 بخروج نحو 32.9 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من أوكرانيا، وذهب نحو 64 في المائة من شحنات القمح ضمن المبادرة إلى الدول النامية والأقل نمواً... وقد أسهمت المبادرة، إلى جانب تحسن الإمدادات، في خفض أسعار الغذاء العالمية بنحو 22 في المائة من ذروتها، حسب «أونكتاد».

ولهذا؛ فإن عرض الهدنة الأوكراني الحالي يتجاوز البعد العسكري. فالسؤال بالنسبة للأسواق هو ما إذا كان البحر الأسود يستطيع الاحتفاظ بدوره ممراً تجارياً موثوقاً، أم أن الحرب ستضيف بصورة دائمة «ضريبة مخاطر» إلى كل طن من القمح يغادر موانئ المنطقة.

وحتى الآن، لا تشير التطورات إلى عودة سريعة للاستقرار. فالموانئ تتعرض للهجمات، وأقساط التأمين ارتفعت، وأسعار القمح أصبحت أكثر حساسية للأخبار العسكرية، في حين تعتمد عشرات الدول على الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا. ومع كل يوم إضافي من التصعيد، تنتقل تكلفة الحرب تدريجياً من السفن والموانئ على البحر الأسود إلى فواتير الغذاء وموائد المستهلكين حول العالم.


طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع العوائد الحقيقية للسندات لأعلى مستوى في أكثر من عقد

شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)
شعار الذكاء الاصطناعي «إيه آي» يعلو جدار مركز «غوغل» الجديد خلال حفل افتتاحه في برلين (د.ب.أ)

قفزت مؤشرات تكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد في الاقتصادات الكبرى، مع تكثيف شركات الذكاء الاصطناعي والحكومات إصداراتها من السندات، ما يزيد المخاطر التي تواجه أسواق الأسهم والاقتصاد العالمي.

وتُقصد بالعوائد الحقيقية العائدات التي يطلبها المستثمر في السندات فوق معدل التضخم، وهي مؤشر مهم على تكلفة الاقتراض الفعلية التي تتحملها الحكومات والشركات. وتتحدد هذه العوائد عادةً وفقاً لتوقعات النمو وأسعار الفائدة، إلى جانب عوامل العرض والطلب على الأموال.

وتقترب العوائد الحقيقية على السندات الأميركية لأجل 30 عاماً، والمقاسة من خلال السندات المرتبطة بالتضخم، من أعلى مستوياتها في 18 عاماً، عند نحو 3 في المائة. كما تتداول العوائد الحقيقية على السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها في أكثر من عقد، وفق «رويترز».

ويرى مستثمرون ومحللون أن موجة الاقتراض المتزايدة من جانب شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة، المعروفة باسم «هايبرسكايلرز»، في وقت تواصل فيه الحكومات الإنفاق بكثافة، كانت من أبرز العوامل التي دفعت العوائد إلى الارتفاع، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى للاستمرار في شراء الكميات الكبيرة من السندات المطروحة في الأسواق.

ومع بقاء توقعات التضخم مستقرة إلى حد كبير رغم الحرب مع إيران، أدى ارتفاع العوائد الحقيقية إلى دفع العوائد الاسمية للسندات إلى الصعود في أنحاء العالم خلال الأشهر الأخيرة.

ودفعت الولايات المتحدة يوم الخميس أعلى تكلفة اقتراض لها منذ عام 2001، عند بيع سندات لأجل 30 عاماً في مزاد؛ إذ بلغ العائد 5.22 في المائة.

تدفق هائل للسندات

أصدرت شركات من بينها «ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» ما يقرب من 220 مليار دولار من السندات منذ بداية العام؛ أي أكثر من ضعف قيمة الإصدارات المسجلة طوال عام 2025، والتي بلغت 108 مليارات دولار، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية.

وقال فيفيك بول، كبير استراتيجيي الاستثمار في المملكة المتحدة لدى معهد «بلاك روك» للاستثمار: «هناك منافسة على رأس المال لم نشهد لها مثيلاً تقريباً في الآونة الأخيرة».

وأضاف: «مع تسارع عوامل مثل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تتزايد مشكلة ندرة رأس المال، وهو ما ينعكس بوضوح في ارتفاع عوائد السندات».

وتواصل الحكومات أيضاً الاقتراض بوتيرة مرتفعة. ومن المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الأميركية نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أو 1.9 تريليون دولار، هذا العام، مقابل 5 في المائة بفرنسا و4 في المائة ببريطانيا.

وقال آل كاترمل، مدير أول لمحافظ الدخل الثابت لدى «ميرابو لإدارة الأصول»: «في أوروبا، يمثل الإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة والاستثمار في البنية التحتية، محركات أكثر أهمية من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تحديداً».

كما تسعّر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة، وهو ما يؤدي، مع ثبات العوامل الأخرى، إلى دفع العوائد الحقيقية إلى الارتفاع. وقال ماكس كيتسون، استراتيجي أسعار الفائدة الأوروبية لدى «باركليز»، إن قوة النمو الاقتصادي، لا سيما في الولايات المتحدة، تمثل عاملاً مهماً في هذا الاتجاه.

وأشار أيضاً إلى أن البنوك المركزية لم تعد تشتري السندات بالوتيرة السابقة، بعدما كانت مشترياتها تسهم في كبح العوائد.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

احذروا الأسهم

تمثل العوائد الحقيقية معياراً لتكلفة الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم التي تواجهها الحكومات والشركات.

فإذا كان السند يدر عائداً اسمياً قدره 3 في المائة، بينما تبلغ توقعات التضخم 2 في المائة، فإن عائده الحقيقي يبلغ نحو 1 في المائة. وفي بعض الأحيان تكون توقعات التضخم العامل الرئيسي وراء تحركات العوائد الاسمية، لكن المحللين يقولون إن العوائد الحقيقية كانت المحرك الأهم في الآونة الأخيرة.

ومن الناحية النظرية، ينبغي أن يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تقليص الجاذبية النسبية للأسهم؛ إذ يمكن للمستثمرين تحقيق عوائد أفضل معدلة وفقاً للتضخم من خلال السندات، في حين تصبح التدفقات النقدية المستقبلية للشركات أقل جاذبية عند خصمها باستخدام عوائد أعلى.

لكن الأسهم، التي سجلت مستويات قياسية مدفوعة بأرباح قوية للشركات واقتصادات صامدة، تجاهلت هذه المخاوف حتى الآن؛ فقد رفع «جيه بي مورغان» توقعاته لأرباح الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأميركي، بينما أظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن أرباح الشركات الأوروبية الكبرى من المتوقع أن تسجل أسرع نمو لها منذ أواخر عام 2022.

لكن مات كينغ، مؤسس «ساتوري إنسايتس»، كان أكثر تشاؤماً، قائلاً إن شركات التكنولوجيا الكبرى تستنزف سيولتها النقدية، وستضطر بصورة متزايدة إلى اللجوء إلى الائتمان، وعندها سيبدأ ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية في التأثير عليها.

وقال في مذكرة: «نتوقع استمرار ارتفاع العوائد الحقيقية إلى أن تؤدي إلى خنق الاقتراض الذي دفعها إلى الارتفاع، وكذلك التحول نحو الأصول عالية المخاطر الذي غذّى صعود الأسهم».

كما يمكن أن تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض المعدلة وفقاً للتضخم، عند بلوغها مستويات معينة، إلى دفع الشركات والأسر إلى خفض الاستهلاك والاستثمار، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

وقال أشوك بهاتيا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «نيوبيرغر»، إن العوائد الحقيقية الأميركية لا تزال دون مستوى 3 في المائة إلى 4 في المائة، الذي يقدّر أنه يبدأ عنده التأثير على النمو الاقتصادي.

وأضاف: «لكن مستويات اليوم تمثل إشارة تحذيرية إلى أن النمو، رغم بقائه متيناً حالياً عند 1.5 في المائة إلى 2 في المائة، قد يبدأ في التعرض للتهديد».

وقال بهاتيا إنه يتوخى الحذر تجاه السندات طويلة الأجل بسبب المخاوف المتعلقة بالسياسة المالية، بينما رأى كيتسون من «باركليز» أن العوائد الحقيقية قد تواصل الارتفاع في ظل غياب رغبة سياسية كافية لدى الحكومات لخفض عجز الموازنات.

وأضاف: «العوامل الهيكلية التي تقف وراء هذه الزيادات في العوائد لا تزال قائمة. ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها ستختفي في أي وقت قريب».