حزب إردوغان يعمل على فتح طريقه لولاية رئاسية رابعة

المعارضة تريد انتخابات مبكرة بأسرع وقت... وبهشلي يطالب أوجلان بحل «العمال الكردستاني» بلا شروط

إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
TT

حزب إردوغان يعمل على فتح طريقه لولاية رئاسية رابعة

إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)

أعلن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أن العمل على تمهيد الطريق لترشيح الرئيس رجب طيب إردوغان لرئاسة البلاد للمرة الرابعة مطروح على جدول أعمال الحزب في الوقت الذي جددت فيه المعارضة مطالبتها بإجراء انتخابات مبكرة في أسرع وقت.

في الوقت ذاته، طالب رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، حليف إردوغان، زعيم حزب العمال الكردستاني، السجين، عبد الله أوجلان بإعلان حل الحزب وإلقاء أسلحته بلا شروط.

وبعدما أكد إردوغان استعداده للترشح مجددا للرئاسة، خلال مؤتمر للحزب في شانلي أورفا جنوب البلاد السبت الماضي، قال نائب رئيس الحزب المتحدث باسمه، عمر تشيليك: «إن تمهيد الطريق أمام الرئيس للترشح لولاية رابعة على جدول أعمالنا، بصفتنا داعمين لرئيسنا، سنفكر في صيغة لذلك، المهم هو أن يكون شعبنا يريد ذلك».

وأضاف تشيليك، في تصريحات ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية برئاسة إردوغان: «عندما ننظر إلى الأحداث التي تجري حولنا، يتضح في كل مناسبة كيف أن معرفة الرئيس وإرادته السياسية لهما أهمية كبيرة بالنسبة لبلدنا».

انتخابات مبكرة

من جانبه، جدد زعيم المعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزال، دعوته للإسراع بإجراء انتخابات مبكرة، وكرر، خلال كلمة أمام اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، رفع «البطاقة الحمراء» في وجه إردوغان وحكومته، مؤكدا أن حزبه سيواصل التركيز على الأجندة الرئيسية للبلاد وهي الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة المتردي التي لن تحل إلا عبر صناديق الاقتراع.

أوزال رافعاً البطاقة الحمراء في وجه إردوغان وحكومته خلال كلمته بالبرلمان الثلاثاء (موقع حزب الشعب الجمهوري)

وكان أوزال أطلق حملة لرفع «البطاقة الحمراء» من جانب جميع فئات الشعب للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة خلال تجمع لحزبه في مرسين بجنوب تركيا الأسبوع الماضي، استجاب لها المتقاعدون والعاملون بالقطاع الصحي وغيره من القطاعات، خلال مسيرات يطالبون فيها بتحسين أوضاعهم.

وعقب إعلان إردوغان نيته الترشح للانتخابات الرئاسية مجددا، أعلن أوزال التحدي وطالبه باتخاذ قرار هذا الأسبوع وإجراء الانتخابات خلال مارس (آذار) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبلين، مضيفا أن حزب الشعب الجمهوري ينتظر موعد الانتخابات بفارغ الصبر من أجل تسلم حكم البلاد.

وسخر رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، في كلمة خلال اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، من دعوة أوزال، قائلا: «إنه يقول: (لنقرر إجراء الانتخابات هذا الأسبوع)، وكأنه يتحدث عن شراء بصل أو بطاطا من السوق».

جدل الدستور

وكان بهشلي أعلن من قبل أن حزبه، وحزب العدالة والتنمية الحاكم، وهما شريكان (تحالف الشعب)، سيعملان على وضع دستور جديد للبلاد، وسيكون هدفه السماح بترشيح إردوغان للانتخابات الرئاسية مجددا.

بهشلي متحدثاً بالبرلمان الثلاثاء (موقع حزب الحركة القومية)

ولا يحق لإردوغان وفقا للدستور الحالي لتركيا أن يترشح للرئاسة مرة أخرى، ويتطلب تجاوز هذه العقبة، إما تغيير الدستور، أو موافقة 360 نائبا من أصل 600 نائب بالبرلمان على «تجديد الانتخابات»، وهو ما يعني تقديم انتخابات عام 2028 عن موعدها.

وقال النائب السابق العضو البارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم، شامل طيار، «إن إعادة ترشيح رئيسنا (إردوغان) مدرجة على جدول الأعمال، سيحدث ذلك بالتأكيد، ويكفي لذلك أن يقرر البرلمان تجديد الانتخابات».

وعبر عن اعتقاده بأن حزب الشعب الجمهوري، الذي يطالب بانتخابات مبكرة خلال العام الحالي، لن يعارض إجراء انتخابات في موعد معقول، وأن ذلك قد يكون قبل الموعد الأساسي لانتخابات 2028، أي إجراؤها في مايو (أيار) 2027.

وتابع بأنه إذا فكر إردوغان في الترشح مرة أخرى، فإنه سيرغب في حل هذه المشكلة مع حزب الشعب الجمهوري، وليس مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، المؤيد للأكراد.

ولدى حزب العدالة والتنمية وحلفائه في «تحالف الشعب» 321 مقعدا، ويحتاج تقديم موعد الانتخابات إلى موافقة 360 نائبا، بمعنى أنه سيحتاح إلى دعم واحد من الحزبين الكبيرين في المعارضة، الشعب الجمهوري، أو «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لاتخاذ هذه الخطوة.

إردوغان كشف عن استعداده للترشح للرئاسة في حوار مع المطرب إبراهيم تاتليسيس في شانلي أورفا السبت الماضي (الرئاسة التركية)

ورأى مراقبون أن إعلان إردوغان استعداده للترشح للرئاسة مجددا، على الرغم من معارضته من قبل فكرة الانتخابات المبكرة، يعود إلى رغبته في استغلال استرجاع حزبه بعض الشعبية التي فقدها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2023 والمحلية في 2024.

وخلافا لما ذهب إليه طيار، من أن إردوغان سيقوم بخطوة تقديم موعد الانتخابات عبر البرلمان، من خلال العمل مع حزب الشعب الجمهوري، رأى الكاتب الصحافي البارز، مراد يتكين، أن عمل إردوغان مع حزب الشعب الجمهوري أصبح احتمالاً بعيداً؛ ولذلك يقوم حزب العدالة والتنمية بـ«التطبيع» مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي كان يتهمه دائما بالصلة بالإرهاب.

ولفت إلى أن الخيار الثالث، وهو أصعب الخيارات، أن يعمل إردوغان وحزبه على استقطاب نواب الأحزاب اليمينية المتفرقة لتحقيق أغلبية 360 صوتا المطلوبة لتقديم موعد الانتخابات.

وعد يتكين أن انتعاش حزب العدالة والتنمية في استطلاعات الرأي الأخيرة وبدء تقدمه في بعضها على حزب الشعب الجمهوري، لا يعودان فقط إلى تغيير نظام بشار الأسد في سوريا، وتأثير توظيف إردوغان الدور التركي على الناخبين، بل يرجعان أيضاً إلى الصراع الداخلي في حزب الشعب الجمهوري، ووضع إردوغان وحكومته الحزب في موقف دفاعي مستمر بسبب سلسلة الدعاوى القضائية ضده قادته، وعزل أو اعتقال رؤساء البلديات التي فاز بها في الانتخابات المحلية.

مظاهرة لأنصار حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول احتجاجاً على اعتقال رئيس بلدية بيشكتاش (أ.ب)

وتشهد مدينة إسطنبول على مدى يومين مظاهرات لأنصار حزب الشعب الجمهوري احتجاجا على اعتقال رئيس بلدية بيشكتاش، رضا أكبولوط، فيما شهدت ولاية مرسين في جنوب البلاد أعمال شغب احتجاجا على اعتقال الرئيسين المشاركين لبلدية أكدنيز من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، و3 من أعضاء مجلس البلدية.

مبادرة أوجلان

ورأى مراقبون أن المبادرة التي أطلقها بهشلي في أكتوبر الماضي للحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني، السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، ودعوته للحديث بالبرلمان وإعلان حل الحزب وإلقاء أسلحته وانتهاء الإرهاب في تركيا، مقابل النظر في إطلاق سراحه، تؤكد توجه إردوغان لجلب أصوات نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لدعم خطة تقديم موعد إجراء الانتخابات بغرض تلافي مسألة طرح الدستور الجيد غير المضمونة.

مظاهرة تطالب بإطلاق سراح أوجلان (أ.ف.ب)

لكن يتكين رأى أن ما يتم التخطيط له لا يمكن أن يتحقق بغير تغيير في الدستور يضمن مزيدا من الحقوق للأكراد، مضيفا أنه على الرغم من تأكيد رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن إصرار حزب العدالة والتنمية على دستور جديد لا علاقة له بمبادرة أوجلان، فإن الرافعة التي ستجعل حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب يقبل بأي خطط، لا تتمثل فقط في إطلاق سراح أوجلان، بل الأمل في تعديل بعض مواد الدستور لصالح توسيع حقوق الأكراد.

وقال بهشلي، خلال اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، إن على أوجلان أن يعلن خلال الزيارة الثانية، المرتقبة، لوفد حزب الشعوب الديمقراطية له في سجن إيمرالي (جنوب بحر مرمرة في غرب تركيا) حل حزب العمال الكردستاني ودفن أسلحته وانتهاء الإرهاب في تركيا، دون أي شروط، لأنه لا يمكن إجراء مفاوضات مع منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

تواصل المعارضة التركية تصعيد ضغوطها للتوجه إلى انتخابات مبكرة، بينما يعارض الحزب الحاكم إجراءها قبل خريف 2027

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم برّاك فجّر غضباً واسعاً بسبب تصريحات بشأن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل (أ.ف.ب)

المعارضة التركية تطالب بإعلان السفير الأميركي «شخصاً غير مرغوب فيه»

أثار السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، جدلاً واسعاً بتصريحات عن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل، دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده من البلاد...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.


إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن الحرب على إيران جاءت لمنعها من تنفيذ مخططها لإبادة إسرائيل، قال كبير مستشاريه السابق، مئير بن شبات، إن «استئناف القتال، أو تفجر المحادثات، أفضل من أي اتفاق».

وعمل بن شبات مستشاراً للأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، وكان يوصف بـ«رجل المهام الخاصة» عند نتنياهو، كما تولى دور مبعوثه إلى الدول العربية والغربية.

وجاءت تصريحات بن شبات، التي نقلتها صحيفة «هآرتس»، في ظل انطباع يسود لدى مراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن إيران جادة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأنها تبذل ما في وسعها لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق سيئ، ولذا؛ فإنه «من الأفضل استئناف الحرب».

كيف سينتهي الصراع؟

وقال بن شبات، الذي ما زال يحافظ على علاقات وثيقة بنتنياهو، إنه «من الصعب تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة من الصراع، وقبل نهاية الهدنة. لكن ثمة احتمالات متباينة: الوصول إلى اتفاق، أو تمديد وقف النار، أو استئناف القتال».

وأشار بن شبات إلى أن «تصعيد الخطاب، وتعزيز القوات العسكرية، وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع؛ لأن الرغبة الأساسية لدى الطرفين هي تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات يمكنها أن تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على شكل النهاية وسرديتها».

لكن بن شبات حث إسرائيل على الاستعداد لإمكانية استئناف القتال، خصوصاً بعد التصريحات الإيرانية بشأن «قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام». وأضاف أنه «إذا ما نفذ الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب تهديداته، فإن الهجوم على إيران لن يكون بهدف توسيع بنك الأهداف، بل لتغيير غاية الحرب، بالانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة وظائفها».

وبهذا يشير بن شبات إلى «ضرب شبكة الكهرباء، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة؛ مما سيؤدي إلى شلل إيران بوصفها منظومة دولة؛ لفترة ما على الأقل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الغضب الداخلي

وبشأن الوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، افترض بن شبات أنه في المدى الفوري ستؤدي مثل هذه الخطوة أيضاً إلى آثار سلبية، «مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية بعد ذلك ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وتصدعات في وحدتها، ومصاعب في أدائها. كل هذا سيعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع».

مع ذلك، ثمة «سيناريوهات أخرى سيئة»، من بينها، وفق بن شبات، أن «تمديد وقف النار سيخدم إيران التي تدرك جيداً حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الزمن، وترى في ذلك رافعة ضغط لتحسين الإنجازات في المفاوضات».

كما أن الوصول إلى اتفاق «يحمل في طياته أخطاراً؛ بسبب الملف النووي ونظام الصواريخ والرقابة عليهما، وأكثر من ذلك؛ تحريرَ الأموال الإيرانية التي جمدتها العقوبات».

وتكشف تقارير صحافية عن أن الولايات المتحدة عرضت في إطار المفاوضات إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ 250 مليار دولار، لكن التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن «هذه الطريقة لن تغير طموحات النظام، بل فقط تعزز لديه فهم أنه ملزم بالحصول على سلاح نووي كي يضمن وجوده».

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

أدوار مجتبى خامنئي

يختتم بن شبات قائلاً: «من زاوية نظر إسرائيل - إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه - فمن الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي (دون اتفاق ودون حرب)». لكن المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يرى أن «نتنياهو يتنبأ بأن المحادثات الأميركية - الإيرانية ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعدّه النتيجة المفضلة».

ولمح هرئيل إلى أن نتنياهو يستند في موقفه إلى الارتباك داخل القيادة الإيرانية، مع ظهور علامات على نزاعات متصاعدة بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية.

ويبدو أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال يمارس بعض مهامه بعد إصابته خلال العملية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب، فيما ترجح تقارير صحافية أن علاقاته بأعضاء القيادة الآخرين ضعيفة؛ ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد أن قيادة «الحرس الثوري» مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، «في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران استمرارَها؛ ولو من أجل تأجيل هجوم أميركي - إسرائيلي جديد».