بين الهجوم الاستباقي والتصعيد الإقليمي: ماذا تنتظر إسرائيل من إيران؟

محللون إسرائيليون: «حزب الله» تحول من الذخر الإيراني إلى عبء استراتيجي

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي في قاعدة نيفاتيم الجوية بعد ضربات إيرانية لإسرائيل منتصف أبريل (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي في قاعدة نيفاتيم الجوية بعد ضربات إيرانية لإسرائيل منتصف أبريل (أ.ف.ب)
TT

بين الهجوم الاستباقي والتصعيد الإقليمي: ماذا تنتظر إسرائيل من إيران؟

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي في قاعدة نيفاتيم الجوية بعد ضربات إيرانية لإسرائيل منتصف أبريل (أ.ف.ب)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال هرتسي هاليفي في قاعدة نيفاتيم الجوية بعد ضربات إيرانية لإسرائيل منتصف أبريل (أ.ف.ب)

ما إن حطت أقدام الجيش الإسرائيلي على أرض لبنان، في العملية البرية المتدحرجة، حتى بدأت تُسمع أنباء عن «نقاشات تنطوي على تهديدات» باتجاه إيران، تستند إلى المعضلة التي تواجه تل أبيب: «هل نخرج إلى هجوم وقائي على منشآت النووي؟».

وترى قيادات إسرائيلية عدة أن «(حزب الله) يوجد في نقطة درك أسفل لم يشهد لها مثيل في كل سنوات وجوده، وهذا يطرح السؤال كيف سيقررون في طهران الرد على سلسلة الضربات التي وقعت عليهم في الأسبوعين الأخيرين... وعلى رأسها تصفية عزيز نظام الإيراني في لبنان، حسن نصر الله. فهل سيتدخلون مباشرة؟ وإذا كان هذا قرارهم، أليس أفضل لإسرائيل أن توجه ضربة استباقية؟».

ويشغل هذا الموضوع الصحافة الإسرائيلية، وخصوصاً المراسلين العسكريين والخبراء الاستراتيجيين الذين يتابعون ما يجري في الجيش وفي مكتب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو.

وبحسب المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت احرونوت»، يوسي يهوشع، فإن «اللغة التي صدرت عن طهران حتى الآن، بثت رسالتين متضاربتين بعض الشيء: من جهة التزام بالوقوف إلى جانب (حزب الله) والثأر على الإهانات الإسرائيلية، وبالمقابل انعدام الدافعية للانزلاق إلى حرب إقليمية من شأنها أن تحدث نتائج بعيدة الأثر... فيحتمل أن يكون الإيرانيون لا يعرفون حقاً كيف يسوون بين الإرادات المختلفة».

إيرانيون يرفعون صور حسن نصر الله وأعلام «حزب الله» في مسيرة وسط طهران الثلاثاء (أ.ب)

ويشير الكاتب إلى مخاوف في طهران من تعريض البنى التحتية المدنية للخطر، وهو ما قد يحدث إذا ما شنت إيران هجوماً على منشآت استراتيجية إسرائيلية. وقال: «مهما يكن من أمر، فقبل أسبوعين نشأ مسار مشوق: (حزب الله) تحول من ذخر إيراني في مشروع خنق إسرائيل إلى عبء يحاولون الابتعاد عنه».

ويرى محرر الشؤون الاستراتيجية في «يديعوت احرونوت»، نداف ايال، أن الصدام المباشر بين إيران وإسرائيل مطروح على الطاولة.

قراران دراماتيكيان

وأوضح في مقال رئيسي للصحيفة: «قراران دراماتيكيان يوشكان على أن يُتخذا في الفترة القريبة المقبلة من قيادتين في المنطقة. الأولى هي القيادة الإيرانية. فالمرشد الإيراني علي خامنئي، سيتعين عليه أن يقرر كيف سترد إيران على الأحداث في لبنان، وتصفية نصر الله وأيضاً اغتيال إسماعيل هنية».

وتوقع الكاتب في حال قرار إيران بالرد سيكون: هجوم مكثف على إسرائيل، الأمر الذي جربه الإيرانيون وفشل في شهر أبريل (نيسان) الماضي، أو حدث مركز وأليم بقدر ما يمكن – موضوع يحاوله الإيرانيون منذ نصف سنة، بلا نجاح. وأن يواصل المرشد الإيراني استراتيجية «الصبر الاستراتيجي» ويحاول عبرها أن يبني من جديد إمكانية ضرب إسرائيل مع (حزب الله) الذي يعاد ترميمه.

والقرار الآخر: هو للقيادة في إسرائيل. فأكثر من أي وقت آخر، في العقد الأخير، فإن هجوماً وقائياً على منشآت النووي الإيرانية يوجد على طاولة أصحاب القرار. ولفت إلى أن «الرافعتين الكبيرتين اللتين بنتهما طهران لأجل ردع إسرائيل، (حزب الله) و(حماس)، تضررتا بشدة. قدرتها على أن ترد على هجوم إسرائيلي محدودة الآن: لكن هذا يمكن أن يتغير إلى ما هو أسوأ. والتوقيت السياسي الذي يصعب فيه على البيت الأبيض فرض فيتو هو اعتبار إضافي. الصدمة الإقليمية من انقلاب الميل – الكفيلة بأن تكون تاريخية – تضيف فقط لأولئك الذين يدعون بأن الفرصة الذهبية حلّت».

وكان الإسرائيليون قد تساءلوا في الماضي إن كان بمقدورهم أن يخوضوا حرباً مع إيران لتدمير قدراتها النووية وتوصلوا إلى قناعة بأنه من دون أن تقود الولايات المتحدة حرباً كهذه لن يكون ممكناً.

ولكن، بعد نجاحات الجيش الإسرائيلي والمخابرات في اختراق أمن «حزب الله» بشكل فاحش وتمكن ضباط مخابرات إسرائيليين من بيع أجهزة اتصال مفخخة انفجرت في وجوه ألوف عناصر الحزب، وكمية الاغتيالات الضخمة التي حققتها لقادة «حزب الله» الأساسيين وفي مقدمتهم نصر الله، وتدمير بطاريات صواريخ مثيرة، أعاد الثقة الزائدة في النفس لدى الجيش ولدى نتنياهو وصارت «الأقدام على الأرض، والرأس في طهران»، كما يقول الصحافي يهوشع.

المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يعرض بقايا صاروخ باليستي إيراني خلال مؤتمر صحافي في قاعدة جولس العسكرية الثلاثاء (رويترز)

استغلال الفرصة

وأدلى مسؤولون إسرائيليون بسلسلة من التصريحات في الأيام الأخيرة كانت موجهة صراحة إلى طهران، بدءاً بخطاب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، استمراراً لتوجهه المباشر، الاثنين، إلى الشعب الإيراني، وانتهاءً بتصريحات رئيس الأركان هليفي، الأحد، بأن من يعرف كيف يصل إلى اليمن سيعرف كيف يصل أيضاً إلى مسافات مشابهة في أماكن أخرى في المنطقة.

وتساءل المحرر العسكري في صحيفة اليمين «يسرائيل هيوم»، الون بن دافيد: «هل نستغل الفرصة ونهاجم إيران؟». وأشار إلى أسباب عدة تقرب إمكانية مثل هذا الهجوم في الوقت الحالي.

أولاً: إيران مضروبة ومشوشة، وفقدت ذخائر عديدة في المنطقة – وعلى رأسها أساس القدرة العملياتية لـ«حزب الله»، الذي كان يفترض به أن يكون السور الواقي الأساس لها ضد هجوم إسرائيلي على مواقع النووي.

ثانياً: قدرة الرد المباشرة لإيران ضد إسرائيل محدودة، كما تبين في هجوم 14 أبريل، وإسرائيل يمكنها أن تحبط معظمه استناداً إلى قدراتها الدفاعية وبمساعدة شركائها في المنطقة.

ثالثاً: القدرة الدفاعية لإيران محدودة في مواجهة القوة الجوية الهجومية لإسرائيل، التي تفرغت في معظمها بعد أن انتهى أساس المهمة في لبنان.

رابعاً: توجد إيران على مسافة خطوة من قدرة نووية مثبتة (إمكانية لتفجير قنبلة) تضع العالم أمام حقيقة ناجزة.

خامساً: لا يمكن أن نعرف ماذا سيكون مجال العمل الإسرائيلي بعد الانتخابات في الولايات المتحدة وتبعاً لنتائجها.

بالمقابل، توجد أسباب عدة تبعد إمكانية مثل هذا الهجوم الآن؛ أولاً: الخوف من نشوى مبالغ فيها في الجانب الإسرائيلي ومحاولة بلع أكثر مما هو ممكن دفعة واحدة، بينما الساحة الأخرى لا تزال مفتوحة (وعلى رأسها المخطوفون في غزة).

لوحة إعلانية تصور صواريخ باليستية إيرانية كُتب عليها «الوعد الصادق» و«إسرائيل أضعف من شبكة العنكبوت» في ميدان ولي عصر وسط طهران 14 أبريل (أ.ف.ب)

ثانياً: لأن إسرائيل لا يمكنها أن تنفذ عملية كهذه وحدها، وسلوك إدارة الرئيس جو بايدن حتى الآن لا يلمح بأنها ستمنحها ضوءاً أخضر أو مساعدة فاعلة (وحتى سلبية) للهجوم. ثالثاً: لأن هذه ستكون رسالة بدء لحرب أبدية ضد إيران.

ورابعاً: لأنه ليس واضحاً على الإطلاق مدى الضرر الذي يمكن لإسرائيل أن توقعه بالمشروع النووي الإيراني. ويخيل أن هذا البند هو الأكثر حرجاً. فمنشآت النووي العراقية (1981) والسورية (2007) دمّرتها إسرائيل تماماً في هجوم واحد. أما إيران فقد تعلمت الدرس المزدوج ووزعت برنامجها النووي».

«إيران الضعيفة»

وأما محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عاموس هرئيل، الذي يرى هو أيضاً أن إيران باتت أضعف في هذه الحرب، فيحذر: «الأمر المقلق جداً في الأسبوع الأخير هو حالة النشوة التي سيطرت على محللين وجنرالات في الاحتياط. يمكن تفهم الحاجة إلى الاحتفال بالإنجازات بعد ضربة 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن من الجدير عدم الخطأ في التفكير بإمبراطورية إسرائيلية عظيمة القدرات التي ستملي طلباتها على كل الشرق الأوسط. من الأفضل التركيز على تحسين الواقع في جنوب لبنان بصورة تمكّن من عودة سكان المنطقة الشمالية إلى بيوتهم، وفي الوقت نفسه عدم نسيان المخطوفين في غزة الذين تم إبعادهم عن أي حوار جماهيري».

صورة التقطها قمر اصطناعي للقاعدة الجوية قرب أصفهان وسط إيران التي استهدفتها الضربة الإسرائيلية في 18 أبريل الماضي (بلانيت لابس بي بي سي - أ.ب)

ويرى غالبية المراقبين في تل أبيب، أن بإمكان إسرائيل أن تدمر في أحسن الحالات 40 في المائة من أجهزة الطرد المركزي، فهل هذا كافٍ؟ هل سيمنع الاستمرار في المشروع النووي؟ أم «أنه سيؤدي إلى ارتفاع سعر برميل النفط إلى 200 دولار للبرميل، فندخل إسرائيل في صدام سياسي مع الولايات المتحدة وكل دول الغرب تقريباً وسيمنح شرعية للنظام الإيراني للتقدم إلى قنبلة وسيجعل الحرب إقليمية بشكل كامل ومطلق؟».


مقالات ذات صلة

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار نحو اتفاق «متعجل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)

مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

تكشف أزمة مضيق هرمز أن جغرافيا إيران ما زالت تمنحها ورقة ردع مؤثرة، رغم الخسائر العسكرية والضغوط على برنامجها النووي.

مارك مازيتي (واشنطن) آدم إنتوس (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».