4 عوامل رئيسية تبقي إيران بعيدة عن حرب لبنان

طهران متخوفة من الانجرار إلى ما يهدد بقاء نظامها

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاجتماع الوحيد مع رئيس غربي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة(رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاجتماع الوحيد مع رئيس غربي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة(رويترز)
TT

4 عوامل رئيسية تبقي إيران بعيدة عن حرب لبنان

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاجتماع الوحيد مع رئيس غربي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة(رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاجتماع الوحيد مع رئيس غربي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة(رويترز)

أقل ما يمكن أن توصف به استراتيجية إيران إزاء اندلاع المواجهة الواسعة والمدمرة بين إسرائيل و«حزب الله» هو «الغموض»، لا بل «الحيرة». ومنذ الاثنين الماضي؛ أي منذ أن أطلقت إسرائيل حملتها الجوية على لبنان مستهدفة مقاتلي «حزب الله» ومواقعهم وأسلحتهم وبيئتهم، موقعة مئات القتلى وآلاف الجرحى الذين انضموا إلى ضحايا «حرب الإسناد» التي أطلقها الحزب في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب «طوفان الأقصى»، ثمة أسئلة تطرح بقوة حول هذه الاستراتيجية، بل ثمة أصوات تتهم طهران بـ«التخلي» عن «حزب الله»، وتتساءل: إن لم تتدخل اليوم لمساندته فمتى ستفعل؟

4 عوامل رئيسية تدفع طهران للابتعاد عن الحرب

تميل أكثرية المحللين والدبلوماسيين المهتمين بالشأن الإيراني إلى الاعتقاد بأن طهران واقعة في «مأزق كبير»، وأن أي خطوة غير محسوبة تخطوها يمكن أن تقودها إلى حيث لا تريد.

يرى دبلوماسيان أوروبيان، مقرهما العاصمة الفرنسية، أن هناك أربعة عوامل أساسية تدفع القيادة الإيرانية إلى البقاء، عملياً وميدانياً، بعيدة عن الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل و«حزب الله»، مع الإشارة إلى وجود «تجاذبات» داخل هذه القيادة بين من يدفع باتجاه التدخل بشكل من الأشكال، ومن يفرمل الاندفاع.

ويذهب هذان المصدران إلى حد الحديث عن «الانفصام» بين خطاب تهديدي عالي اللهجة من جهة، وأداء يتسم بالاعتدال والابتعاد عن أي نوع من أنواع الاستفزاز الذي قد يقود إلى الانخراط عسكرياً في الحرب، من جهة أخرى.

يتمثل العامل الأول، وفق المصدرين، برغبة إيران بـ«تلطيف» علاقاتها مع الغرب؛ رغبة منها في دفعه إلى رفع عقوبات اقتصادية ومالية مفروضة عليها أساساً بسبب برنامجها النووي، ولكن أيضاً بسبب الدعم الذي توفره، بحسب الغربيين، لروسيا. وآخر تجلياته مدّها بصواريخ باليستية، بعد أن زودتها بآلاف المسيرات مختلفة الأنواع.

من هنا، تأتي أهمية تركيز إيران على الملف النووي وإظهار نيتها للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من جهة، ومعاودة المفاوضات مع الغربيين حول اتفاق عام 2015 الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع نفي ما يروجه الغربيون عن مساعدة روسيا عسكرياً، من جهة أخرى. وتتم هذه الخطوة بموافقة وتأييد المرشد علي خامنئي الذي «لا يرى ضيراً» في ذلك، ومع انطلاق العهد الجديد للرئيس «الإصلاحي» مسعود بزشكيان، وعودة الإصلاحيَّين: محمد جواد ظريف، نائبه وعباس عراقجي وزير الخارجية إلى الواجهة.

يقوم العامل الثاني على قناعة متجذرة تقول إن تدخل إيران «مباشرة» في مساندة «حزب الله» عن طريق استهداف إسرائيل بعدد من الصواريخ التي تمتلكها، والقادرة على ضرب أي موقع إسرائيلي، سيعني قيام حرب مفتوحة ليس معها فقط، بل مع الولايات المتحدة التي عززت حضورها العسكري في المنطقة، والتي يردد وزير دفاعها، مرة بعد الأخرى، أن الغرض من ذلك «حماية إسرائيل».

وفي هذا السياق، تأتي التأكيدات المتكررة لمسؤولين إيرانيين، ومن «خبراء» مقربين منهم، أن «إيران لن تجر إلى الحرب»، وأن استفزازها لدفعها إلى الميدان العسكري «رغبة من إسرائيل» التي تثق بأن أي هجوم إيراني عليها سيستدعي حتماً تدخلاً أميركياً.

والقناعة الإيرانية أن إسرائيل والولايات المتحدة سوف تغتنمان الفرصة لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، علماً بأن الطرفين يؤكدان أنهما مستعدان للجوء إلى كافة الوسائل لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي.

مظاهرة معادية لإسرائيل في إيران الجمعة وإحراق العلم الأميركي خلالها (أ.ب)

الرد بـ«الوكلاء»

ولأن طهران حريصة على برنامجها النووي الذي تطور إلى حد كبير من خلال عمليات التخصيب المرتفعة، فإن حرباً مفتوحة ستعيده سنوات إن لم يكن عقوداً إلى الوراء، وهي قد عانت بسببه من العقوبات الاقتصادية والمالية والضغوط السياسية. لذا، فإن إيران تفضل أن يكون الرد عن طريق «وكلائها»، وأبرزهم اليوم «الحوثيون» في اليمن، وبشكل متقطع ميليشيات عراقية.

لكن هذه المساندة ليس لها، وفق خبراء عسكريين، أي تأثير على مجريات الحرب إن كانت في غزة أو حالياً في لبنان. وفي أي حال، يمكن فهم كلام خامنئي الأخير بتأكيده أن «حزب الله» «تلقى ضربات ولكنه لن يركع»، على أن إيران لا ترى حاجة لتدخلها المباشر ما دام أن «حزب الله» لن يقضى عليه.

أما العامل الثالث فعنوانه التخوف الإيراني من أن الانخراط في الحرب ستكون له انعكاساته على الانتخابات الأميركية، وعلى تحسين فرص الفوز للرئيس السابق، الأمر الذي تريد طهران تحاشيه خصوصاً أنها تسعى، قبل أقل من خمسين يوماً على هذه الانتخابات، لتحقيق «انفراج» مع واشنطن، ومع الغربيين بشكل عام.

فعودة ترمب إلى البيت الأبيض تعني مزيداً من الضغوط على إيران التي امتنعت حتى اليوم، وبعد مرور قرابة الشهرين على اغتيال إسماعيل هنية، عن «الرد القاسي» عما سمته «انتهاكاً» لسيادتها وعملاً إرهابياً.

وبرر بزشكيان ذلك، في نيويورك، بقوله إن بلاده امتنعت عن الرد؛ خشية نسف الجهود الأميركية الرامية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، مضيفاً ما حرفيته: «حاولنا ألا نرد. قالوا لنا مرة تلو الأخرى إننا كنا قريبين من السلام، لربما خلال أسبوع أو أكثر».

هذه العوامل، جميعها، تدفع طهران، عملياً، لإبراز «الليونة»؛ لأن ما تسعى إليه اليوم، مع انطلاق العهد الرئاسي الجديد، هو تحسين مستوى ونوعية العيش للمواطنين الإيرانيين، وأي حرب مباشرة سيكون لها تأثيراتها على خططها. وبالتالي، في سياق «العامل الرابع»، فإن طهران مستمرة في تحاشي كل ما من شأنه أن يبعدها عن هذه الغاية، وأن يصيب أولوياتها، وأولها المحافظة على النظام نفسه الذي اهتز أكثر من مرة في السنوات الأخيرة.

من هنا، فإن اندلاع حرب مباشرة، رغم امتلاكها ترسانة صاروخية متكاملة، ووكلاء قاموا لنصرتها عند الحاجة، سيعني القضاء على خططها التنموية، وعلى برنامجها النووي، وعلى الموقع الذي اقتطعته لنفسها في المنطقة.

صورة لأمين «حزب الله» حسن نصرالله مأخوذة عن قناة «المنار» بمناسبة خطاب له يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)

الدفاع عن صورة إيران في المنطقة

ما سبق يمثل جانباً من الصورة باعتبار أن هناك عوامل، بالمقابل، تدفع السلطات الإيرانية لكي لا تنفض يديها مما هو جارٍ في لبنان بعد خمسة أيام من القصف الإسرائيلي الوحشي الذي قضى على 700 شخص، غالبيتهم القصوى من المدنيين، وألحق بلبنان دماراً كبيراً. وعنوان العامل الأول أهمية «حزب الله» بالنسبة لإيران.

ويرى المصدران الدبلوماسيان أن «حزب الله»، من حيث أهميته، «مختلف عن (حماس)»، وأنه «يمثل أفضل نجاح إقليمي» لطهران، حيث إن موقعه ليس منحصراً في لبنان بل يتخطاه إلى سوريا والعراق واليمن، بعد أن استثمرت فيه خلال ثلاثة عقود على الأقل الكثير من الأموال والجهود، وبالتالي «لا يمكن لأحد أن يتفهم بقاء إيران مكتوفة اليدين» إزاء ما تقوم به إسرائيل ضده.

الرأي السائد أن إيران رسمت للحزب دوراً رئيسياً مسانداً في حال تعرضت أراضيها لهجوم إسرائيلي - أميركي – غربي؛ إذ إنه «يشكل رأس المنظومة التي بنتها في الإقليم لبسط نفوذها وتحصين نفسها». والواضح أن مصداقية إيران على المحك. ذلك أن بقاءها متفرجة سيصيب بالدرجة الأولى هذه المصداقية، وسينزع عنها هالة تزعم ورعاية «جبهة الرفض» ومقاومة الهيمنة الأميركية - الغربية. وغياب المصداقية سينعكس على دورها الإقليمي المستقبلي، وعلى تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة، بحيث إن ما بنته في الإقليم يمكن أن ينهار، وتكون قد خسرت كل ما عملت لأجله في العقود الماضية.

هل ستقدم أم أنها لن تفعل؟ السؤال مطروح وسيطرح بقوة أكبر كلما ازداد التدمير واستطالت قافلة الضحايا، فيما تعاني السلطات الإيرانية من وضع غير مريح. ولعل خروجها منه سيكون عبر نجاح الضغوط الدولية للتوصل إلى هدنة أو وقف للأعمال القتالية الذي لا يتوقع له أن يعيد الوضع إلى سابق عهده، بل سيفضي إلى تدابير وتطورات لن تكون حكماً لصالحها.


مقالات ذات صلة

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (طهران- لندن)
شؤون إقليمية مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - موسكو)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» خلال تدريبات في 19 يونيو 2026 (البحرية الأميركية)

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان (أ.ف.ب) p-circle

إيران تستبعد نجاح التفاوض مع أميركا في ظل «الضغوط والتهديدات»

اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز) p-circle

إيرانيان يدفعان ببراءتهما من تنفيذ عمليات مراقبة لصالح طهران في بريطانيا

دفع رجلان إيرانيان ببراءتهما، الجمعة، من التهم الموجهة إليهما بأنهما كُلفا من طهران لتنفيذ عمليات مراقبة استهدفت السفارة الإسرائيلية وأقدم كنيس يهودي ببريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى واجهة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء حرب إيران، مع استمرار الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

وأعلن الكرملين أن بوتين نقل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اتصال هاتفي، وجهة نظر إيران بشأن تسوية محتملة للنزاع، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من دون الكشف عن مضمون المقترحات.

وأشار مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إلى ترحيب ترمب باستمرار الحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن «الخيارات الدبلوماسية لم تُستنفد، وأن التوصل إلى اتفاق ممكن وضروري».

وشدد بزشكيان على أن بلاده لا تنسحب من المفاوضات، لكنها تتمسك بحقوقها وترفض المواقف الأحادية التي تعرقل التسوية.وفي الملف النووي، جدد بوتين عرض موسكو استقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وقال الكرملين إن ترمب أبدى اهتماماً بالمقترح.


إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
TT

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية. وتعكس التصريحات الإيرانية، إلى جانب الهجمات البحرية المتكررة، مساعي طهران لتأكيد جاهزيتها العسكرية وقدرتها على مواصلة العمليات، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بظلالها على أمن المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا الصدد، أعلن قائد القوات البرية في الجيش الإيراني، العميد علي جهانشاهي، استمرار انتشار أكثر من 50 وحدة قتالية وإسنادية على حدود البلاد، مؤكداً جاهزيتها لمواجهة التهديدات، وكاشفاً عن إجراءات للتعامل مع احتمال دخول قوات معادية إلى الأراضي الإيرانية.

وقال جهانشاهي، في مقابلة مع وكالة «فارس» أعادت وسائل إعلام إيرانية نشرها السبت، إن انتشار هذه القوات بدأ مع اندلاع الحرب الأخيرة، وإن الوحدات لا تزال في مواقعها. وتشمل القوات ألوية متحركة وتشكيلات للتدخل السريع، ووحدات مدرعة وميكانيكية، إلى جانب المدفعية والهندسة والصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأوضح أن الانتشار يمتد من شمال غربي إيران وغربها إلى جنوبها الغربي، فضلاً عن المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية وسواحل مكران. وأضاف أن نقل الأفراد والذخائر والمعدات جرى باستخدام مركبات ثقيلة، وأن التحركات نُفذت ليلاً في ظل تهديد الطائرات والمسيّرات المعادية، معتبراً أن هذه الإجراءات أسهمت في ردع أي محاولة لاختراق الحدود.

خطط لمواجهة التوغل

صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

وقال قائد القوات البرية إن الجيش نفذ عمليات استطلاع في مناطق مختلفة من البلاد لتحديد المواقع التي قد تستخدمها قوات معادية للهبوط أو التقدم داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك مطارات مهجورة، ووضع خطط لتخصيص وحدات للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات.

وأضاف أن القوات المنتشرة تواصل مهامها رغم الظروف المناخية الصعبة، بما فيها درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، والرطوبة المرتفعة، والنقص في بعض الإمكانات، مؤكداً استمرار جاهزيتها لتنفيذ العمليات.

وفي إطار الاستعدادات، أشار جهانشاهي إلى مراجعة الخطط العملياتية وتعديل الهيكل التنظيمي والقتالي للوحدات، إلى جانب تزويدها بأسلحة دقيقة وذكية قابلة للعمل ضمن شبكات مترابطة، وتطوير برامج تدريب الأفراد. كما تحدث عن إنشاء خنادق وأنفاق ومواضع لإطلاق النار وتحصينات دفاعية داخل المعسكرات، بهدف تقليل الخسائر البشرية والحد من تعرض المعدات العسكرية للاستهداف.

استمرار الإنتاج العسكري

وفي معرض حديثه عن أداء القوات البرية خلال الحرب، قال جهانشاهي إن وحداته نفذت هجمات صاروخية وأطلقت آلاف الطائرات المسيّرة من طراز «آرش» باتجاه قواعد أميركية في المنطقة وإسرائيل، وفق روايته.

وأضاف أن إنتاج المعدات العسكرية استمر خلال الحرب ولا يزال متواصلاً، معتبراً أن قدرات الوحدات وجاهزيتها أصبحتا أعلى مما كانتا عليه قبل اندلاع القتال.

وأقرّ بتعرض عدد من المعسكرات لهجمات أدت إلى تدمير مساحات واسعة من مبانيها، لكنه قال إن توزيع القوات وإقامة التحصينات أسهما في الحد من الخسائر، من دون تقديم أرقام عن حجم الأضرار أو عدد القتلى.

وتأتي هذه التصريحات في سياق سعي المؤسسة العسكرية الإيرانية إلى إبراز قدرتها على الحفاظ على جاهزيتها واستمرار الإنتاج العسكري رغم الضربات التي تعرضت لها منشآتها ومواقعها خلال الحرب.

دعوات لإعادة الإعمار

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وفي سياق متصل، كشف رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، عن تعرض مراكز تابعة لقيادة الشرطة لهجمات خلال الحرب، أسفرت عن مقتل عدد من أفرادها وألحقت أضراراً بمقارها وتجهيزاتها.

ونقلت وكالة «تسنيم»، السبت، عن عبد اللهي قوله إن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان وراء تلك الهجمات، من دون أن يقدم حصيلة محددة للقتلى أو عدد المنشآت المتضررة.

ودعا المسؤول العسكري إلى الإسراع في ترميم المواقع المتضررة وإعادة تأهيل المعدات، بما يسمح لأفراد الشرطة باستئناف مهامهم في ظروف أفضل. كما أشاد بقيادة الشرطة ومسؤولي المحافظات والأجهزة المتخصصة، قائلاً إنهم واصلوا إدارة العمل الأمني رغم ظروف الحرب.

وأضاف أن التعاون بين القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الاستخباراتية والسكان أسهم، بحسب روايته، في الحفاظ على الأمن الداخلي.

على الجبهة البحرية، أعلن «الحرس الثوري»، يوم الجمعة، استهداف ناقلة الغاز العملاقة «إن في سانشاين» خلال محاولتها عبور مضيق هرمز عبر ما وصفه بـ«مسار غير قانوني». وقال «الحرس الثوري»، في بيان نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، إن قواته البحرية تنفذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة وتستجيب لما وصفه برغبة الشعب الإيراني في ممارسة السيادة على المضيق.

حصول السفن على إذن

سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)

وتصر طهران على ضرورة حصول السفن على إذنها لاستخدام المسار الذي تفضله لعبور الممر المائي الاستراتيجي. لكن بعض السفن باتت تخاطر باستخدام مسار بديل بمحاذاة الساحل الجنوبي للمضيق، بالقرب من السواحل العمانية.

ويأتي الإعلان الإيراني في وقت تتواصل فيه المخاوف من اتساع نطاق المخاطر البحرية، وسط تعطل حركة الملاحة وظهور مسارات بديلة تحاول السفن استخدامها لتفادي القيود والتهديدات.

وفي حادثة منفصلة، كانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قد أفادت بتعرض سفينة لضربة بمقذوف مجهول المصدر، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، على بعد نحو 13 ميلاً بحرياً، أي قرابة 24 كيلومتراً، قبالة الجزيرة الحمراء في الإمارات، إلى الجنوب الغربي من مضيق هرمز.

وجاء الحادث بعد أيام من استهداف ناقلة قبالة السواحل القطرية، على مسافة تقارب 500 كيلومتر غرب المضيق، في مؤشر على اتساع نطاق المخاطر التي تواجه السفن العاملة في مياه الخليج والمناطق المحيطة به.

وتتعرض السفن الموجودة في الخليج أو التي تحاول عبور مضيق هرمز لهجمات متكررة منذ اندلاع الحرب بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، فيما تواصل طهران تعطيل الملاحة في المضيق، رغم نجاح بعض السفن في العبور.

وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، وأطلقت قواتها النار مراراً على سفن مرتبطة بطهران. كما أفادت وسائل إعلام أميركية بوجود جهود عسكرية لحماية السفن التي تستخدم المسار الجنوبي للمضيق.


جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط. وأوضح الكرملين أن بوتين أبلغ ترمب بموقف طهران خلال الاتصال الهاتفي بينهما، يوم الجمعة، لكنه لم يكشف مضمون الرؤية المطروحة أو رد الرئيس الأميركي عليها، كما لم يتضمن إعلاناً عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، إن بوتين أكد أن الخيارات الدبلوماسية في الملف الإيراني لم تُستنفد، وأن التوصل إلى اتفاق مع طهران عبر المفاوضات «ممكن وضروري». وأضاف أوشاكوف أن الرئيس الأميركي رحّب باستمرار الحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران بمشاركة قطر، رغم التصريحات العلنية الحادة بين الطرفين.

والتقى بوتين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان، هذا الأسبوع، حيث أعرب الرئيس الروسي عن استعداده للتوسط بهدف إبرام تسوية تنهي الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في فبراير الماضي. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، أمس، وفق ما نقلت عنه وكالة «ريا نوفوستي» الروسية الرسمية، إنه «بالتنسيق مع الرئيس الإيراني، نقل بوتين إلى ترمب وجهات نظر الجانب الإيراني بشأن تسوية محتملة للنزاع».

من جانبه، أكد بزشكيان أن بلاده لا تنسحب من طاولة المفاوضات وتسعى إلى إنهاء الحرب سريعاً، لكنه شدد على ضرورة احترام حقوقها، محذراً من أن المواقف الأحادية تعرقل التوصل إلى حل قريب.

وتشهد الجهود الدبلوماسية لإنهاء النزاع مع إيران المستمر منذ أكثر من 7 أشهر، والذي اندلع إثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران في فبراير (شباط) الماضي، جموداً منذ الصيف.

محادثة «جوهرية وودية للغاية»

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد أبرمتا في يونيو (حزيران) الماضي مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع، قبل أن تنهار في يوليو (تموز) الماضي بفعل تجدد الهجمات الإيرانية على سفن في مضيق هرمز، ورد واشنطن عليها من خلال ضربات هجومية. ولم تسفر المحادثات غير المباشرة الأخيرة بين واشنطن وطهران، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن أي اختراق.

ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن مسؤول في الكرملين قوله إن المحادثة التي جرت بين بوتين وترمب كانت «جوهرية وودية للغاية»، وإن أياً من الزعيمين لم يرغب في أن يكون أول من ينهي المكالمة.

اتفق الرئيسان خلال المكالمة على أن تزود روسيا الأسواق الأميركية والعالمية بالديزل لخفض أسعار الوقود؛ ما أدى إلى تخفيف مؤقت غير متوقع للعقوبات الأميركية على الوقود الروسي، الأمر الذي أثار استياء أوكرانيا.

ونقلت «إنترفاكس» عن مستشار الكرملين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف قوله إن المحادثة استمرت ساعة ونصف الساعة. وقال: «لم يرغب أي منهما في أن يكون أول من ينهي المكالمة. أنهيا المكالمة في وقت واحد... حرفياً في اللحظة نفسها».

عرض روسي بشأن اليورانيوم

وفي الملف النووي، قال أوشاكوف إن بوتين أكد لترمب أن عرض موسكو لاستقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا يزال قائماً، باعتباره مخرجاً محتملاً من المأزق.

وأضاف أن الرئيس الأميركي أبدى اهتماماً بهذه النقطة ورحّب بانخراط روسيا في جهود تسوية الوضع حول إيران، بحسب الرواية الروسية. ولم يُعلن في التصريحات عن قبول الطرفين تنفيذ المقترح، أو تحديد آلياته ومواعيده.

وتضيف تصريحات بيسكوف تفصيلاً إلى الاتصالات الجارية، بتأكيد التنسيق مع الرئيس الإيراني قبل نقل رؤية طهران إلى واشنطن. لكن مضمون هذه الرؤية، ومدى توافقها مع المطالب الأميركية، يظلان غير معلنين في التصريحات المتاحة، بينما تتمسك موسكو بإمكان التوصل إلى حل تفاوضي.

تأرجح واشنطن

وتتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وفق طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعدما رفض خطة طهران لحصر التفاوض في قضية هرمز وفتح المضيق خلال 7 أيام.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام، حسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز»، يراهن تيار داخل الإدارة على الضغوط الاقتصادية ومنحها مزيداً من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات حول ما إذا كان قراره مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط، أو بقناعة أن طهران تريد العودة الجادة إلى التفاوض.

إنتاج الصواريخ والمُسيَّرات

صواريخ إيرانية معروضة في أحد شوارع طهران (رويترز)

من جهة أخرى، كشفت شبكة «بلومبيرغ» الأميركية أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم أشهر من القصف الأميركي والإسرائيلي، بما يتيح لها إعادة بناء ترسانتها العسكرية وتعويض جانب من خسائرها.

ويأتي ذلك فيما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الخميس، بعدم مهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفق منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

ونقلت الشبكة عن مسؤولين غربيين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً إلى حديثهم عن تقييمات غير معلنة، قولهم إن طهران لا تزال تمتلك القدرة على تصنيع أسلحة جديدة لتعويض ما فقدته من ترسانتها. وأوضح أحد المسؤولين أن إيران تحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ الباليستية وبعض الأسلحة المضادة للسفن، مشيراً إلى قدرتها على زيادة هذا المخزون بسرعة. وأضاف أن روسيا تزود إيران بصواريخ أيضاً، في ما يتوافق مع تقييم منفصل يعود إلى يونيو (حزيران) الماضي.

تعارض مع تصريحات ترمب

وتتعارض هذه التقديرات مع تصريحات متكررة لترمب ومسؤولين في إدارته، أكدوا فيها أن ثمانية أشهر من الغارات الجوية ألحقت أضراراً جسيمة بقدرات إيران العسكرية، ودمّرت قدرتها على تهديد القواعد الأميركية في المنطقة وحلفاء واشنطن.

وكان ترمب قد أعلن، في وقت سابق من العام الحالي، أن الجيش الإيراني «دُمّر بالكامل». كما قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، في خطاب ألقاه في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، إن الولايات المتحدة دمّرت «القدرة الصناعية العسكرية» لإيران و«قاعدتها الدفاعية بالكامل».

وفي سياق متصل، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، العميد رضا طلائي، أن قدرة بلاده على إنتاج الأسلحة ارتفعت إلى ضعفي مستواها ونصف الضعف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، عازياً ذلك إلى الاستفادة من كامل الطاقات المتاحة في الصناعات الدفاعية الإيرانية، وفق ما نقلته وكالة «تسنيم» يوم الثلاثاء الماضي.