«الحرس الثوري» يحظر أجهزة اتصال ويحقق في اختراق محتمل

نفّذ عملية واسعة لفحص جميع الأجهزة ومن قادة الصف الأول والوسط

ضابط في «الحرس الثوري» بيده جهاز رصد محلي الصنع خلال معرض للأجهزة الأمنية بطهران (أرشيفية - فارس)
ضابط في «الحرس الثوري» بيده جهاز رصد محلي الصنع خلال معرض للأجهزة الأمنية بطهران (أرشيفية - فارس)
TT

«الحرس الثوري» يحظر أجهزة اتصال ويحقق في اختراق محتمل

ضابط في «الحرس الثوري» بيده جهاز رصد محلي الصنع خلال معرض للأجهزة الأمنية بطهران (أرشيفية - فارس)
ضابط في «الحرس الثوري» بيده جهاز رصد محلي الصنع خلال معرض للأجهزة الأمنية بطهران (أرشيفية - فارس)

قال مسؤولان أمنيان إيرانيان كبيران إن جهاز «الحرس الثوري» بدأ تحقيقاً شاملاً يستهدف القيادات الرفيعة والمتوسطة؛ بحثاً عن متسللين محتملين، في وقت حذر فيه من استخدام أي أجهزة اتصال، بعد تفجير آلاف الأجهزة اللاسلكية التي يستخدمها حلفاؤه في جماعة «حزب الله» بلبنان، في هجمات دامية، الأسبوع الماضي.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول أمني، طلب عدم الكشف عن هويته، أن «الحرس الثوري» ينفذ عملية واسعة لفحص جميع الأجهزة، وليس فقط مُعدات الاتصال. وأضاف أن معظم تلك الأجهزة إما محلية الصنع أو مستوردة من الصين وروسيا.

وقال أحد المسؤولين، لوكالة «رويترز»، إن طهران «قلِقة» من اختراق إسرائيلي قد يستخدم كذلك عملاء إيرانيين في الداخل يعملون لصالح إسرائيل، وبدأت بالفعل تحقيقاً شاملاً يستهدف القيادات المتوسطة والرفيعة في «الحرس الثوري».

وأوضح المصدر أن التحقيق «يشمل هذا التدقيق في حساباتهم المصرفية في إيران والخارج، فضلاً عن تاريخ سفرهم وسفر عائلاتهم».

صورة من فيديو ضابط لـ«الحرس الثوري» بيده جهاز لا سلكي خلال اقتحام سفينة أجنبية

ورفض المسؤول الأمني الإدلاء بتفاصيل حول كيف تتواصل قوات «الحرس الثوري» الإيراني التي يبلغ قوامها 190 ألف فرد. وقال: «في الوقت الحالي نستخدم أنظمة المراسلة المشفرة».

يأتي تقرير «رويترز»، بعدما قال القيادي السابق في «الحرس الثوري»، رفيق دوست، في تصريحات صحافية، إن السلطات وجّهت تعليمات صارمة إلى المسؤولين الإيرانيين بشأن استخدام هواتفهم الجوالة، بعد مقتل رئيس حركة «حماس»، إسماعيل هنية، أثناء وجوده في معسكر تدريبي بشمال طهران، تابع لـ«فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري».

وقال رفيق دوست: «جرى إبلاغ عدد من المسؤولين بأن يبتعدوا عن هواتفهم الجوالة، وأن يرسلوا الهواتف إلى جهة معينة؛ لفحصها قبل إعادة الهواتف إلى أصحابها»، لافتاً إلى تحقيق أجرته وزارة الاستخبارات والجهاز الموازي في استخبارات «الحرس الثوري»؛ للتحقق من احتمال اختراق أجهزة المسؤولين الإيرانيين.

وأشار رفيق دوست إلى تلقي أمين عام «حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، وعدد من المسؤولين تحذيرات بضرورة الابتعاد عن هواتفهم الجوالة وفحصها، مضيفاً أن نصر الله أصدر، قبل بضعة أشهر، أوامر لعناصر «حزب الله» بعدم حمل الهواتف الجوالة. وأضاف: «يجب العمل على هذا الإجراء الجديد؛ لتجنب أحداث أخرى».

وقال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، النائب إسماعيل كوثري، الأسبوع الماضي، إن «المرشد الإيراني (علي خامنئي) كان قد حذَّر من أن العدو سيستخدم في اللحظة المناسبة ما باعه لنا». ونقل عن خامنئي قوله: «لا يمكننا أن نثق بالأعداء، فقد يبيعون لنا بعض الأدوات، لكن في اللحظة المناسبة قد يساء استخدامها».

ووقعت، يوم الثلاثاء الماضي، تفجيرات متزامنة لأجهزة اتصال لا سلكي «بيجر» تستخدمها جماعة «حزب الله» اللبنانية. وفي اليوم التالي، الأربعاء، انفجرت مئات من أجهزة الاتصال اللاسلكي «الووكي توكي»، التي يستخدمها أعضاء الجماعة أيضاً. وأسفرت الهجمات عن مقتل 39 شخصاً، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف.

ويقول لبنان و«حزب الله» إن إسرائيل تقف وراء الهجمات، لكن إسرائيل لم تنفِ أو تؤكد تورطها.

ووفق المسؤول نفسه، هناك قلق كبير في المؤسسة الحاكمة في إيران. وتواصل مسؤولون في «الحرس الثوري» مع «حزب الله»؛ لإجراء تقييمات فنية، وجرى إرسال عدد من عيّنات الأجهزة المتفجرة إلى طهران؛ ليفحصها خبراء إيرانيون.

وأعلن «الحرس الثوري»، الأحد، القبض على 12 شخصاً؛ بتهمة تعاونهم مع إسرائيل، والتخطيط لعمليات ضد أمن إيران.
وقال، في بيان: «في الوقت الذي لم يفلح فيه النظام الصهيوني (إسرائيل) وداعموه الغربيون، وأبرزهم الولايات المتحدة، في تحقيق أهدافهم الشريرة ضد شعبيْ غزة ولبنان، فإنهم يسعون، الآن، إلى مد الأزمة إلى إيران، من خلال سلسلة من العمليات المخطط لها ضد أمن بلادنا».

وأضاف «الحرس الثوري» أن أعضاء الشبكة، المكوَّنة من 12 عميلاً، اعتُقلوا في 6 محافظات إيرانية مختلفة، لكنه لم يذكر متى.

وعادةً تعلن أجهزة الاستخبارات الإيرانية عن اعتقالات في الأوقات الحساسة، خصوصاً بعدما تتعرض لهجمات تتهم إسرائيل بالوقوف وراءها.

جنود «الحرس الثوري» الإيراني خلال العرض العسكري السنوي السبت الماضي في طهران (إ.ب.أ)

المنشآت النووية والصاروخية

ويتولى «الحرس الثوري» حماية المنشآت النووية، بعد تفجيرين هزّا منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم بين عاميْ 2020 و2021، وذلك بعدما كانت المهمة على عاتق وحدة استخباراتية خاصة بـ«حماية المراكز الحساسة».

وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن الشاغل الرئيسي للسلطات هو حماية المنشآت النووية والصاروخية في البلاد، وخصوصاً تلك الموجودة تحت الأرض. وأضاف: «لكن منذ العام الماضي، زادت التدابير الأمنية في تلك المواقع بشكل كبير»؛ في إشارة إلى الإجراءات المشددة، بعدما قالت السلطات الإيرانية إنها محاولة من إسرائيل لتخريب البرنامج الصاروخي الإيراني في عام 2023. ولم تُعلّق إسرائيل مطلقاً على الأمر.

وتابع: «لم تحدث من قبل هذه الإجراءات الأمنية المشددة والتدابير القصوى»، مشيراً إلى زيادة كبيرة في إجراءات الأمن، مقارنة مع المستويات السابقة بعد انفجارات أجهزة البيجر في لبنان.

وقال المصدر الإيراني الأول إن القوات المسلحة الإيرانية تستخدم مجموعة من أجهزة الاتصالات المشفرة، بما في ذلك أجهزة الاتصال اللاسلكية «ووكي توكي»؛ من أجل اتصالات آمنة. وأضاف أنه في حين قد تختلف الطُّرز والعلامات التجارية، فإن أجهزة الاتصال العسكرية الإيرانية غالباً ما يجري تطويرها محلياً أو الحصول عليها من مزيج من المورّدين المحليين والأجانب. وقال إن القوات المسلحة الإيرانية توقفت عن استخدام أجهزة البيجر منذ أكثر من عقدين.

وأضاف أن طهران طوّرت أجهزة إرسال لا سلكية عسكرية، من خلال قطاع الصناعات الدفاعية؛ لتجنب الاعتماد على الواردات الأجنبية، وهو ما يعود، بشكل خاص، إلى العقوبات الغربية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي.

ومع ذلك استوردت إيران، قبل ذلك، أجهزة اتصال من دول مثل الصين وروسيا، وحتى اليابان.

وكانت لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي قد نأت بنفسها، الأحد، عن تصريحات أحد أعضائها بشأن تدخُّل إيران في شراء أجهزة البيجر لجماعة «حزب الله».

وقال عضو اللجنة، أحمد بخشايش أردستاني، في تصريح صحافي، إن «إيران شاركت في شراء أجهزة البيجر لـ(حزب الله)»، متحدثاً، في الوقت نفسه، عن اختراق إسرائيلي لـ«حزب الله».

وقال المتحدث باسم اللجنة، النائب إبراهيم رضايي، في وقت لاحق، إن «تصريح زميلنا بشأن أجهزة البيجر واختراق (حزب الله) وجهة نظره الشخصية، ولا تعبر عن موقف اللجنة».

وتدور حرب ظل بين إيران وإسرائيل منذ عقود، وسط اتهامات متبادلة بمؤامرات للتخريب والاغتيال، واستهداف سفن تجارية مملوكة لتجار إسرائيليين، وهجمات سيبرانية استهدفت البنية التحتية في البلدين.

واحتدم الصراع، بما في ذلك تبادل إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، خلال العام المنصرم، بالتزامن مع حرب غزة، التي اندلعت بعد أن هاجمت «حماس» بلدات في جنوب إسرائيل، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

واتهمت إيران و«حزب الله» إسرائيل باغتيال رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، في طهران، وكذلك فؤاد شكر، أعلى قائد عسكري في «حزب الله» في بيروت، بفاصل ساعات قليلة في يوليو (تموز) الماضي. وقالت إسرائيل إنها قتلت شكر، لكنها لم تؤكد أنها وراء مقتل هنية.

ووصف خامنئي إسرائيل، في السابق، بأنها «ورم سرطاني... سيجري استئصاله والقضاء عليه بلا شك».

تأسس «الحرس الثوري» لحماية المؤسسة الحاكمة الثيوقراطية التي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام الشاه في ثورة 1979. وتحوّل «الحرس الثوري» تدريجياً من قوة عسكرية إلى قوة سياسية واقتصادية نافذة تتبع مباشرة المرشد الإيراني، ولديه قوات برية وبحرية وجوية، موازية للجيش النظامي وتشرف على الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية.

ويمارس «الحرس الثوري»، من خلال ذراعه للعمليات الخارجية «فيلق القدس»، نفوذاً في الشرق الأوسط عن طريق توفير المال والأسلحة والتكنولوجيا والتدريب للجماعات المتحالفة مع طهران؛ ومن بينها جماعة «حزب الله» في لبنان، وحركة «حماس» في غزة، وجماعة الحوثي في اليمن، وكذلك فصائل في العراق.


مقالات ذات صلة

إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

شؤون إقليمية عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

حتى قبل اتخاذ موقف رسمي، سربت القيادات السياسية في تل أبيب مواقف عدّت اتفاق وقف النار مع إيران «سيئاً، وينطوي على تنازلات».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

إغلاق ملف الرهائن بين باريس وطهران ووزير خارجية فرنسا يقول: لم نربط أبداً مصير رهائننا بخياراتنا الخارجية.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

«الحرس الثوري»: الإصبع على الزناد وسنرد على أي عدوان

أكد «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأربعاء)، أن «الأصبع على الزناد» رغم الهدنة المُبرمة بين طهران وواشنطن، وأنه لا يثق بالولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب: «لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم» في إيران

كتب الرئيس ترمب، على ⁠منصة «سوشال ⁠تروث»: «لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)

ما نعرفه عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

اتفقت الولايات المتحدة وإيران أمس (الثلاثاء) على وقف إطلاق النار مدة أسبوعين، في محاولة أخيرة لتجنب دمار شامل هدد به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

إردوغان يُحذّر من «استفزازات محتملة» بعد وقف النار بين واشنطن وطهران

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يُحذّر من «استفزازات محتملة» بعد وقف النار بين واشنطن وطهران

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، من «استفزازات محتملة وأعمال تخريب» بعد إعلان وقف إطلاق النار لأسبوعين بين إيران والولايات المتحدة.

وقال إردوغان عبر منصة «إكس»: «نُرحّب بوقف إطلاق النار (...) في الحرب التي أشعلت منطقتنا منذ 28 فبراير (شباط). نأمل أن يتمّ تنفيذ وقف النار في شكل كامل على الأرض من دون إفساح المجال لاستفزازات محتملة أو أعمال تخريب».

وهنّأ إردوغان «جميع الأطراف التي ساهمت في التوصل إلى إعلان وقف إطلاق النار، وعلى رأسها باكستان الصديقة والشقيقة»، مضيفاً: «أمنيتنا الصادقة هي أن تنعم منطقتنا، التي عانت كثيراً من ويلات الحروب والصراعات والتوترات والظلم، بالسلام والطمأنينة والاستقرار في أقرب وقت، وستواصل تركيا رفع صوت السلام في منطقتها وبالعالم».

من جانبه، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً، الأربعاء، مع نظيره الإيراني عباس عراقجي تناولا خلاله الإعلان عن وقف إطلاق النار والخطوات التي ستتخذ خلال المرحلة المقبلة. وقالت مصادر بالخارجية التركية إن فيدان عبّر، خلال الاتصال، عن ترحيب تركيا بوقف إطلاق النار المؤقت، وأكد أن تركيا ستواصل جهودها الرامية لإحلال السلام الدائم في المنطقة.

بدوره، قال المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، عمر تشيليك، إن «الحرب التي نتجت عن الهجوم الظالم وغير القانوني على إيران من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل مؤسفة للغاية من الناحية الإنسانية، وخلفت آثاراً سلبية بالغة في مجالات أخرى». وأضاف تشيليك، عبر حسابه في «إكس»، أنه «تم التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، ونأمل أن يُطبّق هذا الوقف المؤقت بكل جوانبه على أرض الواقع».

وتابع أنه بينما أُنشئت طاولة المفاوضات الدبلوماسية، يجب على المجتمع الدولي بأسره أن يكون متيقظاً لأي استفزازات أو أعمال تخريب تستهدف هذه الطاولة، ويجب على العالم أجمع دعمها. وعبّر تشيليك عن الشكر لباكستان على جهودها في مجال السلام.


إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل لن تُعارض «اتفاق ترمب السيئ»... وتستعد للقتال

عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عناصر الإطفاء يحاولون إخماد حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

حتى قبل اتخاذ موقف رسمي، سربت القيادات السياسية في تل أبيب مواقف عدّت اتفاق وقف النار مع إيران «سيئًا وينطوي على تنازلات تضيع الإنجازات العسكرية»، وتتيح لنظام «الحرس الثوري» في إيران البقاء، لكنها رغم ذلك أكدت أنها «ستلتزم به».

وأطلقت هذه المواقف في الفضاء العام بإسرائيل في وقت مبكر من يوم الأربعاء، قبل أن يشن الجيش الإسرائيلي أعنف غارات منذ بدء الحرب الشهر الماضي، باستهداف أكثر من 100 هدف في لبنان.

ونقلت «هيئة البث العامة» (قناة كان 11) عن مسؤول سياسي كبير أن الإدارة الأميركية لم تُبلغ إسرائيل بالاتفاق في وقت مناسب، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اتصل برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قبل ساعات قليلة فقط لإبلاغه بوقف النار.

وأكد المسؤول الإسرائيلي أن مضمون المحادثة عن «وقف نار مؤقت لمدة أسبوعين دون إنهاء الحرب التي من المتوقع أن تُستأنف مجدداً؛ لأن القيادة الإيرانية ستواصل تعنتها، وستتسبب في تفجير الاتفاق سريعاً».

ولم يخفِ غالبية المسؤولين والخبراء الإسرائيليين تذمرهم من قرار ترمب، وخشيتهم ألا يعود إلى الحرب، حتى لو فشلت المفاوضات. وقالوا إن الأميركيين يئسوا من هذه الحرب، ويريدون نهايتها، ربما أكثر من الإيرانيين.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

التفرغ للانتخابات

وأشار هؤلاء إلى أن ترمب «ينوي التفرغ للانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، التي يظهر من أحداث المعركة وحيثياتها أن الحزب الجمهوري سيخسر فيها أكثريته في الكونغرس»، كما ذكروا بأن أصواتاً بدأت تنتقد الرئيس الأميركي، ليس فقط داخل الحزب الجمهوري، بل أيضاً ضمن حركة «ماغا» التي تُشكّل دعمه الأساسي، حيث تُطالب بعض هذه الأصوات بفحص حالته النفسية، خصوصاً مع ظهوره ضعيفاً في مواجهة إيران.

ووقفت قيادة المعارضة الحزبية في إسرائيل ضد وقف الحرب. وقال يائير لابيد، رئيس حزب «يوجد مستقبل»، إن الاتفاق «كارثة سياسية غير مسبوقة»، متهماً رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بـ«الفشل في تحقيق أهداف الحرب».

وكتب لابيد عبر حسابه على منصة «إكس»: «لم تحدث كارثة سياسية مثل هذه في تاريخنا كله. لم تكن إسرائيل حتى بالقرب من طاولة (المفاوضات) عندما جرى اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمننا القومي. جيشنا نفّذ كل ما طُلب منه، والجمهور أظهر صلابة مذهلة، لكن نتنياهو فشل سياسياً واستراتيجياً، ولم يُحقق أياً من الأهداف التي وضعها بنفسه».

وأردف قائلاً: «سنستغرق سنوات لإصلاح الأضرار السياسية والاستراتيجية التي تسبب بها نتنياهو بسبب الغرور والإهمال وانعدام التخطيط الاستراتيجي».

واعتبر يائير جولان، رئيس حزب «الديمقراطيين اليساري»، أن «نتنياهو كذب حين وعد بنصر تاريخي، لكن ما حصلنا عليه فعلياً هو فشل استراتيجي من أخطر ما عرفته إسرائيل».

وأكد جولان في تصريحات صحافية، أن «نتنياهو لم يحقق أياً من الأهداف؛ البرنامج النووي لم يُدمر، والتهديد الباليستي ما زال قائماً، والنظام الإيراني بقي على حاله، بل خرج من هذه الحرب أكثر قوة». ولفت النظر إلى أن «إيران تحتفظ باليورانيوم المخصب، وتُسيطر على مضيق هرمز، وتملي الشروط، وإسرائيل مرة أخرى -كما في غزة- لا تُقرر ولا تؤثر».

وفي السياق ذاته، أوضح أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أن وقف إطلاق النار مع إيران يمنح النظام فترة استراحة وفرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وقال: «أي اتفاق مع إيران، من دون التخلي عن تدمير إسرائيل، وتخصيب اليورانيوم، وإنتاج الصواريخ الباليستية، ودعم الوكلاء في المنطقة، يعني أننا سنضطر إلى العودة إلى جولة أخرى، في ظروف أكثر صعوبة وسندفع ثمناً أثقل».

أشخاص يتنزهون على الواجهة البحرية في تل أبيب في 8 أبريل 2026 عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

تداعيات الحرب

وفي السياق ذاته، اعتبر آفي أشكنازي، وزير خارجية الاحتلال السابق، أن إسرائيل والولايات المتحدة «تكبدتا خسارة فادحة في هذه الحرب». ونقلت صحيفة «معاريف» عنه قوله: «الترجيحات تُشير إلى أن ثمن هذه الخسارة سيدفع فوراً وبشكل مباشر، سواء في الساحة اللبنانية أو عبر تداعيات ممتدة على مدى السنوات المقبلة، في ظل واقع تعمل فيه إيران على ترسيخ حضورها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة في الخليج العربي».

ورأى أشكنازي أن «إيران نجحت على المستوى التكتيكي في فرض صيغة اتفاق على الولايات المتحدة كانت هي نفسها قد صاغت معظم بنوده، قبل أن يعاد تسويقه عبر قنوات باكستانية وتركية، كما تمكنت طهران من رفض اتفاق بديل أعدته واشنطن».

وقال اللواء يسرائيل زيف للقناة الثانية إن الطريقة الوحيدة لرفع يد إيران عن مضيق هرمز، هي القتال. وأضاف أن على الجيش الأميركي أن يعلن احتلال المضيق والمواقع الدفاعية المحيطة به، ويسيطر عليه تماماً ويديره بنفسه. وبدلاً من أن يمنع الإيرانيون البوارج من المرور كما يحدث اليوم، يجب على أميركا منع الإيرانيين من استخدام المضيق وفرض حصار عليه.

وتطرق زيف إلى نتنياهو، وقال إنه جعل إسرائيل رقماً هامشياً في المعادلة. فالقرار يؤخذ فقط في واشنطن. وإسرائيل تمتثل. لقد عدنا إلى عقلية ما قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول) ولا نريد أن نغير.

وكتب المحرر العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «النتائج غير مشجعة حتى الآن، على أقل تقدير».

وأضاف أنه «مع بدء الهجوم في 28 فبراير (شباط)، رسم محيط نتنياهو 3 أهداف رئيسية لهذه المعركة في أحاديثه مع الصحافيين: إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على البرنامج النووي، وإنهاء خطر الصواريخ الباليستية. إلا أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق حتى الآن، رغم أنه لا يمكن استبعاد تجدد الحرب بعد أسبوعين».

وتابع أن «النظام الإيراني لا يزال قائماً كما هو، ولا يوجد حتى الآن حل لمسألة 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، فيما لا يزال برنامج الصواريخ فعالاً، ولو بشكل جزئي. كما تضررت مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، وتواجه اتهامات بأنها دفعت الرئيس ترمب إلى حرب لم تكن ضرورية».

واعتبر هرئيل أنه «لا يوجد تناسب كامل بين التفوق العسكري والنتائج الاستراتيجية المرجوة».


«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
TT

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)

عندما سُئل جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بمناسبة مقابلة مع القناة الفرنسية الثانية، عن «المقابل» الذي دفعته باريس لإيران من أجل المواطنين الفرنسيين سيسيل كوهلر وجاك باريس المحتجزَين في طهران منذ أربع سنوات وصدرت بحقهما أحكام مشددة بعد إدانتهما بالتجسس لصالح إسرائيل وفرنسا، جاءت إجابته غامضة.

وجاء في حرفيتة كلام بارو: «كما تعلمون، إنه عمل طويل الأمد. لقد مضى عام ونصف العام ونحن نعمل على هذا الموضوع. وقد استكشفنا الكثير من السيناريوهات، وهذه نقاشات حساسة بطبيعتها، وهي سرّية بطبيعتها ويجب أن تبقى كذلك». بيد أنه أضاف: «لكن ما يمكنني قوله لكم هو أننا لم نقم إطلاقاً، وبأي شكل من الأشكال، خاصةً وأنني رأيت أن البعض حاول أن يوجّه هذا اللوم إلى فرنسا، بربط مصير رهائننا، الذي كان أولوية قصوى بالنسبة لنا، بخيارات سياسة فرنسا الخارجية. أبداً».

الرئيس ماكرون يصافح الأربعاء جاك باريس رفيق درب كوهلر في حديقة قصر الإليزيه (إ.ب.أ)

صفقة فرنسية - إيرانية؟

كان من الطبيعي أن يقول بارو ما قاله. فالخط الذي تسير عليه فرنسا، رسمياً، فيما خص استعادة رهائنها يقوم على رفض الخضوع لما تعدّه «ابتزازاً» في حين المعروف عن إيران أنها تستخدم الرهائن الأجانب للحصول على تنازلات من الأطراف الغربية.

وبين باريس وطهران قصة طويلة في ملف الرهائن تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، لكن المهم فيما قاله بارو واقع بين السطور. صحيح أن الحكومة الفرنسية بقيت متصلبة في تعاطيها مع ملف إيران النووي وكانت مبادرة في إعادة فرض العقوبات الدولية عليها في إطار ما يسمى عملية «سناب باك» الخريف الماضي، إلا أن باريس بقيت على تواصل دائم معها والرئيس إيمانويل ماكرون كان الوحيد بين القادة الغربيين الذي التقى نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك، في سبتمبر (أيلول) 2025 واتصل به لاحقاً.

ومثله فعل بارو الذي تواصل مع عباس عراقجي الأحد الماضي وكان ملف الرهينتين الفرنسيتين أحد المواضيع التي تناولاها. وعندما يقول بارو إن باريس لم تربط أبداً خياراتها السياسية، أي مواقفها من إيران، بملف الرهائن، فإن كلامه يمكن أن يفسر أنها قدمت تنازلات في مكان آخر.

والمقصود هنا مصير المواطنة الإيرانية مهدية أسفندياري. فالمعلومات المتوافرة التي كشف عنها محاميها نبيل بودي تفيد بأن الشرطة أبلغتها، الثلاثاء، رفع الإقامة الجبرية عنها؛ ما يعني أنها أصبحت قادرة على مغادرة الأراضي الفرنسية، وذلك عندما أصبحت كوهلر وباريس خارج الأراضي الإيرانية.

وصحيح أن الحياة تعرف الكثير من الصدف ومنها غير المتوقعة أبداً، بيد أن التزامن بين تمكين الرهينتين السابقتين من الخروج من السفارة الفرنسية في طهران، حيث كانا يقيمان منذ خمسة أشهر، وهو حال أسفندياري في السفارة الإيرانية في باريس، وبين فتح المجال للأخيرة للخروج من فرنسا، يصعب وضعه في خانة الصدف.

فالوزير عراقجي كشف عن السيناريو المرتب بين باريس وطهران منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وعنوانه «المقايضة»، رغم أن الجانب الفرنسي رفض دوماً الخوض في هذا السجال.

والمهم أن بارو أفاد بأن المخاوف التي أثارتها تهديدات الرئيس دونالد ترمب «عجَّلت» في تسهيل عملية الإفراج. كذلك، فإن بارو والرئيس ماكرون نوَّها بالدور الذي لعبته إيران في تسهيل العملية.

ومن المرجح أن باريس حصلت على ضمانات من الجانبين الإيراني والإسرائيلي لتسهيل سفر الموكب الدبلوماسي الذي رافق الرهينتين من طهران وحتى باكو، عاصمة أذربيجان والذي دام ثماني ساعات منها ثلاث من الانتظار على الحدود بين إيران وأذربيجان.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير برفقة سيسيل كولر (يساراً) وجاك باريس (الثاني من اليسار) (أ.ب)

لا رهائن إضافيين

شكلت استعادة كوهلر وباريس نهاية لمسلسل الرهائن الفرنسيين في إيران الذين وصل عددهم، في فترة ما، إلى سبعة. وحرص الرئيس ماكرون على استقبالهما في حديقة قصر الإليزيه، مباشرة بعد وصولهما إلى العاصمة باريس عقب هبوط طائرتهما في مطار رواسي شارل ديغول صباح الأربعاء.

واحتضن ماكرون كوهلر طويلاً وكذلك فعل مع باريس. كما أنه عبَّر عن اغتباط بلاده بعودتهما وكان قد فعل ذلك الثلاثاء وهو ما أجمعت عليها كل الشخصيات الرسمية والسياسية واللجنة التي شُكّلت لدعم الرهينتين.

وقبل انطلاق اجتماع مجلس الدفاع والأمن في القصر الرئاسي، أعرب ماكرون عن «سعادته البالغة» بعودتهما، التي تمثّل «نهاية محنة مروّعة استمرت ثلاث سنوات ونصف السنة». كذلك، شكر خصوصاً «السلطات العُمانية على جهودها في الوساطة» التي قامت بها لتسهيل عودة الرهينتين. وتقيم عمان علاقات جيدة مع إيران وقد لعبت دوراً رئيسياً في المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة قبل انطلاق الحرب مجدداً في 28 فبراير (شباط) 2026.

لم تتأخر كوهلر، أستاذة اللغة والأدب الفرنسيين والبالغة من العمر 41 عاماً، لدى خروجها من القصر، عن توجيه الشكر لأجهزة الدولة الفرنسية التي تعبأت «من أجل إخراجنا من جحيم (سجن) إيفين، حيث عشنا الرعب اليومي، وعشنا التعسف الدائم»، مضيفة: «لقد نجونا بأعجوبة، وكان يمكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير».

من جانبه، قال باريس، المدرس المتقاعد، البالغ من العمر 72 عاماً، وهو رفيق درب كوهلر واعتقل في اليوم نفسه الذي اعتقلت فيه عام 2022: «لقد عوملنا في ظروف بالغة الصعوبة... ظروف احتجاز لا إنسانية». وأضاف: «ربما كان أحد الأهداف هو تحطيمنا وكسرنا وتجريدنا من كل طاقة. واليوم، يمكننا أن نقول لكم... إننا لم نُكسر».

وقد جاء الحكم الذي صدر بحقهما بالغ التشدد؛ إذ حُكم عليهما، في أكتوبر (تشرين الأول)، بالسجن لـ20 عاماً و17 عاماً. لكن الحكم كان، في الواقع، سياسياً أكثر مما هو قضائي؛ إذ أُفرج عنهما في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) وسُمح لهما بالانتقال من السجن إلى السفارة الفرنسية مع منعهما من مغادرة إيران.

مقابل الصمت الفرنسي، كانت طهران أكثر وضوحاً؛ إذ أعلنت منذ شهور عن وجود اتفاق مع فرنسا لمبادلة كوهلر وباريس بمهدية أسفندياري التي أُوقفت في مدينة ليون - ثالث أكبر المدن الفرنسية - حيث كانت تقيم في فبراير 2025 بتهمة الترويج للإرهاب.

أُفرج عن أسفندياري، التي أُدينت في أواخر فبراير في محكمة البداية، بتهمة تمجيد الإرهاب في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن قضت ما يقرب من عام في السجن، لكنها استأنفت الحكم.

ولم يُعرف، حتى ظهر الأربعاء، ما إذا كانت ما زالت على الأراضي الفرنسية أم أنها غادرتها أو أنها طلبت من محاميها سحب طلب استئناف الحكم الذي وصفته ب«الجائر» بحقها؛ إذ قُضي بحبسها لأربع سنوات منها سنة واحدة نافذة.