بولتون لـ«الشرق الأوسط»: إيران ستُقدم على رد انتقامي يسبب خسائر كبيرة لإسرائيل

قال إن شكل الهجوم سيحدد مدى انخراط واشنطن في حرب مفتوحة بالمنطقة

جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي السابق (أ.ف.ب)
جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي السابق (أ.ف.ب)
TT

بولتون لـ«الشرق الأوسط»: إيران ستُقدم على رد انتقامي يسبب خسائر كبيرة لإسرائيل

جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي السابق (أ.ف.ب)
جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي السابق (أ.ف.ب)

خلافاً لتصريحات البيت الأبيض بأن خطر التصعيد بين إيران وإسرائيل وتوسعة الحرب ليس حتمياً، فإن مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن ما نشهده حالياً هو بالفعل صراع موسع بين إسرائيل وإيران في أعقاب اغتيال فؤاد شكر من «حزب الله» في عمق الأراضي اللبنانية، وبعده بساعات اغتيال رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية في عمق الأراضي الإيرانية.

وتوقع بولتون، الذي يعد أحد صقور الحزب الجمهوري الأميركي، أن يكون الانتقام الإيراني لمقتل هنية مؤثراً وقوياً، قائلاً: «هناك بالفعل صراع بين إسرائيل وإيران الآن بعد سلسلة من الحوادث التي جرت خلال الأسابيع القليلة الماضية من ضربات داخل العراق واستهداف وقتل فؤاد شكر الرجل الثاني في ميليشيا (حزب الله)، ثم اغتيال هنية، والسؤال ما هو شكل الرد الذي ستقدم عليه إيران في ردها الانتقامي ضد إسرائيل؟».

وتابع بولتون: «يجب أن أقول يبدو أن إيران ستفعل شيئاً مؤثراً ومهماً للغاية، وهو ما ظهر في قيام المرشد الإيراني (علي خامنئي) بالصلاة على نعش هنية في مراسم واسعة، بالإضافة إلى خطابه الذي تعهد فيه بالرد بقسوة. وأعتقد أن هذا حدث مهم للغاية، وسيختلف الرد هذه المرة عما حدث في أبريل (نيسان) الماضي حينما أطلقت إيران 320 صاروخاً وطائرة بدون طيار على إسرائيل دون أن تحدث تأثيراً كبيراً».

امرأة تمشي بجوار لوحة إعلانية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وإسماعيل هنية في ساحة فاليس بطهران (أ.ف.ب)

إسرائيل تعزز دفاعاتها

وأوضح مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أن التهديدات الإيرانية برد انتقامي قوي ستجعل إسرائيل تعزز دفاعاتها، لكن يتعين علينا أن نرى ما ستفعله إيران، وكيف سترد إسرائيل. وقال: «مرة أخرى، الأمر سيكون خطيراً للغاية لأنه حينما تفشل إيران في حماية أشخاص مثل إسماعيل هنية خلال استضافته في طهران، فإن ذلك يضع المرشد خامنئي في حرج شديد، لذا فإن التوقعات تشير إلى أنه سيكون هناك رد إيراني قوي جداً».

أما شكل الرد، وما إذا كان منسقاً مع وكلاء طهران في العراق ولبنان وسوريا واليمن، أوضح بولتون أنه من الصعب معرفة شكل ومدى الرد الإيراني على وجه اليقين، لأن «الهجمات الإيرانية السابقة ضد إسرائيل التي شملت أكثر من 200 صاروخ باليستي، بينها 120 صاروخاً لم تصل إلى إسرائيل وانفجرت إما على منصة الإطلاق أو تحطمت قبل أن تصل إلى الهدف، لذا كان بالفعل هجوماً تم تصميمه بشكل لا يؤدي إلى تصعيد. لكن يجب النظر إلى ماذا كان ليحدث لو أن تلك الصواريخ البالستية الستين الأخرى وصلت بالفعل إلى أهدافها داخل إسرائيل. لا أعتقد أن إيران هذه المرة يمكنها أن تبتلع كرامتها، وأن تتجاهل ما حدث، لذلك أعتقد أنه من المرجح في هذه المرحلة أن تقدم إيران على رد خطير يستهدف أهدافاً في إسرائيل، ويتسبب في سقوط عدد من الضحايا، والتسبب في الكثير من الأضرار».

المرشد الإيراني علي خامنئي في الصلاة عند نعش إسماعيل هنية وحارسه الشخصي خلال موكب جنازته في طهران (أ.ف.ب)

وحول تقييم مسؤولي البيت الأبيض أن توسع الصراع ليس حتمياً، قال بولتون: «أعتقد أن الإدارة الأميركية لا تريد صراعاً أوسع نطاقاً، لكن من وجهة نظر إسرائيل فإن تقييم الوضع بأنها دخلت بالفعل في حرب أوسع، إذ يقصف (حزب الله) شمال إسرائيل بالصواريخ، وميليشيا الحوثي تهدد الملاحة في البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية، والميليشيات في العراق وسوريا المدعومة من إيران تشن هجمات بين الحين والآخر. فرغم رغبة الولايات المتحدة في تجنب حرب أوسع فإنني أعتقد أن الأمر قد تجاوز تقديرات الولايات المتحدة، وأعتقد أن إسرائيل ترى نفسها محاصرة من جميع الجهات، ولا أعتقد أنها ستتراجع في هذه المرحلة».

تأجيل المفاوضات

وأكد بولتون أن اغتيال هنية، الذي يعد كبير المفاوضين السياسيين لحركة «حماس»، سيؤثر كثيراً على مفاوضات وقف إطلاق النار التي سعت إدارة بايدن إلى إحراز انتصار سياسي من خلالها. وقال: «سيكون هناك تأخير كبير لهذه المفاوضات، ويجب الاعتراف بأن هذه المفاوضات لم تكن أصلاً قريبة من التوصل إلى اتفاق لأن القضايا الأساسية كما هي، والسؤال المركزي هو إلى متى يمكن أن يبقى موضوع وقف إطلاق النار معلقاً دون إجابة».

واعترف بولتون أن الرئيس بايدن كان يريد الدفع بهذه المفاوضات لوقف الحرب في غزة وإطلاق سراح المحتجزين لدى «حماس» لتحقيق نصر سياسي يرسخ له إرثاً تاريخياً لولايته في البيت الأبيض، ويبدو أن الأحداث المتلاحقة قد حطمت آماله في التوصل إلى هذا الاتفاق. وقال: «أعتقد أن بايدن سيستمر في الدفع لإجراء هذه المفاوضات، لكنني أعتقد أيضاً أن الطرفين (حماس وإسرائيل) لا يزالان بعيدين كل البعد عن التوصل إلى اتفاق».

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يؤكد أن تصعيد الصراع ليس حتمياً ويدعو لإبرام صفقة لوقف إطلاق النار (أ.ب)

ضعف النفوذ الأميركي

وحول فقدان الإدارة الأميركية لنفوذها على إسرائيل، أكد بولتون أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً مكثفةً ومستمرةً على الإسرائيليين وعلى الأطراف الفلسطينية من خلال بعض القنوات.

وفي سؤال حول نفي وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن معرفة بلاده بخطط اغتيال إسماعيل هنية في إيران، وتأكيده أن واشنطن لم تتلق أي إبلاغ مسبق من إسرائيل، ولم تشارك في الهجوم، وما إذا كان ذلك يعني ضعفاً وافتقاراً لنفوذ أميركي على إسرائيل، قال بولتون: «أعتقد أن الإسرائيليين لم يقوموا بإبلاغ الإدارة الأميركية بمخططاتهم لأنهم كانوا يخشون تسرب المعلومات أو نقلها إلى إيران، نظراً لعدد المؤيدين لطهران الذين عملوا في الإدارة، وبعضهم لا يزال يعمل، وهذا بالطبع يعكس ضعف النفوذ الذي يتمتع به البيت الأبيض في عهد بايدن على إسرائيل، وأعتقد أن هذا صحيح».

اتصال نتنياهو وبايدن

وحول الاتصال بين نتنياهو والرئيس بايدن، ومدى قدرة إسرائيل على جر الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة في المنطقة، ودفع واشنطن لمواجهة مباشرة مع إيران، قال بولتون: «الغرض الرئيسي من محادثة نتنياهو مع الرئيس بايدن هو إطلاعه على ما تعرفه إسرائيل من تحركات في المنطقة، وإطلاعه على الخطوات التي تنوي إسرائيل اتخاذها، ولا أعتقد أن بايدن سيتطرق إلى مفاوضات وقف إطلاق النار مع (حماس) التي أعتقد أنها انتهت ولن يكون هناك مسار لانعقاد مفاوضات في أي وقت قريب، ولا أعتقد أن هناك نيةً لإشراك الولايات المتحدة في أي تحركات حالية، لكن الأمر يعتمد كثيراً على ما ستقوم به إيران وحتى نعرف شكل الرد الإيراني فإنه من الصعب معرفة اتجاهات واشنطن المستقبلية».

وحول تأثير استهداف إسرائيل لهنية داخل إسرائيل على أجندة الرئيس الإيراني الجديد الذي وُصف بالإصلاحي، ويشجع التواصل مع الغرب، قال بولتون: «لا أعتقد أن اغتيال إسماعيل هنية له تأثير كبير على أجندة الرئيس الإيراني الجديد وقدرته على إجراء مفاوضات دبلوماسية مع الغرب، لأن الهدف كان اغتيال هنية، وقد وجدوه في مكان مناسب لتنفيذ خطة الاغتيال، ومن جانب آخر، فإن المرشد الإيراني هو الذي يتخذ القرارات، وبالتالي فإن الرئيس الإيراني الجديد هو مجرد منفذ للسياسات التي يضعها المرشد الأعلى حول قضايا الأمن القومي».

إيران مع ترمب أو هاريس

أما شكل السياسات الأميركية تجاه إيران، سواء في ظل ولاية جديدة لإدارة ترمب أو لكامالا هاريس، قال بولتون: «أنا لن أكون مشاركاً في أي من الإدارتين، لكن وجهة نظري أنه لن يكون هناك سلام واستقرار في الشرق الأوسط حتى يتم إزاحة مَن في السلطة، فنظام آية الله يشكل التهديد الرئيسي للسلام والأمن، وحتى يتمكن الشعب الإيراني من السيطرة على الحكومة، علينا توقع المزيد من الاضطرابات، وأعتقد أن كلاً من ترمب وهاريس يتفق في ذلك. ومن المؤكد أن ترمب ليس على استعداد للقيام بما هو ضروري لمساعدة الشعب الإيراني على الإطاحة بالحكومة على الرغم من أن الحكومة في طهران أصبحت أقل شعبية مما كانت عليه حينما كان ترمب رئيساً، ولا أدري كيف ستتعامل إدارة هاريس مع إيران».


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».


الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
TT

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)

في أعقاب أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية–الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد. وبينما حدّت هذه القيود من إمكانية التقييم المباشر، وفّرت تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الاصطناعية نافذة مهمة لفهم حجم الدمار وانتشاره، كاشفةً عن مشهد معقّد يمتد من الأهداف العسكرية إلى عمق المناطق الحضرية.

فبعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، أتاحت هدنة هشة استمرت 14 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لسكان طهران فرصة أولية لتقييم حجم الخسائر. وتُظهر المدينة، التي يقطنها نحو 9 ملايين نسمة، آثاراً واضحة للدمار، من أنقاض متناثرة ومبانٍ شاهقة متضررة بفعل القصف، وفقاً لتقرير لوكالة «بلومبرغ».

وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، وذلك قبل يوم واحد من موعد انتهائه، في وقت انهارت فيه خطط عقد جولة جديدة من المحادثات. ولا يزال الخلاف قائماً بين الطرفين بشأن ملفات رئيسية، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ودعم طهران لجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.

ورغم احتمال صمود الهدنة والتوصل إلى تسوية دائمة، فإن كلفة الصراع البشرية والمادية كانت باهظة، إذ قُتل ما لا يقل عن 3300 إيراني، من مدنيين وعسكريين، في حين لحقت أضرار جسيمة بمناطق واسعة من البلاد.

أشخاص يسيرون حول مبنى سكني دمرته غارات جوية أميركية إسرائيلية في جنوب طهران (إ.ب.أ)

وقد أعاقت القيود التي فرضتها السلطات الإيرانية على التصوير والإنترنت، إلى جانب القيود الأميركية على نشر صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة، عملية التقييم البصري الشامل للأضرار. غير أن دراسة أعدّها باحثون في علم بيئة الصراع بجامعة ولاية أوريغون، اعتماداً على صور الرادار، قدّرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 7645 مبنى في مختلف أنحاء إيران، من بينها 60 منشأة تعليمية و12 منشأة صحية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير (شباط) إلى 8 أبريل (نيسان).

كما حللت وكالة «بلومبرغ» استخدامات الأراضي في المناطق المتضررة داخل طهران، وخلصت إلى أن 2816 مبنى قد تضررت، توزعت على النحو التالي: نحو 32 في المائة ذات صلة بالقطاع العسكري، و25 في المائة صناعية، و21 في المائة مدنية، و19 في المائة تجارية، و2 في المائة حكومية.

وفي هذا السياق، أوضحت نازانين شاهروكني، الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية بجامعة سيمون فريزر في كندا، أن الدمار في المدن الكبرى لا يظهر عادةً في صورة بؤرة واحدة واضحة، قائلة: «في مدينة بهذا الحجم، لا يتخذ الدمار شكلاً مركّزاً واحداً، كما أنه من الصعب عملياً رسم خط فاصل واضح بين الأهداف العسكرية والحياة المدنية، لأن تأثير الضربات ينتشر عبر نسيج حضري مترابط».

وتُعد طهران مدينة مترامية الأطراف، تضاهي مدينة نيويورك من حيث المساحة، وتمتد من أحيائها الجنوبية المكتظة إلى سفوح جبال البرز شمالاً، حيث تنتشر المناطق الأكثر ثراءً في بيئة أقل تلوثاً وأكثر اعتدالاً من حيث المناخ.

شخصان يجلسان في حديقة بارديسان في طهران المطلة على المدينة (أ.ف.ب)

وتتميّز أحياء المدينة بتداخل الاستخدامات، إذ تضم مزيجاً من المباني السكنية والمراكز التجارية والمتاجر والبنوك والمقار الحكومية. ورغم وجود حدائق ومساحات خضراء، فإنها لا تكفي للتخفيف من وطأة الازدحام المروري الشديد، في ظل وجود نحو 16 مليون مركبة على شبكة الطرق.

وعلى الرغم من أن الهجمات طالت مناطق متعددة في إيران، من بينها مدينة أصفهان — التي تُعد مركزاً ثقافياً وصناعياً مهماً — فإن طهران كانت الأكثر تضرراً، حيث تنتشر بؤر الدمار في أنحاء متفرقة منها، حتى وإن بقيت بعض المناطق الأخرى بمنأى نسبي عن القصف.

من جهتهما، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما نفذتا عمليات استهداف دقيقة واغتيالات مركّزة ضد مواقع عسكرية وأمنية، متهمتين «الحرس الثوري» — الذي يهيمن على قطاعات حيوية تشمل الدفاع والبناء والطاقة — بالتمركز داخل مناطق مدنية.

غير أن شاهروكني حذّرت من أن هذا النوع من الخطاب قد يُبسّط واقع الحرب، موضحةً: «غالباً ما تُستخدم مصطلحات مثل (الضربات الدقيقة) لتصوير العمليات على أنها محدودة ونظيفة، لكن هذه اللغة تُخفي الآثار الحقيقية للحرب، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة».

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن العمليات العسكرية حققت أهدافها، مشيرة إلى أن «وزارة الحرب أنجزت جميع الأهداف المحددة ضمن عملية الغضب الملحمي، بما في ذلك تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها، وإضعاف قدراتها البحرية ووكلائها». وأضافت أن القوات الأميركية نفذت نحو 13 ألف ضربة منذ بدء العمليات، مؤكدة أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المدنيين».

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها إيران، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية المرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، وقضايا حقوق الإنسان، والمخاوف الأمنية الإقليمية، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية قبل أسابيع من الحرب.

ومن المرجح أن تؤدي حملة القصف الواسعة — التي هدّد ترمب في سياقها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» — إلى تفاقم هذه الأوضاع بشكل أكبر.

العلم الإيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية في طهران (رويترز)

وفي هذا الإطار، قالت ناتالي موسين، رئيسة معهد الهندسة المعمارية والتكنولوجيا في الأكاديمية الملكية الدنماركية في كوبنهاغن، إن هذا المستوى من الدمار «صادم، لكنه ليس مفاجئاً» في ظل طبيعة القصف، موضحةً أن الأضرار لا تقتصر على الأهداف المباشرة، بل تمتد لتفاقم التحديات القائمة في البيئة الحضرية.

وكانت الحكومة الإيرانية قد قدّرت، في الأسبوع الماضي، حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الغارات بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي لإيران لعام 2026، البالغ نحو 300 مليار دولار. كما يتوقع الصندوق أن يتجاوز معدل التضخم 70 في المائة، في مستوى قياسي بالنسبة للبلاد.

وفي سياق متصل، أفاد عدد من أصحاب الشركات — فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم — بأن العديد من مؤسسات القطاع الخاص، التي تُعد مصدر دخل رئيسياً لكثير من الأسر، قد توقفت عن العمل أو باتت تعمل بقدرة محدودة.

وأعلنت بلدية طهران أن أكثر من 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشدة منذ بداية القصف.

وفي ختام التقديرات، حذّر هادي كهال زاده، الباحث في معهد كوينسي ومركز التنمية العالمية والاستدامة بجامعة برانديز، من أن الارتفاع الحاد في معدلات البطالة والتضخم قد يدفع ملايين الإيرانيين إلى الوقوع في دائرة الفقر خلال الفترة المقبلة.