شرارة المعركة الانتخابية المبكرة في إسرائيل تنطلق... ونتنياهو يستنفر

غانتس بدأ حرب الجنرالات في مواجهة اليمين

عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
TT

شرارة المعركة الانتخابية المبكرة في إسرائيل تنطلق... ونتنياهو يستنفر

عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)
عضو مجلس قيادة الحرب الإسرائيلي بيني غانتس متحدثاً الاثنين الماضي أمام جنود إسرائيليين بمناسبة ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية (مكتب غانتس)

توضح القراءة المتأنية لخطاب الوزير عضو مجلس قيادة الحرب في الحكومة الإسرائيلية، بيني غانتس، ليلة السبت - الأحد، أنه كان الشرارة الأولى في المعركة الانتخابية المبكرة التي يتهرب منها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ويحاول الجنرالات فرضها عليه.

ويتضح من الرد السريع لنتنياهو أنه رغم تمسكه بكل قوته للبقاء في الحكم وتمديد الحرب في غزة بشكل مصطنع كي يحافظ على حكومته، فإنه يشعر بأنه لن يصمد طويلاً في التملص، وسيضطر مرغماً إلى تبكير موعد الانتخابات. وقد جاء رده هو أيضاً انتخابياً.

غانتس، كما هو معروف، وضع شرطاً «على مجلس قيادة الحرب، هو صياغة والموافقة بحلول 8 يونيو (حزيران) المقبل، على خطة عمل شاملة ذات 6 أهداف»، مهدداً بالاستقالة من الحكومة إذا لم تتم صياغة الخطة في الموعد المحدد. وترتيب الأهداف الستة، كما وضعها، مهم وذو مغزى: إعادة المختطفين، وإحباط حكم «حماس» ونزع سلاح القطاع وضمان سيطرة عسكرية إسرائيلية، وتحديد بديل للحكم في غزة من دون «حماس» ولا عباس، وإعادة سكان الشمال الإسرائيلي إلى منازلهم بحلول 1 سبتمبر (أيلول) وترميم بلدات غرب النقب، والدفع إلى الأمام في التطبيع مع السعودية (متجاهلاً بذلك موقف الرياض)، واعتماد مسار للخدمة العسكرية الإسرائيلية يؤدي إلى انخراط كل الإسرائيليين في خدمة الدولة.

وأضاف غانتس بخصوص اليوم التالي في قطاع غزة: «يجب إنشاء إدارة أميركية - أوروبية - عربية - فلسطينية، تتولى إدارة القطاع بشكل مدني وتضع الأساس لبديل مستقبلي غير (حماس) أو عباس (السلطة الفلسطينية). لا يمكن أن نسمح لأي طرف، صديقاً كان أو معادياً، أن يفرض دولة علينا نحن الإسرائيليين».

الشرطة الإسرائيلية تستخدم خراطيم المياه السبت لتفريق متظاهرين متعاطفين مع عائلات الإسرائيليين الذين تحتجزهم «حماس» في غزة (أ.ف.ب)

ووجه غانتس رسالة مباشرة إلى نتنياهو قائلاً: «كان نتنياهو قبل عقد من الزمن سيفعل الشيء الصحيح. يجب عليك الاختيار بين الصهيونية والسخرية، بين الوحدة والانقسام، بين المسؤولية والخروج على القانون، وبين النصر والكارثة». وأضاف: «من واجبي أن أقول الحقيقة للجمهور، فقد بدأت الاعتبارات الشخصية والسياسية تتغلغل في أمن إسرائيل».

وقد رد مكتب نتنياهو فوراً على غانتس، قائلاً: «في الوقت الذي يحارب فيه جنودنا الأبطال كي يبيدوا كتائب (حماس) في رفح، اختار غانتس أن يضع شروط تهديد لرئيس الحكومة نتنياهو، بدلاً من شروط تهديد لـ(حماس). الهدف واضح: إنهاء الحرب وهزيمة إسرائيل، وإهدار غالبية المخطوفين. والإبقاء على (حماس) بقوتها والدفع لإقامة دولة فلسطينية. جنودنا لم يسقطوا هباء، وبالتأكيد ليس لاستبدال (فتحستان) بـ(حماستان)».

عضو مجلس قيادة الحرب في الحكومة الإسرائيلية، بيني غانتس

وأضاف بيان المكتب: «إذا كان غانتس يفضل المصلحة الوطنية ولا يفتش عن حجج يتذرع بها لتفكيك الحكومة، فليجب عن 3 أسئلة: هل هو مستعد لإكمال العملية في رفح لإبادة كتائب (حماس)؟ وإذا كان جوابه إيجابياً فكيف يهدد بتفكيك حكومة الطوارئ ونحن في عز المعركة؟ وهل يعارض حقاً السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية بلا عباس؟ هل هو مستعد لتقبل دولة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية كجزء من التطبيع مع السعودية؟».

مكتب غانتس رد على البيان قائلاً: «لو كان رئيس الحكومة أنصت لغانتس، لكنا دخلنا رفح قبل شهرين وأنهينا المهمة. علينا أن نتم المهمة ونخلق الشروط المطلوبة لذلك. السلطة الفلسطينية لن تستطيع حكم غزة لكن قوى فلسطينية أخرى تستطيع، فقط بغطاء من دول عربية معتدلة ودعم أميركي. يكون مجدياً أكثر أن ينشغل رئيس الحكومة بذلك، ولا يخرب على الجهود المبذولة في هذا الاتجاه».

نشطاء يساريون إسرائيليون يرفعون لافتات وأعلاماً خلال مظاهرة مناهضة للحكومة ورئيسها في تل أبيب 18 مايو (أ.ف.ب)

كان واضحاً إذن أن خطاب غانتس موجه للأذن اليمينية في المجتمع الإسرائيلي. وليس صدفة أنه يزايد على نتنياهو في رفض الدولة الفلسطينية ويتهم نتنياهو بأنه هو الذي منع اجتياح رفح قبل شهور، ويتحدث عن سيطرة أمنية إسرائيلية على القطاع بعد الحرب.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يحضر مظاهرة مناهضة للحكومة في تل أبيب 18 مايو 2024 (أ.ف.ب)

المعروف أن حزب غانتس فاز في الانتخابات الأخيرة بـ12 مقعداً، وانشق عنه جدعون ساعر وبقي مع 8 نواب، لكن الاستطلاعات أعطته في مرحلة معينة 40 مقعداً وأكثر وتعطيه اليوم 28 - 30 مقعداً. الزيادة وصلت إليه من مصوتي لبيد (الذي يهبط من 24 إلى 12 في الاستطلاعات)، ومن مصوتي «الليكود» (له اليوم 32 ويهبط في الاستطلاعات إلى 17 - 19 مقعداً).

غير أن هذه الزيادة غير مضمونة، بل إن الاستطلاعات تشير إلى أن نزول حزب يميني جديد قد يجعل غانتس يصبح ثانياً، ويخسر نصف قوته. لذا، لكي يحافظ على هذه الزيادة، يحتاج إلى مخاطبة اليمين. والأهم أن النقاط الست التي اختارها غانتس تبدأ بوضع المخطوفين على رأس الأولوية، وتنتهي بقضية خدمة المتدينين، وكلاهما موضوع يهم اليمين الليبرالي الذي يبدي استعداداً للتخلي عن نتنياهو.

وقد رد نتنياهو من جهته بأنه جاء ليجعل موضوع الدولة الفلسطينية أمراً مركزياً في حربه على غانتس بالانتخابات. فالجمهور الإسرائيلي تراجع بشكل كبير عن تأييد حل الدولتين بسبب الحرب. وتحدث عن عملية رفح كقضية أساسية، وفي هذا أيضاً ينسجم مع موقف اليمين.

المهم أن هذا التوجه هو الذي سيظهر في المعركة الانتخابية، وبغض النظر عن النتيجة في صناديق الاقتراع، فإن توجه نتنياهو يدل على أنه لن يستطيع منع الانتخابات المبكرة.

لقاء سابق بين وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت 9 مارس 2023 (رويترز)

لكن اللافت أن غانتس تعرض إلى انتقاد من اليسار والوسط وهجوم من اليمين على تصريحاته. ففي اليسار والوسط، عاتبوه على تأخره وطالبوه بألا ينتظر حتى 8 يونيو، وأن ينسحب فوراً من الحكومة.

أما هجوم اليمين فتميز بأنه ترافق مع التلميح إلى أن الأميركيين هم الذين يقفون وراء هذا التهديد من غانتس. فقد قال الوزير بن غفير إن زيارة غانتس إلى واشنطن واتصالاته مع الإدارة الأميركية، جعلتها معادية لإسرائيل. وقال سموتريتش إن غانتس ورفاقه من مؤيدي السياسة التي جلبت 7 أكتوبر (تشرين الأول)، يسعون لوقف الحرب وإقامة دولة فلسطينية بدعم أميركي. وقالت النائب من «الليكود»، غاليت ديستر، إن «العالم على طريقة غانتس هو أن الصهيونية تساوي رضوخاً للضغوط الأميركية الهادفة إلى هزيمتنا، هذا التوجه مشبع بالأجواء السائدة في مقر نتنياهو، وبين المقربين إليه الذين يكثرون الحديث عن خطة أميركية للإطاحة بالحكومة، ويرفض علناً ما يسميه (الضغوط الأميركية)».

وفقط قبل أيام جرى حديث عن أن واشنطن مارست ضغوطاً على غالانت وغانتس وآيزنكوت كي لا ينسحبوا من الحكومة خشية أن تنهار. ويقولون اليوم إن تهديدات غانتس تؤكد هذه الحقيقة ولكن واشنطن تدرك أن وجودهم في الحكومة لم يعد يؤثر، وهي تريد منهم «هزة رسن» قوية لنتنياهو، بدأها غالانت بمطالبته نتنياهو بوضع خطة لليوم التالي من دون حكم عسكري، ويكملها غانتس اليوم بشرارته الانتخابية.

ويلاحظ المراقبون أن مضمون كلام غانتس وغالانت يلائم خطاب قادة الجيش، ولذلك يعدّون تصرفهما أنه تعبير عن «انتفاضة الجنرالات ضد اليمين الحاكم».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

شؤون إقليمية نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز) p-circle

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين له دمج حزبيهما، في حين ابتعدت فرص حصوله على عفو من محاكمته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يتّهم «حزب الله» بتقويض اتفاق وقف النار في لبنان

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «حزب الله» اللبناني «يقوّض» اتفاق وقف إطلاق النار، فيما استهدف الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بعدد من الغارات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

لم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.