بعد 200 يوم... إسرائيل «عالقة» في حرب من دون حسم

محللون بارزون: غطرستنا ستقودنا إلى هزيمة تاريخية

جنود إسرائيليون بالقرب من الحدود اللبنانية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون بالقرب من الحدود اللبنانية (أ.ف.ب)
TT

بعد 200 يوم... إسرائيل «عالقة» في حرب من دون حسم

جنود إسرائيليون بالقرب من الحدود اللبنانية (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون بالقرب من الحدود اللبنانية (أ.ف.ب)

رغم مرور 200 يوم من الحرب الإسرائيلية على غزة، من الصعب أن تجد أحداً في إسرائيل يتحدث عن «انتصار ساحق» سوى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو. حتى الجيش، الذي لا ينافسه أحد في الغرور والغطرسة، ويفترض فيه أن ينهي الحرب بانتصار، بات يتحدث بلغة أكثر تواضعاً. وأنزل سقف التوقعات من هذه الحرب، من «إبادة حماس» إلى «شل قدرتها على الحكم»، ومن «تحرير المختطفين بالقوة» إلى «تحريرهم بالقوة أو بالمفاوضات»، بيد أن نتنياهو يصر على لغة الانتصار الساحق.

وبالمقابل، فإن كبار الخبراء يرفضون هذا المنطق، ويحذرون من فشل كبير، بل إن عدداً منهم يحذر من هزيمة.

خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، يقول: «نحن عالقون. ووصلنا في هذه الحرب إلى باب موصود استراتيجياً». ويؤكد أنه في قضية الأسرى: «إسرائيل فقدت بمبادرتها كل وسائل الضغط على (حماس)».

جنود إسرائيليون عند الحدود مع قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

وفي قضية اجتياح رفح «لا يزال نتنياهو يدير مفاوضات مع واشنطن حول حجم العملية الإسرائيلية وجدواها، والأميركيون لم يصادقوا على الخطط الإسرائيلية حتى الآن»، وفي قضية «اليوم التالي» ما زالت إسرائيل تتخبط، وكل اقتراحاتها في الموضوع غير واقعية و«حماس»، رغم أنها خسرت نحو 75 في المائة من قوتها العسكرية، ما زالت تسيطر على كثير من المناطق والمجالات.

وعلى الجبهة اللبنانية «يتصاعد التوتر، ولكن لا يوجد حسم باتجاه حرب شاملة أو اتفاق سياسي، والجميع ينتظر انتهاء القتال في غزة»، وعلى جبهة إيران «تفشل إسرائيل في إنشاء تحالف إقليمي؛ لأنها لا تتقدم في الموضوع الفلسطيني، ولا تعترف بالأمر الأساسي، وهو أن هذه القضية هي المفتاح لتسوية كل المشكلات».

ويختتم الخبير الإسرائيلي قائلاً: «إسرائيل مجبَرة على التنازل عن موقفها المتصلب تجاه القضية الفلسطينية والتجاوب مع المطلب الأمريكي. فمن دون التعاون الاستراتيجي مع إدارة الرئيس جو بايدن، فإننا لن نظل عالقين في طريق دون مخرج فحسب، بل إننا سننهي الحرب بهزيمة».

ماذا تحقق؟

وعلى النهج نفسه تقريباً، يقول الفيلسوف الإسرائيلي العالمي، يوفال نواح هراري، في مقال له في «هآرتس»، إن «الحرب أداة عسكرية لتحقيق الأهداف السياسية، وهناك معيار واحد للنجاح في الحرب: هل جرى تحقيق الأهداف السياسية؟ بعد مجزرة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) المروعة، اضطُرت إسرائيل إلى العمل لإطلاق سراح المختطفين ونزع سلاح (حماس)، لكن هذه لم تكن أهدافها الوحيدة. وفي ضوء التهديد الوجودي الذي تشكله إيران وعملاء الفوضى التابعون لها، كان على إسرائيل أيضاً أن تعزز التحالف مع الديمقراطيات الغربية، وتعزز التعاون مع العناصر المعتدلة في العالم العربي، وتؤسس نظاماً إقليمياً مستقراً، لكن حكومة نتنياهو تجاهلت كل هذه الأهداف، وبدلاً من ذلك سعت إلى الانتقام، ولم تطلق سراح جميع المختطفين، ولم تقضِ على (حماس)».

ملامح أنثوية تظهر على بعض عناصر «كتائب القسام» خلال صفقة تبادل الأسرى (الإعلام العسكري لكتائب القسام)

ويزيد هراري: «لقد تسببت (حكومة نتنياهو) عن عمد في وقوع كارثة إنسانية هائلة على 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة، ما أدى إلى تقويض الأساس الأخلاقي والسياسي لوجود دولة إسرائيل. كما أن الكارثة الإنسانية في غزة، وتدهور الوضع في الضفة الغربية يعملان أيضاً على تغذية الفوضى، وتشويه تحالفنا مع الديمقراطيات الغربية، ويجعلان من الصعب التعاون مع دول مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية. وبعد أكثر من 6 أشهر من الحرب، لا يزال كثير من المختطفين في الأسر، ولم تُهزم (حماس) بعد، لكن قطاع غزة مدمر بالكامل تقريباً، وقُتل عشرات آلاف من مواطنيه، وأصبح معظم سكانه لاجئين يتضورون جوعاً».

دولة منبوذة

ومن وضع غزة إلى وضع إسرائيل نفسها، ينتقل هراري في تحليله، ويقول: «إلى جانب غزة، جرى تدمير الوضع السياسي لإسرائيل أيضاً، التي أصبحت دولة منبوذة ومكروهة حتى من قبل الكثيرين الذين كانوا أصدقاء لها قبل وقت ليس ببعيد. إذا اندلعت حرب شاملة وطويلة الأمد ضد إيران ووكلائها، فإلى أي مدى يمكن لإسرائيل أن تثق بأن الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية والدول العربية المعتدلة سوف تخاطر من أجلها، وتزودها بالمساعدة العسكرية والدبلوماسية التي تحتاج إليها؟ وحتى لو لم تندلع مثل هذه الحرب، فإلى متى ستتمكن إسرائيل من البقاء دولةً منبوذةً؟ ليس لدينا موارد روسيا. ومن دون علاقات تجارية وعلمية وثقافية مع بقية العالم، ومن دونها الأسلحة والمال الأميركيين، فإن السيناريو الأكثر تفاؤلاً الذي يمكن أن نطمح إليه هو أن نكون كوريا الشمالية في الشرق الأوسط».

ويختتم هراري: «تتركز عيون معظم الإسرائيليين الآن على طهران، وحتى قبل ذلك لم نكن نريد حقاً أن نرى ما يحدث في غزة والضفة الغربية. ولكن إذا لم نقم بتغيير جذري في تعاملنا مع الفلسطينيين، فإن غطرستنا ورغبتنا في الانتقام ستقوداننا إلى هزيمة تاريخية».

وفي هذه الأيام، التي يحيي فيها اليهود في إسرائيل والعالم أول أيام عيد الفصح العبري، يرجعون إلى التوراة. وفيها قصة مهمة تتعلق باليهود وغزة. إنها قصة شمشون الجبار، ذلك البطل اليهودي الذي اختطفه الفلسطينيون إلى غزة، واحتُجز في الأسر وفي الظلام وتعرض لتعذيب شديد. والعقلاء يعدونها رمزاً مخيفاً جداً.

أطول حرب

ويقول الكاتب في «معاريف»، بن كسبيت: «لقد قال شمشون: (سأنتقم انتقامة واحدة... ولتمت نفسي مع الفلسطينيين). منذ 7 أكتوبر، أصبحنا مشابهين جداً لشمشون في أشياء كثيرة – الغطرسة، والعمى، والانتقام، والانتحار – لدرجة أنه من المخيف جداً أن نتذكر البطل المتعجرف الذي انهار المنزل على رأسه وقتل روحه في سبيل قتل الفلسطينيين».

إن الإسرائيليين، حتى المؤيدين لنتنياهو، يشعرون بأن خطأً ما كبيراً حدث في هذه الحرب، يجعلها «أطول حرب في تاريخ الدولة» ويظهرها عاجزة عن إيجاد مخرج مشرف منها، ويبقيها بعيدة عن تحقيق أي من أهدافها. لقد حصدت هذه الحرب حتى الآن نتائج مأساوية أيضاً للإسرائيليين.

أقارب وأصدقاء الجندي الإسرائيلي يائير كوهين الذي قُتل في غزة خلال تشييعه الثلاثاء بتل أبيب (أ.ب)

ووفق الإحصاءات الرسمية للجيش الإسرائيلي، قُتل في الحرب حتى الآن 1483 إسرائيلياً، بينهم 605 جنود، و61 رجل شرطة، و5 من رجال المخابرات، و8 من قوات الدفاع المدني، و804 مدنيين، وجرح 3294 بينهم 1583 جندياً، وهذا عدا المصابين النفسيين، ومع ذلك فهناك أصوات كثيرة تشكك في صحة الأرقام، وتتحدث عن خسائر أكبر.

كذلك فهناك 133 أسيراً، بينهم 31 قُتلوا بشكل مؤكد، ويوجد أكثر من 100 ألف مواطن جرى إخلاؤهم من بيوتهم في البلدات الواقعة شمال إسرائيل وفي بلدات غلاف غزة.

خسائر اقتصادية

أما عن الخسائر المادية المباشرة وغير المباشرة فإنها تقدر بنحو 60 مليار دولار. وفي الخسائر الاقتصادية سُجل انخفاض بنسبة 6.6 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع النمو الاقتصادي للعام الحالي بمقدار 1.1 نقطة مئوية بعد خسائر متوقعة قدرها 1.4 نقطة مئوية العام الماضي. وفقدت إسرائيل قوة الردع، ليس فقط في الهجوم المباغت في 7 أكتوبر الماضي، بل بمجرد استمرار الحرب 200 يوم (حتى الآن)، يجري فيها استخدام جيش نظامي واحتياطي يصل إلى 600 ألف جندي مقابل تنظيم مسلح صغير لحركتي «حماس» و«الجهاد» وبقية الفصائل لا يتعدى قوامها 50 ألفاً، يعد هذا فشلاً.

اهتزت مكانة إسرائيل الدولية. وباتت تحاكم بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وجريمة إبادة شعب في محكمة العدل العليا الدولية في لاهاي. ولا ترى نهاية لهذه الحرب بعدُ، ولا لتبعاتها الإقليمية والدولية.


مقالات ذات صلة

الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

العالم العربي جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)

الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

أكدت فارسين شاهين وزيرة الخارجية الفلسطينية أن السلام والأمن في المنطقة لن يتحققا إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والانسحاب الكامل من الأرض المحتلة.

سعيد الأبيض (جدة)
شؤون إقليمية أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ) p-circle

إسرائيل تبحث عن أسواق أسلحة جديدة رغم ارتفاع مبيعاتها

رغم إلغاء أو تجميد عدد من الزبائن صفقات شراء الأسلحة الإسرائيلية بسبب الحرب على غزة، فإن الصناعات الحربية الإسرائيلية سجّلت ارتفاعاً سنوياً في حجم مبيعاتها.

نظير مجلي (تل أبيب)
أوروبا تريشيا تاتل مديرة «مهرجان برلين» الجديدة (برلينالي)

مستقبل مديرة مهرجان برلين السينمائي على المحك بعد الجدل بشأن غزة

عقدت الحكومة الألمانية اجتماعاً طارئاً لمنظمي مهرجان برلين السينمائي اليوم الخميس، قائلة إنها تريد مناقشة «اتجاه» الحدث الفني البارز.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو في عمّان 25 فبراير 2026 (رويترز)

العاهل الأردني يشيد بالتزام إندونيسيا إرسال قوات إلى قطاع غزة

ثمَّن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الأربعاء، لدى استقباله الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، التزام جاكارتا «حماية الفلسطينيين في غزة».

«الشرق الأوسط» (عمّان)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

التوسع الإسرائيلي في القرن الأفريقي... توترات جديدة بمنطقة مأزومة

رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال زيارة لأديس أبابا يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الإثيوبية)

تواجه منطقة القرن الأفريقي متغيرات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مع تعيين الإقليم سفيراً له في تل أبيب، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لإثيوبيا، وسط توتر مع القاهرة.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات المتلاحقة ستؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة القرن الأفريقي وسط صراع على النفوذ، مستبعدين حدوث صدام مباشر، إلا إذا أضرت التحركات الإسرائيلية بمصالح طرف في المنطقة.

وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، الخميس، بأن زيارة هرتسوغ لأديس أبابا، التي جرت الأربعاء، تمثل «محطة جديدة في مسار الشراكة المتنامية بين البلدين، وتجسّد التزامهما المشترك بتعميق التعاون وتعزيز الحوار السياسي بما يخدم مصالح الشعبين».

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال في دافوس (حساب هرتسوغ على منصة إكس)

ووصف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المحادثات مع هرتسوغ بأنها «مثمرة»، مشيراً إلى أنها «تناولت سبل تطوير العلاقات الإثيوبية - الإسرائيلية، والعمل على الارتقاء بها إلى آفاق أوسع من التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي وبحث فرص توسيع التعاون في مجالات الاهتمام المشترك وتعزيز الشراكة في القطاعات الحيوية»، وذلك في بيان نشره عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

«منطقة متأزمة»

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، أن نشاط إسرائيل يندرج في إطار محاولاتها للوجود بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، واستغلال الصراعات القائمة في الشرق الأوسط، بما في ذلك قطاع غزة والقضية الفلسطينية، بهدف توسيع نفوذها وانتشارها.

ولفت إلى أن مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» بالنسبة لإسرائيل لا يقتصر على ضم أراض، بل يهدف إلى تحقيق نوع من الهيمنة والنفوذ والسيطرة.

وقال: «تحركات إسرائيل الأخيرة محاولة للوجود بممر ملاحي حيوي، وستثير مقداراً كبيراً من القلق والاضطرابات بالمنطقة المتأزمة بالأساس، سواء داخل الدول أو بين الجوار مثل إثيوبيا وإريتريا».

وتزامن مع الزيارة الإسرائيلية لإثيوبيا إعلان رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، تعيين محمد عمر حاجي محمود سفيراً فوق العادة ومفوضاً «لأرض الصومال» لدى إسرائيل، وسط توقعات بتوسيع التعاون في مجالات السياسة والتجارة والابتكار وإدارة المياه والأمن الإقليمي، حسب الإعلام الصومالي.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع، أن إثيوبيا تريد استثمار تلك الزيارة في دعم تحركاتها للبحث عن منفذ بحري استراتيجي بعد فقدانها ساحلها منذ استقلال إريتريا، بينما يبحث إقليم «أرض الصومال» عن مزيد من الاعتراف والوجود الشرعي الدولي.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة البر من دون أي منفذ مائي عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها، لا سيما «ميناء جيبوتي» الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية.

احتمالات المواجهة

ويرى الأكاديمي والباحث في شؤون أفريقيا محمد تورشين أن تحركات إسرائيل تأتي ضمن مساعيها من أجل تعزيز حضورها الجيوسياسي وتوسيع نطاق شراكتها في المنطقة، ولترسيخ نفوذها وتأمين البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وتطويق النفوذ التركي والمصري في القرن الأفريقي، وكذلك محاولة لإعادة رسم التوازنات ونسج تحالفات جديدة والانخراط في تحالفات قائمة.

ومع وجود إسرائيل المرفوض عربياً في إقليم «أرض الصومال»، تعرف منطقة القرن الأفريقي حضوراً لافتاً لدول كثيرة من بينها تركيا التي لها قاعدة عسكرية في مقديشو.

وعن تداعيات ذلك، قال تورشين إن الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي سيخلق حالة من الارتباك في المنطقة، وحروباً بالوكالة دون الوصول إلى صدام مباشر، لافتاً إلى أن هناك «تحالفاً موازياً يشمل مصر وتركيا وإريتريا والصومال وجيبوتي هو الأكبر حالياً ومن مصلحته عدم توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، لأن ذلك يشكل تهديداً له وللمنطقة، ومن ثم سيعمل على استقطاب دول جديدة لتوسيع النفوذ».

ويرى السفير صلاح حليمة أن التحالفات بين مصر وتركيا ستتشكل سريعاً في القرن الأفريقي لمجابهة التدخل الإسرائيلي، موضحاً أن زيادة وتيرة الوجود الإسرائيلي قد يتحول إلى صدام عندما يؤدي إلى الإضرار بمصالح طرف آخر.

بينما يرجح المحلل الصومالي بري أن الحديث عن صدام في القرن الأفريقي لا يزال مبكراً، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد بالفعل تنافس نفوذ شديداً، «لكن حتى الآن المؤشرات الأقوى تميل إلى إدارة تنافس سياسي وأمني أكثر من اندلاع مواجهة مباشرة».


مودي ينهي زيارة إسرائيل باتفاقيات تتجاوز 10 مليارات دولار... ووسام مزعوم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)
TT

مودي ينهي زيارة إسرائيل باتفاقيات تتجاوز 10 مليارات دولار... ووسام مزعوم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

أنهى رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، الخميس، زيارته التي امتدت على مدار يومين إلى إسرائيل، بعد توقيع اتفاقيات مشتركة تُقدر قيمتها بـ10 مليارات دولار، في حين أثيرت شكوك إسرائيلية حول قيمة «وسام الكنيست» المزعوم الذي تلقاه الضيف الكبير من البرلمان الإسرائيلي، باعتباره «تكريماً تاريخياً غير مسبوق»، وتبين عدم دقة الأمر.

وودّع مودي نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالدموع، تأثراً بما قاله له الأخير إنه «لم تبقَ عين واحدة لدى الشعب الإسرائيلي جافة، الجميع تأثروا عندنا من كلماتك الحميمة. أنت تعيد إلينا الأخوة اليهودية - الهندية، ونحن مع الولايات المتحدة نقيم في عالمنا الجديد أقوى تحالف لأكبر الديمقراطيات في العالم». ولكن، ليس بالعواطف وحدها اهتمت إسرائيل بالزيارة، بل بتتويج المحادثات بين الحكومتين بالتوقيع على 16 مذكرة تفاهم في مجالات ثنائية مختلفة، بقيمة 10 مليارات دولار.

رئيس الوزراء الهندي يوقع في سجل الزوار بـ«الكنيست» الإسرائيلي بحضور نظيره الإسرائيلي وزوجته (أ.ب)

ووصف الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، هذه الاتفاقيات بأنها «جاءت لتثبيت حلف استراتيجي يخرج منه البلدان رابحين، أمنياً واقتصادياً وثقافياً». وتعهد بتلبية دعوة مودي الرسمية له لزيارة الهند في القريب.

محطة تعاون مهمة

واختُتمت الزيارة بلقاء مع الصحافيين، بلا طرح أسئلة، في «فندق الملك داود» في القدس، حيث أدلى نتنياهو ومودي بتصريحات تلخص اللقاءات ومضامينها. فقال نتنياهو إن «الزيارة ونتائجها كانت مذهلة على أكثر من صعيد». وأضاف: «اللقاء قصير، لكنه مثمر ومؤثر». وتابع أن الجانبين يعملان على «خطط ملموسة»، مشيراً إلى أن اجتماعاً حكومياً مشتركاً سيُعقد في الهند لاحقاً.

وشدد نتنياهو على أن مستقبل البلدين قائم على الابتكار، قائلاً إن إسرائيل والهند «تفخران بماضيهما، لكنهما مصممتان على اقتناص المستقبل معاً، لكونهما بلدين عصريين يؤمنان بالحداثة».

ومن جانبه، اعتبر مودي أن زيارته تشكل «محطة مهمة في العلاقات بين الجانبين»، مشيراً إلى أن التعاون بين الهند وإسرائيل تعزّز في مجالات الأمن والزراعة والمياه والتطوير والعمالة. وقال مودي: «سننتهي قريباً من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارة حرة ذات منفعة متبادلة مع إسرائيل»، وأضاف: «سنتجه نحو الشراكة في التطوير والإنتاج ونقل التكنولوجيا في مجال الدفاع مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي (أ.ف.ب)

وتابع مودي أن إسرائيل والهند «ترفعان العلاقات إلى مستوى شراكة استراتيجية خاصة»، واصفاً ذلك بأنه تطور «طبيعي وذو رؤية».

كما أشار رئيس الوزراء الهندي إلى استمرار التواصل بين الجانبين بشأن غزة، موضحاً أن الهند «أدانت الإرهاب بأشد العبارات، وتعتقد أنه يجب ألا نسمح بأي إرهاب من أي نوع كان»، وأشاد بخطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وأعرب عن تأييده الشديد لها؛ لأنها تفتح آفاقاً نحو سلام حقيقي في المنطقة.

تتويج التحالف العسكري

واعتبرت صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية هذه الزيارة بمنزلة تتويج لإقامة حلف عسكري استراتيجي بين الهند وإسرائيل. ووصفها العقيد يوني ستبون، أحد أقطاب اليمين في إسرائيل، بأنها بمنزلة «انعطاف تاريخي في السياسة الدولية»، وفسر ذلك قائلاً إن «العالم القديم الذي كان يتجه نحو أوروبا قد انتهى. اليوم توجد الولايات المتحدة. ونحن والهند من حلفائها. لقد أصبحنا لاعب شطرنج في المباراة الدولية. وفي الوقت الذي تحاصرنا فيه أوروبا، تأتي هذه الزيارة لتعزز مكانتنا وتعترف بقوتنا ومكانتنا».

ونوهت صحيفة «هآرتس» بحالة الزهو التي يعيشها نتنياهو، الذي لم يبدُ فرحاً ومغتبطاً في السنوات الأخيرة كما بدا وهو يعانق مودي، وقالت: «كان رأسه محلقاً في السماء، لكن قدميه كانتا غائصتين في وحل السياسة الإسرائيلية المحلية حتى الأعماق». وقصدت بذلك مقاطعة المعارضة لخطابَي نتنياهو ورئيس «الكنيست»، أمير أوحانا، نتيجة الصراع على خلفية الانقلاب الذي تديره الحكومة على منظومة الحكم والجهاز القضائي في إسرائيل.

وسام مزعوم للضيف الكبير

وأشفق المحلل السياسي في «القناة 12»، بن كسبيت، على مودي، الذي فرح كثيراً بالوسام الذي قدمه له رئيس «الكنيست»، أوحانا، يوم الأربعاء، وسمّاه «وسام الكنيست»، وذلك لأول مرة في تاريخ البرلمان الإسرائيلي.

وقال أوحانا له في كلمته، الأربعاء، إن اللجنة المختصة قررت منحه «وسام الكنيست»، الذي يعتبر أعلى وسام لها، تقديراً لصداقته الحميمة ومساهمته في العلاقات بين البلدين، وإنجازاته الشخصية في قيادة الهند، وفي مساندة إسرائيل أمنياً واستراتيجياً. لكن كسبيت قال إن كلمات رئيس البرلمان الإسرائيلي «جاءت صادمة، خصوصاً لدى النواب القدامى من اليمين واليسار؛ فلا توجد في (الكنيست) أوسمة، ولا توجد لجنة تبحث وتقرر منح أوسمة».

وبحسب كسبيت، فإن «الوسام المعطى تبين أنه ليس ذهباً خالصاً، كما يبدو للوهلة الأولى، بل هو مصنوع من البرونز المطلي بماء الذهب؛ أي إن سعره رخيص، ولا يليق بقادة دول».


إسرائيل تبحث عن أسواق أسلحة جديدة رغم ارتفاع مبيعاتها

أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)
أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تبحث عن أسواق أسلحة جديدة رغم ارتفاع مبيعاتها

أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)
أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)

على الرغم من إلغاء أو تجميد عدد من الزبائن صفقات شراء الأسلحة الإسرائيلية بسبب الحرب على غزة، فإن الصناعات الحربية الإسرائيلية سجّلت ارتفاعاً سنوياً في حجم مبيعاتها بنسبة 11.7 في المائة، لتصل إلى نحو 15 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لآخر إحصاء معلَن.

ومع ارتياح الشركات العسكرية لنمو المبيعات، لكن القلق لا يزال قائماً إزاء احتمال تجدد حملات المقاطعة وتداعيات الحرب خلال عام 2025، ما يدفعها إلى التوجّه نحو فتح أسواق جديدة.

وقال مسؤول أمني كبير لصحيفة «جلوبس» الاقتصادية، إن حصة أوروبا قفزت من 35 في المائة إلى 54 في المائة من مجموع المبيعات الإسرائيلية من الأسلحة.

وكشف مصدر للصحيفة الاقتصادية أن «عدة دول في أميركا اللاتينية تهتم بالأسلحة الإسرائيلية». وقال إن «باراغواي هي الرائدة في هذا التوجه، وهناك محادثات متقدمة جداً معها لامتلاك عدد من الأسلحة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي والأجهزة الحربية الحديثة وجمع المعلومات والسايبر».

لكن تقدم نيودلهي على لائحة المشترين يعد الأكثر اهتماماً من قبل إسرائيل؛ إذ باتت الهند أكبر زبون في شراء الأسلحة الإسرائيلية (بعد ألمانيا وفرنسا).

وحسب صحيفة «معاريف»، بلغ حجم الصفقات التي وقع عليها رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في زيارته إلى إسرائيل التي اختتمها، الخميس، نحو 8 مليارات دولار.

وتشمل الصفقات «بطاريات القبة الحديدية»، و«حيتس 2»، و«حيتس 3»، الخاصة بالدفاعات الجوية، وطائرات مسيّرة وصواريخ بعيدة المدى وأسلحة دفاعية تعمل بالليزر (وفي هذه الفترة سيقام مصنع إسرائيلي في الهند لإنتاجها).

ويوجد في إسرائيل أكثر من 2000 شركة تبيع الأسلحة في الخارج، لكن هناك 4 شركات تعدّ من كبرى شركات السلاح في العالم، وتدخل ضمن قائمة الشركات الـ100 الكبرى، وهي «إلبيت»، و«رفائيل»، و«تاعس»، و«الصناعات الجوية».

وجاء في تقرير لوزارة الدفاع الإسرائيلية أن 66 في المائة من إنتاج الأسلحة في إسرائيل مُعدّ للتصدير.

وتُعدّ «الصناعات الجوية الإسرائيلية» من أهم شركات السلاح والتكنولوجيا العسكرية في إسرائيل وعلى الصعيد العالمي، وهي شركة حكومية ضخمة مملوكة للدولة، ويقع مقرها قرب مطار بن غوريون، وتشرف عليها وزارة الدفاع مباشرة.

وتمتلك الشركة مكاتب وفروعاً في أكثر من 20 دولة، وتصدر منتجاتها إلى أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، ومن أكبر عملائها: الهند، وأذربيجان، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، والبرازيل، والولايات المتحدة.

صورة من نظام اعتراض الصواريخ بالليزر «الشعاع الحديدي» الذي طورته إسرائيل 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

وبلغت الإيرادات السنوية لـ«الصناعات الجوية الإسرائيلية» في عام 2024 نحو 5 - 6 مليارات دولار، كما تُصدر أكثر من 66 في المائة من إنتاجها للخارج، وتعمل في مجالات واسعة من التكنولوجيا العسكرية والفضائية.

والشركة الثانية من حيث حجم الأعمال هي «رفائيل» للأنظمة الدفاعية المتقدمة، وهي أيضاً حكومية متخصصة في تصنيع صواريخ الدفاع الجوي، وأنظمة الليزر والطاقة العالية، وأنظمة التسليح الدقيقة، بما في ذلك منظومات اعتراض الصواريخ، مثل «القبة الحديدية»، ونظم الصواريخ الموجَّهة ومعدات الحرب الإلكترونية، كما تطوِّر الشركة منصات دفاعية متقدمة وصواريخ جو-أرض وصواريخ مضادة للدروع.