«طفرة جديدة» للدولار في إيران... إلزام القطاعات الاقتصادية بتوصيات خامنئي

رئيسي طالب أعضاء حكومته بدعم إنتاج السلع الأساسية

رئيسي يستمع إلى محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضا فرزين خلال اجتماع اقتصادي للحكومة اليوم الأحد (الرئاسة الإيرانية)
رئيسي يستمع إلى محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضا فرزين خلال اجتماع اقتصادي للحكومة اليوم الأحد (الرئاسة الإيرانية)
TT

«طفرة جديدة» للدولار في إيران... إلزام القطاعات الاقتصادية بتوصيات خامنئي

رئيسي يستمع إلى محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضا فرزين خلال اجتماع اقتصادي للحكومة اليوم الأحد (الرئاسة الإيرانية)
رئيسي يستمع إلى محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضا فرزين خلال اجتماع اقتصادي للحكومة اليوم الأحد (الرئاسة الإيرانية)

حقق الدولار «طفرة» قياسية مقابل الريال الإيراني، في أول أيام افتتاح البنوك بعد وقفة خمسة أيام بمناسبة عيد النوروز، في وقت ألزم الرئيس إبراهيم رئيسي الوزارات المعنية بالاقتصاد، بوضع خطط امتثالاً لشعار العام الذي أطلقه المرشد علي خامنئي بشأن تحقيق «طفرة في الإنتاج» لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمعيشية.

وباشر رئيسي اجتماعاته الأسبوعية مع فريقه الاقتصادي، في العام الجديد، على ضوء التوصيات التي أطلقها قبل خمسة أيام صاحب كلمة الفصل في البلاد المرشد الإيراني علي خامنئي، بشأن الملف الاقتصادي، وإصراره على رفع مستوى الإنتاج، معبراً عن «مرارة» يشعر بها من تدهور الوضع المعيشي.

وقال خامنئي إن «الاقتصاد نقطة الضعف الأساسية» في بلاده، مشدداً على أن «القضية الرئيسية للبلد هذا العام هي الاقتصاد». وأطلق شعار «طفرة الإنتاج بمشاركة الناس» على العام الجديد.

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن رئيسي قوله اليوم (الأحد)، إن «القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك النفط والزراعة والطاقة والصناعة والمناجم، المخاطب الرئيسي لشعار العام الجديد»، مطالباً أعضاء فريقه الاقتصادي بتحديد متطلبات وضرورات برامجها لتحقيق القفزة في القطاعات الإنتاجية.

وقال رئيسي إن «الدعم الكامل لإنتاج السلع الأساسية وتحقيق الاستقرار والهدوء في هذا القطاع سياسة ثابتة وراسخة للحكومة».

وواجه رئيسي خلال الأيام الماضية انتقادات، بعدما ادعى في خطابه المتلفز بعيد النوروز أن حكومته خفضت معدلات التضخم الشهري بواقع 20 نقطة، كما تفاخر بتوقيع عقود في مجال النفط والغاز بين شركة النفط الإيرانية وشركات داخلية، خصوصاً «خاتم الأنبياء» الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري».

«طفرة الدولار»

في الأثناء، تراجعت العملة الإيرانية إلى مستوى قياسي منخفض، مع تراجعها إلى 613.500 مقابل الدولار، بالتزامن مع احتفال الإيرانيين بحلول رأس السنة (عيد النوروز).

وتخطى سعر الدولار حاجز 600 ألف ريال لأول مرة قبل خمسة أيام، مع حلول رأس السنة. وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن الإيرانيين حاولوا استبدال عملات أجنبية بالريال الإيراني في المركز المالي الرئيسي بطهران في شارع فردوسي، لكن معظم المكاتب كانت مغلقة بسبب عطلة النوروز، التي تستمر لأسبوعين. ويزيد الطلب على الدولار الأميركي واليورو، مع توجه الإيرانيين لقضاء العطلة في الخارج.

وعبر مجتبى، وهو أب يبلغ من العمر 49 عاماً، عن شعوره بالصدمة: «انخفض سعر الريال بنسبة 5 في المائة، مقارنة بالأيام الستة الماضية، بينما البلاد بأكملها في إجازة!».

وقالت نيلوفر، زوجة تبلغ 28 عاماً، وزوجها بهزاد (30 عاماً) إنهما حجزا جولة لمدة أسبوع في تركيا بسعر مخفض، لكنهما يعتقدان الآن أنهما سينفقان المبلغ نفسه الذي ينفقانه عادة على جولة بالسعر الكامل.

وتنعكس تذبذبات سعر الصرف بقوة على أسواق أخرى، بما في ذلك الإسكان والإيجارات، والسلع الأساسية.

وتكشف الأرقام أن سعر الريال الإيراني بلغ 590.000 دولار في 18 مارس (آذار)، آخر يوم عمل قبل العطلة.

وتابع الكثير من الإيرانيين تبخر مدخراتهم مع انخفاض قيمة العملة المحلية. واليوم، تبلغ قيمتها نحو واحد على عشرين مما كانت عليه عام 2015، عندما وقعت إيران اتفاقاً نووياً مع عدد من القوى العالمية.

ومنذ ذلك الحين انخفض سعر العملة المحلية من 32 ألف ريال مقابل الدولار إلى مئات الآلاف. وفي فبراير (شباط) 2023، وصل لفترة وجيزة إلى أدنى مستوياته أمام الدولار عند 600 ألف ريال، ومنذ ذلك الحين لم يتجاوز 439 ألف ريال.

تفاؤل وتشاؤم

من جهته، قدّر مركز الإحصاء الحكومي معدل التضخم في البلاد خلال فبراير 2024 عند 42.5 في المائة، بينما أعلن البنك المركزي أنه يتجاوز 46 في المائة. ولا يوجد تفسير لهذا التفاوت.

وقال وزير الاقتصاد والشؤون المالية، إحسان خاندوزي، إن «توقعات المؤسسات الدولية تشير إلى انخفاض التضخم في إيران».

بدوره، تعهد محمد حسيني، نائب الرئيس الإيراني للشؤون البرلمانية، بتراجع التضخم إلى ما دون 10 في المائة، بعد 5 سنوات، أي في نهاية الولاية الثانية لحكومة إبراهيم رئيسي، إذا ما ترشح العام المقبل، وحافظ على منصبه.

وبدا محافظ البنك المركزي السابق، عبد الناصر همتي، متشائماً من تحقق وعود حكومة رئيسي. وأشار همتي إلى وعود أطلقها رئيسي قبل توليه الرئاسة بخفض التضخم إلى النصف، قبل خفضها إلى دون الـ10 في المائة. وبعد التذكير بوعود رئيسي السابقة، قال همتي إن «الوعود الأولى بشأن التراجع إلى دون 10 في المائة، فاقت 40 في المائة حتى الآن، لماذا يجب أن نثق بالوعود الجديدة؟».

بائع عملة يمسك بيده أوراق النقدية الإيرانية في شارع فردوسي التجاري وسط طهران الجمعة الماضي (أ.ب)

وتدهورت علاقات إيران مع الغرب بشكل استثنائي منذ تخلي الرئيس دونالد ترمب عن اتفاق دعا طهران إلى إنهاء برنامجها النووي، مقابل الحصول إلى أموال مجمدة وغيرها من المزايا. من جهته، قال الرئيس جو بايدن إنه مستعد للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن المحادثات الرسمية لمحاولة إيجاد خريطة طريق لاستئناف الاتفاق انهارت في أغسطس (آب) 2022.

في الوقت ذاته، تفاقمت التوترات في الشرق الأوسط على نحو كبير، ما زاد جهود الدبلوماسية النووية مع إيران تعقيداً. وأثارت إيران غضب الدول الغربية أكثر عبر تزويد روسيا بطائرات دون طيار مسلحة استخدمتها في غزوها لأوكرانيا.

وقد أججت الظروف الاقتصادية الصعبة غضباً واسع النطاق ضد الحكومة في الماضي، لكنها أجبرت كذلك الكثير من الإيرانيين على التركيز على توفير الطعام، بدلاً من الانخراط في نشاط سياسي شديد الخطورة في خضم حملة قمع شرسة ضد المعارضة.

وجاء هذا التراجع القياسي للريال بعد أقل من شهر من الانتخابات البرلمانية التي شهدت أدنى نسبة مشاركة منذ الثورة 1979، والتي هيمن على نتائجها التيار المحافظ المتشدد، الداعم الرئيسي لحكومة إبراهيم رئيسي.

3 سيناريوهات

وفي مقال رأي نشره موقع «خبر أونلاين» الإيراني، توقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة بهشتي بطهران، محمود سريع القلم، ثلاثة سيناريوهات بشأن معدل التضخم والمستقبل السياسي لإيران، خلال العام المقبل؛ السيناريو الأول: «يعتمد على نوع الحكومة التي تستقر في البيت الأبيض بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. يستمر الوضع الحالي، ويبدأ معه مسار التآكل في الهيكل العمراني والاقتصادي والتعليمي والخدمات»، متوقعاً زيادة وتيرة الهجرة من البلاد، لأصحاب رؤوس الأموال وذوي الخبرات العلمية.

أشخاص يجتمعون حول فتاة إيرانية تعزف على الكمان في سوق تجريش شمال طهران عشية عيد النورزو الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

كما رجح أن يكون السيناريو الثاني تحت تأثير خيارات وتغييرات داخل المؤسسة الحاكمة في طهران، موضحاً أن «النخب ستقرر المحافظة على هيكل السلطة، لكنهم سيغيرون في السياسة الخارجية». وأضاف: «سيخضع هذا القرار الحيوي والهيكلي لتحليل مفاده أن البلاد لا يمكن أن تتمتع بحياة طبيعية دون الثروة والحصول على الموارد المالية والاستثمارات الأجنبية ورفع العقوبات». وسيتطلب هذا السيناريو تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية.

أما السيناريو الثالث، فيتعلق بردود الفعل المحتملة لعامة الإيرانيين، إزاء استمرار التضخم إلى ما يفوق الـ10 في المائة، وانخفاض جودة الحياة. ويتصور هذا السيناريو مجموعة واسعة من ردود الفعل مثل اضطراب التعايش، وزيادة في معدلات الجرائم، وتوسع الريع، وعدم اللامبالاة، والاحتجاجات بين الفئات العمالية، والأقليات العرقية (الشعوب غير الفارسية)، وتوسع في المنظمات غير السياسية، وانفلات الشعبوية.

وعن تبعات السيناريو الثالث، يرى سريع القلم أنه «يمكن احتواء التعبات السياسية والأمنية، طالما أن البيئة الإقليمية والدولية تدار عبر البرامج النووية والعسكرية». ويعتمد السيناريو الأول والثاني على تحليل وتحركات داخل السلطة، لكن السيناريو الثالث يعتمد على المجتمع.


مقالات ذات صلة

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

شؤون إقليمية مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب) p-circle

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية – الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار الكامل لا معنى له في ظل الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجل إيراني يسير بجوار ملصق للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في ساحة في طهران - 22 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

إيران تؤكد تقديرها للجهود الباكستانية لإنهاء الحرب

عبّرت وزارة الخارجية الإيرانية عن تقديرها للجهود الباكستانية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».


الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
TT

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)

في أعقاب أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية–الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد. وبينما حدّت هذه القيود من إمكانية التقييم المباشر، وفّرت تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الاصطناعية نافذة مهمة لفهم حجم الدمار وانتشاره، كاشفةً عن مشهد معقّد يمتد من الأهداف العسكرية إلى عمق المناطق الحضرية.

فبعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، أتاحت هدنة هشة استمرت 14 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لسكان طهران فرصة أولية لتقييم حجم الخسائر. وتُظهر المدينة، التي يقطنها نحو 9 ملايين نسمة، آثاراً واضحة للدمار، من أنقاض متناثرة ومبانٍ شاهقة متضررة بفعل القصف، وفقاً لتقرير لوكالة «بلومبرغ».

وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، وذلك قبل يوم واحد من موعد انتهائه، في وقت انهارت فيه خطط عقد جولة جديدة من المحادثات. ولا يزال الخلاف قائماً بين الطرفين بشأن ملفات رئيسية، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ودعم طهران لجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.

ورغم احتمال صمود الهدنة والتوصل إلى تسوية دائمة، فإن كلفة الصراع البشرية والمادية كانت باهظة، إذ قُتل ما لا يقل عن 3300 إيراني، من مدنيين وعسكريين، في حين لحقت أضرار جسيمة بمناطق واسعة من البلاد.

أشخاص يسيرون حول مبنى سكني دمرته غارات جوية أميركية إسرائيلية في جنوب طهران (إ.ب.أ)

وقد أعاقت القيود التي فرضتها السلطات الإيرانية على التصوير والإنترنت، إلى جانب القيود الأميركية على نشر صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة، عملية التقييم البصري الشامل للأضرار. غير أن دراسة أعدّها باحثون في علم بيئة الصراع بجامعة ولاية أوريغون، اعتماداً على صور الرادار، قدّرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 7645 مبنى في مختلف أنحاء إيران، من بينها 60 منشأة تعليمية و12 منشأة صحية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير (شباط) إلى 8 أبريل (نيسان).

كما حللت وكالة «بلومبرغ» استخدامات الأراضي في المناطق المتضررة داخل طهران، وخلصت إلى أن 2816 مبنى قد تضررت، توزعت على النحو التالي: نحو 32 في المائة ذات صلة بالقطاع العسكري، و25 في المائة صناعية، و21 في المائة مدنية، و19 في المائة تجارية، و2 في المائة حكومية.

وفي هذا السياق، أوضحت نازانين شاهروكني، الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية بجامعة سيمون فريزر في كندا، أن الدمار في المدن الكبرى لا يظهر عادةً في صورة بؤرة واحدة واضحة، قائلة: «في مدينة بهذا الحجم، لا يتخذ الدمار شكلاً مركّزاً واحداً، كما أنه من الصعب عملياً رسم خط فاصل واضح بين الأهداف العسكرية والحياة المدنية، لأن تأثير الضربات ينتشر عبر نسيج حضري مترابط».

وتُعد طهران مدينة مترامية الأطراف، تضاهي مدينة نيويورك من حيث المساحة، وتمتد من أحيائها الجنوبية المكتظة إلى سفوح جبال البرز شمالاً، حيث تنتشر المناطق الأكثر ثراءً في بيئة أقل تلوثاً وأكثر اعتدالاً من حيث المناخ.

شخصان يجلسان في حديقة بارديسان في طهران المطلة على المدينة (أ.ف.ب)

وتتميّز أحياء المدينة بتداخل الاستخدامات، إذ تضم مزيجاً من المباني السكنية والمراكز التجارية والمتاجر والبنوك والمقار الحكومية. ورغم وجود حدائق ومساحات خضراء، فإنها لا تكفي للتخفيف من وطأة الازدحام المروري الشديد، في ظل وجود نحو 16 مليون مركبة على شبكة الطرق.

وعلى الرغم من أن الهجمات طالت مناطق متعددة في إيران، من بينها مدينة أصفهان — التي تُعد مركزاً ثقافياً وصناعياً مهماً — فإن طهران كانت الأكثر تضرراً، حيث تنتشر بؤر الدمار في أنحاء متفرقة منها، حتى وإن بقيت بعض المناطق الأخرى بمنأى نسبي عن القصف.

من جهتهما، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما نفذتا عمليات استهداف دقيقة واغتيالات مركّزة ضد مواقع عسكرية وأمنية، متهمتين «الحرس الثوري» — الذي يهيمن على قطاعات حيوية تشمل الدفاع والبناء والطاقة — بالتمركز داخل مناطق مدنية.

غير أن شاهروكني حذّرت من أن هذا النوع من الخطاب قد يُبسّط واقع الحرب، موضحةً: «غالباً ما تُستخدم مصطلحات مثل (الضربات الدقيقة) لتصوير العمليات على أنها محدودة ونظيفة، لكن هذه اللغة تُخفي الآثار الحقيقية للحرب، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة».

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن العمليات العسكرية حققت أهدافها، مشيرة إلى أن «وزارة الحرب أنجزت جميع الأهداف المحددة ضمن عملية الغضب الملحمي، بما في ذلك تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها، وإضعاف قدراتها البحرية ووكلائها». وأضافت أن القوات الأميركية نفذت نحو 13 ألف ضربة منذ بدء العمليات، مؤكدة أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المدنيين».

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها إيران، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية المرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، وقضايا حقوق الإنسان، والمخاوف الأمنية الإقليمية، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية قبل أسابيع من الحرب.

ومن المرجح أن تؤدي حملة القصف الواسعة — التي هدّد ترمب في سياقها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» — إلى تفاقم هذه الأوضاع بشكل أكبر.

العلم الإيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية في طهران (رويترز)

وفي هذا الإطار، قالت ناتالي موسين، رئيسة معهد الهندسة المعمارية والتكنولوجيا في الأكاديمية الملكية الدنماركية في كوبنهاغن، إن هذا المستوى من الدمار «صادم، لكنه ليس مفاجئاً» في ظل طبيعة القصف، موضحةً أن الأضرار لا تقتصر على الأهداف المباشرة، بل تمتد لتفاقم التحديات القائمة في البيئة الحضرية.

وكانت الحكومة الإيرانية قد قدّرت، في الأسبوع الماضي، حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الغارات بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي لإيران لعام 2026، البالغ نحو 300 مليار دولار. كما يتوقع الصندوق أن يتجاوز معدل التضخم 70 في المائة، في مستوى قياسي بالنسبة للبلاد.

وفي سياق متصل، أفاد عدد من أصحاب الشركات — فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم — بأن العديد من مؤسسات القطاع الخاص، التي تُعد مصدر دخل رئيسياً لكثير من الأسر، قد توقفت عن العمل أو باتت تعمل بقدرة محدودة.

وأعلنت بلدية طهران أن أكثر من 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشدة منذ بداية القصف.

وفي ختام التقديرات، حذّر هادي كهال زاده، الباحث في معهد كوينسي ومركز التنمية العالمية والاستدامة بجامعة برانديز، من أن الارتفاع الحاد في معدلات البطالة والتضخم قد يدفع ملايين الإيرانيين إلى الوقوع في دائرة الفقر خلال الفترة المقبلة.