حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

استطلاعات تؤكد تراجع ثقة الجمهور بها إلى أدنى المستويات

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟
TT

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

حكومة إسرائيل غير شعبية لكنها لم تسقط... كيف يفعلها نتنياهو؟

لم يحصل في تاريخ إسرائيل أن تولت السلطة حكومة فاقدة للدعم الشعبي مثل الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو. إذ أفادت نتائج استطلاع جديد أعلن (الخميس)، أن الثقة بهذه الحكومة «هبطت من 28 في المائة في بداية الحرب على غزة إلى 23 في المائة». ونقل الاستطلاع أيضاً أن «الكنيست (البرلمان) الذي تستند إليه الحكومة هبطت ثقة الجمهور به من 24 في المائة إلى 19 في المائة».

ليس هذا وحسب، فقد نشرت القنوات التلفزيونية الثلاث الإسرائيلية قبل الاستطلاع بساعات نتائج ثلاثة استطلاعات أخرى للرأي العام الإسرائيلي، دلت كلها على أنه «وعلى الرغم من زيادة قوة اليمين فإن الجمهور لا يريد نتنياهو، وإذا جرت الانتخابات اليوم ستسقط الحكومة سقوطاً مدوياً، وتهبط قوة أحزابها من 64 نائباً اليوم إلى 46 نائباً».

ومع ذلك، فإن حكومة نتنياهو صامدة، وتمكن رئيسها من تعزيز صمودها أكثر، خصوصاً بعد انسحاب حزب غدعون ساعر (ويدعى «أمل جديد») من حزب «المعسكر الرسمي» الذي يترأسه بيني غانتس، وإعلانه البقاء في الحكومة، وتصريحه بأنه يعارض مقاطعة نتنياهو وعدم التعاطي معه كما يرغب، ويدعو قادة المعارضة.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال اجتماع حكومي في تل أبيب يوم 29 يناير الماضي (مكتب الإعلام الحكومي - د.ب.أ)

ولقد سجل نتنياهو لنفسه مكسباً جديداً يعزز تقاليده التاريخية في تفسيخ صفوف الخصوم. فهو الذي سبق وأحدث شرخاً في حزب العمل، وتسبب ذلك في انسحاب إيهود باراك وبقائه (أي نتنياهو) في الحكومة سنة 2010، وأحدث انقساماً في حزب غانتس السابق «أزرق أبيض» في سنة 2020، فقط بعد سنة من تشكيله، واليوم ينجح في تفكيك «المعسكر الرسمي».

ورغم الاستطلاعات الثلاثة فإن هذا التطور لا يؤثر بشكل حاد على الخريطة السياسية؛ إذ إن ساعر لا يحصل إلا على 5 - 6 مقاعد في الكنيست، وفي حالة معينة سيسقط إذا خاض الانتخابات وحدَه. وأن حزب غانتس يتلقى ضربة، لكنه يبقى الحزب الأكبر. ومع أن الائتلاف الحالي لنتنياهو يخسر الحكم، في الاستطلاعات الثلاثة، ما يدل على أن الجمهور لا يريد نتنياهو بالذات، فإن نواب وأحزاب اليمين يزدادون قوة واتساعاً.

فما سر هذا الصمود؟

الحكومة الحالية تتألف من ثلاث مجموعات، تضم 76 نائباً من مجموع 120 نائباً في الكنيست، على النحو التالي:

المجموعة الأولى: وهي التي تضم تحالف أحزاب اليمين، والمتدينين الحريديم، وهي مؤلفة من 64 نائباً. والأحزاب هي: «الليكود» برئاسة نتنياهو وله 32 نائباً (تتنبأ له الاستطلاعات الهبوط إلى 15 – 21 نائباً فيما لو جرت الانتخابات اليوم)، و«الصهيونية الدينية» يضم ثلاثة أحزاب هي («الصهيونية الدينية» برئاسة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وله 7 مقاعد، و«عظمة يهودية» برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وله 6 نواب، والثالث حزب «نوعم» برئاسة آفي معوز، وله نائب واحد».

الاستطلاعات تشير إلى أنه في حال خوض هذه الأحزاب الانتخابات وحدها فإن حزبي سموتريتش ومعوز سيسقطان وحزب بن غفير يحصل على 9 - 10 مقاعد.

وهناك أيضاً تكتلان دينيان: حزب «شاس» لليهود الشرقيين وله 10 مقاعد، و«يهدوت هتوراة» لليهود الغربيين وله 7 مقاعد. وقوتهما ثابتة لا تتغير؛ إذ إن تحالفهما مستقر، بعدما نجح نتنياهو في إقناع رؤسائها بأن أي خلاف بينهما يجب ألا يؤدي إلى الانقسام، لأن أي انقسام سيؤدي إلى سقوط حكم اليمين.

والمصالح المشتركة بين كل هذه الأحزاب السابقة عديدة وعميقة واستراتيجية، أولها وأهمها تغيير منظومة الحكم من أساسها باتجاه تخفيض منسوب الديمقراطية وحرية الرأي والصحافة، وضرب جهاز القضاء، ومنع إقامة دولة فلسطينية، وهناك أيضاً سبب شخصي يتعلق بنتنياهو ورؤساء عدد من هذه الأحزاب، الذين يواجهون لوائح اتهام بمخالفات جنائية تقود إلى السجن، وبعضهم أمضوا فترة في السجن بعد إدانتهم بتهم، مثل أريه درعي، وبن غفير، وسموتريتش.

تحالف غانتس

المجموعة الثانية في الحكومة يتقدمها «حزب غانتس» الذي كان يضم 12 نائباً في مطلع الأسبوع تقلصوا إلى 8 نواب بعد انسحاب ساعر، وانضمت تلك المجموعة إلى الائتلاف الحكومي بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الذي أحدث زلزالاً في الساحة السياسية الإسرائيلية.

غانتس كان في ذلك الوقت قائداً للمعارضة، التي ساندها الجمهور الواسع بمظاهرات ضخمة بلغت في الأوج 400 ألف متظاهر، تطالب بسقوط الحكومة والتوجه لانتخابات جديدة. واستطلاعات الرأي منحت غانتس أكثر من 35 مقعداً، أي ثلاثة أضعاف قوته الانتخابية. وسادت لديه القناعة بأن هذا التأييد الجماهيري نابع من تصرفاته المسؤولة، وحرصه على الوحدة الوطنية خصوصاً في مواجهة «حماس»، علماً بأنه شغل في الماضي منصب رئيس أركان الجيش ووزير للدفاع. ومعه رئيس أركان آخر سابق، غادي آيزنكوت، الذي فقد نجله في الحرب فارتفع رصيده أكثر.

الوزير بيني غانتس مشاركاً في تحرك لأُسر المحتجزين الإسرائيليين في غزة يوم الجمعة (رويترز)

مشكلة هذا الحزب أنه يشعر اليوم بأن دخوله الائتلاف تحول إلى مصيدة لدى نتنياهو. فلا هو يوافق على سياسة معسكر نتنياهو ولا يستطيع الخروج من الائتلاف؛ لأن غالبية ناخبيه (64 في المائة) وغالبية الجمهور (56 في المائة) يعارضون تفكيك الحكومة خلال الحرب، ونتنياهو يرفض وقف الحرب لكي يطيل في عمر الحكومة.

أما ثالث المجموعات المكونة للحكومة، فتضم أربعة نواب (بينهم ثلاثة وزراء)، بقيادة غدعون ساعر، وهو يعدّ نفسه اليمين الليبرالي الحقيقي، انسحب من التحالف مع غانتس؛ لأنه ينتقد أداء القيادة السياسية في الحرب، ويريد أن ينضم إلى مجلس قيادة الحرب حتى يؤثر أكثر، وهو أقرب إلى نتنياهو سياسياً من الناحية اليمينية.

ورغم أن ساعر يتحفظ على شخص نتنياهو، فإنه يرفض مقاطعته. ويأمل أن يستطيع جذب قوى اليمين الليبرالي التي تركت «الليكود» وانضمت إلى غانتس.

انسحاب ساعر زاد من التعقيد في موقف غانتس، ومع أن الأخير ما زال يحظى بتأييد جماهيري واسع؛ فإنه يمتنع عن تفكيك الائتلاف الحالي للحكومة، خوفاً من فقدان ميزته الوحدوية خلال الحرب، وهو ينتظر أن تتوقف الحرب لكي ينسحب ويقود المعركة الداخلية لإسقاط الحكومة، لكنه يؤيد الاستمرار في الحرب واجتياح رفح، حتى لا يفقد اليمين، وما يساعده على ذلك هو غياب بديل مقنع للجمهور من المعارضة.

من هم المعارضون؟

المعارضة الحالية تضم أحزاباً ذات تأثير محدود، وهي: حزب «يوجد مستقبل» بقيادة يائير لبيد، وله 24 مقعداً لكن الاستطلاعات تنذر باحتمال خسارته نصف قوته وتقلصه إلى 10 - 14 مقعداً، وحزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان الذي سيرتفع من 6 مقاعد له راهناً إلى 10 – 11 مقعداً، وحزب «العمل» الذي تتنبأ الاستطلاعات بسقوطه التام واختفائه من الخريطة الحزبية، ليحل محله حزب «ميرتس» اليساري بأربعة أو خمسة مقاعد، والأحزاب العربية الممثلة اليوم بعشرة مقاعد، وتتنبأ لها الاستطلاعات بالحفاظ على قوتها: وهي (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير برئاسة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي، والقائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس).

وهذه الكتل المعارضة تحظى وفقاً للاستطلاعات بأكثرية 68 نائباً وأكثر، إذا قادها غانتس. لكن المشكلة أن نتنياهو ينجح - حتى الآن - في منع الانتخابات حالياً.

ملصقات للأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» على جدار في تل أبيب (أ.ف.ب)

وما يحصل في هذه الأثناء هو اعتماد النضال الجماهيري ضدها، في المظاهرات التي تقوم بها عائلات الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس»، ومعها قادة حركة الاحتجاج والتعبئة الجماهيرية في الإعلام، حيث تمتلئ وسائل الإعلام والصحف بمقالات وتقارير تشير إلى خطورة هذه الحكومة، والتي يراها البروفسور ليئور أكرمان، رئيس مجال المناعة القومية في معهد السياسة والاستراتيجية في جامعة رايخمن، مصيبة استراتيجية. وقال: «نحن في مسرحية سياسية بشعة».

ويضيف: «شيء ما سيئ جداً يحصل في إسرائيل. المجتمع الإسرائيلي الذي قام من أنقاض الانقلاب النظامي، واتحد حول الحرب ضد العدو الحقيقي يجد نفسه مرة أخرى منقسماً، مستقطباً ومصنفاً لليمين ولليسار. ضباط كبار وقادة أجهزة رسمية من أفضل رجال الدولة يضطرون لأن يتصدوا لسياسيين متوسطين ومتفرغين عموميين أفظاظ، لا يعنون إلا بالحفاظ على مكانهم في القيادة على حساب احتياجات الدولة ومواطنيها».

وتحظى هذه المعارضة بتشجيع من الإدارة الأميركية التي ملّت نتنياهو وألاعيبه، وباتت تتعرض هي الأخرى لانتقاداته وتهجماته.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

المشرق العربي جندي إسرائيلي بجوار العلم الإسرائيلي قرب الحاجز الأمني ​​بين إسرائيل ولبنان بالقرب من أفيفيم شمال إسرائيل (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تستنسخ نموذج غزة في لبنان... «خط أصفر» جنوباً يعزل عشرات القرى

في تطور قد يعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس واقع ميداني جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، أعلنت تل أبيب عزمها فرض ما تسميه «الخط الأصفر» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوسط وعلى يمينه الرئيس اللبناني جوزيف عون وعلى يساره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو «مصدوم» من منشور ترمب بشأن لبنان... وتل أبيب تطلب توضيحات

طلبت إسرائيل من البيت الأبيض تقديم توضيحات بشأن منشور للرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي قال فيه إن إسرائيل «ممنوعة» من تنفيذ غارات جوية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى قاعدة «أندروز» الجوية المشتركة في العاصمة واشنطن 11 أبريل 2026 (رويترز)

ترمب يعلن اتفاقاً لـ«هدنة 10 أيام» بين إسرائيل ولبنان

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، يبدأ الساعة 5 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».