المحافظون بقائمة موحدة في طهران لمواصلة السيطرة على البرلمان

رئيس قائمة «المعتدلين»: المشاركة العالية ستمنحنا اليد العليا في المفاوضات النووية

إيرانيون يمرون أمام كشك يحمل ملصقات الحملة الانتخابية السبت (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام كشك يحمل ملصقات الحملة الانتخابية السبت (أ.ف.ب)
TT

المحافظون بقائمة موحدة في طهران لمواصلة السيطرة على البرلمان

إيرانيون يمرون أمام كشك يحمل ملصقات الحملة الانتخابية السبت (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام كشك يحمل ملصقات الحملة الانتخابية السبت (أ.ف.ب)

اتفقت اجنحة رئيسية في التيار المحافظ الإيراني على تقديم قائمة موحدة في العاصمة طهران، لخوض الانتخابات التشريعية المقررة الجمعة المقبلة، وسط تصاعد الحملة التي تقودها السلطات لرفع الاقبال على صناديق الاقتراع.

ونقلت وكالات أنباء حكومية، وإعلام «الحرس الثوري» الأحد أن «لجنة تحالف القوى الثورية»، فصيل رئيس البرلمان الحالي، محمد باقر قاليباف، و «جبهة بايداري (الصمود)» المتشددة اتفقتا على تقديم قائمة موحدة تضم مرشحين من الجناحين، في محاولة لتكرار سيطرتهم على 30 معقداً للعاصمة طهران وضواحيها، في البرلمان الإيراني.

ويترأس القائمة قاليباف وهو قيادي سابق في «الحرس الثوري»، مناصفة مع رئيس «جبهة بايداري» رجل الدين المتشدد، مرتضى آقا طهراني وهو نائب في البرلمان الحالي.

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن المتحدث باسم «لجنة تحالف القوى الثورية»، إبراهيم رسولي إن القائمة المشتركة «نهائية». وبدوره، قال المتحدث باسم «جبهة بايداري» إن الطرفين «ناقشا القضايا السلبية والإيجابية، قبل التوصل إلى قائمة موحدة»، ورئيسين مشتركين.

وكانت تقارير قد أشارت، الأسبوع الماضي، إلى تغيير الدائرة الانتخابية لرئيس البرلمان قاليباف من طهران إلى مسقط رأسه؛ مدينة مشهد، وهو ما لم يحدث فعلياً، بتأكيد بقائه على رأس قائمة المحافظين في طهران.

وأعرب بعض وجوه التيار المحافظ، الأسبوع الماضي، عن مخاوفهم من تعدد القوائم الانتخابية، الأمر الذي يرفع حظوظ المرشحين المستقلين، أو المنضوين تحت تحالف المعتدلين والمحافظين.

مرتضی آقا طهراني يتوسط نواباً من كتلة «بايداري» المتشددة على هامش جلسة برلمانية (إرنا)

وجاء تأكيد ترشح قاليباف من طهران، في وقت أعلن فيه عضو قائمته، النائب محسن دهنوي، اتفاقه مع حلفائه على الانسحاب من القائمة، وذلك بعدما تسربت معلومات عن تلقيه رشوة من رئيس مصنع إيراني بهدف تسهيل معاملاته.

وكان دهنوي قد حصل على عضوية البرلمان، بعدما قامت السلطات الأميركية بترحيله، في يوليو (تموز) 2017؛ لارتباطه بالباسيج الطلابي. وحصل دهنوي حينها على منحة دراسية في معهد «ماساتشوستس».

وتصاعدت حملة السلطات لرفع المشاركة خشية عزوف قياسي عن الإقبال على صناديق الاقتراع، جراء الاستياء العام من إدارة البلاد، والوضع الاقتصادي المتدهور نتيجة العقوبات الأميركية.

وهذه الانتخابات الأولى التي تشهدها البلاد، بعد الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي هزّت غالبية المحافظات الإيرانية الـ31 في أعقاب وفاة الشابة مهسا أميني، أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، بدعوى سوء الحجاب، في سبتمبر (أيلول) 2022.

وقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، الأحد، إنه يأمل في «تشكيل برلمان قوى لدعم الشعب ومساعدة الحكومة». وأضاف: «أعتقد أن المشكلات في المجالات المختلفة يمكن حلها بخدمات الحكومة ودعم الشعب، نحن عازمون على إحباط الأعداء».

بدوره، اعتبر وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان أن أي صوت يدلي به الناخبون في الانتخابات «يرفع عَلم إيران في المجالات الدولية».

«شبح الإصلاحيين»

تميل الأطراف الأساسية في التيار الإصلاحي إلى النأي بنفسها عن الانتخابات، بعد رفض مرشحيها الأساسيين، وتلبية مطالبها للانخراط في العملية السياسية. لكن، خلال الأيام الأخيرة، أعلن النائب المحافظ السابق، المدعوم من المعتدلين، علي مطهري، إنشاء قائمة «صداي ملت (صوت الشعب)». وتضم قائمته بعض المحسوبين على الإصلاحيين والمعتدلين ومرشحين مستقلين.

ووجّه ناشطون بارزون من التيار الإصلاحي انتقادات لاذعة، الأسبوع الماضي، إلى بيان حمل توقيع 110 نشطاء إصلاحيين، بعضهم يقيم خارج إيران، ويدعو بيانهم إلى المشاركة في الانتخابات. ولفت اهتمام وسائل الإعلام الحكومية بإعادة نشر البيان اهتمام المراقبين.

نساء إيرانيات يعبرن الشارع أمام لافتة عليها ملصقات لمرشحي الانتخابات البرلمانية في طهران السبت

وعاد مطهري للترشح بعدما رفضت السلطات السماح له بخوض الانتخابات البرلمانية السابقة، ولاحقاً الانتخابات الرئاسية. وحظي مطهري باهتمام وسائل إعلام «الحرس الثوري»، ومن المقرر أن يُعقد مؤتمر صحافي، الاثنين، في مقر وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري».

وقال مطهري: «واهمون بعض من يقولون: علينا تنحية هذا النظام وإقامة نظام آخر». وأضاف: «يجب ألا نترك الثورة التي لم نتوصل إليها بسهولة». وتابع: «إطاحة النظام ليست بهذه البساطة، يجب السعي وراء إصلاح النظام، يجب ألا نهرب من الانتخابات والترشح».

وتابع مطهري أنه «في الوضع الحالي الحساس، يحظى مستوى المشاركة بأهمية قصوى للغربيين، لبلد مثل إيران... من المؤكد أن تراجع نسبة المشاركة سيؤدي إلى عدم ذهابهم إلى طاولة المفاوضات، أو يسعون للحصول على امتيازات أكثر، لكن المشاركة العالية ستمنحنا اليد العليا في المفاوضات»؛ في إشارة إلى المفاوضات الهادفة لإحياء الاتفاق النووي، والتي توقفت دون إحراز تقدم، خلال العامين الماضيين.

«حملة فاترة»

ونقلت مواقع إيرانية، عن حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، وممثل المرشد الإيراني، قوله، للتلفزيون الرسمي، إن «العدو يقوم بتعبئة كل قوته لكي لا يشارك الناس في الانتخابات». وأضاف: «مقاطعة صناديق الاقتراع وعدم المشاركة في الانتخابات مسايرة مع الأعداء».

ومع ذلك قال شريعتمداري: «عندما يرى الناس وزير السكن يتفاخر بأنه لم يفتتح مشروعاً سكنياً، أو الوزير الذي تولّى وزارة الطاقة لسنوات يقول نحن لا نبني محطات طاقة، رغم انقطاعات الكهرباء، أو وزير النفط الذي يصف إنشاء مصافي البترول بالعمل القذر، أو وزير الزراعة الذي يَعدّ الاكتفاء الذاتي عملاً سخيفاً، ويتم تطبيق ذلك عملياً، من الطبيعي أن يترك ذلك تأثيره على الشعب الذي صوّت في الانتخابات، لكنه ينبه أنهم ليسوا المطلوبين».

وأشار شريعتمداري إلى موافقة مجلس صيانة الدستور، الهيئة المشرفة على تنفيذ الانتخابات، على طلبات ترشح 15 مرشحاً، لافتاً إلى أن «كل 51 مرشحاً يتنافسون على مقعد واحد». وأضاف: «مرشحون من كل الأحزاب والتيارات، لذلك هناك مجال، لكن الخوف من عدم الحصول على أصوات، يجب ألا نضعه على حساب عدم وجود مرشحين».

وتابع: «الأحزاب السياسية المختلفة حاضرة في الانتخابات، وقال أمين عام أحد الأحزاب الإصلاحية إن هذه الأحزاب لديها مرشح في جميع أنحاء البلاد».

بدء التسوق استعداداً لعيد النوروز في بازار طهران السبت (أ.ف.ب)

وفي إشارةٍ إلى الحملة الانتخابية الفاترة، قال شريعتمداري: «إذا لم تكن ظروف وأوضاع الانتخابات، كما تتصور، فإن هناك أسباباً مختلفة لذلك؛ أحدها أن هيئة الإذاعة والتلفزيون أعلنت عن قنوات، ويفضل المرشحون متابعة حملتهم الدعائية عبر هذه القنوات أو شبكات التواصل الاجتماعي، لهذا لم نعد نرى اللافتات والملصقات في الشوارع، كما في السابق».

لكنه أضاف: «أوافق أيضاً على أن أجواء الانتخابات ليست ساخنة كما ينبغي، ولذلك أسباب، منها الجهود الكثيرة التي تبذلها وسائل إعلام أجنبية ومُعادية، ويُغذيها بعض الأشخاص منا، وأحد الأسباب بعض الاستياء، الذي يعود، على وجه خاص، إلى الوضعين المعيشي والاقتصادي».

وقال شريعتمداري إن «العدو يحشد كل قوته لكي لا يشارك الناس في الانتخابات، ويلجأ إلى ذرائع مختلفة لكي يبلغ أهدافه، لهذا فإن عدم المشاركة بمثابة فتح ممرات للعدو، على حد تعبير الجنرال قاسم سليماني». وتابع: «العدو يسعى بشدة وراء إثارة شرخ في الوحدة الوطنية لكي يتحرك داخله».

وانطلقت حملات الانتخابات، الخميس الماضي. وجرى تداول بعض مقاطع الفيديو على «تلغرام»، خلال اليومين الماضيين، تُظهر حفلات غنائية ورقصاً على وقْع أغاني البوب التي يرددها فنانون محليون، في بعض مقرات المرشحين بأنحاء البلاد، وهي مظاهر تتكرر عادة في الانتخابات الإيرانية.

«المهدي المنتظر»

وتتزامن حملة الانتخابات الإيرانية مع احتفالات منسوبة إلى مولد المهدي المنتظر في إيران. وربط رجال دين متنفذون بين الانتخابات التشريعية والمناسبة الدينية.

ووصف محمد جواد حاج علي أكبري، إمام جمعة طهران، وممثل المرشد الإيراني، المشاركة في الانتخابات قائلاً: «تسجيل الأسماء في ركب المخلصين للمهدي المنتظر، يجب علينا هز راية المهدي بمشاركة قوية».

وقال رجل الدين المتنفذ، علي رضا بناهيان، الذي يُعرف بخطبه الدينية، إن «الانتخابات طريق الناس لمساعدة ومرافقة المهدي المنتظر». وأضاف: «من يريدون مساعدة الإمام في عصر الغيبة، فإن الانتخابات تمثل بعداً من المسؤولية الاجتماعية».

تدهور الوضعين المعيشي والاقتصادي يلقي بظلاله على تجارة السجاد الإيراني في بازار طهران السبت (أ.ف.ب)

بدوره، قال رئيس مجمع مدرسي «حوزة قم العلمية» هاشم حسیني بوشهري إن «اقتراع الناس سيُرضي المهدي المنتظر». وأضاف: «بعض المشكلات لا تزال مطروحة على الأرض، ولا علاقة لها بالخارج، قضايا مثل المياه وبطالة الشباب ليست قضايا يأتي حلها من الخارج».

وكتب المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، هادي طحان نظيف، على منصة «إكس»، أن «ظهور المهدي يعكسه الدستور الإيراني بوصفه أحد أهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، هدف يمكن أن يتحقق، غداً، بهذا القرب».


مقالات ذات صلة

نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

شؤون إقليمية امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

تنتشر في الآونة الأخيرة في طهران مشاهد نساء يتنزّهن في الشوارع أو يجلسن في المقاهي من دون حجاب، في تحدٍّ لقواعد اللباس الصارمة في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماعهما في سانت بطرسبرغ - روسيا 27 أبريل 2026 (أ.ب)

بوتين يؤكد لعراقجي تكثيف الجهود لإحلال السلام بالشرق الأوسط

أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن موسكو ستبذل كل ما في وسعها للمساعدة في إحلال السلام في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

خاص السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
TT

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

قال مصدر دبلوماسي أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت لسفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا بالرسوّ في ميناء حيفا.

وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في وقت سابق أن السفينة «بانورميتيس»، التي قالت إنها تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية المحتلة التي تعدّها كييف مسروقة، تنتظر الحصول على إذن للرسوّ في حيفا.

وقال المصدر الأوكراني، طالباً عدم ذكر اسمه: «إذا لم تُرفض هذه السفينة وحمولتها، فإننا نحتفظ بالحق في اتخاذ مجموعة كاملة من الإجراءات الدبلوماسية والقضائية الدولية».

ولم ترد وزارة الخارجية الإسرائيلية بعدُ على طلب للتعليق.

سفينة شحن تنقل حبوباً من أوكرانيا تعبر مضيق البسفور في تركيا (رويترز)

وأفادت «هآرتس»، الأحد، بأن 4 شحنات حبوب من الأراضي الأوكرانية المحتلة تم تفريغها بالفعل في إسرائيل هذا العام.

وقال المصدر: «ممارسة غسل البضائع المسروقة أمر غير مقبول، وإسرائيل تجاهلت بصورة أساسية مطالبنا بشأن السفينة السابقة».

وأضاف المصدر أن كييف تتعقب السفينة، محذرة بأن السماح لها بالرسوّ ستكون له عواقب على العلاقات الثنائية بين أوكرانيا وإسرائيل.


بوتين يبحث مع عراقجي تحقيق سلام «يلبي مصالح إيران ودول المنطقة»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
TT

بوتين يبحث مع عراقجي تحقيق سلام «يلبي مصالح إيران ودول المنطقة»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)

عكست زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا، ومحادثاته مع الرئيس فلاديمير بوتين توجهاً إيرانياً لدعم جهود الوساطة التي اقترحتها موسكو لتسوية الأزمة المتفاقمة في الشرق الأوسط.

وحمل عراقجي، الذي وصل إلى روسيا، الاثنين بعد زيارتين إلى إسلام آباد ومسقط، رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى بوتين، في خطوة رآها محللون روس أن اختيار موسكو محطة ثالثة في جولة الوزير يعكس رغبة إيرانية في إشراك روسيا في جهود الوساطة الجارية.

ومع أنه لم يكشف عن مضمون رسالة خامنئي، شدّد الرئيس الروسي، خلال استقباله عراقجي، على متانة العلاقة بين موسكو وطهران، وأشاد بما وصفه «صمود الإيرانيين في مواجهة مرحلة صعبة».

وقال بوتين: «نأمل بصدق أن يتجاوز الشعب الإيراني، بفضل شجاعته ورغبته في الاستقلال، هذه المرحلة الصعبة من المحن تحت قيادة قائد جديد، وأن يعم السلام».

وخاطب عراقجي قائلاً: «أود أن أطلب منكم نقل خالص شكري وتقديري، وأؤكد أن روسيا، مثل إيران، تعتزم مواصلة تعزيز علاقاتنا الاستراتيجية. أرجو منكم نقل شكري وتقديري للمرشد (مجتبى خامنئي) على هذه الرسالة، وأتمنى له كل التوفيق والصحة والنجاح».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

وفي إشارة إلى الجهد الروسي المتكرر لعرض وساطة لإنهاء الصراع، أكد بوتين أن بلاده ستواصل «بذل قصارى جهدها لمصلحة إيران ودول المنطقة الأخرى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط بأسرع وقت ممكن».

وبدوره، أكد وزير الخارجية الإيراني، خلال اللقاء، توجه البلدين إلى تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»، وقال: «بالنسبة لنا، تمثل العلاقات الإيرانية - الروسية شراكة استراتيجية على أعلى مستوى. ونحن مستمرون في هذا المسار».

وشكر عراقجي موسكو على دعمها لطهران، مضيفاً أن بلاده ستواصل مواجهة الولايات المتحدة. وقال: «لقد أكد العالم أجمع أن الشعب الإيراني، بمقاومته وشجاعته، قادر على صدّ الهجمات والعدوان الأميركي، وسيكون قادراً على الصمود خلال هذه الفترة».

ومن الجانب الروسي، حضر الاجتماع إلى جانب وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي أجرى لاحقاً جولة محادثات مطولة مع نظيره الإيراني، مساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة إيغور كوستيوكوف. وضم الوفد الإيراني، إلى جانب عراقجي، نائبه كاظم غريب آبادي، وسفير إيران لدى موسكو كاظم جلالي.

وقبل المحادثات، صرّح وزير الخارجية الإيراني بأنه يعتزم مناقشة تنسيق الجهود مع روسيا لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط.

وكانت عروض الوساطة الروسية تكررت أكثر من مرة قبل اندلاع الحرب وبعدها، لكنها قوبلت بتجاهل كامل من جانب إسرائيل، وبفتور من جانب الولايات المتحدة. وقال الرئيس دونالد ترمب في وقت سابق إن على بوتين أن يعمل على دفع التسوية السياسية مع أوكرانيا قبل عرض وساطته لتسوية صراعات أخرى.

برغم ذلك، يرى خبراء روس أن لدى موسكو فرصة كبيرة لدفع جهودها في هذا المسار، خصوصاً في إطار العمل على تسوية نهائية لملف البرنامج النووي الإيراني.

وكانت موسكو قد عرضت نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع أن هذا العرض تقابله رغبة قوية لدى ترمب في نقل المخزون إلى الأراضي الأميركية، يرى خبراء أن التوافق على دور روسي في هذا الملف قد يكون أحد الحلول الوسط للتوصل إلى تسوية مستدامة، خصوصاً أن موسكو أدت دوراً مماثلاً في الدفع نحو الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماعهما (إ.ب.أ)

إضافة إلى ذلك، يرى خبراء روس أن موسكو يمكن أن تكون وسيطاً مقبولاً لدى الأطراف الإقليمية، خصوصاً دول الخليج العربي. فقد حافظت روسيا على موقف متوازن يقوم على دعم دول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية عليها، وعرض بوتين على القادة الخليجيين التدخل لدى الإيرانيين لوقف هذه الهجمات.

وجاء حديث بوتين، خلال استقباله عراقجي، عن تسوية تضمن مصالح إيران ودول المنطقة، ليعزز هذا التوجه الروسي.

وفي السياق نفسه، يقول سياسيون روس إن واشنطن قد تقبل دوراً روسياً إذا استمر التعثر الحالي في مسار التسوية. كما أن غياب الدور الأوروبي، وعدم رغبة واشنطن في منح الصين دوراً مباشراً مؤثراً، قد يدفعان نحو تعزيز حضور الكرملين في أي تسوية مقبلة.

في المقابل، تحمل التأكيدات الروسية والإيرانية بشأن نية تعزيز التعاون في المجالات المختلفة، وترسيخ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بُعداً مهماً يتصل بنوع الدعم الذي قد تقدمه موسكو إلى طهران في حال استئناف العمليات القتالية.

ونفى الطرفان صحة معطيات غربية تحدثت عن تقديم موسكو معلومات استخباراتية إلى إيران ساعدتها في استهداف مواقع أميركية.

وقال لافروف، في وقت سابق، إن معطيات الأقمار الاصطناعية ومواقع تحرك السفن الأميركية «معروفة لكل الأطراف»، مضيفاً أن موسكو ليست بحاجة إلى دعم إيران في هذا المجال.

لكنّ الطرفين الروسي والإيراني أكدا، في الوقت ذاته، عزمهما مواصلة تطبيق الاتفاقيات السابقة المبرمة بينهما. وكان عراقجي قد قال في وقت سابق إن موسكو لا تدعم إيران عسكرياً في الحرب الراهنة، لكن موسكو وطهران تواصلان تنفيذ عقود سابقة واتفاقيات أُبرمت قبل الحرب.

ويرى خبراء أن هذا المدخل قد يوفر لموسكو مجالات لمواصلة دعم إيران من دون التورط في حضور عسكري مباشر وظاهر في المواجهة.

واللافت أن اتفاق الشراكة الاستراتيجية المبرم بين الطرفين لا ينص، خلافاً لاتفاقية مماثلة أبرمتها موسكو مع كوريا الشمالية، على بند الدفاع المشترك. لكن الاتفاقية تشتمل، رغم ذلك، على شق أمني وشق عسكري، وتفاهمات واسعة بشأن تبادل الخبرات والمعلومات، وتنفيذ أنشطة مشتركة في إطار التدريبات وغيرها من الفعاليات.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب البند المتعلق بالدفاع المشترك لم يمنع الإيرانيين في وقت سابق من تقديم أشكال متعددة من الدعم العسكري لروسيا في الحرب الأوكرانية، بما في ذلك تزويدها بكميات كبيرة جداً من المسيّرات والصواريخ بطرازات متنوعة.


نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تنتشر في الآونة الأخيرة في طهران مشاهد نساء يتنزّهن في الشوارع أو يجلسن في المقاهي من دون حجاب، في تحدٍّ لقواعد اللباس الصارمة في إيران، غير أن بعض سكان العاصمة لا يرون في ذلك دليلاً على أي تبدّل في توجهات السلطات حيال حقوق النساء.

وحذّرت إلناز، الرسامة البالغة 32 عاماً والمقيمة في طهران، من أن «هذا ليس إطلاقاً مؤشر تغيير من جانب الحكومة»، مؤكدة أنه «لم يتم إحراز أي تقدم على صعيد حقوق النساء»، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وشددت الفنانة، طالبة عدم الإفصاح عن اسمها الكامل على غرار إيرانيات أخريات اتصلت بهنّ «وكالة الصحافة الفرنسية» من باريس، على أنه «بالرغم من المظاهر لم يحصل أي تغيير فعلي في ما يتعلق بالحرية الفردية».

امرأة إيرانية تستخدم هاتفها الجوال لالتقاط صورة في بحيرة تشيتغار وهي بحيرة اصطناعية بشمال غرب طهران يوم 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولا يزال قانون إلزامية الحجاب الذي اعتُمد بعد انتصار الثورة عام 1979 سارياً رغم الليونة التي سُجلت بعد احتجاجات 2022-2023 تحت شعار «امرأة... حياة... حرية».

وأسست موجة المظاهرات هذه، والتي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني في 16 سبتمبر (أيلول) 2022 أثناء توقيفها من قبل «شرطة الأخلاق» لعدم التزامها بمعايير اللباس الصارمة، لتغيير بدا جلياً في بعض أنحاء طهران والمدن الكبرى، وهو تخلّي العديد من النساء عن الحجاب أو تغطية شعرهن في الأماكن العامة.

وتواصل هذا التوجه خلال حرب يونيو (حزيران) 2025 مع إسرائيل، ثم خلال الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت أواخر ديسمبر (كانون الأول) في طهران رفضاً للتدهور الاقتصادي، قبل أن تتوسّع إلى مناطق مختلفة وتشمل مطالب سياسية، ومؤخراً خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران.

وقالت زهراء، ربة المنزل البالغة 57 عاماً في أصفهان بوسط البلاد: «كان هذا مجرد حلم قبل ثلاث سنوات فقط»، مضيفة: «لم أعد أضع الحجاب، لكنني كنت أود لو عشت ذلك عندما كنت شابة».

امرأة إيرانية تبكي أحد أحبائها الذي قُتل خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في مقبرة «بهشت ​​زهراء» جنوب طهران يوم 23 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«ثمن باهظ»

غير أن الحجاب ما زال شائعاً، وبعض النساء ما زلن يخترن من تلقاء أنفسهن ارتداءه. وإن كانت دوريات «شرطة الأخلاق» باتت شبه غائبة عن الشوارع، فما زال بوسع السلطات استدعاء النساء السافرات، ويتحتم عليهن بصورة عامة وضع الحجاب في المصارف والمدارس والمباني الإدارية.

ولفتت ناغين التي تدير مقهى في طهران إلى أنه خلف «الصورة الجميلة» التي تنتشر حالياً لنساء سافرات في المقاهي، أصحاب هذه المقاهي الذين «دفعوا ثمناً باهظاً».

وأوضحت المرأة البالغة 34 عاماً: «واجهنا معاملة قاسية للغاية طوال هذه السنوات، وما زال الأمر على حاله اليوم. تم إغلاق مقاهينا مراراً، وحُكم علينا بدفع غرامات، واضطررنا إلى دفع رشى»، مضيفة: «يشتدّ غضبنا حين يسمّون ذلك حرية ويقولون إن النساء أصبحن أكثر حرية».

وتبقى حرية النساء مقيّدة في إيران. وأوقفت السلطات عشرات آلاف الأشخاص خلال الاحتجاجات الأخيرة في يناير (كانون الثاني)، وعشرات الآلاف خلال الحرب الحالية، بحسب منظمات حقوقية.

وترى منظمة العفو الدولية أن «المقاومة المعمّمة» للحجاب الذي يعتبر إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام الإيراني، شكلت ضغطاً على السلطات في السنوات الأخيرة. لكنها أكدت أن السلطات واصلت فرض «إلزامية الحجاب في أماكن العمل والجامعات وغيرها من المؤسسات العامة، ما يعرّض الفتيات والنساء اللواتي يقاومنها للمضايقات، والاعتداءات، والاعتقالات الاعتباطية، والغرامات، والإقصاء من الوظائف والتعليم».

امرأة تشتري كرة كأس العالم من متجر في طهران يوم 23 أبريل 2026 (رويترز)

«لكن ماذا بعد ذلك؟»

وبات التلفزيون الرسمي ينقل الآن مشاهد لإيرانيات بلا حجاب، بشرط أن يؤيدن الجمهورية الإيرانية ويندّدن بأعدائها.

وأوضحت شهرزاد، ربة العائلة البالغة 39 عاماً، أن «عدداً متزايداً من النساء يتغلبن يومياً على خوفهن ويتجرّأن على الخروج بلا حجاب، وهذه ظاهرة تتعمّم. لكنني لا أرى أي تغيير في نظام الحكم». وتابعت: «لم يتغيّر شيء، باستثناء مقاطع الفيديو هذه لفتيات يظهرن أمام كاميرات الشبكات الإخبارية الرسمية ويهتفن: زعيمي زعيمي، حياتي فداه».

والوضع ليس هو نفسه في جميع أنحاء البلاد؛ ففي مشهد، المدينة الكبرى في شرق إيران، والتي تضم أحد أقدس المقامات لدى الشيعة، قالت مهسا، الطالبة البالغة 32 عاماً، إن القواعد أكثر صرامة. وروت: «قبل حرب الـ12 يوماً (في يونيو) لم يكن يُسمح لنا بالدخول إلى أي مكان من دون حجاب. أما الآن، فيدعوننا ندخل، لكننا لا نرى المستوى نفسه من التغيير كما في طهران خلال السنوات الثلاث الأخيرة».

وفي أصفهان، إحدى كبرى المدن المحافظة في البلاد، قالت فرناز (41 عاماً) إنه تم استدعاؤها للمثول أمام المحكمة في أبريل (نيسان) لعدم التزامها بوضع الحجاب.

وأضافت: «إنهم يعاودون منذ بضعة أيام إغلاق المقاهي بسبب مسألة وضع الحجاب... هنا نواجه الحكومة والسكان في آن واحد. وفي بعض الأحياء، عاود بعض رجال الدين تحذيرنا ومضايقتنا كما من قبل. لا يقتصر الأمر على (شرطة الأخلاق)».

كما قالت مريم (35 عاماً)، وهي أيضاً من سكان طهران: «إن كنتِ تزاولين نشاطاً اجتماعياً أو اقتصادياً، يتوقعون منكِ وضع الحجاب».

ولا يمكن لأحد أن يتكهن بما إذا كان هذا التسامح النسبي سيستمر. وأوضحت زهراء: «دفعنا ثمناً باهظاً جداً للوصول إلى هنا»، في إشارة إلى القمع الذي استهدف مظاهرات 2022، وأودى بالمئات بحسب منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. وتابعت أن السلطات «منشغلة في الوقت الحاضر بالحرب. لكن من يدري ماذا ستفعل بعد ذلك».