مسيرة في فرنسا الأحد للتنديد بمعاداة السامية لكنها تغض النظر عما يجري في غزة

المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يرفض المشاركة ويندد بتنامي ما يعاني منه المسلمون

جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ ويائيل براون ـ بيفيه معاً في لقاء تلفزيوني في 8 نوفمبر الحالي حيث وجها دعوة للمشاركة في مسيرة الأحد (أ.ف.ب)
جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ ويائيل براون ـ بيفيه معاً في لقاء تلفزيوني في 8 نوفمبر الحالي حيث وجها دعوة للمشاركة في مسيرة الأحد (أ.ف.ب)
TT

مسيرة في فرنسا الأحد للتنديد بمعاداة السامية لكنها تغض النظر عما يجري في غزة

جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ ويائيل براون ـ بيفيه معاً في لقاء تلفزيوني في 8 نوفمبر الحالي حيث وجها دعوة للمشاركة في مسيرة الأحد (أ.ف.ب)
جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ ويائيل براون ـ بيفيه معاً في لقاء تلفزيوني في 8 نوفمبر الحالي حيث وجها دعوة للمشاركة في مسيرة الأحد (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ ويائيل براون - بيفيه رئيسة مجلس النواب عن دعوتهما لمسيرة شعبية يوم الأحد في باريس والمدن الفرنسية الأخرى، رفضاً لمعاداة السامية وللتنديد بتكاثر مظاهرها منذ اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اندلع جدل كبير لا يهدأ حول من يحق له المشاركة فيها ومن مشاركته غير مرغوبة. وعلى لائحة غير المرغوب بهم هناك بالطبع حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي ورثته مارين لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة ورئيسة مجموعته البرلمانية، عن والدها جان ماري لوبن المتهم بأنه وحزبه من معادي السامية وقد أدين أكثر من مرة بسبب ذلك.

بيد أن مارين لوبن ورئيس الحزب جوردان بارديلا أكدا أنهما سيشاركان في المسيرة في باريس ووجها الدعوة إلى المحازبين والأنصار للانضمام إليهما أو في المدن الأخرى. وسارع لارشيه وبراون - بيفيه إلى تأكيد أنهما «لن يسيرا إلى جانب التجمع الوطني وأنهما سيكونان في المقدمة» إلى جانب رئيسة الحكومة إليزابيث بورن وأركان الدولة، حكومة ونواباً.

وعلم أن 33 وزيراً، أي الأكثرية الساحقة من أفراد الحكومة، سيشاركون، فيما سيتغيب سبعة منهم لارتباطات سابقة. وما يصح على الوزراء يصح أيضاً على النواب والشيوخ الذين سيكونون حاضرين بقوة. ولم يصدر عن قصر الإليزيه شيء بخصوص مشاركة الرئيس إيمانويل ماكرون في المسيرة علما بأن مسيرة مماثلة في ثمانينات القرن الماضي شارك فيها الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران.

لا يقتصر التردد على لارشيه وبراون - بيفيه بل يشمل كل الأحزاب يميناً ويساراً، وكلها تشدد على الآيديولوجية المعادية للسامية التي تشكل إرث التجمع الوطني الذي كان يسمى، في عهد أحد مؤسسيه، جان ماري لوبن: «الجبهة الوطنية». ومن موروثه تأكيد لوبن الأب أن «محرقة اليهود تفصيل في تاريخ الحرب العالمية الثانية»، حيث يتهم اليمين المتطرف الفرنسي بأنه كان ذراع ألمانيا النازية وأنه تعاون معها. ومنذ وراثتها الحزب، سعت مارين لوبن إلى التخلص من إرث والدها والتقرب من إسرائيل على حساب الجالية العربية - المسلمة في فرنسا التي جعلتها هدفا لهجماتها. وفيما تبين استطلاعات الرأي ارتفاع شعبيتها وأن وصولها إلى قصر الإليزيه لم يعد أمراً مستبعداً، فإنها تواصل «تطبيع» حزبها ومسح تاريخه المثير للتساؤلات.

إليزابيث بورن رئيسة الحكومة الفرنسية (في الوسط مع زوجة الرئيس الفرنسي ووزير التربية) ستشارك في المسيرة الأحد (رويترز)

في تبريرهما للدعوة إلى مسيرة الأحد، كتب رئيسا مجلس الشيوخ والنواب في صحيفة «لو فيغاور» اليمينية أن «الجمهورية في خطر وأساساتها تهتز» وأن الأعمال المعادية للسامية «تتكاثر في شكل خطير في بلدنا، إذ إنه في أربعة أسابيع تم تسجيل ما يزيد على ألف اعتداء أي ضعف ما تم تسجيله طوال عام 2022». لذا يضيف المسؤولان أن هناك حاجة «لانتفاضة» للتعبير عن رفض معاداة السامية. ودأب الرئيس ماكرون وغيره من المسؤولين على تأكيد أن أي اعتداء على يهودي هو «اعتداء على الجمهورية».

إذا كان الرافضون لمجاورة التجمع الوطني يتقبلون المشاركة في المسيرة ولكن بعيداً عنه أو يسعون لمسيرة منفصلة، فإن لفرنسا موقفاً آخر. فقد غرد جان لوك ميلونشون الذي تنصب عليه الهجمات منذ شهر بسبب الزعم أنه يرفض توصيف ما قامت به «حماس» بأنه «عمل إرهابي»، قائلاً أول من أمس: «الأحد ستحصل مسيرة القوس الجمهورية التي ستضم التجمع الوطني وصولا إلى (الحزب) الماكروني لبراون بيفيه، وبحجة مناهضة معاداة السامية، فإنها (تستبطن) الحديث عن (الحرب) الإسرائيلية - الفلسطينية ولا تطلب وقفا لإطلاق النار. إنها (المسيرة) موعد لأصدقاء الدعم غير المشروط لمرتكبي المجازر» في غزة. والجملة الأخيرة تشير إلى الزيارة التي قامت بها بروان بيفيه بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، إلى إسرائيل حيث أدلت بتصريحات شددت فيها على أن «لا شيء يجب أن يمنع إسرائيل من الدفاع عن نفسها»، ما فُهم على أنه إعطاؤها بطاقة خضراء لتقوم بكل ما تريده دون الالتفات إلى القانون الدولي الإنساني وضرورة حماية المدنيين، فيما قارب عدد القتلى 11 ألف ضحية. وبالنظر لهذه المعطيات، فإن ميلومنشون وحزبه لن يشاركا في المسيرة.

جان لوك ميلونشون زعيم حزب فرنسا الأبية يرفض المسيرة التي تغض الطرف عن الوضع في غزة (رويترز)

لن يكون ميلونشون وحده المقاطع، إذ إن شخصيات أخرى ستقاطع والسبب في ذلك أنها لا تفهم كيف أن الدعاة لهذه المسيرة - المظاهرة يمكن أن يتناسوا ما هو حاصل يومياً في غزة من قتل وتدمير وأنهم يصمون آذانهم عما يقوله المسؤولون الدوليون والناشطون في العمل الإنساني. ففيليب لازاريني، مدير منظمة الأونروا، قال لصحيفة لوموند في عددها الجمعة، إن ما يحصل في غزة «مذبحة» وإن «هدم أحياء كاملة ليس هو الجواب على جرائم حماس». وطالب المسؤول الدولي بوقف فوري لإطلاق النار. ومن جانبها، عدّت كاترين روسيل، المديرة التنفيذية لمنظمة «يونيسيف» لرعاية الطفولة، أن غزة «تحولت إلى مقبرة مفتوحة للأطفال». وعدّ سيلسو أموريم، مستشار الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا، بمناسبة حضوره إلى باريس للمشاركة في المؤتمر الدولي لدعم المدنيين في غزة، مقتل آلاف الأطفال «عملية إبادة».

وتطول لائحة الشخصيات التي تندد بما تعيشه غزة، بينما الطبقة السياسية الفرنسية تشيح، غالبيتها، بنظرها عما هو حاصل لتركز على تغريدة هنا أو هناك يشتم منها غضب صاحبها إزاء ما يجري في غزة. ثم إن بعض الأعمال المعادية لليهود ليست من صنع عرب أو مسلمين والدليل على ذلك أن رسوم نجمة داود التي اكتشفت في عدة مدن على رأسها باريس، والتي عُدّ - سريعاً جداً - مرتكبوها من العرب أو المسلمين، تبيّن لاحقاً أن المحرض عليها ليسوا مسلمين.

إزاء هذا الوضع، أصدر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بياناً مطولاً ندد فيه بالطبع بالأعمال المعادية لليهود ومعاداة السامية. إلا أنه تساءل عن الأسباب التي تجعل الداعين للمسيرة الأحد يتناسون الأعمال المعادية للعرب والتي تكاثرت في الأسابيع الأخيرة. وأشار البيان إلى التهديدات المباشرة التي يتعرض لها المسلمون والحقد الذي يستهدفهم.

وتساءل البيان كيف يمكن لمحام عضو في مجلس الدولة اسمه أرنو كلارسفيلد أن يوجه اتهامات عدّ فيها - على قناة تلفزيونية - المسلمين في فرنسا «إرهابيين محتملين» دون أن يلقي أي تنبيه أو لوم من أي جهة كانت. وختم البيان بالقول إن عدم المطالبة بالوقف الفوري لعمليات القصف العمياء وعدم الإصرار على المطالبة برفع الحصار اللإنساني «شيء لا يمكن تقبله». فضلا عن ذلك، أضاف البيان أن مسيرة «تندد فقط بمعاداة السامية ولا تشير بكلمة واحدة إلى الإسلاموفوبيا ليست للأسف مسيرة يمكن أن ينضوي الجميع تحت لوائها كما أن المعادين للإسلام يمكن أن يعدوها ضمانة للإفلات من العقاب». وخلاصة البيان أن المجلس المذكور «يتفهم تردد المسلمين في السير إلى جانب العنصريين والمعادين للإسلام جهاراً».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».