خلافات القادة الأوروبيين وانقساماتهم تشل قيامهم بدور فاعل في حرب غزة

المسؤولون الأوروبيون أمضوا 5 ساعات للاتفاق على عبارة «هدنات إنسانية»

4 قادة أوروبيين مع رئيسة المفوضية الأوروبية في مناقشات بمناسبة القمة الأوربية في بروكسل الجمعة (أ.ف.ب)
4 قادة أوروبيين مع رئيسة المفوضية الأوروبية في مناقشات بمناسبة القمة الأوربية في بروكسل الجمعة (أ.ف.ب)
TT

خلافات القادة الأوروبيين وانقساماتهم تشل قيامهم بدور فاعل في حرب غزة

4 قادة أوروبيين مع رئيسة المفوضية الأوروبية في مناقشات بمناسبة القمة الأوربية في بروكسل الجمعة (أ.ف.ب)
4 قادة أوروبيين مع رئيسة المفوضية الأوروبية في مناقشات بمناسبة القمة الأوربية في بروكسل الجمعة (أ.ف.ب)

5 ساعات استغرقتها نقاشات قمة القادة الأوروبيين الـ27 في بروكسل بعد ظهر الخميس، للوصول إلى صيغة «توافقية» بالنسبة للحرب الدائرة في غزة. وسبق ذلك، يوم الأربعاء، ساعات من الجدل بين وزراء خارجية الاتحاد لتعبيد الطريق لقادتهم للتوصل إلى موقف موحد، بعدما برز اختلاف الرؤى بين القادة الموزعين بين داعم مطلق لإسرائيل، ودافع لاتخاذ مواقف متوازنة. وتمثلت نقطة الخلاف الرئيسية، بعد سقوط ما يزيد على 7 آلاف قتيل في غزة، وضعف هذا العدد من الجرحى بسبب القصف الجوي الإسرائيلي المتواصل من غير هوادة منذ 20 يوماً، فيما يتعين على الاتحاد الدعوة إليه: وقف لإطلاق النار أم هدنة إنسانية أم شيء آخر دون ذلك؟ وجاء في البيان الصادر كنتيجة للمساومات التي شهدها مقر الاتحاد في بروكسل ما حرفيته (الفقرة 16): «إن المجلس الأوروبي يعبر عن قلقه العميق إزاء تدهور الوضع الإنساني في غزة، ويدعو لأن يكون وصول المساعدات الإنسانية متواصلاً، سريعاً ومن غير عوائق وأن تصل المساعدات إلى الذين يحتاجون إليها عن طريق كل الإجراءات الضرورية بما في ذلك الممرات والهدنات الإنسانية استجابة للحاجات الإنسانية». وتضيف الفقرة 16 أن الاتحاد الأوروبي «سيعمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لحماية المدنيين وتقديم المساعدة وتسهيل الحصول على الغذاء والمياه والرعاية الطبية والمحروقات والملاجئ، على ألا تذهب المساعدات إلى المنظمات الإرهابية».

المستشار الألماني أولاف شولتس بمناسبة تدشين محفل يهودي يوم 22 أكتوبر عبر عن الدعم المطلق لإسرائيل وأجهض الدعوة الى وقف لإطلاق النار أو لهدنة (د.ب.أ)

الهدنات الإنسانية

المشكلة الرئيسة دارت حول تعبير «الهدنات الإنسانية» الوارد في الصيغة الفرنسية، لكنه غاب عن الصيغة الإنجليزية التي تستخدم عبارة «توقف عمليات القصف» بصيغة الجمع التي تعني شيئاً هو دون الهدنة. بيد أن استخدام «الهدنات» بصيغة الجمع يعني أن «الهدنة» ليست مستمرة، وأنها محدودة بساعات وأن الغرض منها فقط إيصال المساعدات، على أن يعاود القصف بعدها كأن شيئاً لم يكن. ويتطابق البيان الأوروبي في هذه النقطة بالذات مع ما دعا إليه البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، متحدثاً عن «هدنات إنسانية محدودة» زمنياً.

ووفق الموقف الأميركي، فإن الدعوة إلى وقف لإطلاق النار «لن يفيد في هذه المرحلة سوى حماس». وهذه القراءة تبنتها 4 دول أوروبية على رأسها ألمانيا، والدول الثلاث الأخرى هي النمسا وتشيكيا والمجر. وكان المستشار الألماني أولاف شولتس حاسماً في تأكيده يوم الخميس، على الموقف الألماني الداعم لإسرائيل بشكل مطلق، إذ قال: «إسرائيل دولة ديمقراطية تعمل بوحي قوة المبادئ الإنسانية ويمكننا أن نكون متأكدين بأن الجيش الإسرائيلي سيحترم القواعد المنصوص عنها في القانون الدولي (الإنساني) في كل ما يقوم به».

تمكين إسرائيل

وبذلك يكون شولتس قد وفر للجيش الإسرائيلي الذي لم يتردد منذ 20 يوماً في استهداف المساكن والمساجد والمستشفيات والمدارس، وحتى المناطق الآمنة التي دعا الغزاويين للجوء إليها جنوب القطاع، فضلاً عن قطع المياه والكهرباء ومنع المحروقات «شهادة حسن سلوك»، وتفويضاً باستمرار القتل، وذلك بحجة «تمكين إسرائيل من الدفاع المشروع عن النفس». ومقابل المعسكر الإسرائيلي داخل الاتحاد، سعت البرتغال وإسبانيا، خصوصاً آيرلندا إلى استصدار قرار أوروبي أكثر قوة إزاء إسرائيل، إلا أنها لم تنجح. وتأرجحت فرنسا في «منزلة بين المنزلتين». والأسوأ من ذلك كله أن الهدنات المحدودة لن تتجاوز مدتها عدة ساعات، وستكون محصورة في مناطق محددة وليس في كامل القطاع البالغة مساحته 362 كلم مربع. كذلك، سيحتاج بدء العمل بها إلى محادثات معقدة، وسيبقى احترامها رهن إرادة الطرف الإسرائيلي.

إذا كان الموقف الأوروبي الجماعي دون المطلوب في موضوع حماية مدنيي غزة، إلا أنه أعرب، بالمقابل، عن استعداده لإعادة إطلاق المسار السياسي على قاعدة حل الدولتين الذي تراجع الحديث عنه منذ عام 2014. وجاء في الفقرة 18 من بيانه أن الاتحاد «يعبر عن ارتياحه للمبادرات الدبلوماسية لصالح السلام والأمن ويدعم التئام مؤتمر دولي للسلام قريباً».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رئيس الاتحاد الأوربي حتى نهاية العام خلال مؤتمر صحافي الجمعة في بروكسل (إ.ب.أ)

الاقتراح الإسباني

وفي هذا السياق، أفاد بيدرو سانتشيث، القائم بأعمال رئيس الوزراء الإسباني يوم الجمعة، بأن مجلس الاتحاد الأوروبي قبل الاقتراح الإسباني بعقد مؤتمر للسلام في غضون 6 أشهر بشأن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، الأمر الذي طرحه الرئيس الفرنسي في جولته الشرق أوسطية ودعا إليه القادة العرب الثلاثة الذين التقاهم؛ وهم رئيس السلطة الفلسطينية والعاهل الأردني والرئيس المصري. وكشف المسؤول الإسباني الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي حتى نهاية العام الحالي، أن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز طالب بوقف فوري لإطلاق النار، «إلا أن عدداً من الدول عارضته»، وأقرت الدعوة لـ«هدنة إنسانية»، وفتح ممرات المساعدات للمدنيين في غزة، كوسيلة للتوصل إلى توافق في الآراء. وكان القادة الـ27، في البيان المشترك، قد أدانوا «الهجمات الإرهابية والمشينة والعمياء» التي قامت بها «حماس»، و عبروا عن «قلقهم العميق بشأن الوضع الإنساني المتدهور في غزة»، وطالبوا بضرورة «توفير الحماية لكل المدنيين في كل الظروف وفقاً للقانون الدولي الإنساني».

كما دعوا إلى الإفراج الفوري عن كل الرهائن «الذين تحتجزهم (حماس) من غير أي شرط مسبق». وفي سياق متصل، دعا الأوروبيون إلى «ضرورة تجنب التصعيد الإقليمي وإلى الحوار مع كل الشركاء بمن فيهم السلطة الفلسطينية».

وحدة الاتحاد الأوروبي

هل يعني توافق الأطراف الـ27 على بيانهم أن الاتحاد الأوروبي سوف يتحدث بلغة واحدة في المقبل من الأيام؟ السؤال مطروح وقد حرص شارل ميشال، رئيس المجلس الأوروبي، في حديثه للصحافة، على التذكير بأن «وحدة الاتحاد هي مصدر قوته». لكن مصدراً دبلوماسياً أوروبياً رأى أن الخلافات الأوروبية الداخلية «لن تختفي بسحر ساحر»، لا بل إن رئيسة المفوضية الأوروبية أثارت جدلاً كبيراً بمناسبة زيارتها لإسرائيل، حيث أكدت أن لها الحق في الدفاع المشروع عن النفس دون أن تضيف «في إطار احترام القانون الدولي الإنساني». ويضيف المصدر المشار إليه أن الأوراق بيد الاتحاد الأوروبي «ضعيفة وليس لها تأثير مباشر على تطور الأحداث، خصوصاً العسكرية». كذلك، فإن الحديث عن مؤتمر دولي للسلام الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السياسي لن يرى النور من غير موافقة الولايات المتحدة الأميركية، التي تأخذ بعين الاعتبار مصلحة إسرائيل أولاً. وفي أي حال، فإن كل هذه المسائل، وفق مصدر آخر، تتناول ما سيجري «في اليوم التالي» لنهاية الحرب. والحال أن هذا اليوم غير معروف، كما أن نهاية الحرب هي الأخرى ما زالت غير بعيدة، وغير معروفة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام أعمال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الأحد (الخارجية التركية)

تركيا لتمديد وقف إطلاق النار في إيران واستئناف المفاوضات

عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن تفاؤله بتمديد وقف النار بين إيران وأميركا، واستئناف المفاوضات، متهماً إسرائيل باستغلال الوضع لفرض أمر واقع في لبنان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
TT

إيران ترد على تشكيك ترمب بوحدة القيادة

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مساء السبت (الرئاسة الإيرانية)

رد كبار المسؤولين الإيرانيين، الخميس، بخطاب متقارب على التشكيك الأميركي في «تماسك القيادة» الإيرانية، مؤكدين أن مؤسسات الدولة تتحرك ضمن إطار موحد، وتحت قيادة المرشد مجتبى خامنئي، في محاولة واضحة لنفي أي صورة عن انقسام داخلي في لحظة تتعرض فيها البلاد لضغوط عسكرية ودبلوماسية متزامنة.

وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، مؤكداً أن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون «باتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، وتحت «التبعية الكاملة» لقيادة البلاد، مضيفاً أن هذا المسار سيجعل «المعتدي الجاني يندم». وختم بالقول: «إله واحد، قائد واحد، أمة واحدة، وطريق واحد؛ هذا هو طريق انتصار إيران».

وبصياغة شبه مطابقة، شدد الرئيس مسعود بزشكيان على أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن الجميع «إيرانيون» و«ثوريون»، ويتحركون ضمن «اتحاد راسخ بين الشعب والدولة»، مع التأكيد على التبعية الكاملة للقيادة، معتبراً أن هذا المسار هو «طريق انتصار إيران».

وفي الاتجاه نفسه، أكدت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي أنه «لا وجود لمتشدد ومعتدل في إيران»، وأن جميع مكونات الدولة تتحرك ضمن وحدة كاملة بين الشعب والحكومة وتحت قيادة واحدة، مضيفة أن هذا التماسك سيقود إلى جعل «المعتدي الجاني يندم».

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن «فشل عمليات القتل التي تنفذها إسرائيل ينعكس في استمرار عمل مؤسسات الدولة الإيرانية بوحدة وهدف وانضباط».

وتابع أن «الميدان والدبلوماسية جبهتان منسقتان بالكامل في الحرب نفسها»، وأن «الإيرانيين جميعاً أكثر توحداً من أي وقت مضى».

من جهته، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي إن على الرئيس الأميركي أن يعلم أن مفردتي «المتشدد» و«المعتدل» «مصطنعتان ولا أساس لهما» في الخطاب السياسي الإيراني، مضيفاً أن جميع التيارات والفئات داخل إيران «منسجمة في نهاية المطاف»، وتتحرك «في ظل أوامر قائد الثورة». كما أكد في منشور منفصل أن «المعتدي الجاني سيندم».

وجاءت هذه المواقف بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران «تواجه صعوبة بالغة في تحديد من هو زعيمها»، معتبراً أن الصراع بين «المتشددين» و«المعتدلين» بلغ مستوى «جنونياً»، ومشيراً إلى أنه ينتظر «اقتراحاً موحداً» لإنهاء الحرب.

كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن واشنطن رصدت «انقسامات داخلية» داخل القيادة الإيرانية، وإن الإدارة الأميركية تمدد الهدنة وتبدي «قدراً من المرونة» من أجل الحصول على رد موحد على مقترحاتها، مضيفة أن ما تعلنه طهران علناً «يختلف» عما تقوله لفريق التفاوض الأميركي في القنوات الخاصة.

اقرأ أيضاً


بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.