للمرة الأولى تطلب فرنسا «هدنة إنسانية يمكن أن تفضي إلى وقف لإطلاق النار» في الحرب الدائرة بغزة. جاء ذلك على لسان رئيسة الحكومة إليزابيث بورن في الكلمة التي ألقتها عصر يوم الاثنين أمام الجمعية الوطنية بمناسبة النقاش المفتوح الذي دعي إليه النواب، وذلك بعد أكثر من أسبوعين على العملية العسكرية لحماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي التي تصفها باريس بـ«الإرهابية». والأهم من ذلك أنها تمهد الطريق لما يمكن أن يقوله الرئيس إيمانويل ماكرون الذي يصل إلى إسرائيل الثلاثاء، بعد تردد دام عدة أيام. وذكرت بورن أن فرنسا صوتت لصالح مشروع القانون البرازيلي في مجلس الأمن الذي يدعو في إحدى فقراته إلى هدنة إنسانية تمكن من إيصال المساعدات الإنسانية.
وفي كلمتها، سعت بورن للتعبير عن سياسة فرنسية «متوازنة» تؤكد من جهة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها والرد على عمليات «حماس». إلا أنها في الوقت نفسه تشدد على أن يكون «متوافقاً مع احترام القانون الدولي الإنساني» الذي تدوس عليه إسرائيل، إذ إن هجماتها المختلفة على قطاع غزة، خصوصاً الجوية، أوقعت ما يزيد على 5 آلاف قتيل وآلاف المصابين وتدمير هائل لأحياء ومناطق كاملة.

فخ «حماس»
وإذ نبهت بورن إلى أنه «يتعين على إسرائيل ألا تقع في الفخ الذي نصبته حماس لها»، ولم تتردد في التعبير عن تعاطفها وتفهمها لما يعاني منه الفلسطينيون في غزة من حرمان من المياه والمحروقات والكهرباء وإجبارهم على النزوح من مساكنهم، إلا أنها امتنعت عن توجيه أي انتقادات للجيش الإسرائيلي. وأفادت بورن بأن كاترين كولونا، وزيرة الخارجية، ستتوجه إلى نيويورك للمشاركة في المشاورات الدائرة هناك حول الحرب في غزة. وإذ شددت على أن باريس لا تتجاهل الأوضاع المزرية لأكثر من مليوني شخص في غزة، والدليل على ذلك مواصلة والمساعدات التي تقدمها لهم، فقد عدّت أنه «لا يمكن الوقوف مكتوفي اليدين» أمام ما هو حاصل.
ورأت بورن أن التعبئة الدبلوماسية الراهنة يجب أن تركز على «منع اشتعال الحرب إقليمياً، لكن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تحل مكان البحث عن السلام»، والطريق إليه «توفير الضمانات الأمنية لإسرائيل وقيام دولة فلسطينية» إلى جانبها. واختتمت بورن كلمتها بتأكيد أن فرنسا «صديقة لإسرائيل والفلسطينيين والدول العربية، الأمر الذي يعطينا دوراً محورياً للبحث عن السلام».

أجواء حامية
خلال الساعات الثلاث التي استغرقها اجتماع مجلس النواب، كانت الأجواء حامية بين ممثلي أحزاب اليسار ونظرائهم من نواب اليمين والحزب الرئاسي. وشهدت قاعة الاجتماعات هرجاً ومرجاً ومقاطعات، خصوصاً عندما اعتلت المنصة ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة نواب حزب «فرنسا المتمردة» (اليسار المتشدد) الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.
وبعكس الهدنة الإنسانية التي دعت إليها رئيسة الحكومة، فقد دعت بانو إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، لوضع حد «لجرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي». وهاجمت النائبة اليسارية الحكومة بسبب «الدعم غير المشروط» الذي وفرته الحكومة لإسرائيل، ونددت بقصفها 59 مستشفى و160 مدرسة وإجهازها على أكثر من 5 آلاف نسمة لتخلص إلى القول إن حياة إنسان «هي نفسها في كل مكان ولا يمكن العمل بمعيارين».
ونددت بانو بتبعية فرنسا للسياسة الأميركية وبنيامين نتنياهو واليمين العنصري الإسرائيلي، مذكرة بقول نتنياهو في عام 2019 عندما عدّ أن «كل من يريد محاربة قيام دولة فلسطينية، عليه أن يدعم حماس». كذلك نددت بمنع وزير الداخلية للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين بينما يسمح بها في بريطانيا وألمانيا والسويد، وحتى الولايات المتحدة الأميركية.
ولإبراز التضارب في المواقف، تكفي الإشارة إلى كلمة ممثلة نواب حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي التي أخذت على الحكومة امتناعها عن وضع حد لـ«مساعدات التنمية» الفرنسية المقدمة للفلسطينيين على غرار ما فعلت ألمانيا والنمسا والسويد. كما أخذت عليها عدم استدعائها لسفيرة فلسطين لدى فرنسا بسبب التصريحات القوية التي أطلقتها بحق إسرائيل وعدم قيامها، حتى اليوم، بفرض عقوبات على «حماس».

التجاذب العميق
وما سبق يبين التجاذب العميق والانقسامات العمودية التي تعتمل المجتمع الفرنسي وهامش المناورة الضيق الذي يتمتع به الرئيس ماكرون في زيارته إسرائيل ورغبته أيضاً في لقاء رئيس السلطة الفلسطينية بعاصمة عربية قد تكون الأردن أو مصر من أجل تحقيق التوازن في المقاربة. وسبق له أن أشار قبل يومين إلى ما سيسعى إليه من خلال زيارته وهو التوصل إلى توفير «عناصر مفيدة للمنطقة» و«السير باتجاه إقامة سلام دائم من خلال تجميع العناصر التي ستضمن أمن إسرائيل ومواجهة الجماعات الإرهابية، وتسمح باستئناف العملية السياسية التي ستحول دون تصعيد الصراع» وتحوله إلى حرب إقليمية. وتسعى الدبلوماسية الفرنسية خصوصاً إلى منع امتداد الحرب إلى الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، لما لها من تبعات كارثية على الوضع اللبناني الهش.

سياسة فرنسا
وكانت كولونا قد شرحت بوضوح وشمولية موقف وسياسة فرنسا التي لحق بها كثير من اللغط؛ بين اتهامها بالدعم غير الشروط لإسرائيل، وهو ما أخذ على رئيسة مجلس النواب يائيل براون - بيفيه خلال زيارتها لإسرائيل يومي السبت والأحد الماضيين، وامتناعها حتى مساء الاثنين عن الدعوة إلى هدنة إنسانية، رغم أنها صوتت لصالح مشروع القرار البرازيلي في مجلس الأمن، الذي ينص على هدنة كهذه والذي أسقطه الفيتو الأميركي.
وبحسب مصادر واسعة الاطلاع في باريس، فإن القراءة الفرنسية تعد أن واشنطن «تريد إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل في حربها على حماس قبل أن تتجاوب مع دعوات الهدنة التي أطلقها البابا وأمين عام الأمم المتحدة والصليب الأحمر والجمعيات العاملة في الحقل الإنساني، فضلاً عن عشرت آلاف المتظاهرين في أوروبا والعالم».
وكانت كولونا قد قالت لصحيفة «تريبون دو ديمانش» يوم الأحد، إن موقف باريس يقوم على «التنديد بحماس وعملها الإرهابي وتجنب اشتعال الحرب إقليمياً وإعادة التذكير بضرورة وجود أفق سياسي لحل الدولتين والتذكير بضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتمكين الوصول الطارئ إلى السكان المدنيين في غزة». وتتعين إضافة التوصل إلى هدنة إنسانية وهو العنصر المستجد في الموقف الفرنسي.
