تحقيق استقصائي يكشف شبكة اتصالات إيرانية لترويج البرنامج النووي

«مبادرة خبراء إيران» برعاية حكومة روحاني أوصلت ثلاثة أشخاص إلى فريق روب مالي

أريان طباطبايي تجلس خلف روب مالي في أحد لقاءاته مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في صيف 2021 (الوكالة الدولية)
أريان طباطبايي تجلس خلف روب مالي في أحد لقاءاته مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في صيف 2021 (الوكالة الدولية)
TT

تحقيق استقصائي يكشف شبكة اتصالات إيرانية لترويج البرنامج النووي

أريان طباطبايي تجلس خلف روب مالي في أحد لقاءاته مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في صيف 2021 (الوكالة الدولية)
أريان طباطبايي تجلس خلف روب مالي في أحد لقاءاته مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في صيف 2021 (الوكالة الدولية)

نشر موقع «سيمافور» الإلكتروني، اليوم (الثلاثاء)، تحقيقا استقصائيا، كشف فيه معلومات «مثيرة»، تتعلق بالجهود «الهادئة» التي تبذلها إيران لتعزيز صورتها ومواقفها بشأن قضايا الأمن العالمي، وخصوصا برنامجها النووي.

وتحدث التحقيق بشكل خاص عن جهود طهران لبناء شبكة من الأكاديميين والباحثين المؤثرين من أصول إيرانية، من أبناء الجيل الثاني المهاجرين في الخارج، أطلق عليها اسم «مبادرة خبراء إيران»، برعاية مباشرة من وزارة الخارجية.

وذكر التحقيق مراسلات الحكومة الإيرانية ورسائل البريد الإلكتروني، وترجمتها بواسطة قناة «إيران إنترناشيونال»، الناطقة بالفارسية ومقرها في لندن، وتمت مشاركتها مع «سيمافور». وقدمت المؤسستان تقريرا مشتركا عن بعض جوانب عمل «مبادرة خبراء إيران»، وأنتجتا بشكل منفصل مواد خاصة عنها.

وبحسب التحقيق تم تأسيس تلك «المبادرة» في ربيع عام 2014، خلال ولاية الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، الذي أثنى في ذلك الوقت، مع عدد من المسؤولين الإيرانيين، على جهود «المبادرة» التي تمكنت، على الأقل، من إيصال 3 من الأشخاص المدرجين في قائمة وزارة الخارجية الإيرانية، كانوا، أو أصبحوا، من كبار المساعدين لروبرت مالي، المبعوث الخاص لإدارة بايدن بشأن إيران، الذي وُضع في إجازة في يونيو (حزيران) الماضي بعد تعليق تصريحه الأمني.

وتقدم الوثائق رؤى جديدة عميقة وغير مسبوقة حول تفكير وزارة الخارجية الإيرانية وأعمالها الداخلية في وقت حرج من الدبلوماسية النووية، وتظهر كيف كانت إيران قادرة على القيام بهذا النوع من عمليات التأثير.

وتكشف الاتصالات مدى وصول الوزارة الخارجية في إدارة الرئيس السابق حسن روحاني إلى دوائر السياسة في واشنطن وأوروبا، خاصة خلال السنوات الأخيرة لإدارة باراك أوباما، من خلال هذه الشبكة.

صورة نشرتها قناة «إيران إنترناشيونال» من مراسلة فريق ظريف و«خبراء مبادرة إيران» خلال المفاوضات النووية

كتاب ومحللون

المشاركون في «المبادرة» هم من الكتاب غزيري الإنتاج لمقالات افتتاحية وتحليلات، وقدموا رؤى على شاشات التلفزيون و«إكس» (تويتر سابقا)، وروجوا بانتظام للحاجة إلى تسوية مع طهران بشأن القضية النووية، وهو موقف يتماشى مع إدارتي أوباما وروحاني في ذلك الوقت.

وتصف رسائل البريد الإلكتروني المبادرة التي تم إطلاقها بعد انتخاب روحاني عام 2013، عندما كان يتطلع إلى إيجاد تسوية مع الغرب بشأن القضية النووية. ووفقا لرسائل البريد الإلكتروني، تواصلت وزارة الخارجية الإيرانية، من خلال مركزها البحثي الداخلي، معهد الدراسات السياسية والدولية، مع عشرة أعضاء «أساسيين» للمشروع، الذي خططت من خلاله للاتصال على مدى الأشهر الثمانية عشر المقبلة من أجل العمل بقوة على تنفيذ المشروع، لتعزيز مزايا الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن، الذي تم توقيعه عام 2015.

ومع اكتساب المشروع زخما، كتب سعيد خطيب زاده، وهو دبلوماسي إيراني مقيم في برلين والمتحدث باسم وزارة الخارجية فيما بعد، رسالة إلى مصطفى زهراني، رئيس مركز أبحاث في الخارجية الإيرانية، في 5 مارس (آذار) 2014، قال فيها: «تتكون هذه المبادرة التي نطلق عليها اسم (مبادرة خبراء إيران) من مجموعة أساسية مكونة من 6 إلى 10 إيرانيين متميزين من الجيل الثاني الذين أقاموا انتماءات مع مراكز الفكر والمؤسسات الأكاديمية الدولية الرائدة، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. وتنوعت اتصالاتهم بين اللغتين الإنجليزية والفارسية، وترجمتها (إيران إنترناشيونال) وتم التحقق منها بشكل مستقل بواسطة سيمافور».

وبعد أسبوع، كتب خطيب زاده مرة أخرى في 11 مارس، قائلا إنه حصل على دعم للمبادرة، من اثنين من الأكاديميين الشباب، أريان طباطبائي ودينا إسفندياري، بعد اجتماعه بهما في براغ. وقال: «لقد اتفقنا نحن الثلاثة على أن نكون المجموعة الأساسية للمبادرة».

وتعمل طباطبائي حاليا في البنتاغون، رئيس أركان مساعدا للعمليات الخاصة لوزير الدفاع، وهو المنصب الذي يتطلب الحصول على تصريح أمني من الحكومة الأميركية. وعملت سابقا دبلوماسية في فريق مالي للتفاوض مع إيران بعد تولي بايدن منصبه في عام 2021.

في حين أن إسفندياري، تعمل مستشارة كبيرة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة فكرية ترأسها مالي من 2018 إلى 2021.

وبينما لم تستجب طباطبائي وإسفندياري لطلبات التعليق على «المبادرة»، أكدت مجموعة الأزمات الدولية، مشاركة إسفندياري فيها، لكنها أشارت إلى أن «المبادرة» عبارة عن شبكة غير رسمية من الأكاديميين والباحثين لا تشرف عليها وزارة الخارجية الإيرانية، وأنها تلقت تمويلا من حكومة أوروبية وبعض المؤسسات الأوروبية.

وأكد مركز بحثي أوروبي، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن أحد كبار زملائه، إيلي جيرانمايه، شارك أيضا في المبادرة. وقال متحدث باسم المجلس، إن حكومة أوروبية تدعم «مبادرة خبراء إيران»، لكنه لم يحدد هويته، وشدد على أن مركز الأبحاث يغطي دائما «التكاليف الأساسية» للرحلات البحثية لموظفيه. وقال المتحدث: «كجزء من جهوده لتوجيه السياسة الأوروبية، يتعاون المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بانتظام مع الخبراء ومراكز الفكر في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من خلال الزيارات البحثية وورشات العمل».

صورة نشرتها قناة «إيران إنترناشيونال» من مراسلة فريق ظريف و«خبراء مبادرة إيران» خلال المفاوضات النووية

«مبادرة خبراء إيران»

وكانت رسائل البريد الإلكتروني التي تناقش موضوع «مبادرة خبراء إيران»، جزءا من مجموعة من آلاف مراسلات زهراني التي تقول قناة «إيران إنترناشيونال» إنها حصلت عليها. وتشمل نسخا من جوازات السفر، والسيرة الذاتية، والدعوات إلى المؤتمرات، وتذاكر الطيران، وطلبات التأشيرة.

ووفقا لاتصالات وزارة الخارجية الإيرانية، فقد تسارع مشروع «المبادرة»، بعد هذا التواصل الأولي. وفي 14 مايو (أيار) 2014، عُقد مؤتمر انطلاق في فندق «باليه كوبورغ» في فيينا؛ حيث تعقد المحادثات النووية الدولية. وتم إدراج وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، ضمن قائمة الحاضرين، وفقا لرسالة بالبريد الإلكتروني، بالإضافة إلى أعضاء فريقه المفاوض النووي وثمانية ممثلين من مؤسسات الفكر والرأي الغربية. وكان دبلوماسيون إيرانيون على مستوى منخفض قد اقترحوا في البداية عقد الاجتماع في طهران، لكن نائب ظريف نصح بعدم القيام بذلك لأسباب لوجيستية.

وكان ظريف يركز خلال المناقشات في فيينا على ترقية أو إنشاء شخصية عامة يمكنها الترويج لوجهات نظر إيران على الساحة الدولية فيما يتعلق بالقضية النووية، وفقا لرسائل البريد الإلكتروني.

وذكر على وجه التحديد اسم عدنان طباطبائي، عضو «مبادرة خبراء إيران» (لا تربطه صلة بأريان طباطبائي)، وهو أكاديمي إيراني يحمل الجنسية الألمانية. وبحسب رسائل البريد الإلكتروني، عرض طباطبائي على ظريف، القيام بنشر مقالات من المجموعة تتعلق بالمحادثات النووية. وقبل ظريف الاقتراح وأوصى بنشر «هذه المقالات أو المقالات الافتتاحية» بأسماء مختلف الإيرانيين وغير الإيرانيين في الخارج، فضلا عن المسؤولين السابقين.

ورفض عدنان طباطبائي التعليق على تقارير «إيران إنترناشيونال» و«سيمافور» قائلا إنها «مبنية على أكاذيب وافتراضات خاطئة في الواقع». كما شكك في صحة المراسلات مع ظريف من دون تقديم دلائل تدحض ذلك.

وسرعان ما مضت «المبادرة» قدما في تحقيق أحد الأهداف الأساسية للمبادرة، ألا وهو نشر مقالات الرأي والتحليلات في وسائل الإعلام رفيعة المستوى في الولايات المتحدة وأوروبا، واستهداف صناع السياسات على وجه التحديد. بعد أقل من شهر من اجتماع فيينا، أرسل علي فايز (واعظ) من «مجموعة الأزمات الدولية»، وهو أحد تلاميذ روبرت مالي، المدرج ضمن «خبراء المبادرة»، مقالا حول نزع فتيل الأزمة النووية إلى زهراني قبل نشره. وكتب باللغة الفارسية في 4 يونيو (حزيران) 2014: «إنني أتطلع إلى تعليقاتكم وملاحظاتكم»، وأرفق مقالاً بعنوان «المخاطر المفاهيمية للدبلوماسية النووية مع إيران».

وتظهر رسائل البريد الإلكتروني أن زهراني شارك المقال مع وزير الخارجية ظريف يوم وصوله. ثم تم نشره بعد 12 يوما في مجلة «ناشيونال إنترست»، تحت عنوان «معضلات زائفة في محادثات إيران»، مع بعض التغييرات الطفيفة في الصياغة.

صورة نشرتها قناة «إيران إنترناشيونال» من مراسلة فريق ظريف و«خبراء مبادرة إيران» خلال المفاوضات النووية

ووفقا لرسائل البريد الإلكتروني، زارت أريان طباطبائي، المسؤولة الحالية في البنتاغون، وزارة الخارجية الإيرانية مرتين على الأقل قبل حضور الأحداث السياسية.

وكتبت إلى زهراني باللغة الفارسية في 27 يونيو (حزيران) 2014، تقول إنها دُعيت لحضور ورشة عمل حول البرنامج النووي الإيراني في جامعة بن غوريون في إسرائيل. وقالت له: «أنا لست مهتمة بالذهاب، ولكن بعد ذلك فكرت أنه ربما يكون من الأفضل أن أذهب وأتحدث، بدلا من إسرائيلية مثل إميلي لانداو التي تذهب وتنشر معلومات مضللة. أود أن أسأل عن رأيك أيضا وأرى ما إذا كنت تعتقد أنني يجب أن أقبل الدعوة وأذهب».

وأجاب زهراني في اليوم نفسه: «مع أخذ كل الأمور بعين الاعتبار، من الأفضل تجنب زيارة إسرائيل. شكرا». وبعد ساعات قليلة أجابت طباطبائي: «شكرا جزيلا لك على نصيحتك. وسأبقيكم على اطلاع دائم بالتقدم المحرز».

ولا يوجد أي دليل على أن طباطبائي ذهبت إلى المؤتمر في إسرائيل، على الرغم من أن كتبها وتقاريرها البحثية تشير إلى أنها أجرت مقابلات مع عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين حسبما أورد موقع «سيمافور».

وقالت أريان طباطبائي للزهراني إنه من المقرر أن تدلي بشهادتها أمام الكونغرس الأميركي بشأن الاتفاق النووي. وفي 10 يوليو (تموز) 2014، كتبت أنه طُلب منها المثول أمام لجان متعددة في الكونغرس إلى جانب اثنين من الأكاديميين في جامعة هارفارد، غاري سامور وويليام توبي، اللذين عدتهما متشددين بشأن إيران. «سوف أزعجك في الأيام المقبلة». وكتبت: «سيكون الأمر صعبا بعض الشيء نظرا لأن ويل وغاري ليست لديهما وجهات نظر إيجابية بشأن إيران».

وشاركت طباطبائي مع زهراني رابطا لمقالة نشرتها في صحيفة «بوسطن غلوب» التي أوجزت «الأساطير الخمسة حول برنامج إيران النووي». وأوضح المقال سبب حاجة إيران إلى الطاقة النووية، وسلط الضوء على فتوى، يُزعم أن المرشد الإيراني علي خامنئي أصدرها بحظر تطوير الأسلحة النووية بعدّها مخالفة للإسلام. وشكك بعض المسؤولين الغربيين في شرعية الفتوى.

وفي حين تعد تغطية أخبار إيران، سواء أكاديميا أو صحافيا، حقل ألغام، يخضع الوصول إلى كل من الدولة والمسؤولين الإيرانيين لرقابة مشددة. وحتى الفرص تأتي مع محاذير خطيرة. وفيما تدفع طهران بقوة بعملياتها المعلوماتية إلى الخارج، لكنها في بعض الأحيان تحقق نجاحا، وتفشل في أخرى، كما حصل بعد القبض على الأكاديمي الإيراني كاوه أفرآسيابى، المقيم بشكل دائم في الولايات المتحدة عام 2021، بزعم أنه يعمل عميلا غير مسجل للنظام الإيراني. وسُمح له بالعودة إلى طهران كجزء من اتفاق تبادل الأسرى الذي تم التوصل إليه هذا الشهر بين إدارة بايدن وإيران، على الرغم من أن أفرآسيابي قال إنه يعتزم البقاء في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي سيزور باكستان مجدداً بعد عُمان

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.


نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
TT

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)
نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين رئيسيين له دمج حزبيهما في محاولة للإطاحة بحكومته الائتلافية في الانتخابات المقبلة، المقرر إجراؤها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي، كما تراجعت فرص حصوله على عفو خلال محاكمته في قضية الفساد التي يواجهها منذ سنوات.

وأصدر رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت من تيار اليمين، ويائير لابيد من تيار الوسط، بيانين أعلنا فيهما اندماج حزبيهما (بينيت 2026) و(هناك مستقبل). وقال زعيم المعارضة لابيد: «تهدف هذه الخطوة إلى توحيد التكتل ووضع حد للانقسامات الداخلية، وتركيز كل الجهود على الفوز بالانتخابات المقبلة الحاسمة وقيادة إسرائيل نحو المستقبل». وقال مكتب بينيت إن الحزب الجديد سيحمل اسم «معاً»، وإنه سيتولى قيادته.

زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد (رويترز)

وتقوم حكومة نتنياهو على أساس تحالف حزبه «الليكود» مع تيار يميني متشدد، في حين أخفقت المعارضة وتيار الوسط في توحيد صفوفهما للإطاحة بالائتلاف الحكومي.

وجاء الإعلان الحزبي الكبير في إسرائيل بعد ساعات من إعلان الرئيس إسحاق هرتسوغ أنه «لن ينظر في طلب العفو الذي تقدّم به نتنياهو في قضية ​الفساد التي يواجهها منذ وقت طويل إلا بعد استنفاد جميع الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب»، ما يُشير إلى أن القرار لن يصدر قريباً.

وأدّت المشكلات القانونية التي يواجهها نتنياهو، والتي بدأت بتحقيقات قبل 10 سنوات تقريباً، إلى انقسام الإسرائيليين وزعزعة الساحة السياسية خلال 5 جولات انتخابية بين عام ‌2019، الذي ‌صدرت فيه لائحة الاتهام بحقه، وعام ​2022. ‌ومن ⁠المقرر ​إجراء الانتخابات المقبلة ⁠بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026. وينفي نتنياهو تهم الرِّشى والاحتيال وخيانة الأمانة.

وقال هرتسوغ، الأحد، إن التوصل إلى اتفاق سيكون الحل الأفضل في قضية نتنياهو. وأضاف في بيان أنه لهذا السبب يعتقد «أنه قبل النظر في طلب العفو نفسه، يجب أولاً استنفاد كل ⁠الجهود الممكنة للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف ‌خارج قاعة المحكمة».

ونشر مكتب ‌هرتسوغ هذا البيان بعد أن ​ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأحد، أن الرئيس يعتزم بدء وساطة من ‌أجل التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب، ما يعني تأجيل أي قرار بالعفو في الوقت الحالي.

وأحجم متحدث باسم هرتسوغ عن التعليق على ما ورد في البيان عند سؤاله حول ما ‌إذا كانت هناك أي محاولة لإبرام الاتفاق. ولم يرد مكتب نتنياهو على طلب ⁠للتعليق.

وقدّم ⁠نتنياهو طلب العفو في نوفمبر (تشرين الثاني)، وبموجب القانون الإسرائيلي، يتمتع الرئيس بسلطة العفو عن المدانين، لكن لا توجد سابقة لإصدار عفو خلال سير المحاكمة.

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة مرات هرتسوغ إلى منح نتنياهو العفو، كانت إحداها في مارس (آذار) في أثناء حرب إيران عندما جرى تعليق المحاكمة.

ومن المقرر أن يمثل نتنياهو مجدداً أمام القضاء هذا الأسبوع مع استئناف المحاكمة التي بدأت عام 2020. ​وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي ​يتم توجيه تهمة جنائية إليه في أثناء شغله المنصب.


رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
TT

رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)
عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وجّه زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان دعوة جديدة إلى الأكراد لاتباع نهج الديمقراطية، سواء في حل مشاكلهم الداخلية أو من خلال المفاوضات مع الدول التي يعيشون فيها.

وفي رسالة جديدة حثّ فيها على نبذ العنف والسلاح والتوجه إلى العمل الديمقراطي في إطار قانوني ديمقراطي، ضمن إطار «نداء من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي» الذي أطلقه في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا من خلاله حزب «العمال الكردستاني» إلى حلّ نفسه وإلقاء أسلحته، أكّد أوجلان أنه يجب على المجتمع الكردي أن يبني إعادة هيكلته على المبادئ الديمقراطية، ليس في علاقاته الخارجية فقط، بل في علاقاته الداخلية أيضاً. وقال أوجلان إنه «بينما ندعو إلى حلول ديمقراطية ومفاوضات في علاقاتنا مع الدول القومية، يجب علينا أيضاً إعطاء الأولوية للسياسة والقانون الديمقراطيين، لا للعنف داخل حدودنا، فطريق الوحدة الديمقراطية يمُرّ عبر المفاوضات الديمقراطية».

الديمقراطية أولوية للأكراد

وفي رسالته، التي قُرئت خلال مؤتمر «أكراد الشمال يناقشون الوحدة الوطنية» الذي نظّمه حزبا «الديمقراطية والمساواة للشعوب» و«المناطق الديمقراطية» المؤيدين للأكراد في مدينة ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، الأحد، أكد أوجلان أن «الوحدة الديمقراطية ضرورة تاريخية، وأن عقد مؤتمر شامل للوحدة الديمقراطية هو مهمة ملحة لإظهار الإرادة المشتركة والتوافق في الرأي».

جانب من مؤتمر الوحدة الوطنية للأكراد في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 26 أبريل (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

وذكر أن «بقاء أي مجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على التكيف مع واقع العصر، ولا يمكن لأي بنية اجتماعية أن تدوم ما لم تتغير وتتطور، وما لم تستطع إعادة بناء دينامياتها الداخلية على أسس ديمقراطية»، لافتاً إلى أن الأكراد «حُرموا من فرصة القيام بهذا التحول في مساره الطبيعي بسبب سياسات الإنكار والتدمير والقمع التي تعرضوا لها لسنوات طويلة».

وأضاف أوجلان أن «القضية الأساسية التي تواجهنا اليوم هي كيف يمكن للمجتمع الكردي أن يصبح مجتمعاً ديمقراطياً حديثاً»، مُوضّحاً أن الأكراد «كيان قائم بذاته، بتاريخه ولغته وثقافته ونسيجه الاجتماعي»، وأن استدامته تعتمد على قدرتهم على فرض إرادتهم في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية، وأن هذا لا يتأتى إلا من خلال مؤسسات سياسية واجتماعية راسخة.

وبينما أشار أوجلان إلى أن المرحلة المقبلة تعدّ مرحلة إعادة بناء المجتمع الكردي على أساس ديمقراطي، حذّر من عقبة كبيرة تعترضها، هي «النظام القبلي الضيق القائم على العشائر»، لافتاً إلى أن هذا النظام يفتت المجتمع، وأن هذه العقلية أضعفت البنيةَ الاجتماعية، وألحقت بها أضراراً جسيمة.

زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

وأكّد أن بناء وحدة ديمقراطية يُعدّ أمراً مستحيلاً من دون مواجهة، وأن تجاوز الصراعات الداخلية وخلق مناخ اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال جعل المبادئ الديمقراطية سائدة في جميعِ مناحي الحياة، وأن نشر هذا الفهم، تدريجياً، في جميعِ أرجاء المجتمع، بدءاً من الهياكل السياسية، هو المهمة ذات الأولوية في المرحلة المقبلة.

وختم أوجلان بالتأكيد على أن «أساس المرحلة المقبلة سيكون الوحدة الديمقراطية، والسياسة الديمقراطية، والتفاوض الديمقراطي، وأن كل خطوة تخطط على هذا الأساس ستحدّد مستقبل الأكراد المشترك».

مطالبات بتسريع السلام

وجاءت رسالة أوجلان في الوقت الذي دعا فيه حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى توجيه حكومته لاتخاذ خطوات تسرع «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب».

إردوغان تبادل الحديث مع قيادات حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» خلال احتفال البرلمان بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الخميس (الرئاسة التركية)

وأكّد إردوغان، الذي التقى قيادات الحزب المؤيد للأكراد على هامش احتفال البرلمان التركي الخميس الماضي بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة»، أن «العملية تسير بشكل إيجابي للغاية، ولا توجد أي مشاكل».

بدوره، قال رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، حليف إردوغان الذي أطلق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» من البرلمان في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، إنه «كلما أسرعنا في العملية، كلما كان ذلك أفضل». وأضاف بهشلي أن الأحزاب السياسية التي شاركت في «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي تشكلت لوضع الإطار القانوني للعملية، قدّمت تقاريرها، ورفعت اللجنة التقرير المشترك إلى البرلمان في 18 فبراير (شباط) الماضي، ويجب أن يبدأ البرلمان مناقشاته للتقرير، وأن يقول كلمته.

البرلمان يترقب موقف «الكردستاني»

من جانبه، أرجع رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، عدم تحديد موعد للبدء في مناقشة تقرير اللجنة، والمضي قدماً في العملية بعدم التزام حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء أسلحته.

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (حساب البرلمان في «إكس»)

وقال كورتولموش: «لو تمّ الالتزام بالجدول الزمني، لكانت المسألة قد حُلّت منذ زمن طويل»، مشيراً إلى أن اللجنة حدّدت، في تقريرها، خريطة طريق بشأن اللوائح القانونية، وأن التقرير يؤكد أن رصد وتأكيد مؤسسات الدولة المعنية (المخابرات، ووزارتي الدفاع والداخلية) انتهاء عملية حلّ حزب «العمال الكردستاني» وإلقاء أسلحته، وتوثيق ذلك، يمثل «نقطة تحول حاسمة».

وأضاف كورتولموش: «لذا، لن أقول إن ذلك سيحدث اليوم أو غداً، لكنني أشدد على عبارة (في أسرع وقت ممكن)»، مشيراً إلى أن «أصعب مراحل العملية قد انتهت، وفي المراحل المتبقية، ومع إثبات إلقاء الحزب أسلحته وحلّه تماماً ستتسارع هذه العملية بشكل ملحوظ».