هل تقترب أميركا وإيران من «تفاهمات» نووية بعد تبادل السجناء؟

رئيسي طالب أميركا بإبداء حسن النية... وسائل إعلام «الحرس الثوري» تكشف عن هوية أميركيين أطلق سراحهما

الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
TT

هل تقترب أميركا وإيران من «تفاهمات» نووية بعد تبادل السجناء؟

الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

هاجم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي العقوبات الأميركية، وطالب واشنطن بإثبات «حسن نواياها وعزمها» على إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، وسط مساعٍ دبلوماسية على هامش أعمال الجمعية العامة، لكسر الجمود على المحادثات النووية المتعثرة بين الخصمين منذ العام الماضي.

وقال رئيسي في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في وقت متأخر الثلاثاء: «بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، انتهكت الولايات المتحدة الاتفاق»، وأضاف: «يجب على أميركا بناء ثقة لإظهار حسن نواياها ورغبتها الحقيقية في الوفاء بالتزاماتها وقطع الطريق لنهايته».

وتلقي طموحات إيران النووية بظلالها على الشرق الأوسط، وتثير قلق الغرب إلى جانب الحرب الروسية - الأوكرانية التي تتصدر اهتمامات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتُخّصِب طهران باطراد مزيداً من اليورانيوم بنسب عالية، وتقترب أكثر من روسيا من خلال تزويد جيشها بطائرات مسيَّرة.

وكانت هذه الملفات في صلب لقاء مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ووزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث بحثا القضايا الأكثر إلحاحاً، التي تؤثر على العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وإيران، خصوصاً التطورات الأخيرة بشأن الاتفاق النووي.

عبداللهیان يلتقي بوريل ونائبه إنريكي مورا على هامش أعمال الجمعية العامة (الخارجية الإيرانية)

وبصفته منسق المحادثات النووية، أكد بوريل أهمية اتباع مسار وقف التصعيد، وحث إيران على إعادة النظر في قرارها بسحب التصريح الرسمي لعدد من مفتشي الوكالة ذوي الخبرة وتحسين التعاون مع الوكالة.

وحض الحكومة الإيرانية على وقف تعاونها العسكري المستمر مع روسيا في الحرب مع أوكرانيا.

وذكر بيان للاتحاد الأوروبي أن بوريل أبلغ عبداللهيان إدانة الاتحاد الأوروبي الشديدة للاعتقالات التعسفية للعديد من مواطني دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مزدوجو الجنسية، وفقاً لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

مسار متعثر

أخرج الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في 2018، قائلاً إنه كان سخياً للغاية مع طهران، لعدم تطرقه إلى برنامج الصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية أميركية واسعة النطاق على إيران، مما دفع طهران إلى انتهاك التزاماتها النووية.

وبعد توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2021، حاول الرئيس الأميركي جو بايدن التفاوض على إحياء الاتفاق الذي كانت إيران تكبح بموجبه برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

لكن المحادثات التي استمرت شهوراً توقفت منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، إذ اتهم الجانبان بعضهما بعضاً بالمطالبة بتنازلات مغالى فيها.

ويبحث مسؤولون أميركيون وأوروبيون عن سبل للحد من أنشطة طهران النووية منذ انهيار المسار الدبلوماسي قبل عام.

ومن أجل تهدئة التوتر، توصلت طهران وواشنطن إلى اتفاق الشهر الماضي أسفر عن تبادل خمسة محتجزين أميركيين مقابل خمسة سجناء إيرانيين يوم الاثنين، وتضمن الإفراج عن ستة مليارات دولار من أموال طهران في كوريا الجنوبية.

سيامك نمازي (وسط) يمسك مراد طاهباز وعماد شرقي لدى وصولهم إلى مطار الدوحة الاثنين الماضي (أ.ب)

وكشفت وسائل إعلام إيرانية الأربعاء هوية اثنين من الأميركيين الخمسة، اللذين بقيت هويتهما طي الكتمان، حسب رغبتهما. وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن رضا بهروزي وفخر السادات معيني بالإضافة إلى سيامك نمازي، ومراد طاهباز، وعماد شرقي هم خمسة أميركيين، من أصل إيراني جرى إطلاق سراحهم.

مساعٍ قطرية

وذكرت وكالة «رويترز» عن مصادر أن قطر، التي توسطت في صفقة تبادل المحتجزين، تريد الاستفادة من الاتفاق لإيجاد أرضية مشتركة تتعلق بقضية أكثر صعوبة بين الخصمين اللدودين، وهي الخلاف على البرنامج النووي الإيراني.

وستزيد الانتخابات الأميركية عام 2024 من قتامة هذه التوقعات بالعودة إلى الاتفاق النووي بعد خمس سنوات على انسحاب ترمب. فالرئيس الأميركي جو بايدن يواجه بالفعل انتقادات من الجمهوريين بسبب إفراجه عن أصول إيران بقيمة ستة مليارات دولار في اتفاق على تبادل السجناء.

ونقلت «رويترز» عن مصادر ثلاثة «إقليمية» أن قطر تبحث مع الجانبين المشاركة في محادثات أخرى والتوصل إلى «تفاهمات» على هامش أعمال الجمعية العامة في نيويورك.

وقالت المصادر إن التفاهمات تهدف إلى إبطاء تخصيب اليورانيوم في طهران مع زيادة المراقبة الدولية والحد من أنشطة الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة، ووقف تصدير إيران لطائرات مسيَّرة، كل ذلك مقابل بعض الإعفاءات من العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية.

وقال مصدر مطلع على المحادثات في الدوحة إن تلك الاجتماعات ستناقش تخصيب اليورانيوم والطائرات المسيَّرة الإيرانية، مضيفاً أن قطر تستهدف استضافة محادثات غير مباشرة بين طهران وواشنطن في حالة حدوث تقدم بعدما ساعدت الدوحة في صياغة اتفاق تبادل السجناء بدبلوماسية مكوكية بين مفاوضين إيرانيين وأميركيين كانوا يقيمون في فندقين منفصلين بالدوحة.

وكان مسؤولون إيرانيون قد أبدوا رغبتهم خلال الأسابيع الأخيرة بالعودة إلى طاولة المفاوضات بهدف إحياء الاتفاق النووي.

 خفض التصعيد

وقال مسؤولون غربيون وإيرانيون إن فكرة التفاهمات لمنع التصعيد بدلاً من الاتفاق النووي، الذي يتطلب مراجعة الكونغرس الأميركي طُرحت في السابق. ولم يعترف المسؤولون الأميركيون قط باتباع مثل هذا النهج.

وتشتبه واشنطن في أن طهران تريد التكنولوجيا اللازمة لصنع سلاح نووي. وتصر إيران على أن هذا ليس هدفها على الإطلاق.

وبعد إنجاز الصفقة الأخيرة، ترك وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية لتناول الملف النووي، الذي وصفه بأنه «ربما يكون القضية الأولى المثيرة للقلق»، لكنه قال إنه لا يوجد شيء وشيك.

ورداً على سؤال عما إذا كان من الممكن إجراء مزيد من المحادثات غير المباشرة مع إيران قريباً، قال في نيويورك: «لم نتناول ذلك في الوقت الراهن، لكننا سنرى في المستقبل ما إذا كانت هناك فرص».

وقال مصدران إيرانيان مطلعان لوكالة «رويترز» إن اجتماعات غير مباشرة ستعقد بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في نيويورك قد تمهد الطريق لإجراء محادثات بشأن «تفاهم نووي». وأضافا أن إيران لم تغلق الباب أبداً أمام الدبلوماسية النووية.

وقال مصدر إيراني آخر مطلع على المناقشات التي جرت حتى الآن مع قطر: «مع أخذ الانتخابات الأميركية المقبلة في الحسبان، من الممكن التوصل إلى تفاهم يتضمن إصدار إعفاءات بقطاعي البنوك والنفط تسمح لإيران بتصدير نفطها بحرية واستعادة أموالها عبر النظام المصرفي»، وهذا أمر محظور حالياً بموجب العقوبات الأميركية.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية الأحد الماضي: «تسألون عما إذا كانت هناك أي محادثات مزمعة هذا الأسبوع، بالتأكيد لا».

ولم يتضح ما إذا كان المسؤول يقصد نفي إجراء أي محادثات غير مباشرة، أم أنه يتعمد ترك الباب مفتوحاً أمامها.

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية على أسئلة تفصيلية بهذا الخصوص.

تعامل

تعد مناقشة أي تعامل مع إيران أمراً حساساً في الولايات المتحدة، إذ ما زال اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، عندما احتُجز 52 أميركياً رهائن لمدة 444 يوماً، يلقي بظلاله على علاقات واشنطن مع طهران.

وتكتم المسؤولون الأميركيون على تفاصيل اتفاق تبادل السجناء يوم الاثنين حتى أقلعت طائرة الأميركيين الخمسة المفرج عنهم من مطار طهران.

وكانت مصادر أبلغت «رويترز» في وقت سابق أن محادثات غير مباشرة في قطر، أدت إلى تبادل السجناء، عقدت بعد تعثر المحادثات الأوسع نطاقاً بشأن البرنامج النووي الإيراني. وحينها طالبت طهران بضمانات بعدم إنهاء الاتفاق الجديد مرة أخرى، وهو الطلب الذي قال مصدر إيراني إنه تم التخلي عنه الآن.

وقالت المصادر الثلاثة بالمنطقة إن المسؤولين الإيرانيين أظهروا خلال المحادثات علامات على استعدادهم لتقديم تنازلات في حالة تخفيف العقوبات الأميركية التي أصابت اقتصاد بلدهم بالشلل. وأضافت المصادر الثلاثة أن طهران التزمت بالفعل بخفض تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة، أي أقل من النسبة اللازمة لصنع سلاح نووي، وهي 90 في المائة تقريباً، وأبدت استعدادها لاستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، التي تراقب أنشطتها النووية.

وأفادت تقارير للوكالة اطّلعت عليها «رويترز» هذا الشهر أن إيران خفّضت بالفعل معدل تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة، لكن مخزونها واصل النمو ولديها حالياً 121 كيلوغراماً من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، مما يكفي عملياً لإنتاج ثلاث قنابل، إذا رفعت تخصيبه إلى 90 في المائة.

وقال دبلوماسيون في المنطقة إن هناك «مؤشراً إيجابياً» آخر هو عدم شن وكلاء إيران هجمات كبيرة على مصالح الولايات المتحدة أو مصالح حلفائها في المنطقة في الأشهر القليلة الماضية. ووقع آخر حادث كبير في سوريا في مارس (آذار)، عندما حمّلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مسلحين مدعومين من طهران مسؤولية هجوم على القوات الأميركية هناك.

ولكن، قد يتوقف الكثير على الانتخابات الأميركية التي تجرى في العام المقبل عندما يتنافس الرئيس الديمقراطي بايدن مجدداً مع ترمب، الذي يتصدر حالياً السباق لنيل ترشيح الحزب الجمهوري.

وقال أحد الدبلوماسيين: «ما الفائدة من جعل واشنطن الأمر أكثر إغراء لطهران قبل الانتخابات، خاصة في سباق شرس حيث سينقض المنافسون الجمهوريون على أي اتفاق يبدو أنه يضر بالمصالح الأميركية».

ومع ذلك لا يزال الغرب قلقاً حيال أنشطة طهران النووية. وقال خبراء إن اتفاق عام 2015، الذي وصفه ترمب بأنه «أسوأ اتفاق على الإطلاق»، أوقف برنامج إيران النووي ما يكفي لإبعادها عاماً أو نحو ذلك عن التكنولوجيا اللازمة لصنع قنبلة نووية.

وقال دبلوماسي كبير في المنطقة: «عندما لا يريد أحد حدوث أزمة، فإن الوقت يكون مناسباً للتفاوض من الآن وحتى الانتخابات الأميركية».


مقالات ذات صلة

مخاطر كبيرة وتعقيدات هائلة... ماذا يعني تأمين اليورانيوم الإيراني بالقوة؟

الولايات المتحدة​ صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مجمع نطنز النووي في إيران (أ.ب) p-circle

مخاطر كبيرة وتعقيدات هائلة... ماذا يعني تأمين اليورانيوم الإيراني بالقوة؟

بينما يُطرح خيار استخدام القوة لتأمين مخزون اليورانيوم المخصَّب، يحذر خبراء ومسؤولون سابقون من أن مثل هذه الخطوة ستكون بالغة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران- تل أبيب)
شؤون إقليمية تُظهر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

مخزون إيران النووي... خيار القوة يسابق مسار التفاوض

يُحذر خبراء ومسؤولون أميركيون سابقون من أن أي محاولة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بالقوة ستكون عملية شديدة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ) p-circle

ترمب: سننسحب ​من إيران «بسرعة ⁠كبيرة» وقد نعود لشن «ضربات محددة» إذا ⁠لزم ‌الأمر

قال الرئيس الأميركي، الأربعاء، إن «الرئيس الجديد للنظام الإيراني» طلب «للتو» من الولايات المتحدة وقف إطلاق النار في الحرب الدائرة منذ أكثر من شهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صعّد مشرعون إيرانيون الدعوات إلى مراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما أكدت وزارة الخارجية استمرار إيران في عضويتها.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».