إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

تحديات اقتصادية هائلة تفرض نفسها على ولايته الثالثة داخلياً وتتطلب تغييرات هيكلية

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
TT

إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)

يواجه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سلسلة تحديات داخلية وخارجية صعبة، تفرض عليه إجراء تغييرات هيكلية في السياسات التي اتبعها خلال فترتي رئاسته السابقتين.

يسعى إردوغان إلى «قرن تركيا»، وهو شعار حملته الانتخابية، ويعمل على الحفاظ على فكرة «تركيا القوية» المؤثرة في العالم، وتعزيزها.

حدد إردوغان الخطوط العريضة لسياسته الخارجية خلال حملته الانتخابية، وبدا أنها تشكل عودة جديدة إلى سياسة «صفر مشكلات مع دول الجوار» التي أسس لها مستشاره ووزير خارجيته ثم رئيس وزرائه الأسبق أحمد داود أوغلو الذي يقود الآن حزب «المستقبل» المعارض، بعد انفصال غاضب عن إردوغان وحزب «العدالة التنمية»، عقب صدام على منهج الإدارة.

تمكن إردوغان على مدى العامين الماضيين من ترميم كثير من الشقوق التي أحدثتها سياسته الخارجية في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن اختار وفريقه ما عُرفت بـ«سياسة العزلة القيّمة» التي خاضت إلى عزلة كاملة وشبه قطيعة مع محيط تركيا الإقليمي، لا سيما في الشرق الأوسط بعد انتفاضات ما سمي «الربيع العربي».

الانفتاح العربي

وتمكن إردوغان في المراحل الأخيرة قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي لم تكن نزهة أو عملاً سهلاً لـ«سيد الانتخابات» هذه المرة، من إعادة ضبط علاقات تركيا بدول الخليج العربي (السعودية والإمارات على وجه الخصوص)، وقطع شوطاً كبيراً في إعادة العلاقات مع مصر إلى مسارها الطبيعي، والذي تكلل في النهاية بالاتفاق على تبادل السفراء خلال اتصال هاتفي، الاثنين، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإردوغان لتهنئته بالفوز بالرئاسة.

تغييرات يرى الخبراء والمحللون أن إردوغان أُجبر فيها على التخلي عن عناده بسبب المتغيرات الدولية والإقليمية التي وضعت المنطقة أمام خيار «تجميع القوى» وتنحية الخلافات.

بقي أمام تركيا في علاقاتها مع المنطقة الملف السوري الذي يبدو الآن أنه أعقد الملفات، وأكثرها تطلباً للوقت، بسبب التباين حول الوجود العسكري التركي في الأساس.

يتطلب هذا الملف قرارات حاسمة وجذرية، أهمها إعلان تركيا انسحابها من شمال سوريا، لا سيما أن قبول الدول العربية عودة سوريا إلى الصف العربي يضفي مزيداً من القوة على موقف دمشق المطالب بالانسحاب، بينما تركيا لا تريد الانسحاب قبل أن تتأكد من القضاء على مشروع الحكم الذاتي الكردي الذي تواجه فيه ضغوطاً من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الداعمين لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا.

وداخل الملف السوري، هناك أيضاً قضية اللاجئين، وهي مسألة لا تعتمد فقط على حوار التطبيع بين أنقرة ودمشق برعاية روسيا ودعم إيران؛ لكنه يتطلب مساندة من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في توفير البنية التحتية والفوقية لاستيعاب اللاجئين والموافقة على خطط إعادة الإعمار. ولطالما كان ملف اللاجئين نقطة قوة وورقة ضغط في يد إردوغان في مواجهة الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أن بقاء إردوغان في السلطة سيضيف مزيداً من التعقيد إلى علاقات تركيا معه، وسيبقي على الباب الموصد في وجه أنقرة لاستئناف مفاوضات عضويتها المجمدة للانضمام إلى الاتحاد الذي يرى أن إردوغان لا يمكن أن يكون مخاطباً له فيما يتعلق بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

لعبة التوازنات

ويعتقد المحللون أن سياسة إردوغان تهدف إلى أن تستغل تركيا أفضل ما لديها من ميزات، تتمثل في موقعها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والشراكة مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الخلافات المتكررة لإردوغان مع شركائها الغربيين. ويتوقعون أن يواصل إردوغان أسلوبه التكتيكي المزدوج، واللعبة التي مارسها بين روسيا والغرب. وبدا ذلك واضحاً من خلال الرسائل الأولى التي صدرت عن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في أول تصريح بعد إعلان فوز إردوغان؛ حيث أكد أن تركيا لن تتراجع خطوة واحدة في ملفاتها الخلافية مع الولايات المتحدة، وأنها رفضت وستواصل رفض الضغوط الغربية عليها لفرض عقوبات على روسيا، كما أعلنت موسكو تطلعها إلى تعميق علاقاتها وتوسيع تعاونها الاقتصادي وفي المشروعات المختلفة مع تركيا.

وكشف إردوغان أيضاً عن توجهه إلى تنشيط علاقات تركيا بالجمهوريات التركية، أو «العالم التركي»، وربط مصالح هذه الدول بالتعاون مع تركيا. كما يتوقع أن يواصل سياسته المنفتحة على الصين وشرق آسيا ووسطها، على حساب العلاقات مع الحلفاء التقليديين في الغرب، وهو ما سيبقي على تصلب الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لتركيا، في إغلاق أبوابه أمام قبولها عضواً فيه. كما سيبقي العلاقات مع الولايات المتحدة تعمل وفق آلية «الصفقات» التي شكلت عنواناً لتلك العلاقات. وفي هذا الإطار، قد يقوم إردوغان بالموافقة على انضمام السويد إلى عضوية «الناتو»، مقابل حصول تركيا على مقاتلات «إف 16» من أميركا. مع الإشارة إلى أن تركيا ما زالت قادرة على الاضطلاع بدور يعتد به في تعزيز مصالح السياسة الأميركية، كما أظهرت ذلك من خلال اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود التي توسطت فيها مع الأمم المتحدة بين روسيا وأوكرانيا.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي التركي، مراد يتكين، أن حرص إردوغان على إعطاء مكانة خاصة لرسائل التهنئة من قادة العالم في خطابه بعد الفوز بالانتخابات، يعني أنه سيحافظ على الخط ذاته في السياسة الخارجية، معتبراً أن فوز إردوغان يتماشى مع الاتجاهات المتصاعدة للقومية على مستوى العالم، بحيث يمكن القول إن «إردوغان فاز وربح بعض القادة في العالمين الشرقي والغربي». وأضاف: «يمكننا أن نتوقع مزيداً من العلاقات المتشابكة مع روسيا ودول الخليج في الفترة المقبلة؛ لأن إردوغان يرى في ذلك مخرجاً في ظل الأوضاع الداخلية وتعقد العلاقات مع الغرب».

رجل يراقب أسعار العملات في محل صيرفة في إسطنبول الاثنين (أ.ب)

تحديات الداخل

في الداخل التركي يواجه إردوغان تحديات ربما تكون أكثر صعوبة مما يواجهه على صعيد السياسة الخارجية، تتمحور حول أزمة الاقتصاد، وغلاء المعيشة، والتضخم الجامح، وتدهور الليرة، وإحجام المستثمرين الأجانب عن العمل في تركيا، لعدم الثقة في سياسات إردوغان ونموذجه الاقتصادي غير التقليدي.

أكد إردوغان أنه سيواصل السير مع نموذجه الاقتصادي القائم على خفض الفائدة وزيادة الإنتاج ورفع النمو واجتذاب الاستثمارات الخارجية، واعداً بخفض التضخم. وهو خطاب لا يحمل أي تغييرات في السياسات التي قادت الاقتصاد التركي إلى أزمة عميقة على مدى 5 سنوات.

يقول خبراء الاقتصاد إن إردوغان يقدم كثيراً من الوعود في خطاباته الشعبوية؛ لكنه لا يفي إلا بالنذر اليسير منها، اعتماداً على انفراده بالسلطة وتيار المعارضة الضعيف، معتبرين أن سياساته الخاطئة هي أكبر أسباب الأزمة الاقتصادية، وأن اختياره التعاون مع روسيا على حساب الغرب هو أحد العوامل وراء أزمات تركيا الاقتصادية، من حيث التبادل التجاري والاستثمار الأجنبي، ومقدمين تراجع الليرة التركية منذ إعلان فوزه مجدداً بالانتخابات مؤشراً على أن اقتصاد البلاد سيتراجع، ولن يكون هناك تقدم باستثناء أرقام طفيفة.

وسجلت الليرة التركية أسوأ أداء لها في تاريخها، في تعاملات الثلاثاء، وهبطت إلى مستوى سحيق، وجرى تداولها عند 20.41 ليرة للدولار حسب السعر الرسمي، وعند 21.50 ليرة للدولار في أسواق الصرافة الحرة. وفقدت الليرة أكثر من 6 في المائة من قيمتها منذ بداية العام الحالي. وتوقع بنك «مورغان ستانلي» أنه إذا استمر إردوغان في الالتزام بسياسة الفائدة المنخفضة الحالية، فسيكون هناك خطر أن تنخفض قيمة الليرة التركية بنسبة 29 في المائة مقابل الدولار، وأن الليرة قد تنحدر إلى مستوى 28 ليرة للدولار الواحد بحلول نهاية العام؛ حسب مذكرة المستثمر المقدمة من المحللتين الاقتصاديتين في «مورغان ستانلي»، هاندا كوتشوك وألينا سليوسارتشوك. وأوضحت المذكرة أن «احتياجات التمويل الخارجي المرتفعة لتركيا ستؤدي إلى مخاطر كلية مستمرة، وما لم يتغير إطار السياسة الكلية الحالية، فستبدي تركيا حساسية متزايدة تجاه الصدمات العالمية (أسعار السلع والاحتياطي الفيدرالي) وتوفر تدفقات العملات الأجنبية من الشركاء الإقليميين».

وأوضح خبراء أن الاقتصاد ربما يتحسن فقط في حال غيَّر إردوغان من سياسته الخارجية تجاه الغرب؛ لكن الواضح أن إردوغان يفضل الاستمرار مع روسيا، وطلب مزيد من الدعم من دول الخليج التي أثنى على دورها في دعم الاقتصاد التركي أثناء حملته الانتخابية.

وقال مراد يتكين: «ينبغي لإردوغان أن يكون قادراً على تنفيذ سياسات التقشف التي يجب تنفيذها بسرعة، بسبب الانتخابات المحلية التي ستجرى بعد 10 أشهر، من جهة، ومثلث سعر الصرف والفائدة والتضخم من جهة أخرى. ولا نعلم ما مقدار الموارد الضرورية التي يمكن إيجادها بدعم من دول الخليج وروسيا».


مقالات ذات صلة

ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس يرافقه مفتش الجيش كريستيان فرويدينغ خلال زيارة لثكنات الجيش الألماني بمونستر في شمال ألمانيا 30 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ميرتس يؤكد أهمية الالتزام بالشراكة عبر الأطلسي

أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الخميس، أهمية الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم من غير المعلوم أي مدينة في كندا ستكون مقرا للمؤسسة (أرشيفية)

اختيار كندا مقرا لـ«بنك الناتو»

قال مسؤول حكومي بارز يوم الأربعاء إنه تم اختيار كندا لتكون المقر الرئيسي لمؤسسة مالية جديدة يقودها حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تهدف إلى خفض تكاليف الاقتراض.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
العالم مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط يناير الماضي (الجيش الأميركي)

الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.89 تريليون دولار في 2025

كان نصيب أكبر ثلاث دول من حيث الإنفاق العسكري، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا، ما مجموعه 1.48 تريليون دولار، أو 51 بالمئة من الإنفاق العالمي.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)
أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».