إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

تحديات اقتصادية هائلة تفرض نفسها على ولايته الثالثة داخلياً وتتطلب تغييرات هيكلية

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
TT

إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)

يواجه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سلسلة تحديات داخلية وخارجية صعبة، تفرض عليه إجراء تغييرات هيكلية في السياسات التي اتبعها خلال فترتي رئاسته السابقتين.

يسعى إردوغان إلى «قرن تركيا»، وهو شعار حملته الانتخابية، ويعمل على الحفاظ على فكرة «تركيا القوية» المؤثرة في العالم، وتعزيزها.

حدد إردوغان الخطوط العريضة لسياسته الخارجية خلال حملته الانتخابية، وبدا أنها تشكل عودة جديدة إلى سياسة «صفر مشكلات مع دول الجوار» التي أسس لها مستشاره ووزير خارجيته ثم رئيس وزرائه الأسبق أحمد داود أوغلو الذي يقود الآن حزب «المستقبل» المعارض، بعد انفصال غاضب عن إردوغان وحزب «العدالة التنمية»، عقب صدام على منهج الإدارة.

تمكن إردوغان على مدى العامين الماضيين من ترميم كثير من الشقوق التي أحدثتها سياسته الخارجية في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن اختار وفريقه ما عُرفت بـ«سياسة العزلة القيّمة» التي خاضت إلى عزلة كاملة وشبه قطيعة مع محيط تركيا الإقليمي، لا سيما في الشرق الأوسط بعد انتفاضات ما سمي «الربيع العربي».

الانفتاح العربي

وتمكن إردوغان في المراحل الأخيرة قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي لم تكن نزهة أو عملاً سهلاً لـ«سيد الانتخابات» هذه المرة، من إعادة ضبط علاقات تركيا بدول الخليج العربي (السعودية والإمارات على وجه الخصوص)، وقطع شوطاً كبيراً في إعادة العلاقات مع مصر إلى مسارها الطبيعي، والذي تكلل في النهاية بالاتفاق على تبادل السفراء خلال اتصال هاتفي، الاثنين، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإردوغان لتهنئته بالفوز بالرئاسة.

تغييرات يرى الخبراء والمحللون أن إردوغان أُجبر فيها على التخلي عن عناده بسبب المتغيرات الدولية والإقليمية التي وضعت المنطقة أمام خيار «تجميع القوى» وتنحية الخلافات.

بقي أمام تركيا في علاقاتها مع المنطقة الملف السوري الذي يبدو الآن أنه أعقد الملفات، وأكثرها تطلباً للوقت، بسبب التباين حول الوجود العسكري التركي في الأساس.

يتطلب هذا الملف قرارات حاسمة وجذرية، أهمها إعلان تركيا انسحابها من شمال سوريا، لا سيما أن قبول الدول العربية عودة سوريا إلى الصف العربي يضفي مزيداً من القوة على موقف دمشق المطالب بالانسحاب، بينما تركيا لا تريد الانسحاب قبل أن تتأكد من القضاء على مشروع الحكم الذاتي الكردي الذي تواجه فيه ضغوطاً من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الداعمين لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا.

وداخل الملف السوري، هناك أيضاً قضية اللاجئين، وهي مسألة لا تعتمد فقط على حوار التطبيع بين أنقرة ودمشق برعاية روسيا ودعم إيران؛ لكنه يتطلب مساندة من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في توفير البنية التحتية والفوقية لاستيعاب اللاجئين والموافقة على خطط إعادة الإعمار. ولطالما كان ملف اللاجئين نقطة قوة وورقة ضغط في يد إردوغان في مواجهة الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أن بقاء إردوغان في السلطة سيضيف مزيداً من التعقيد إلى علاقات تركيا معه، وسيبقي على الباب الموصد في وجه أنقرة لاستئناف مفاوضات عضويتها المجمدة للانضمام إلى الاتحاد الذي يرى أن إردوغان لا يمكن أن يكون مخاطباً له فيما يتعلق بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

لعبة التوازنات

ويعتقد المحللون أن سياسة إردوغان تهدف إلى أن تستغل تركيا أفضل ما لديها من ميزات، تتمثل في موقعها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والشراكة مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الخلافات المتكررة لإردوغان مع شركائها الغربيين. ويتوقعون أن يواصل إردوغان أسلوبه التكتيكي المزدوج، واللعبة التي مارسها بين روسيا والغرب. وبدا ذلك واضحاً من خلال الرسائل الأولى التي صدرت عن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في أول تصريح بعد إعلان فوز إردوغان؛ حيث أكد أن تركيا لن تتراجع خطوة واحدة في ملفاتها الخلافية مع الولايات المتحدة، وأنها رفضت وستواصل رفض الضغوط الغربية عليها لفرض عقوبات على روسيا، كما أعلنت موسكو تطلعها إلى تعميق علاقاتها وتوسيع تعاونها الاقتصادي وفي المشروعات المختلفة مع تركيا.

وكشف إردوغان أيضاً عن توجهه إلى تنشيط علاقات تركيا بالجمهوريات التركية، أو «العالم التركي»، وربط مصالح هذه الدول بالتعاون مع تركيا. كما يتوقع أن يواصل سياسته المنفتحة على الصين وشرق آسيا ووسطها، على حساب العلاقات مع الحلفاء التقليديين في الغرب، وهو ما سيبقي على تصلب الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لتركيا، في إغلاق أبوابه أمام قبولها عضواً فيه. كما سيبقي العلاقات مع الولايات المتحدة تعمل وفق آلية «الصفقات» التي شكلت عنواناً لتلك العلاقات. وفي هذا الإطار، قد يقوم إردوغان بالموافقة على انضمام السويد إلى عضوية «الناتو»، مقابل حصول تركيا على مقاتلات «إف 16» من أميركا. مع الإشارة إلى أن تركيا ما زالت قادرة على الاضطلاع بدور يعتد به في تعزيز مصالح السياسة الأميركية، كما أظهرت ذلك من خلال اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود التي توسطت فيها مع الأمم المتحدة بين روسيا وأوكرانيا.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي التركي، مراد يتكين، أن حرص إردوغان على إعطاء مكانة خاصة لرسائل التهنئة من قادة العالم في خطابه بعد الفوز بالانتخابات، يعني أنه سيحافظ على الخط ذاته في السياسة الخارجية، معتبراً أن فوز إردوغان يتماشى مع الاتجاهات المتصاعدة للقومية على مستوى العالم، بحيث يمكن القول إن «إردوغان فاز وربح بعض القادة في العالمين الشرقي والغربي». وأضاف: «يمكننا أن نتوقع مزيداً من العلاقات المتشابكة مع روسيا ودول الخليج في الفترة المقبلة؛ لأن إردوغان يرى في ذلك مخرجاً في ظل الأوضاع الداخلية وتعقد العلاقات مع الغرب».

رجل يراقب أسعار العملات في محل صيرفة في إسطنبول الاثنين (أ.ب)

تحديات الداخل

في الداخل التركي يواجه إردوغان تحديات ربما تكون أكثر صعوبة مما يواجهه على صعيد السياسة الخارجية، تتمحور حول أزمة الاقتصاد، وغلاء المعيشة، والتضخم الجامح، وتدهور الليرة، وإحجام المستثمرين الأجانب عن العمل في تركيا، لعدم الثقة في سياسات إردوغان ونموذجه الاقتصادي غير التقليدي.

أكد إردوغان أنه سيواصل السير مع نموذجه الاقتصادي القائم على خفض الفائدة وزيادة الإنتاج ورفع النمو واجتذاب الاستثمارات الخارجية، واعداً بخفض التضخم. وهو خطاب لا يحمل أي تغييرات في السياسات التي قادت الاقتصاد التركي إلى أزمة عميقة على مدى 5 سنوات.

يقول خبراء الاقتصاد إن إردوغان يقدم كثيراً من الوعود في خطاباته الشعبوية؛ لكنه لا يفي إلا بالنذر اليسير منها، اعتماداً على انفراده بالسلطة وتيار المعارضة الضعيف، معتبرين أن سياساته الخاطئة هي أكبر أسباب الأزمة الاقتصادية، وأن اختياره التعاون مع روسيا على حساب الغرب هو أحد العوامل وراء أزمات تركيا الاقتصادية، من حيث التبادل التجاري والاستثمار الأجنبي، ومقدمين تراجع الليرة التركية منذ إعلان فوزه مجدداً بالانتخابات مؤشراً على أن اقتصاد البلاد سيتراجع، ولن يكون هناك تقدم باستثناء أرقام طفيفة.

وسجلت الليرة التركية أسوأ أداء لها في تاريخها، في تعاملات الثلاثاء، وهبطت إلى مستوى سحيق، وجرى تداولها عند 20.41 ليرة للدولار حسب السعر الرسمي، وعند 21.50 ليرة للدولار في أسواق الصرافة الحرة. وفقدت الليرة أكثر من 6 في المائة من قيمتها منذ بداية العام الحالي. وتوقع بنك «مورغان ستانلي» أنه إذا استمر إردوغان في الالتزام بسياسة الفائدة المنخفضة الحالية، فسيكون هناك خطر أن تنخفض قيمة الليرة التركية بنسبة 29 في المائة مقابل الدولار، وأن الليرة قد تنحدر إلى مستوى 28 ليرة للدولار الواحد بحلول نهاية العام؛ حسب مذكرة المستثمر المقدمة من المحللتين الاقتصاديتين في «مورغان ستانلي»، هاندا كوتشوك وألينا سليوسارتشوك. وأوضحت المذكرة أن «احتياجات التمويل الخارجي المرتفعة لتركيا ستؤدي إلى مخاطر كلية مستمرة، وما لم يتغير إطار السياسة الكلية الحالية، فستبدي تركيا حساسية متزايدة تجاه الصدمات العالمية (أسعار السلع والاحتياطي الفيدرالي) وتوفر تدفقات العملات الأجنبية من الشركاء الإقليميين».

وأوضح خبراء أن الاقتصاد ربما يتحسن فقط في حال غيَّر إردوغان من سياسته الخارجية تجاه الغرب؛ لكن الواضح أن إردوغان يفضل الاستمرار مع روسيا، وطلب مزيد من الدعم من دول الخليج التي أثنى على دورها في دعم الاقتصاد التركي أثناء حملته الانتخابية.

وقال مراد يتكين: «ينبغي لإردوغان أن يكون قادراً على تنفيذ سياسات التقشف التي يجب تنفيذها بسرعة، بسبب الانتخابات المحلية التي ستجرى بعد 10 أشهر، من جهة، ومثلث سعر الصرف والفائدة والتضخم من جهة أخرى. ولا نعلم ما مقدار الموارد الضرورية التي يمكن إيجادها بدعم من دول الخليج وروسيا».


مقالات ذات صلة

رئيس فنلندا: أخشى أن تؤدي قضية غرينلاند إلى «تسميم» الأجواء في دافوس

أوروبا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يتحدث خلال مقابلة في هلسنكي عاصمة فنلندا - 17 سبتمبر 2024 (رويترز)

رئيس فنلندا: أخشى أن تؤدي قضية غرينلاند إلى «تسميم» الأجواء في دافوس

عبّر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، الاثنين، عن خشيته من أن تتسبب قضية غرينلاند في «تسميم» الأجواء بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)
أوروبا جنود دنماركيون يهبطون من سفينة بميناء «نوك» في غرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

الدنمارك وغرينلاند تقترحان إرسال بعثة من «حلف الأطلسي» إلى القطب الشمالي

قال وزير الدفاع الدنماركي ‌ترولز ‌بولسن، ​الاثنين، ‌إن بلاده وغرينلاند ناقشتا إمكان وجود ⁠بعثة ‌من «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في غرينلاند ‍والقطب الشمالي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تحليل إخباري عاملة تحمل قبعة حمراء تحمل عبارة «الآن يكفي» باللغة الدنماركية في متجر في كوبنهاغن (أ.ب)

تحليل إخباري مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

جدّد الرئيس ترمب مطالبته باستحواذ بلاده على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول الأوروبية، وبذلك بات حلف الأطلسي يواجه أكبر أزمة في تاريخه.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية في موقع غير معلن بغرينلاند (أ.ف.ب)

ألمانيا تدرس مهمة استطلاع جيشها في غرينلاند

أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أنها تعكف حالياً على تحليل نتائج مهمة الاستطلاع الخاصة بإمكانية قيام الجيش الألماني بتدريبات في غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ جنود دنماركيون يسيرون أمام مقر «القيادة المشتركة للقطب الشمالي» في نوك بغرينلاند (رويترز) play-circle

ثماني دول أوروبية تدعم غرينلاند والدنمارك بعد تهديدات ترمب

عبرت ثماني ​دول أوروبية في بيان مشترك اليوم الأحد عن تضامنها مع مملكة ‌الدنمارك وشعب ‌غرينلاند ‌في ⁠أعقاب ​تهديد ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضم الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إردوغان يأمل بتجاوز إيران أزمتها بالحوار والدبلوماسية

متظاهرون يحملون صور المرشد علي خامنئي ويهتفون بشعارات خلال مظاهرة مؤيدة للنظام أمام القنصلية الإيرانية في إسطنبول الأحد (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون صور المرشد علي خامنئي ويهتفون بشعارات خلال مظاهرة مؤيدة للنظام أمام القنصلية الإيرانية في إسطنبول الأحد (إ.ب.أ)
TT

إردوغان يأمل بتجاوز إيران أزمتها بالحوار والدبلوماسية

متظاهرون يحملون صور المرشد علي خامنئي ويهتفون بشعارات خلال مظاهرة مؤيدة للنظام أمام القنصلية الإيرانية في إسطنبول الأحد (إ.ب.أ)
متظاهرون يحملون صور المرشد علي خامنئي ويهتفون بشعارات خلال مظاهرة مؤيدة للنظام أمام القنصلية الإيرانية في إسطنبول الأحد (إ.ب.أ)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم الاثنين، إنه يأمل بأن تتمكن الحكومة الإيرانية من تجاوز ما وصفها بـ«فترة مليئة بالفخاخ» عبر الحوار والدبلوماسية.

وأضاف إردوغان، في تصريح أعقب اجتماعاً لمجلس الوزراء في أنقرة، أن تركيا تتابع عن كثب «السيناريوهات التي تُحاك في الشوارع»، وذلك في أعقاب أسوأ اضطرابات داخلية تشهدها إيران منذ ثورة 1979.

واعتبر إردوغان الاضطرابات التي شهدتها إيران تشكل «اختباراً جديداً» لطهران، مؤكداً أن تركيا «ستقف ضد أي تحرك» من شأنه إغراق المنطقة في الفوضى.

وقال في خطاب متلفز بعد الاجتماع الأسبوعي للحكومة: «نأمل أنه بفضل مقاربة سياسية تُعطي الأولوية للحوار والدبلوماسية، أن يتمكن إخواننا الإيرانيون من تجاوز هذه المرحلة العصيبة» حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتعد هذه المرة الأولى التي يتناول فيها إردوغان علناً الاحتجاجات التي هزّت الجارة الشرقية إيران، والتي قُتل خلالها آلاف الأشخاص، وفق تقديرات حقوقيين ومنظمات غير حكومية.

وقبل الاضطرابات الأخيرة، كانت الحكومة الإيرانية تواجه أزمة اقتصادية حادة بعد سنوات من العقوبات، فضلاً عن محاولتها التعافي من حرب يونيو (حزيران) التي شنتها إسرائيل وشاركت فيها الولايات المتحدة.

وأضاف إردوغان: «جارتنا إيران، في أعقاب الهجمات الإسرائيلية، تواجه الآن اختباراً جديداً يستهدف استقرارها وسلمها الاجتماعي».

وتابع: «نراقب جميعاً السيناريوهات التي يحاول (البعض) فرضها عبر الشارع. وبما أن سياستنا الخارجية ترتكز على السلام والاستقرار، سنواصل الوقوف في وجه أي تحرك يهدد بجر منطقتنا إلى حالة من عدم اليقين».

وفي سياق متصل، صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، بأن أنقرة تعارض أي عملية عسكرية ضد إيران، في إشارة إلى التلويح المتكرر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكان التدخل على خلفية قمع الاحتجاجات.

وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الاثنين، إن إسرائيل سترد «بقوة لم تختبرها إيران من قبل» إذا تعرضت لهجوم إيراني.

وأضاف نتنياهو أنه «لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث في إيران»، لكنه شدد على أن «إيران، أياً تكن التطورات المقبلة، لن تعود إلى ما كانت عليه».

وقال الكرملين، الجمعة، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحث الوضع في إيران خلال اتصالين منفصلين مع نتنياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وذكر أن بوتين أبدى استعداد موسكو للوساطة في المنطقة.


شرطة إيران تمهل «المغرر بهم» 3 أيام لتسليم أنفسهم

شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس 8 يناير (تلغرام)
شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس 8 يناير (تلغرام)
TT

شرطة إيران تمهل «المغرر بهم» 3 أيام لتسليم أنفسهم

شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس 8 يناير (تلغرام)
شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس 8 يناير (تلغرام)

قال قائد الشرطة الإيرانية، أحمد رضا رادان، إن الأشخاص الذين «غُرر بهم» للمشاركة في «أعمال الشغب» سيستفيدون من «تخفيف كبير في العقوبة» إذا بادروا إلى تسليم أنفسهم خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أيام.

وأوضح رادان، في تصريحات للتلفزيون الرسمي، أن «الشبان الذين تورطوا من دون قصد في أعمال الشغب يُعدون مغرراً بهم، لا جنوداً للعدو»، مضيفاً أنهم «سيُعامَلون برأفة تليق بنظام الجمهورية الإسلامية».

وأضاف أن المهلة الممنوحة لتسليم النفس «أقصاها ثلاثة أيام»، مشيراً إلى أن «من يبادر بالتسليم خلال هذه الفترة سيؤخذ ذلك في الاعتبار عند تحديد العقوبة»، في حين شدّد على أن «القانون سيطبَّق بحزم» بحق من وصفهم بـ«القادة والمحرِّضين ومثيري الشغب».

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

وفي سياق متصل، قالت وزارة الاستخبارات، في بيان جديد عن أحداث مدينة مشهد، ثاني كبريات المدن الإيرانية، إن الأجهزة الأمنية اعتقلت 192 شخصاً وصفتهم بأنهم «العناصر الرئيسية» في أحداث «إرهابية» شهدتها المحافظة خلال الأيام الماضية.

وحملت الوزارة هؤلاء المعتقلين مسؤولية مقتل ستة من عناصر الأمن ومواطنين، وإحراق مساجد ومرافق عامة وخدمية وحافلات، إضافة إلى مهاجمة مراكز عسكرية وأمنية.

وأضافت أن الاعتقالات جاءت عقب جمع «وثائق وأدلة» خلال الأيام الماضية، مشيرةً إلى أن التحقيقات كشفت ارتباط بعض الموقوفين بتيارات معادية وجماعات إرهابية و«فرق ضالة» لها صلات خارجية.

وذكرت الرواية الرسمية أن بين المعتقلين رؤوس عصابات بلطجة معروفة بالعنف، شاركوا مع أعوانهم في أعمال الشغب.

وأفادت الوزارة بضبط أسلحة نارية وبيضاء بحوزة الموقوفين، شملت مسدسات وبنادق كلاشنيكوف وأسلحة صيد وتمرد (وينشستر)، إضافة إلى خناجر وسيوف وقفازات ملاكمة وسكاكين ذبح وأقواس نشاب وسلاسل، مؤكدةً أن التحقيقات لا تزال متواصلة.

واندلعت أحدث موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكام في 28 ديسمبر (كانون الأول) على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، ولا سيما تدهور الأوضاع المعيشية. وشكّلت هذه التحركات أكبر تحدٍّ تواجهه القيادة الإيرانية منذ الحراك الاحتجاجي الذي استمر أشهراً في أواخر عام 2022، عقب وفاة مهسا أميني أثناء توقيفها من قبل شرطة الأخلاق بدعوى سوء الحجاب.

وخلال الأيام الأخيرة، تراجع زخم الاحتجاجات، فيما أكد مسؤولون حكوميون عودة الهدوء إلى البلاد، وذلك في أعقاب حملة أمنية واسعة النطاق. وتقول منظمات حقوقية إن هذه الحملة أسفرت عن مقتل الآلاف، وترافقت مع حجب واسع للإنترنت منذ الثامن من يناير (كانون الثاني).

واتهم مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاحتجاجات، معتبرين أن ما يصفونه بـ«أعمال الشغب» حرفها عن مسبباتها المعيشية. وكان مسؤولون قد أكّدوا في وقت سابق تفهمهم للمطالب الاقتصادية للمحتجين، لكنهم شددوا في المقابل على عدم التساهل مع «مثيري الشغب» و«المخربين».

جانب من مسيرات احتجاجية في مشهد شمال شرقي إيران الجمعة (تلغرام)

ونقلت وكالة «تسنيم»، التي تُعد من أبرز وسائل الإعلام القريبة من «الحرس الثوري»، الأسبوع الماضي، عن مسؤولين أمنيين تأكيدهم توقيف نحو ثلاثة آلاف شخص على هامش الاحتجاجات، في حين قدّرت منظمات حقوقية أن عدد الموقوفين أعلى من ذلك، وقد يصل إلى نحو 20 ألفاً.

وفي هذا السياق، قال المرشد الإيراني علي خامنئي، السبت، إن على الجمهورية الإسلامية «قَصْم ظهر مثيري الفتنة»، ووصف ترمب بأنه «مجرم» بسبب ما ألحقه بإيران من خسائر جراء دعمه المحتجين، مشيراً إلى سقوط «عدة آلاف من القتلى» خلال الاحتجاجات، ومحملاً المسؤولية لـ«إرهابيين ومثيري شغب» على صلة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

وتسعى طهران إلى ردع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تنفيذ تهديداته بالتدخل، بعدما توعد مراراً باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أقدمت إيران على إعدام محتجين. وقال ترمب، في مقابلة مع «بوليتيكو»، السبت، إن «الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران».

وحذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أن أي هجوم أميركي سيؤدي إلى «ردٍّ قاسٍ» من طهران، مضيفاً أن أي استهداف للمرشد علي خامنئي سيكون «بمثابة حرب شاملة على الأمة».


الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الانتقادات في المؤسسة الأمنية عموماً وفي الجيش الإسرائيلي بشكل خاص تزداد ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التفصيلية حول مستقبل قطاع غزة.

وظهر أن مسؤولين كباراً عديدين في الجيش يتبنون مواقف اليمين المتطرف، ويعدّون التصريحات المتفائلة الصادرة عن واشنطن بعيدة عن الواقع الأمني وتنقصها آليات تنفيذ، خصوصاً فيما يتعلق بنزع سلاح حركة «حماس» وهوية سلطة الحكم.

ووفق المصادر فإن الجيش «يطالب بتأجيل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، الذي يفترض أن يتم في إطار المرحلة الثانية».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

«إما نحن وإما هم»

وسارع وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، إلى تأييد الجيش وذهب بعيداً أكثر ليطلب إغلاق مقر القيادة الأميركية في كريات غات الذي يراقب الأوضاع في غزة.

وقال سموتريتش إن هناك حاجة ماسة لتصحيح «خطيئة» الانسحاب من غزة في عام 2005، مُعلناً، خلال خطابٍ ألقاه بمناسبة الاعتراف بمستوطنة ياتسيف الجديدة في الضفة الغربية، أن إسرائيل لا يمكنها «الانتظار 20 عاماً أخرى» للسيطرة على القطاع الساحلي الفلسطيني، وفق ما أوردته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي مناشدته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السيطرة على غزة، قال سموتريتش: «إما نحن وإما هم؛ إما سيطرة إسرائيلية كاملة، وتدمير (حماس)، ومواصلة قمع الإرهاب على المدى الطويل، وتشجيع هجرة العدو إلى الخارج، واستيطان إسرائيلي دائم، وإما -لا قدَّر الله- تبديد جهود وتكاليف الحرب وانتظار الجولة المقبلة».

«خطة ترمب سيئة لإسرائيل»

وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستحق الشكر الإسرائيلي لدوره في إعادة الرهائن، لكن «خطته سيئة لدولة إسرائيل» ويجب وضعها جانباً، مؤكداً أن «غزة لنا، ومستقبلها سيؤثر في مستقبلنا أكثر من أي طرف آخر»، لذلك يجب على تل أبيب «تحمُّل المسؤولية عمّا يجري هناك» و«فرض حكم عسكري».

ودعا إلى إغلاق مقر قيادة القوات الدولية في كريات غات، الذي تقوده الولايات المتحدة ومن خلاله تراقب الأوضاع في غزة وكيفية تطبيق خطة ترمب، حتى لو كان الثمن لذلك الاختلاف والصدام مع واشنطن.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث مع جنود خلال زيارته مركز التنسيق الدولي المدني العسكري جنوب إسرائيل أكتوبر الماضي (أ.ب)

كانت مصادر أمنية قد ذكرت، حسب صحيفة «هآرتس»، الاثنين، أنه توجد فجوة كبيرة بين رؤية الرئيس الأميركي ترمب لـ«غزة الجديدة»، التي تشمل حسب قوله تطوير البنية التحتية المدنية حتى بناء أبراج شاهقة، وبين التفاهمات الأمنية المقدمة للجيش الإسرائيلي حتى الآن.

وأضاف مصدر مطلع للصحيفة: «هذه خطط لا تتفق مع مفهوم الدفاع الجديد للجيش الإسرائيلي. على سبيل المثال، توجد نية لبناء أبراج شاهقة في غزة الجديدة تطل على مستوطنات الجنوب ومواقع الجيش الإسرائيلي. هذا لأمر لا يمكن تخيله بمنظار أمنى، وسيشكل تهديداً مباشراً على بلدات الغلاف، وعلى القوات في الميدان».

«حماس تسيطر بالفعل»

في الجيش الإسرائيلي يوضحون أنه حسب التفاهمات الآخذة في التبلور فإن «حماس» من شأنها أن يُنزع سلاحها خلال شهرين تقريباً. ولكنهم في جهاز الأمن يعترفون بأنهم حتى الآن لا يعرفون، هم أو الشاباك (المخابرات العامة)، عن قوة مستعدة أو قادرة على تنفيذ مثل هذه الخطوة.

وقال ضابط إسرائيلي كبير: «لا يوجد من سينزع سلاح (حماس)، والافتراض بأن قوات دولية هي التي ستفعل ذلك هو افتراض لا أساس له من الصحة، وبالتأكيد ليس في غزة القديمة، حيث تسيطر (حماس) بالفعل وستستمر في السيطرة حتى بعد بناء غزة الجديدة».

وحسب مصدر آخر، حذّر مسؤولون في الاستخبارات الإسرائيلية من محاولة «حماس» المستمرة لاستعادة قدرتها على إنتاج السلاح وقوتها العسكرية التي تضررت في الحرب.

تقييم مختلف للسلطة

لكن القيادات الأمنية الإسرائيلية تختلف مع الحكومة اليمينية في تقييمها للسلطة الفلسطينية، وتؤكد أنها تُفضل تسليمها قطاع غزة، على بقاء الوضع الحالي الذي تزدهر فيها قوة «حماس».

وحدة العمليات الخاصة 101 في الأمن الوطني الفلسطيني (موقع الأمن الوطني)

وحسب «هآرتس»، يعبّر هؤلاء عن إحباطهم وغضبهم من طريقة اتخاذ القرارات. حسب أقوال جهات رفيعة، فإن العملية كلها تتم من فوق رأسهم، من دون أن يُسمع موقفهم المهني أو يتم أخذه في الحسبان. «المستوى السياسي يُبعد منظومة الأمن عن النقاشات الجوهرية»، وفق تعبير مصدر أمنى رفيع سابق مطلع جيداً على الموضوع.

وعلى هذه الخلفية يطالب رئيس الأركان إيال زمير، بعدم السماح للجيش الإسرائيلي بالانسحاب من الخط الأصفر إلى حين نزع سلاح «حماس» بالفعل، وعدم فتح معبر رفح أمام حركة الغزيين إلى حين إعادة جثة ران غفيلي، وإنشاء آلية لمراقبة دخول مواد البناء؛ الأسمنت والحديد وما شابه من المواد، إلى القطاع من كثب من أجل منع نقلها إلى «حماس» لإعادة بناء شبكة الأنفاق التي تضررت في الحرب.

معدات ثقيلة على الجانب المصري من معبر رفح تنتظر الدخول إلى قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتؤكد الصحيفة على قضية أخرى تثير قلق المؤسسة الأمنية؛ هي الرؤية الأميركية لإقامة ميناء في قطاع غزة، ورغم أن الأمر ما زال يتعلق بفكرة وليس خطة عملية، فإن المؤسسة الأمنية على دراية بأن الولايات المتحدة ودول أخرى مشاركة في إعادة إعمار القطاع، بما في ذلك تركيا وقطر، تُظهر اهتمامها بإقامة ميناء يسمح بنقل البضائع مباشرةً إلى قطاع غزة.

وتُحذر مصادر أمنية من أن هذه الخطوة تحتاج إلى تنسيق كامل ودقيق مع الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية بسبب الأخطار الأمنية.