إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

تحديات اقتصادية هائلة تفرض نفسها على ولايته الثالثة داخلياً وتتطلب تغييرات هيكلية

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
TT

إردوغان إلى «تصفير» المشكلات مع الجوار ومواصلة «لعبة التوازن» بين الشرق والغرب

أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)
أنصار إردوغان يحتفلون بفوزه في ساحة تقسيم بإسطنبول الأحد (أ.ف.ب)

يواجه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، سلسلة تحديات داخلية وخارجية صعبة، تفرض عليه إجراء تغييرات هيكلية في السياسات التي اتبعها خلال فترتي رئاسته السابقتين.

يسعى إردوغان إلى «قرن تركيا»، وهو شعار حملته الانتخابية، ويعمل على الحفاظ على فكرة «تركيا القوية» المؤثرة في العالم، وتعزيزها.

حدد إردوغان الخطوط العريضة لسياسته الخارجية خلال حملته الانتخابية، وبدا أنها تشكل عودة جديدة إلى سياسة «صفر مشكلات مع دول الجوار» التي أسس لها مستشاره ووزير خارجيته ثم رئيس وزرائه الأسبق أحمد داود أوغلو الذي يقود الآن حزب «المستقبل» المعارض، بعد انفصال غاضب عن إردوغان وحزب «العدالة التنمية»، عقب صدام على منهج الإدارة.

تمكن إردوغان على مدى العامين الماضيين من ترميم كثير من الشقوق التي أحدثتها سياسته الخارجية في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن اختار وفريقه ما عُرفت بـ«سياسة العزلة القيّمة» التي خاضت إلى عزلة كاملة وشبه قطيعة مع محيط تركيا الإقليمي، لا سيما في الشرق الأوسط بعد انتفاضات ما سمي «الربيع العربي».

الانفتاح العربي

وتمكن إردوغان في المراحل الأخيرة قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي لم تكن نزهة أو عملاً سهلاً لـ«سيد الانتخابات» هذه المرة، من إعادة ضبط علاقات تركيا بدول الخليج العربي (السعودية والإمارات على وجه الخصوص)، وقطع شوطاً كبيراً في إعادة العلاقات مع مصر إلى مسارها الطبيعي، والذي تكلل في النهاية بالاتفاق على تبادل السفراء خلال اتصال هاتفي، الاثنين، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإردوغان لتهنئته بالفوز بالرئاسة.

تغييرات يرى الخبراء والمحللون أن إردوغان أُجبر فيها على التخلي عن عناده بسبب المتغيرات الدولية والإقليمية التي وضعت المنطقة أمام خيار «تجميع القوى» وتنحية الخلافات.

بقي أمام تركيا في علاقاتها مع المنطقة الملف السوري الذي يبدو الآن أنه أعقد الملفات، وأكثرها تطلباً للوقت، بسبب التباين حول الوجود العسكري التركي في الأساس.

يتطلب هذا الملف قرارات حاسمة وجذرية، أهمها إعلان تركيا انسحابها من شمال سوريا، لا سيما أن قبول الدول العربية عودة سوريا إلى الصف العربي يضفي مزيداً من القوة على موقف دمشق المطالب بالانسحاب، بينما تركيا لا تريد الانسحاب قبل أن تتأكد من القضاء على مشروع الحكم الذاتي الكردي الذي تواجه فيه ضغوطاً من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الداعمين لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا.

وداخل الملف السوري، هناك أيضاً قضية اللاجئين، وهي مسألة لا تعتمد فقط على حوار التطبيع بين أنقرة ودمشق برعاية روسيا ودعم إيران؛ لكنه يتطلب مساندة من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في توفير البنية التحتية والفوقية لاستيعاب اللاجئين والموافقة على خطط إعادة الإعمار. ولطالما كان ملف اللاجئين نقطة قوة وورقة ضغط في يد إردوغان في مواجهة الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أن بقاء إردوغان في السلطة سيضيف مزيداً من التعقيد إلى علاقات تركيا معه، وسيبقي على الباب الموصد في وجه أنقرة لاستئناف مفاوضات عضويتها المجمدة للانضمام إلى الاتحاد الذي يرى أن إردوغان لا يمكن أن يكون مخاطباً له فيما يتعلق بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

لعبة التوازنات

ويعتقد المحللون أن سياسة إردوغان تهدف إلى أن تستغل تركيا أفضل ما لديها من ميزات، تتمثل في موقعها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والشراكة مع الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الخلافات المتكررة لإردوغان مع شركائها الغربيين. ويتوقعون أن يواصل إردوغان أسلوبه التكتيكي المزدوج، واللعبة التي مارسها بين روسيا والغرب. وبدا ذلك واضحاً من خلال الرسائل الأولى التي صدرت عن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في أول تصريح بعد إعلان فوز إردوغان؛ حيث أكد أن تركيا لن تتراجع خطوة واحدة في ملفاتها الخلافية مع الولايات المتحدة، وأنها رفضت وستواصل رفض الضغوط الغربية عليها لفرض عقوبات على روسيا، كما أعلنت موسكو تطلعها إلى تعميق علاقاتها وتوسيع تعاونها الاقتصادي وفي المشروعات المختلفة مع تركيا.

وكشف إردوغان أيضاً عن توجهه إلى تنشيط علاقات تركيا بالجمهوريات التركية، أو «العالم التركي»، وربط مصالح هذه الدول بالتعاون مع تركيا. كما يتوقع أن يواصل سياسته المنفتحة على الصين وشرق آسيا ووسطها، على حساب العلاقات مع الحلفاء التقليديين في الغرب، وهو ما سيبقي على تصلب الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لتركيا، في إغلاق أبوابه أمام قبولها عضواً فيه. كما سيبقي العلاقات مع الولايات المتحدة تعمل وفق آلية «الصفقات» التي شكلت عنواناً لتلك العلاقات. وفي هذا الإطار، قد يقوم إردوغان بالموافقة على انضمام السويد إلى عضوية «الناتو»، مقابل حصول تركيا على مقاتلات «إف 16» من أميركا. مع الإشارة إلى أن تركيا ما زالت قادرة على الاضطلاع بدور يعتد به في تعزيز مصالح السياسة الأميركية، كما أظهرت ذلك من خلال اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود التي توسطت فيها مع الأمم المتحدة بين روسيا وأوكرانيا.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي التركي، مراد يتكين، أن حرص إردوغان على إعطاء مكانة خاصة لرسائل التهنئة من قادة العالم في خطابه بعد الفوز بالانتخابات، يعني أنه سيحافظ على الخط ذاته في السياسة الخارجية، معتبراً أن فوز إردوغان يتماشى مع الاتجاهات المتصاعدة للقومية على مستوى العالم، بحيث يمكن القول إن «إردوغان فاز وربح بعض القادة في العالمين الشرقي والغربي». وأضاف: «يمكننا أن نتوقع مزيداً من العلاقات المتشابكة مع روسيا ودول الخليج في الفترة المقبلة؛ لأن إردوغان يرى في ذلك مخرجاً في ظل الأوضاع الداخلية وتعقد العلاقات مع الغرب».

رجل يراقب أسعار العملات في محل صيرفة في إسطنبول الاثنين (أ.ب)

تحديات الداخل

في الداخل التركي يواجه إردوغان تحديات ربما تكون أكثر صعوبة مما يواجهه على صعيد السياسة الخارجية، تتمحور حول أزمة الاقتصاد، وغلاء المعيشة، والتضخم الجامح، وتدهور الليرة، وإحجام المستثمرين الأجانب عن العمل في تركيا، لعدم الثقة في سياسات إردوغان ونموذجه الاقتصادي غير التقليدي.

أكد إردوغان أنه سيواصل السير مع نموذجه الاقتصادي القائم على خفض الفائدة وزيادة الإنتاج ورفع النمو واجتذاب الاستثمارات الخارجية، واعداً بخفض التضخم. وهو خطاب لا يحمل أي تغييرات في السياسات التي قادت الاقتصاد التركي إلى أزمة عميقة على مدى 5 سنوات.

يقول خبراء الاقتصاد إن إردوغان يقدم كثيراً من الوعود في خطاباته الشعبوية؛ لكنه لا يفي إلا بالنذر اليسير منها، اعتماداً على انفراده بالسلطة وتيار المعارضة الضعيف، معتبرين أن سياساته الخاطئة هي أكبر أسباب الأزمة الاقتصادية، وأن اختياره التعاون مع روسيا على حساب الغرب هو أحد العوامل وراء أزمات تركيا الاقتصادية، من حيث التبادل التجاري والاستثمار الأجنبي، ومقدمين تراجع الليرة التركية منذ إعلان فوزه مجدداً بالانتخابات مؤشراً على أن اقتصاد البلاد سيتراجع، ولن يكون هناك تقدم باستثناء أرقام طفيفة.

وسجلت الليرة التركية أسوأ أداء لها في تاريخها، في تعاملات الثلاثاء، وهبطت إلى مستوى سحيق، وجرى تداولها عند 20.41 ليرة للدولار حسب السعر الرسمي، وعند 21.50 ليرة للدولار في أسواق الصرافة الحرة. وفقدت الليرة أكثر من 6 في المائة من قيمتها منذ بداية العام الحالي. وتوقع بنك «مورغان ستانلي» أنه إذا استمر إردوغان في الالتزام بسياسة الفائدة المنخفضة الحالية، فسيكون هناك خطر أن تنخفض قيمة الليرة التركية بنسبة 29 في المائة مقابل الدولار، وأن الليرة قد تنحدر إلى مستوى 28 ليرة للدولار الواحد بحلول نهاية العام؛ حسب مذكرة المستثمر المقدمة من المحللتين الاقتصاديتين في «مورغان ستانلي»، هاندا كوتشوك وألينا سليوسارتشوك. وأوضحت المذكرة أن «احتياجات التمويل الخارجي المرتفعة لتركيا ستؤدي إلى مخاطر كلية مستمرة، وما لم يتغير إطار السياسة الكلية الحالية، فستبدي تركيا حساسية متزايدة تجاه الصدمات العالمية (أسعار السلع والاحتياطي الفيدرالي) وتوفر تدفقات العملات الأجنبية من الشركاء الإقليميين».

وأوضح خبراء أن الاقتصاد ربما يتحسن فقط في حال غيَّر إردوغان من سياسته الخارجية تجاه الغرب؛ لكن الواضح أن إردوغان يفضل الاستمرار مع روسيا، وطلب مزيد من الدعم من دول الخليج التي أثنى على دورها في دعم الاقتصاد التركي أثناء حملته الانتخابية.

وقال مراد يتكين: «ينبغي لإردوغان أن يكون قادراً على تنفيذ سياسات التقشف التي يجب تنفيذها بسرعة، بسبب الانتخابات المحلية التي ستجرى بعد 10 أشهر، من جهة، ومثلث سعر الصرف والفائدة والتضخم من جهة أخرى. ولا نعلم ما مقدار الموارد الضرورية التي يمكن إيجادها بدعم من دول الخليج وروسيا».


مقالات ذات صلة

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ضرورة سعي الحلف إلى زيادة قدراته الدفاعية في ظل التقلبات المتزايدة في بيئة الأمن العالمي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)

أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الأربعاء، في أنقرة، أن الحلف «سيقوم دائماً بما يلزم للدفاع عن تركيا».

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

اعترض حلف شمال الأطلسي (ناتو) قاذفات استراتيجية ومقاتلات روسية حلّقت فوق بحر البلطيق يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

تحدثت صحف تركية عن خطة أوروبية بديلة حال انسحاب أميركا من «الناتو» وسيناريوهات لتحالف تركي - روسي - صيني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال فعالية في المنتدى الدبلوماسي بأنطاليا (أ.ب) p-circle

تركيا: انسحاب أميركا من البنية الأمنية الأوروبية قد يكون مدمراً

قال وزير الخارجية التركي، السبت، إن المناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار انسحاب محتمل للولايات المتحدة من «البنية الأمنية الأوروبية» أو التخفيف من تلك الآثار.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

ترمب يأمر باستهداف الزوارق الإيرانية

ABD Başkanı Donald Trump (AP)
ABD Başkanı Donald Trump (AP)
TT

ترمب يأمر باستهداف الزوارق الإيرانية

ABD Başkanı Donald Trump (AP)
ABD Başkanı Donald Trump (AP)

أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستهداف الزوارق الإيرانية في مضيق هرمز، في تصعيد مباشر يضغط على الهدنة الهشة، بالتوازي مع ضبط الجيش الأميركي ناقلة نفط مرتبطة بإيران، فيما دافعت طهران عن تقييد حركة الملاحة في الممر الحيوي.

وقال ترمب إنه وجّه البحرية إلى «إطلاق النار واستهداف أي قارب يزرع ألغاماً»، مؤكداً مضاعفة عمليات كاسحات الألغام. وأضاف أن إيران «لا تعرف من يقودها» في إشارة إلى ما وصفه بانقسامات داخلية، وهي تصريحات قوبلت بنفي إيراني رسمي.

وشدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي، على أن «إيران موحدة» ولا يوجد ما يسمى تيارات متصارعة، مؤكدين أن جميع مؤسسات الدولة تتحرك ضمن «مسار واحد»، وأن أي تصعيد سيواجه برد يجعل الخصوم «يندمون».

وواصلت القوات الأميركية عمليات التصعيد البحري، وضبطت الناقلة «ماجستيك إكس» في المحيط الهندي ضمن حملة تستهدف شبكات تهريب النفط الإيراني، في ثاني عملية من نوعها خلال أسبوع.

وأظهرت إفادة لقيادة «سنتكوم» إعادة أكثر من 30 سفينة وتوسيع الحصار البحري بانتشار عسكري واسع، بينما بث «الحرس الثوري» مشاهد إنزال واقتحام سفن قرب المضيق، في استعراض للسيطرة الميدانية.

ودافع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن الإجراءات الإيرانية، قائلاً إنها لحماية الأمن الوطني. وأظهرت مواقف النواب الإيرانيين تبايناً في مقاربة ملف مضيق هرمز بين نفي فرض رسوم رسمية على العبور، والتحدث في الوقت نفسه عن عائدات محصلة وإطار قانوني جديد قيد الإعداد.


أسراب الزوارق الإيرانية تزيد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
TT

أسراب الزوارق الإيرانية تزيد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)

استخدمت إيران سرباً من الزوارق الصغيرة الحجم والسريعة الحركة للاستيلاء على سفينتي حاويات بالقرب من مضيق هرمز، في إجراء يقوض الادعاءات بأن ​القوات الأميركية قد عطلت تهديدها البحري، ويكشف عن التحديات التي تواجه إعادة فتح أحد أهم طرق تصدير النفط في العالم.

وأقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، بأنه في حين تم تدمير الأسطول البحري التقليدي لإيران إلى حد كبير، فإن «السفن الهجومية السريعة» لم تكن تُعدّ تهديداً كبيراً.

وقال إن أي سفن من هذا النوع تقترب من منطقة الحصار الأميركي خارج المضيق سيتم القضاء عليها «فوراً» باستخدام «نظام القتل نفسه» الذي طُبق في البحر الكاريبي والمحيط الهادي، حيث ضربت غارات جوية أميركية قوارب يشتبه في أنها تنقل مخدرات وقتلت ما لا يقل عن 110 أشخاص.

ومع ذلك، لم تكن تلك الزوارق تهاجم سفناً تجارية كبيرة غير مسلحة، كما أنها ليست مدججة بالسلاح، إذ يتسلح «الحرس الثوري» الإيراني برشاشات ثقيلة وقاذفات صواريخ، وفي بعض الحالات، بصواريخ مضادة للسفن.

وتقول ‌شركة الأمن البحري ‌اليونانية «ديابلوس»، لوكالة «رويترز»، إن هجمات الزوارق السريعة تشكل الآن جزءاً من «نظام تهديدات متعدد الطبقات»، إلى ​جانب «الصواريخ ‌التي تطلق من ​الساحل والمسيّرات والألغام والتشويش الإلكتروني لخلق حالة من عدم اليقين وإبطاء عملية اتخاذ القرار».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

ويقدر متخصصون في الأمن البحري أن إيران كانت تمتلك المئات، إن لم يكن الآلاف، من هذه القوارب قبل الحرب، والتي كانت تخبأ في الغالب في أنفاق ساحلية أو قواعد بحرية أو بين السفن المدنية.

وقال كوري رانسلم، الرئيس التنفيذي لمجموعة «درياد غلوبال» للأمن البحري، إن نحو 100 قارب أو أكثر ربما تم تدميرها منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط).

تغيير في الخطط

قبل الأسبوع الحالي، كانت إيران تعتمد على الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة لاستهداف حركة الملاحة البحرية حول المضيق، وهو طريق يمر عبره عادة 20 في المائة من الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال. وتوقفت تلك الهجمات مع وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان).

وجاء احتجاز إيران لسفينتي الحاويات ‌في أعقاب فرض واشنطن حصاراً لمنع التجارة البحرية الإيرانية وبعد شروعها في ‌اعتراض ناقلات نفط مرتبطة بإيران وسفن أخرى.

وقال دانيال مولر، وهو محلل بارز ​في شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري: «صناعة النقل البحري المدني غير ‌مجهزة لمنع القوات المسلحة الإيرانية من الاستيلاء على السفن».

لقطات وزّعتها البحرية الأميركية لناقلة نفط تحاصرها زوارق إيرانية في مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وأضاف أنه عادة ما يتم استخدام نحو 12 قارباً في ‌عملية الاستيلاء.

وقال مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى، لوكالة «رويترز»، إن القوارب السريعة الإيرانية تشكل الآن «العمود الفقري» لاستراتيجية إيران البحرية، وهي قادرة على الانتشار بسرعة في إطار «حربها غير المتكافئة ضد العدو».

وأضاف المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «بفضل سرعاتها العالية جداً، يمكن لهذه القوارب تنفيذ هجمات كر وفر بنجاح دون أن يتم اكتشافها».

محدودية القوارب السريعة

قال مولر من شركة «أمبري» إن إيران استخدمت الزوارق الصغيرة والسريعة سبع مرات على الأقل منذ ‌عام 2019، بما في ذلك في عمليات الاستيلاء التي جرت هذا الأسبوع.

وقال مصدر إيراني مطلع إن الرياح العاتية والأمواج العالية في المياه الإقليمية الإيرانية خلال فصل الصيف تجعل من الصعب تنفيذ مثل هذه العمليات.

وأضاف المصدر: «عندما تكون المياه شديدة الاضطراب، لا يمكنهم (القوات المسلحة على متن القوارب) إطلاق النار».

وقال جيريمي بيني، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بشركة «جينز» للاستخبارات الدفاعية، إن الزوارق غير مجهزة أيضاً لمواجهة سفن حربية، ومن المرجح أن تتكبد «خسائر فادحة» في أي هجوم مباشر على إحداها.

وأضاف: «حتى لو حاولوا إرباك دفاعات السفينة بمهاجمتها من اتجاهات متعددة، فسيكونون مكشوفين بشدة للدعم الجوي الذي سيتم استدعاؤه».

وقال بيني إن الضربات الصاروخية الموجهة ستدمر هذه القوارب بسهولة، لكن قاذفات الصواريخ المحمولة على الكتف ستشكل تهديداً للطائرات الأميركية التي تحلق على ارتفاع منخفض.

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)

وأوضح: «سيكون القضاء على تهديد القوارب الصغيرة أصعب بكثير مما كان عليه تدمير السفن الحربية الإيرانية الأكبر حجماً، التي كانت أهدافاً كبيرة يسهل نسبياً العثور عليها وتعقبها، ولم تكن لديها، في أحسن الأحوال، سوى قدرة محدودة على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الجوية».

والحقيقة الماثلة بالنسبة لقطاع الشحن هي مزيد من الاضطراب بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين.

وقال دنكان بوتس، مدير شركة الاستشارات «يونيفرسال ديفينس آند سيكيوريتي سولوشنز» ونائب الأميرال السابق في البحرية الملكية البريطانية، إنه بعد ما سُميت «حرب ​الناقلات» في الثمانينات، زادت إيران من استخدام تكتيكات المواجهات غير ​المتكافئة مع تدمير البحرية الإيرانية فعلياً، كما هو الحال تماماً في الصراع الحالي.

وأضاف: «عندما تقول البحرية الأميركية والرئيس (لقد دمرنا البحرية، وأغرقنا فرقاطة قبالة سريلانكا)... لقد فعلتم ذلك من قبل، لكنكم نسيتم أن خصمكم هنا انتهج أسلوباً غير نمطي. وقد أتقنوا ذلك».


وصول حاملة الطائرات الأميركية «جورج بوش» إلى الشرق الأوسط

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
TT

وصول حاملة الطائرات الأميركية «جورج بوش» إلى الشرق الأوسط

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الخميس، وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى الشرق الأوسط، مما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية العاملة في المنطقة إلى ثلاث.

وقالت القيادة الوسطى الأميركية «سنتكوم»، في منشور على منصة «إكس»، إن الحاملة كانت تُبحر «في المحيط الهندي ضِمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، في 23 أبريل (نيسان) الحالي»، مرفقاً بصورة تُظهر سطحها المكتظ بالطائرات الحربية.

وتعمل حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الخميس، في البحر الأحمر، كما تعمل في المنطقة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، وفق منشورات لـ«سنتكوم» على شبكات التواصل الاجتماعي.

يأتي نشر حاملة الطائرات الثالثة في الشرق الأوسط، في خِضم هدنة مستمرة منذ أكثر من أسبوعين، أوقفت الضربات الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وكانت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» قد أبحرت إلى كرواتيا، حيث أُجريت فيها إصلاحات قبل عدة أسابيع، على أثر اندلاع حريق على متنها في 12 مارس (آذار) الماضي.

و«جيرالد فورد» تُبحر، منذ نحو عشرة أشهر شاركت خلالها في العمليات الأميركية بمنطقة البحر الكاريبي، حيث جرى تنفيذ ضربات على قوارب مُشتبَه بقيامها بتهريب مخدرات، واعترضت ناقلات نفط خاضعة لعقوبات.

كما شاركت في العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي أُلقي خلالها القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

وتُبحر مع كل من حاملات الطائرات مجموعة ضاربة تابعة لها.