الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة

رشا عوض تحلل روائع الأفلام من منظور علم النفس

الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة
TT

الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة

الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة

في كتابها «الأفلام والحياة» الصادر أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، تسعى الباحثة د. رشا مصطفى عوض إلى إعادة تفكيك عدد من روائع السينما في العالم من منظور علم النفس، وذلك بوضع العمل الفني في سياقات ثقافية واجتماعية وإنسانية أكثر شمولية، تخرجه من الإطار الضيق للنقد التقني الجمالي المباشر.

وتركز المؤلفة بشكل خاص على «البحث عن السعادة»؛ وهو فيلم سيرة ذاتيّة أميركي يستند إلى قِصة حقيقية ملهمة لشخص يدعى «كريس غاردنر» يسعى لمحاربة ظروف محبطة من حوله. الفيلم من إخراج غابرييل موكينو، وبطولة ويل سميث، إنتاج 2006، وتدور أجواؤه حول بطل يسعى بشتى السبل لتوفير سبل الراحة والسعادة لأسرته الصغيرة بعد أن تخلت عنه زوجته بسبب فقره.

وتشير رشا عوض إلى أنه في إحدى لياليه الطويلة، دخل كريس دورة مياه عامة في محطة قطارات مهجورة حاملاً معه ابنه الصغير بين ذراعيه، كان الليل ثقيلاً والأرض باردة كأنها تجسد حواف اليأس نفسه. جلس على الأرض وأسند ظهره إلى الجدار، وأغلق الباب بقدمه المرتجفة كمن يصد عن نفسه العالم بأسره بكل قسوته خلف لوح خشبي متهالك.

وتوضح المؤلفة أنه في ذلك الركن المظلم لم يكن يواجه الفقر فحسب؛ بل كان يصارع انكسار صورته الذاتية، وكان يقاتل كي لا يرى في عيني طفله النائم رجلاً مهزوماً. كانت تلك اللحظة بكل ما فيها من صمت أكثر من مشهد حرمان، كانت لحظة نادرة لانكشاف الإنسان على حقيقته حين تتساقط كل الأقنعة، فعندما تطردك الحياة من كل مأوى خارجي لا يبقى لك إلا مأواك الداخلي، وهناك في العزلة القسرية تولد الرؤية الحقيقية؛ تلك الشرارة التي لا تطفئها العتمة، بل توقظها في خضم الأزمات العنيفة.

في علم النفس العصبي، أثبتت الدراسات أن الدماغ يعيد ترتيب أولوياته تحت الضغط الشديد، بوصف ذلك رد فعل غزيرياً حين يشعر الإنسان بتهديد وجودي، فينشط الجهاز الحوفي المعرّف بمركز التحكم في الانفعالات والخوف، بينما يتراجع التفكير العقلاني المعتمد على التحليل. في تلك اللحظات يصبح الإنسان أكثر حساسية لما هو جوهري مثل البقاء والأمان والإرادة، وهكذا يفتح الألم نافذة غير متوقعة لرؤية الذات؛ لا كما نظهر للآخرين، بل كما هي في أصدق حالاتها.

من هذا الفهم ندرك أن العتمة ليست نقيض الرؤية؛ بل رحمها الأول كما كتب نيتشه في تأملاته حول الألم والخلق: «إن الإنسان لا يصنع ذاته إلا من خلال ما يكسره»، فكل كسر هو بداية جديدة لمن يجرؤ على النظر إلى الشظايا بوصف ذلك احتمالاً لإعادة التكوين.

في ذلك المشهد من الفيلم، نطالع رجلاً يحتضن طفله خلف باب متهالك، لندرك أن ما كان يولد هناك لم يكن مجرد مقاومة للفقر، بل ولادة لرؤية وجودية؛ رؤية لا تعد بحياة أسهل، بل تدعونا لأن نصبح أعمق، لا بالهرب من الألم بل بالعبور منه بكل هشاشتنا، وبكل رجائنا في أن يكون المعنى أقوى من المحنة، على حد تعبير المؤلفة.

غادر كريس غاردنر مأوى المشردين ممسكاً بيد ابنه؛ خطواته البطيئة تحمل وقعاً خاصاً، وعلى الرصيف البارد التقطت عيناه صورته منعكسة في نافذة سيارة متوقفة، فرأى ظل رجل لا يقاتل من أجل البقاء فقط، بل من أجل أن يظل جديراً بنفسه. وقف برهة ليمرر يده على شعره ويعدل ياقة قميصه وربطة عنقه البسيطة، لم يكن يزين مظهره ليخدع أحداً، بل ليرمم صورة داخلية عن ذاته؛ يدرك أنها هشة لكنها ثمينة، ولا يريد لها أن تتكسر مهما طال ليل المحنة.

من هنا، تخلص المؤلفة إلى أنه في لحظات السقوط القصوى يصبح الحفاظ على الاستقامة الداخلية بطولة يومية صامتة، فحين يُسلب منك كل شيء يتبقى لك خيار واحد فقط ألا تسمح لأحد، ولا حتى للظروف بأن تسلب منك شعورك بقيمتك. وهكذا، كان كريس كل صباح حين يقف أمام نافذة سيارة عابرة ويعدل مظهره كمن يشد بأصابعه على فتات حلمه، مردداً في صمته الحاد: «ما زلت هنا... ما زلت أحيا، وما زلت أستحق!».

«الشيطان يرتدي برادا»

تشتبك المؤلفة كذلك مع فيلم آخر شهير هو «الشيطان يرتدي برادا»، بطولة ميريل ستريب وآن هاثاواى، بوصفه عملاً درامياً كوميدياً شهيراً صدر عام 2006، ويتناول كواليس عالم الموضة وتحديات البيئة المهنية القاسية.

تدور القصة حول آندي ساكس؛ وهي خريجة صحافة طموحة وبسيطة لا تهتم بالأزياء، حيث تجد آندي نفسها مساعدة شخصية للمرأة المتسلطة ميراندا بريستلي، رئيسة تحرير مجلة «رانوي» المرموقة التي تضع مساعدتها الجديدة تحت ضغط هائل وتكلفها بمهام شبه مستحيلة.

ولا تتعامل المؤلفة مع الفيلم بوصفه مجرد دراما خفيفة تدور في كواليس صناعة الأزياء العالمية؛ بل تفككه بوصفه صراعاً وجودياً يمس جوهر «الإنسان العادي» في مواجهة إغراءات الحداثة الرأسمالية.

ينطلق التحليل من فرضية أن شخصية «ميراندا بريستلي» تمثل رمزية «الشيطان» بمفهومه المعاصر؛ وهي القوة التي لا تأتي بشكل مرعب، بل تتجسد في صورة بريق اجتماعي، وسلطة نافذة، وأزياء فاخرة تخطف الأبصار وتغوي النفوس للتخلي عن مبادئها الأصيلة.

وتركز رشا مصطفى على تتبع المنحنى النفسي للبطلة «آندي»، مشيرة إلى أن تحولها التدريجي يمثل عملية «قضم» مستمرة لروحها الإنسانية، حيث تبدأ برفض السطحية لتجد نفسها لاحقاً منغمسة في طقوس هذا العالم المزيف، مضحية بعلاقاتها الحقيقية؛ كأصدقائها وشريك حياتها، من أجل إرضاء متطلبات رئيسة عملها الإقصائية.

ويمنح السيناريو المشاهد فرصة فريدة للتأمل عبر مراقبة سقوط «ميراندا» الإنساني خلف قناع القوة؛ فالحياة الأسرية المنهارة والمجتمع المزيف المحيط بها يعملان كأنهما مجسم حي يكشف لآندي التكلفة الباهظة للنجاح الرأسمالي المشوه.

وتشير القراءة التحليلية هنا إلى أن اللحظة الحرجة في الفيلم تتمثل في قدرة آندي على «التوقف والرفض»؛ وهي لحظة التحرر النفسي التي اختارت فيها ألا تبيع روحها، متخلية عن هذا العالم بكل بريقه المغوي، والعودة إلى ذاتها الحقيقية.

وترى المؤلفة أن ثمة سؤالاً فلسفياً محورياً حول ما إذا كان الإنسان المعاصر يمتلك بعد النظر والوعي الكافي للرفض قبل فوات الأوان، أم أن المحاولات المستمرة لزعزعة استقراره ستجعل الحياة مجرد ركض خلف أوهام استهلاكية وصور تلتقطها عدسات الكاميرات.


مقالات ذات صلة

«الفكر النقدي اللامفكّر فيه» لعباس عبد جاسم

ثقافة وفنون عباس عبد جاسم

«الفكر النقدي اللامفكّر فيه» لعباس عبد جاسم

ضمن سلسلة «منشورات مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية»، صدر كتاب جديد للناقد العراقي عباس عبد جاسم بعنوان «الفكر النقدي اللامفكّر فيه» في 180 صفحة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون فلوبير

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي

شاكر نوري
ثقافة وفنون تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب

تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب

عندما شُيّد فندق «ليدرا بالاس» في خمسينات القرن العشرين لم يكن مجرد مبنى، بل كان رمزاً لدخول قبرص إلى العالم الحديث،

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون إمبرتو إيكو

العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية

كثيراً ما يتردد في اللقاءات والحوارات الثقافية سؤال القراءة من ناحية العزوف عنها، وهجران الكتاب الورقي. وعادة ما يُلقى باللائمة في الإجابة عن مثل هذا السؤال

د. نادية هناوي
يوميات الشرق الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» في نسختها الخامسة سيقام بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض الجمعة (هيئة الأدب)

الرياض تقطف ثمار الإبداع وتُتوّج فرسان «الشريك الأدبي» الجمعة

تنظم هيئة الأدب والنشر والترجمة في السعودية الحفل الختامي لمبادرة «الشريك الأدبي» بنسختها الخامسة الجمعة المقبل، بـ«مركز الملك فهد الثقافي» بالرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)