عندما شُيّد فندق «ليدرا بالاس» في خمسينات القرن العشرين لم يكن مجرد مبنى، بل كان رمزاً لدخول قبرص إلى العالم الحديث، تلك هي الفكرة الأساسية التي تنطلق منها الكاتبة كونستانتيا سوتيريو في روايتها المشوقة «براندي لاذع» الصادرة حديثاً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عباس عبد العزيز.
في هذا النص القصير المكثف، يجد القارئ نفسه إزاء لوحة إنسانية لأحلام وإخفاقات القرن العشرين المضطرب عبر ساكني الفندق غريبي الأطوار، فمنهم من يحاول أن يغرق أحزانه في كؤوس من الخمر مقنعة على شكل شاي. وهناك من يزرع سراً وردة من قريته بين حدائق الفندق الإنجليزية ليصنع منها شاي الورد، ومنهم الذي يواجه حر الصيف وأكاذيب السياسة بكوب من عصير الليمون. جميعهم شخصيات تتحرك على هامش التاريخ في عمل أدبي يقدم صورة حميمية، شديدة الخصوصية، لقصص هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مشهورين يوماً قبل أن يصبحوا صفحة مطوية من الماضي.
وفي تقديمه للعمل، يشير المترجم محمد عباس عبد العزيز إلى أن النص يتقاطع فيه الفن السردي مع الذاكرة السياسية والتفاصيل اليومية عبر الأسئلة الكبرى عن الهوية والانتماء والانقسام، حيث يتحول فندق ليدرا بالاس الواقع في قلب نيقوسيا من مجرد معلم عمراني إلى مركز سردي نابض يختزن في غرفه أسراراً وأصواتاً وجراحاً تتقاطع مع تاريخ قبرص الحديث.
تُشيد الرواية على هيكل روائي تتوالى فيه الحكايات كغرف متجاورة، حيث يشكل كل فصل غرفة مستقلة تؤوي شخصيات مختلفة وتقدم من منظورها الخاص جزءاً من الصورة العامة التي لا تكتمل إلا بتجميع أجزائها المتناثرة، من خلال أسلوب مكثف مقتصد في اللغة لكنه غني بالرمزية والانفعال المكتوم، مما يمنح النص توتراً سردياً داخلياً ويجعل القراءة تجربة شعورية مركبة.
من أبرز الجوانب الفنية للعمل اعتماد الكاتبة على الرموز الحسية من المشروبات والأعشاب مثل السوماتا والزيفتنيا والكمنداريا إلى الشاي بالنعناع وماء الورد، وتحمّلها دلالات تاريخية ونفسية فتغدو كل نكهة امتداداً لذاكرة وكل وصفة محاولة للشفاء، وبهذا تتحول التفاصيل الحياتية العابرة إلى إشارات دقيقة على الجراح العميقة التي لم تندمل وإلى طقوس داخلية تحفظ ما تبقى من هوية مهددة.
لا تكتب سوتيريو التاريخ نفسه، لكنها تروي انعكاساته على الأفراد عبر شخصيات مهمشة، رجل أو امرأة أو لاجئ أو تركي أو يوناني أو شاعر، أو خادمة تتناوب في السرد حاملة وجهات نظر متقاطعة تنبذ الثنائية الجامدة وتعيد الاعتبار إلى التعدد والاختلاف، من دون خطاب مباشر أو شحنة آيديولوجية ظاهرة بل من خلال سرد متقشف.
وُلدت كونستانتيا سوتيريو عام 1975 وتعد من أهم الأصوات الأدبية في قبرص المعاصرة، حيث قدمت عدداً من الروايات والمجموعات القصصية التي لاقت اهتماماً نقدياً واسعاً من أبرزها «عائشة تذهب في عطلة» و«البلاد المرة»، إلى جانب أعمال أخرى للكبار والأطفال.
حازت عام 2019 على «جائزة الكومونولث» العالمية للقصة القصيرة عن «طقوس الموت» في إنجاز لافت، كونها أول كاتبة تفوز بالجائزة عن عمل مترجم. تركز كتاباتها بشكل خاص على التجربة الإنسانية في قبرص وقضايا الذاكرة والهوية والانقسام السياسي مع اهتمام واضح بأصوات النساء والهامش الإنساني الذي غالباً ما يغفله التاريخ الرسمي.
ومن أجواء الرواية نقرأ:
«من بين جميع الأجانب الذين التقتهم في الفندق لم يبق في ذاكرتها سوى يوري جاجرين، لا الأميرة مارغريت ولا الممثلة أليكي فويوكلاكي، ولا حتى إليزابيث تايلور. وحده يوري جاجرين ظل محفوراً في ذهنها لأنه ذات يوم غادر الأرض وسافر إلى السماوات ورأى الأرض من بعيد والقمر عن قرب.
عندما تعود إلى قريتها خلال إجازتها القصيرة لزيارة عائلتها يكون اهتمامهم بالفندق وفخامته، لا أحد يستطيع تصديق أن كل غرفة فيها حمام خاص وأن صنابير الماء توفر الماء الساخن والبارد وأن النزلاء الأجانب يستطيعون الاستحمام يومياً إن أرادوا.
يتحدثون بدهشة عن قاعة الرقص وصالون تصفيف الشعر وملعب التنس، «ما هو التنس؟»، يتساءل الجميع لكنهم في الحقيقة يريدون أن يسمعوا عن الغرفة ذات الطراز الفينيسيي وقاعة الرقص الكبرى ذات الأرضية المصنوعة من خشب البلوط، عن الثريات المستوردة من إيطاليا وعن الرخام القادم من اليونان، يريدون أن يعرفوا عن السهرات الراقصة وفساتين النساء الأنيقة وتسريحات الشعر المزخرفة والمشروبات والمأكولات الفاخرة.
تحكي لهم بلا كلل عن الغرف الواسعة والأضواء البراقة والأرضيات الرخامية والنوافذ العالية التي تبدو من بعيد كأزهار اللافندر.
تجيب عن أسئلة أهل القرية بصبر لا يصدق، الجميع هناك يريد أن يعرف عن الفندق الكبير وعن الحياة بداخله، لكن لم يسألها أحد عن جاجرين. لا أحد في القرية يهتم بأنه سافر من الأرض إلى النجوم البعيدة أو أنه رأى القمر عن قرب، ربما لأنهم في لياليهم الهادئة يرون النجوم بوضوح ويمكنهم رؤية القمر عن قرب».


