على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

ارتبط الكاتب الفرنسي بالمكان ارتباط الابن البار بأمه

فلوبير
فلوبير
TT

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي - حيث ولد الكاتب في 1821 ورحل في 1880. وقد احتوى المتحف على جميع مقتنياته. كان المعرض الأول بعنوان «رحلة إلى بلاد إيما، عبر الدروب والأحلام» بعدسة «إيريك بينار»، في قلعة «مارتانفيل» (على بُعد 4 كم من «ري»). والثاني «هدوء، تصوير! في ديكورات مدام بوفاري»، وهو مسارٌ بصريّ يتتبّع مواقع تصوير أفلام «رينوار» و«شابرول» في «ليون - لا - فوريه».

ومن المعروف أن فلوبير قد استلهم معظم شخصيات رواياته من منطقة روماندي، الواقعة شمال غربي فرنسا، واستمد ديكوراتها من طبيعة أراضي المنطقة. وكانت عائلة «فلوبير» من جهة الأم قد ضربت بجذورها في أراضي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي الأرض ذاتها التي شهدت ولادة أمه «كارولين» عام 1793.

وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديداً إقليم «أوج»، في وجدان الكاتب أثمن ذكريات طفولته؛ حيث عاش أياماً تعبق بالبراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي اقتناها والده عام 1829.

وقبيل بضعة أشهر من وضع النقطة الأخيرة لقصته القصيرة «قلبٌ بسيط» في صيف 1876، اشتاقت روحه المتعبة لزيارة بلدة والدته الحبيبة التي رحلت عن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنينٌ طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - على غير عادته الصارمة - أن تتحدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعةً بندى تلك الأيام الخوالي، تحمل في طيّاتها أثراً لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة.

تمثال فلوبير

لقد ارتبط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتباط الابن البار بأمه؛ فلم تكن مجرد مسقط رأسه، بل الملاذ الروحي الذي صاغ وجدانه. فضّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيداً عن صخب باريس، ليُبدع في سكونها أعظم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحاً لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادراً حين ارتحل شرقاً لكتابة «سالامبو»، لتبقى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية.

وكان فلوبير قد أجرى، في خريف عام 1877، رحلة استكشافية توثيقية في «نورماندي السفلى»، حيث أسرته التكوينات الجيولوجية الفريدة المنبثقة من العصر الجوراسي، بمنحدراتها الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتخذ فلوبير من هذه التضاريس مسرحاً لمشروعه الروائي الساخر، جاعلاً منها ميداناً لبطليْه «بوفار» و«بيكوشيه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالبٍ من السخرية السوداء.

وفي هذه المنطقة، وفي عطلة صيفية بقرية «تروفيل» خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، اختبر الفتى «غوستاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قلبه السيدة الناضجة «إليزا شليزنغر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومثله الأعلى للجمال. وقد انعكس هذا العشق العميق لاحقاً في روايته «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنو» من طيف حبيبته، بينما جعل بطل الرواية «فريديريك» مرآةً لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين.

فاجعة تلهم مدام بوفاري

في عام 1848، شهدت قرية «ري» الفرنسية فاجعةً واقعية حين أنهت سيدة تُدعى «دلفين ديلامار» حياتها بتجرع الزرنيخ، هرباً من وطأة الديون الخانقة وصدمة تخلي عشيقها عنها، لتنطوي مأساتها في صمتٍ موحش. إلا أن هذه الحادثة المحلية العابرة أصبحت الشرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيما بوفاري» المتمردة، وحوّل قرية «ري» إلى بلدة «يونفيل - لاباي» الخيالية، مُخلّداً بذلك فاجعةً منسية لتغدو أيقونةً أبدية في تاريخ الأدب.

كتب «فيليب دوفور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»:

«لقد صاغ غوستاف فلوبير جوهر أسلوبه في (مدام بوفاري)، ليثبت عليه كقانونٍ لا يتبدّل. لقد تخلّى عن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تيار الواقعية الجارف. ولِكي يعكس وجه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُقصيها عن ذاته. الكاتبُ في نظره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفيٌّ يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظةً في التضحية بمشاهدَ قد تبدو خلّابة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضاً في شحّ الأحداث داخل رواياتٍ يبدو فيها العالم الماديّ متسيّداً على خبايا النفس البشرية. ورغم اعتناقه لمبدأ «الفن للفن» كمثلٍ أعلى للجمال، فإن لفلوبير رؤيته الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر سلاح سخريته اللاذعة في وجه «التقدم» المزعوم الذي كانت تعبده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الرداءة، راسماً صورةً لعالمٍ قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومضاتٍ عابرة من الحنان تجاه البائسين، ولحظاتٍ نادرة من الإنسانية والجمال الخالص».

عشق «فلوبير» الغوص في بحار المفردات التقنية الدقيقة، صاقلاً قلمه الذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِما يتمتع به من دقةٍ تشريحيةٍ لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصفٍ خالص، وبإحساساتٍ تُنقل بلمساتٍ انطباعيةٍ سريعة للألوان، والضوء، وكثيراً ما تكون للأصوات. ولا ريب أن هذا الجوّ المشحون يسهم - بشكل خفيّ - في رسم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصياغة الحبكة؛ فتأثير تلك الانعكاسات الضوئية على وجه «إيما» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الذي كان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» باستخدام الفعل الماضي الناقص المستمر (L›imparfait)، ليؤكد رتابة الزمن، وملل العيش، وثقل الديمومة الخاضعة لأعراف وتقاليد الأرياف الصارمة. من أهم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقرانه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافةٍ حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطراداتٍ شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «السريرية» المحايدة لما يدور أمام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقيناً ما الكلمة الأخيرة للكاتب!

يتسم أسلوب الكاتب بالدقة والإيقاع المضبوط عبر توظيف تقنية التجاور والاستخدام الذكي لعلامات الترقيم لخلق مساحات للتأمل. وتبرز في نصوصه روح الشاعر المهووس بالكمال الموسيقي، والذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنباً بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الخبايا النفسية لشخصياته. وتتجلى عبقريته هنا في قدرته على رسم المفارقات الإنسانية الصارخة بصرياً ونفسياً؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيادي الخشنة لخادمة أفنت عمرها في الشقاء.

من رماد المحاكمة إلى خلود قرطاج

في خريف عام 1857، وعقب خروجه منهكاً من محاكمة روايته «مدام بوفاري»، قرر غوستاف فلوبير هجر الواقعية الحديثة واللجوء إلى سحر الشرق والعصور القديمة. وقع اختياره على مدينة قرطاج لتخليد «حرب المرتزقة» التي دارت في القرن الثالث قبل الميلاد. ولأجل ذلك، سافر إلى تونس عام 1858 ليتشرب روح المكان وعبق ثقافته، مبدياً اهتماماً بالغاً بتفاصيل المشهد رغم أنه لم يجد حينها سوى أرضٍ جرداء وقناة مياه رومانية.

استغرق فلوبير خمس سنوات من البحث المضني في الآثار والمخطوطات ليبدع رائعته «سالامبو». لقد نسج ميثولوجيا كاملة حول كاهنة القمر «سالامبو» وزعيم المرتزقة «ماثو»، مستخدماً لغةً بصرية مرهفة وأسلوباً سينمائياً يضج بالعنف المكثف. والمثير للدهشة أن الحفريات الأثرية الدولية التي أُجريت في أواخر القرن العشرين أثبتت دقة تفاصيله التاريخية المذهلة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها محض خيال جامح.

ورغم الاستقبال المتناقض الذي حظيت به الرواية عند صدورها عام 1862، حيث هاجمها البعض ودافع عنها بشراسة عمالقة الأدب كـ«فيكتور هوجو»، فإنها تحولت سريعاً إلى أيقونة فنية ألهمت الأجيال. واليوم، يسعى المعرض المتنقل «سالامبو: غضب! شغف! أفيال!» لرد الاعتبار لهذه التحفة وإعادتها للواجهة، عبر عرض 350 قطعة فنية وأثرية تمزج بين أسرار كتابتها، والإبداعات البصرية المستلهمة منها، واللقى الأثرية الحقيقية لقرطاج، في رحلة بصرية تدعو للتأمل العميق.

هكذا يتم الربط بين أعمال الكاتب الروائية والمعارض التي تُقام لغرض فهم أوسع لإبداع الكاتب. فيما عدا رواية «سالامبو» التي استوحاها من قرطاج تونس، فإن أغلب رواياته استقاها، كما ذكرنا، من موطنه الأصلي منطقة النورماندي، بتراثها التاريخي العريق؛ حيث تضم دير مون سان ميشيل الأثري والمذهل المبني على جزيرة صخرية. كما تحمل شواطئها، مثل شاطئ أوماها، ذكرى عسكرية خالدة لكونها مسرحاً لعملية إنزال النورماندي التاريخية لتحرير أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب ثقلها التاريخي، تُعد المنطقة مهداً للفن الانطباعي، وتبرز فيها قرية جيفرني التي تحتضن منزل وحدائق الفنان «كلود مونيه»، والتي ألهمته لرسم أشهر لوحاته. وتتكامل هذه الروح الفنية مع طبيعة نورماندي الريفية الخلابة ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الساحرة، مثل منحدرات «إيتريتا» المطلة على المحيط الأطلسي. أما على صعيد فن الطهي، فتقدم نورماندي تجربة زراعية فريدة؛ فهي تشتهر بمنتجات التفاح كعصير السيدر ومشروب الكالفادوس، وأفخر أنواع الأجبان الفرنسية كجبنة كامامبير - ذات الرائحة القوية - فضلاً عن لحوم الضأن المتميزة، لتشكل بذلك وجهة استثنائية تجمع بين عبق التاريخ، وروعة الفن والطبيعة، وأصالة المذاق الفرنسي. ثم تتجلى روائع ابنها غوستاف فلوبير لتضفي على المشهد رونقاً آخر من الأدب الرفيع، عبر أسلوبٍ متفردٍ شكّل ثورةً حقيقيةً في أروقة الأدب الفرنسي.


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.