على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

ارتبط الكاتب الفرنسي بالمكان ارتباط الابن البار بأمه

فلوبير
فلوبير
TT

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي - حيث ولد الكاتب في 1821 ورحل في 1880. وقد احتوى المتحف على جميع مقتنياته. كان المعرض الأول بعنوان «رحلة إلى بلاد إيما، عبر الدروب والأحلام» بعدسة «إيريك بينار»، في قلعة «مارتانفيل» (على بُعد 4 كم من «ري»). والثاني «هدوء، تصوير! في ديكورات مدام بوفاري»، وهو مسارٌ بصريّ يتتبّع مواقع تصوير أفلام «رينوار» و«شابرول» في «ليون - لا - فوريه».

ومن المعروف أن فلوبير قد استلهم معظم شخصيات رواياته من منطقة روماندي، الواقعة شمال غربي فرنسا، واستمد ديكوراتها من طبيعة أراضي المنطقة. وكانت عائلة «فلوبير» من جهة الأم قد ضربت بجذورها في أراضي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي الأرض ذاتها التي شهدت ولادة أمه «كارولين» عام 1793.

وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديداً إقليم «أوج»، في وجدان الكاتب أثمن ذكريات طفولته؛ حيث عاش أياماً تعبق بالبراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي اقتناها والده عام 1829.

وقبيل بضعة أشهر من وضع النقطة الأخيرة لقصته القصيرة «قلبٌ بسيط» في صيف 1876، اشتاقت روحه المتعبة لزيارة بلدة والدته الحبيبة التي رحلت عن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنينٌ طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - على غير عادته الصارمة - أن تتحدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعةً بندى تلك الأيام الخوالي، تحمل في طيّاتها أثراً لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة.

تمثال فلوبير

لقد ارتبط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتباط الابن البار بأمه؛ فلم تكن مجرد مسقط رأسه، بل الملاذ الروحي الذي صاغ وجدانه. فضّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيداً عن صخب باريس، ليُبدع في سكونها أعظم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحاً لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادراً حين ارتحل شرقاً لكتابة «سالامبو»، لتبقى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية.

وكان فلوبير قد أجرى، في خريف عام 1877، رحلة استكشافية توثيقية في «نورماندي السفلى»، حيث أسرته التكوينات الجيولوجية الفريدة المنبثقة من العصر الجوراسي، بمنحدراتها الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتخذ فلوبير من هذه التضاريس مسرحاً لمشروعه الروائي الساخر، جاعلاً منها ميداناً لبطليْه «بوفار» و«بيكوشيه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالبٍ من السخرية السوداء.

وفي هذه المنطقة، وفي عطلة صيفية بقرية «تروفيل» خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، اختبر الفتى «غوستاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قلبه السيدة الناضجة «إليزا شليزنغر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومثله الأعلى للجمال. وقد انعكس هذا العشق العميق لاحقاً في روايته «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنو» من طيف حبيبته، بينما جعل بطل الرواية «فريديريك» مرآةً لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين.

فاجعة تلهم مدام بوفاري

في عام 1848، شهدت قرية «ري» الفرنسية فاجعةً واقعية حين أنهت سيدة تُدعى «دلفين ديلامار» حياتها بتجرع الزرنيخ، هرباً من وطأة الديون الخانقة وصدمة تخلي عشيقها عنها، لتنطوي مأساتها في صمتٍ موحش. إلا أن هذه الحادثة المحلية العابرة أصبحت الشرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيما بوفاري» المتمردة، وحوّل قرية «ري» إلى بلدة «يونفيل - لاباي» الخيالية، مُخلّداً بذلك فاجعةً منسية لتغدو أيقونةً أبدية في تاريخ الأدب.

كتب «فيليب دوفور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»:

«لقد صاغ غوستاف فلوبير جوهر أسلوبه في (مدام بوفاري)، ليثبت عليه كقانونٍ لا يتبدّل. لقد تخلّى عن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تيار الواقعية الجارف. ولِكي يعكس وجه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُقصيها عن ذاته. الكاتبُ في نظره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفيٌّ يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظةً في التضحية بمشاهدَ قد تبدو خلّابة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضاً في شحّ الأحداث داخل رواياتٍ يبدو فيها العالم الماديّ متسيّداً على خبايا النفس البشرية. ورغم اعتناقه لمبدأ «الفن للفن» كمثلٍ أعلى للجمال، فإن لفلوبير رؤيته الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر سلاح سخريته اللاذعة في وجه «التقدم» المزعوم الذي كانت تعبده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الرداءة، راسماً صورةً لعالمٍ قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومضاتٍ عابرة من الحنان تجاه البائسين، ولحظاتٍ نادرة من الإنسانية والجمال الخالص».

عشق «فلوبير» الغوص في بحار المفردات التقنية الدقيقة، صاقلاً قلمه الذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِما يتمتع به من دقةٍ تشريحيةٍ لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصفٍ خالص، وبإحساساتٍ تُنقل بلمساتٍ انطباعيةٍ سريعة للألوان، والضوء، وكثيراً ما تكون للأصوات. ولا ريب أن هذا الجوّ المشحون يسهم - بشكل خفيّ - في رسم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصياغة الحبكة؛ فتأثير تلك الانعكاسات الضوئية على وجه «إيما» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الذي كان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» باستخدام الفعل الماضي الناقص المستمر (L›imparfait)، ليؤكد رتابة الزمن، وملل العيش، وثقل الديمومة الخاضعة لأعراف وتقاليد الأرياف الصارمة. من أهم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقرانه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافةٍ حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطراداتٍ شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «السريرية» المحايدة لما يدور أمام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقيناً ما الكلمة الأخيرة للكاتب!

يتسم أسلوب الكاتب بالدقة والإيقاع المضبوط عبر توظيف تقنية التجاور والاستخدام الذكي لعلامات الترقيم لخلق مساحات للتأمل. وتبرز في نصوصه روح الشاعر المهووس بالكمال الموسيقي، والذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنباً بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الخبايا النفسية لشخصياته. وتتجلى عبقريته هنا في قدرته على رسم المفارقات الإنسانية الصارخة بصرياً ونفسياً؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيادي الخشنة لخادمة أفنت عمرها في الشقاء.

من رماد المحاكمة إلى خلود قرطاج

في خريف عام 1857، وعقب خروجه منهكاً من محاكمة روايته «مدام بوفاري»، قرر غوستاف فلوبير هجر الواقعية الحديثة واللجوء إلى سحر الشرق والعصور القديمة. وقع اختياره على مدينة قرطاج لتخليد «حرب المرتزقة» التي دارت في القرن الثالث قبل الميلاد. ولأجل ذلك، سافر إلى تونس عام 1858 ليتشرب روح المكان وعبق ثقافته، مبدياً اهتماماً بالغاً بتفاصيل المشهد رغم أنه لم يجد حينها سوى أرضٍ جرداء وقناة مياه رومانية.

استغرق فلوبير خمس سنوات من البحث المضني في الآثار والمخطوطات ليبدع رائعته «سالامبو». لقد نسج ميثولوجيا كاملة حول كاهنة القمر «سالامبو» وزعيم المرتزقة «ماثو»، مستخدماً لغةً بصرية مرهفة وأسلوباً سينمائياً يضج بالعنف المكثف. والمثير للدهشة أن الحفريات الأثرية الدولية التي أُجريت في أواخر القرن العشرين أثبتت دقة تفاصيله التاريخية المذهلة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها محض خيال جامح.

ورغم الاستقبال المتناقض الذي حظيت به الرواية عند صدورها عام 1862، حيث هاجمها البعض ودافع عنها بشراسة عمالقة الأدب كـ«فيكتور هوجو»، فإنها تحولت سريعاً إلى أيقونة فنية ألهمت الأجيال. واليوم، يسعى المعرض المتنقل «سالامبو: غضب! شغف! أفيال!» لرد الاعتبار لهذه التحفة وإعادتها للواجهة، عبر عرض 350 قطعة فنية وأثرية تمزج بين أسرار كتابتها، والإبداعات البصرية المستلهمة منها، واللقى الأثرية الحقيقية لقرطاج، في رحلة بصرية تدعو للتأمل العميق.

هكذا يتم الربط بين أعمال الكاتب الروائية والمعارض التي تُقام لغرض فهم أوسع لإبداع الكاتب. فيما عدا رواية «سالامبو» التي استوحاها من قرطاج تونس، فإن أغلب رواياته استقاها، كما ذكرنا، من موطنه الأصلي منطقة النورماندي، بتراثها التاريخي العريق؛ حيث تضم دير مون سان ميشيل الأثري والمذهل المبني على جزيرة صخرية. كما تحمل شواطئها، مثل شاطئ أوماها، ذكرى عسكرية خالدة لكونها مسرحاً لعملية إنزال النورماندي التاريخية لتحرير أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب ثقلها التاريخي، تُعد المنطقة مهداً للفن الانطباعي، وتبرز فيها قرية جيفرني التي تحتضن منزل وحدائق الفنان «كلود مونيه»، والتي ألهمته لرسم أشهر لوحاته. وتتكامل هذه الروح الفنية مع طبيعة نورماندي الريفية الخلابة ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الساحرة، مثل منحدرات «إيتريتا» المطلة على المحيط الأطلسي. أما على صعيد فن الطهي، فتقدم نورماندي تجربة زراعية فريدة؛ فهي تشتهر بمنتجات التفاح كعصير السيدر ومشروب الكالفادوس، وأفخر أنواع الأجبان الفرنسية كجبنة كامامبير - ذات الرائحة القوية - فضلاً عن لحوم الضأن المتميزة، لتشكل بذلك وجهة استثنائية تجمع بين عبق التاريخ، وروعة الفن والطبيعة، وأصالة المذاق الفرنسي. ثم تتجلى روائع ابنها غوستاف فلوبير لتضفي على المشهد رونقاً آخر من الأدب الرفيع، عبر أسلوبٍ متفردٍ شكّل ثورةً حقيقيةً في أروقة الأدب الفرنسي.


مقالات ذات صلة

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

«توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل علاقة الذات بالعالم

لا تنفصل البنية السردية في رواية بشرى الهلالي «توقيت آخر للحياة» (دار الحكمة، لندن) عن سياق السرديات العراقية المعاصرة المحكومة باستراتيجية المواجهة مع الصدمة؛

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون الكاتب الذي يموت مرتين

الكاتب الذي يموت مرتين

قد يموت الكاتب مرتين. مرة حين يتوقف الناس عن القراءة له، ومرة حين يوارى جسده في أعماق التراب. المفارقة أن الموت الأول قد يسبق الثاني بسنوات طويلة،

خالد الغنّامي

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.