فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

وضع ماركس في إطار تخييلي وجعله بطلاً لأحدث رواياته

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
TT

فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر

شاعر وروائي وباحث فلسفي وأكاديمي، هذه الوجوه الأربعة، برغم ما بينها من تباين، وقعت اتفاقية «تعايش سلمي» داخل تجربة فيصل الأحمر؛ الذي يعد أحد أبرز الأصوات في المشهد الجزائري الأدبي الراهن، محققاً انتشاراً لافتاً عبر بوابة الرواية، وأعمال سردية مميزة تتنوع ما بين الرواية التاريخية وأدب الخيال العلمي والأدب النفسي.

من أبرز أعماله «مدينة القديس أوغسطين»، و«أمين العلواني»، و«ضمير المتكلم»، وأخيراً «العشاء الأخير لكارل ماركس».

هنا حوار معه، حول هذه الوجوه الأربعة، وروايته الأحدث.

> ترتكز روايتك الأخيرة «العشاء الأخير لكارل ماركس» على واقعة تاريخية تتمثل في زيارة المفكر الألماني الشهير إلى الجزائر في أيامه الأخيرة عام 1882... ما الذي أثار حماسك في تلك الواقعة حتى تحولها إلى نقطة انطلاق لعمل إبداعي؟

- الرواية كلها ترتكز على ما يمكن أن يُدعى بـ«التفكير بالمنطق الافتراضي» أو «المنطق المعكوس»، إذ يضع الرياضيون فرضية قد تكون خاطئة عن قصد من أجل البرهنة على سلامة نمط معين في التحليل. لقد وقفت على رحلة ماركس إلى الجزائر من خلال رسائله وبعض التعليقات والأخبار المتفرقة، ولاحظت فقر تلك الرحلة بسبب المرض الشديد الذي ألَمَّ به، التهابات حادة في المسالك التنفسية، ثم وقفت جيداً عند ملاحظاته الهامة وإن قلّت حول الجزائريين من الأهالي؛ على اعتبار أنه قد كان هنالك جزائريون فرنسيو الأصل ساعتها.

أحاطت الرواية ماركس بإطار تخييلي مزج بين شخصيات واقعية حقيقية في مجملها وأخرى متخيلة أو مقتبسة من ملامح شخصيات وجدت حقاً، لكن بمعزل عن زيارة ماركس. وكان الجهد الأكبر هو محاولة بث الروح في زمن ولَّى ومضى، كل ذلك بهدف التأمل فيما نعيشه الآن في أيامنا من بقايا الاستعمار ورواسبه وتجلياته الجديدة.

> إلى أي حد تعكس تلك الرواية ولعك، على المستوى الشخصي، بالفلسفة وشراهتك في قراءة التاريخ؟

- أعتقد أنها رواية تشبهني كما قد عبّر مبكراً ثلاثة من أهم النقاد هم الجزائريان لونيس بن علي وطارق بوحالة والعراقي حسين القاصد. والواقع أن اشتغالي بالفلسفة من سنين طويلة ترك بصمة واضحة على الرواية التي بطلها مفكر كبير مستلقٍ على فراش المرض، هو شخصية ستكون كل مغامراتها الممكنة مغامرات داخلية بالضرورة. شخصية ماركس وهو شيخ داخل أيّة رواية ستكون متماشية مع نمط الحوار والتفكير، لا مع أحداث سريعة متسارعة ومغامرات صاخبة.

والواقع أنني كتبت رواية بطلها مفكر فيلسوف معروف، ولكنني ركزت على الحكايات الصغيرة الكثيرة التي أحاطت برحلته، وذلك ما بدا أنه قد راق للمتابعين والقراء والنقاد. نحن نمارس تفكيراً عميقاً من خلال الحكايات التي قد تبدو بسيطة وعادية أحياناً فيما هي تترجم تركيبات عقلية معقدة.

> انتقد البعض عبارة «العشاء الأخير» في العنوان باعتبارها «نمطية» و«مستهلكة»... كيف ترى الأمر؟

- ليس انتقاداً بقدر ما كان تساؤلاً يحمل استغراباً عميقاً حول فكرة الربط بين تيمة «العشاء الأخير» ذات الظلال الدينية وبين شخصية ماركس التي اشتهرت بالتحرك بين الإلحاد و«اللاأدرية». ومفتاح الحكاية هو أن ماركس كان يُكنى في بيته ومن قبل أقرب إنسان له في العالم؛ أقصد زوجته عالمة الاجتماع التي لا يشق لها غبار جيني فيستفالن، بكنية «رسولي الصغير» في إشارة ثلاثية إلى قصر قامته، وحمله لرسالة جديدة للإنسانية، وكذلك لحيته الكثة التي تميز الرسل كما يوصفون في الكتب المقدسة. أيضاً الرواية تنتهي بلقطة طويلة جداً هي وجبة عشاء صاخبة مثيرة لن يطيل ماركس المكوث في البلاد بعدها، فهو فعلاً عشاء أخير على عدة أصعدة.

> تنتمي الرواية إلى ما بات يطلق عليه «الرواية التاريخية» والتي تكاد تشكل التيار الأكبر في السرد العربي حالياً، لكن كثيرين يتهمون أدباء هذا اللون الإبداعي بـ«الاستسهال» و«الهروب من الواقع بحثاً عن وقائع جاهزة ومكتملة دون مجازفة إبداعية»... كيف ترد على ذاك؟

في كل مدارج الأدب وأنواع النصوص وفي كل العائلات الفنية أو الموضوعاتية يوجد الجيد والرديء، يوجد النقي والمشوب، يوجد ما يعمل عليه صاحبه كأنه ينحت حجراً، ويوجد كذلك ما يطويه صاحبه كشربة ماء من نهر جارٍ.

العبرة ليست بالاعتقاد بأن رواية من الخيال العلمي صعبة في حين أن رواية واقعية ستكون أسهل بالضرورة. هذا كلام لا يقنعني أبداً. أعتقد أن الرواية التاريخية صعبة جداً جداً وليست «حمار الروائيين» كما سماها أحدهم تأسياً بالتعبير التراثي الجميل «حمار الشعراء».

> ما سر شغفك بأدب الخيال العلمي الذي أنتجت فيه ثلاثة أعمال روائية؟

- الخيال العلمي يمنحك رئة خاصة جداً تتنفس بواسطتها هواءً نقياً جداً ومتميزاً جداً. هنا الكلمة المفتاحية هي الفكرة التي تنبني عليها الفلسفة: وضع فرضية مستقبلية لبعض إمكانات الواقع ثم دراستها بطريقة ملء الفراغات؛ إنه تمرين عقلي جميل، وكثيراً ما يمنحنا لذتين أكيدتين، الأولى هي تحقق بعض نبوءاتنا، وهذا لذيذ جداً ويدعو للفخر بشكل معين، والثانية هي الغرق في بناء عالم على الطريقة التي يقوم بها الأطفال وهم يبنون قصور رمال على الشاطئ؛ في تجربة يراها الكبار فارغة من المعنى فيما يتلذذ بها الصغار.

هذا الأمر يعبر عنه الفلاسفة تأسياً بمارتن هايديغر بشكل عميق حينما يرون أن سبب الحزن الملازم لإنسان الزمن الصناعي - المعاصر - الحداثي هو ذهاب البراءة المرتبطة بهامش المجهول الذي كان لدى إنسان الأزمنة القديمة، أو ما يسمونه «فقدان القدرة على الانبهار». الخيال العلمي كثيراً ما يلعب في هذه الزاوية وينجح في إعادة تأثيث عوالم عجيبة تدهشنا رغم كوننا مدججين بعدم الاستعداد للدهشة.

> هل يستطيع الخيال العلمي مواجهة «طوفان أدب الجريمة والرعب» الذي يجتاح الرواية حالياً على مستوى العالم؟

- لكل نوع مساراته. لو عدنا إلى السينما أو الأدب في الستينات والسبعينات شرقاً وغرباً وقلنا لأحدهم إن الإعلام الآلي سيتطور حتى يظهر الواقع الافتراضي ثم الذكاء الاصطناعي، وإن الفانتازيات والعجائبيات وأدب الجان والشياطين ساعتها ستكون هي الأوسع انتشاراً بين القراء، فلن يصدقنا.

أعتقد أن الفانتازيا وأدبيات الرعب والعالم الآخر ليست ظواهر أدبية بالمعنى العميق الجاد للكلمة، أعتقد أنها ظواهر تخص دور النشر أكثر مما تلمس الذوق الأدبي. هي كُتُب تولد مثل الفطريات وتذهب ليأتي غيرها مثل الفطريات. ذاكرة هذا النوع من الكتب قصيرة جداً. في حين أننا إلى غاية اليوم نقرأ «اللاز» للطاهر وطار، و«المتشائل» لإميل حبيبي، أو «مائة عام من العزلة» لماركيز و«عالم جديد فاضل» لألدوس هكسلي، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ. هذه ظواهر أدبية، أما الرعبيات والعوالم المظلمة فهي ذوق عابر بلا أثر على أديم الزمن فيما أرى.

> لك أكثر من ديوان شعري منها «الرغبات المتقاطعة» و«مجنون وسيلة»، لكنك متهم بكونك أحد «خونة الشعر» الذين تركوا القصيدة وارتموا في أحضان الرواية بحثا عن الشهرة والأضواء والجوائز؟

- إذا دخلت صفحتي على «فيسبوك» مثلاً؛ وهي صفحة ذات انتشار محترم وذات جمهور يعول عليه، ستجدين أهم ما ينشر فيها هو نصوص شعرية؛ مع ميل هذا العام صوب الكتابة الشعرية حول غزة وفلسطين والوجع العربي العميق، وكذلك انتشار مشهود لنصوص شعرية ذات اتجاه صوفي. أنا لم ولن أخون الشعر أبداً، وقلت سابقاً في أحد الحوارات: أنا إذا نمت حلمت بنفسي شاعراً قبل أي شيء آخر.

هذا لا ينفي أن الرواية تجد ردود فعل لدى القراء والنقاد والإعلاميين والجامعيين عشرات المرات أكثر مما يحظى به الشعر. وهذا واقع زمننا ولا مهرب لنا منه. ودعيني سيدتي الكريمة أقول لك إن الأمر جيد هكذا ولا حرج فيه. الشعر رفيق الصمت والهامش والانسحاب والليل، هو مثل الأجنة يحتاج العزلة والهدوء لكي ينمو نمواً جيداً.

> ألا يحد الناقد الأكاديمي من انطلاق المبدع بداخلك أحياناً... كيف تتعايش مع تلك الثنائية؟

- يُطرح عليّ هذا السؤال منذ ربع قرن من الزمن، ولعلي اليوم سأقول جديداً: أعتقد أن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أنني شخص «شيزوفريني»، انفصامي، هنالك في داخلي تعايش سلمي غريب بين الشاعر والروائي والأكاديمي. يبدو أنه لا أحد يزعج الآخر. معاهدات السلام الدائم التي ظل الساسة يحلمون بها من أقدم الأزمنة تحققت بداخلي بين الأجناس الكتابية المختلفة.

> أخيراً، كيف ترى المشهد الروائي الجزائري حالياً... ما أبرز الإيجابيات والسلبيات التي ترد فوراً إلى ذهنك؟

- الوضع في الجزائر كحاله في غيرها، نصوص كثيرة جميلة تصدر، بعضها لا يحظى بالعرفان الواجب بسبب الكثرة والتسرع والميل غير الصحي لبعض القراء أو النقاد أو بسبب شخصيات بعض الكتاب.

الجوائز الأدبية فرضت إيقاعاً خاصاً؛ بما لها من إيجابيات وسلبيات، جو من التنافس الإيجابي جداً والذي يميل أحياناً صوب الجانب السلبي أو التجليات المرضية المختلة. وقد أدى كل ذلك وطمعاً في الاعتراف الجماهيري الواسع أو طمعاً في المكافآت المالية المجزية إلى تكاثر النصوص وثراء التجارب.

ولكن هنالك ظاهرة سلبية عندنا في الجزائر أكثر مما هي الحال عليه في بلدان عربية أخرى: هي غياب منابر مختصة كبيرة، وكذلك انسحاب المنابر النقدية الموجودة سواء في أجهزة الإعلام أو في الجامعات والمؤسسات الثقافية من أداء دورها الهام في الغربلة، في منح نصوص معينة شارة الجودة، ومنع الشارة عن النصوص الأمشاج التي لم يتم نموها أو التي كُتبت بتساهل معين.

ثمة ملاحظة أخرى ذات طابع إيجابي، إنه الدخول الكمي والنوعي للمرأة إلى عوالم الكتابة الروائية. هنالك عدد معتبر من الكاتبات الشابات يصدرن رواياتهن الأوائل. وهذا مما يجدر بنا أن نعلي من شأنه في رأيي لأنه يحيل لخطوة ضرورية في النمو الحضاري يبدو أن مجتمعاتنا تقوم بها بسلامة وشجاعة. ولعله مما يبشر بغد جميل.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.