مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر
TT

مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر

أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي، وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي، وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَّته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصرالله، بناءً على نصيحة طبيبٍ تُركي، بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة مياهًا معدنيّة.

كان الجاسر في أواخر سنة ١٩٤٣ قد استوطنَ الخبر، بعدما أخبره الملك فيصل – نائب الملك وقتها في الحجاز – بتوجيهٍ من الملك عبدالعزيز أن ينتقل إلى الإقليم الشرقيّ بوظيفة مراقب تعليم على المدارس التي بدأت شركة "أرامكو" – في منتصف الأربعينات – بإقامتها في الأحساء والقطيف والجبيل، قبل نشوء المدن الجديدة في الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة، مع اكتشاف النفط في حقل الغوار.

وبين حين واخر كان يتردّد على جارِنا وصديقه خالد الفرج، الذي أصبح أوّلَ مديرٍ لبلدية القطيف، بعد استقدامه وأفراد قبيلته (الدواسر) من البحرين إلى الخبر، إثر المشادّة التي جرت بين الشاعر الوطنيّ القوميّ وبلغريف، معتمدِ بريطانيا المستعمِرة للبحرين – وقتذاك – بعد إلقاء الفرج قصيدةً وطنيّةً، استحثّ فيها أهالي البحرين للتخلّص من ربقةِ المستعمِر.

في أحد أيّام الخميس، نزل الجاسرُ متبضّعًا من سوق القطيف الأسبوعيّ، واقفًا في دُكّان علي الكسّار، الرجل الأُمّيّ، الذي يبيع قلّات التمر، وأنواعَ الخضروات، وسمكًا يصطاده الأهالي من ساحلِ مدينتِهم. وفي جانبٍ من حانوته (السّعفيّ) المتواضع، خصّصه الكسّار لبيع المخطوطات، فاشترى الجاسر بريالات قليلة سمكة، وكذلك مخطوطًا بعنوان الرّاموز في اللغة، تأليف الأدرنوي (٨٦٦–١٤٦٢). يعرفه الزّركلي في الأعلام بأنّه: "محمد بن حسن بن علي الأدرنوي: لغويّ بالعربيّة، من أهل أدرنة في بلادِ التُّرك. مات في طريقه إلى مكّة. له كتاب جامع اللغة، وله الرّاموز". اقتناه الشيخ حمد الجاسر بخطّ مؤلفه، ثم باعه إلى أحد أدباء مكّة" ويُقصد به الأستاذ أحمد عبدالغفور عطّار، إذ اضطرّ الجاسر لبيعه إيّاه بمبلغ مئتي جنيهٍ مصريّ، حين كان الجنيه – وقتذاك – يُعادل عشرة ريالات. ولنفاسة المخطوط، لم يكن الجاسرُ راضيًا بهذا المبلغ، بسبب ما أوهم به العطّارُ دارَ المخطوطات المصريّة بوجود نسخةٍ أُخرى من المخطوط في مكتبةِ الحرمِ المكّي ! ممّا زَهَّدَ فيه مسؤولَ الدار، فَقَدّره بأربعةَ عشرَ جنيهًا!!

على أيّ حال، فقد غادر الجاسر دُكّانَ الكسّار متأبّطًا المخطوطَ القديم، وحاملًا السمكةَ الطازجة إلى حمّام "أبو لوزة"، حيث حاول أن يُشبعَ جوعه بشواء السمكة، متسبّبًا في إشعال حريقٍ صغير، فرّ الناسُ منه بسبب دخانه الخانق. وقد جرى الجاسر هاربًا من هذا المأزق، بالقفز في ماء الحمّامِ الجوفيّ العميقِ الغَوْر. وهناك فوجئ به والدي، الذي كان موجودًا وحده، مستوحشًا من هذا البدويّ الأشعثِ الشعر، المُغَبَّرِ الوجه. فراح يبتعد عنه كلّما اقترب منه، غير أنّه استغرب من سؤاله عن تاريخ القطيف، ليدرك والدي على الفور أنّ السائل لم يكن سوى حمد الجاسر، إذ كان والدي يتابع مقالاته الأولى في مجلة "المنهل"، لصاحبها الأديب والمؤرّخ عبدالقدّوس الأنصاري. وبعد المؤانسة والمحادثة، طلب من والدي أن يوافيه بكتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤلف كتاب الأغاني. إلا أنّ والدي ضنّ بالكتاب عليه. وما هي إلا أيام حتى كان الجاسر يلبّي دعوة عمه عبدالله بن نصرالله – معتمد الملك عبدالعزيز، ومدير ماليّته في القطيف – إلى غداء في بيته على شرف وجيه الحجاز الأديب محمد سرور الصبّان، الذي أصبح وكيلاً لوزير المالية عبدالله بن سليمان. وبما أنّ المدعوّين من عليةِ القوم، تولّى والدي صبّ الماء من الإبريق لغسل أياديهم في الطشت. وحين جاء دور الجاسر، حدّق في وجه والدي، قائلًا له: "أنت صاحبي في الحمّام!"، فكفّ يديه عن الغسيل حتى جاءه والدي بالكتاب المطلوب.

لقد ذكر الجاسرُ في (سوانح ذكرياته) أنّه كان يُكثِرُ التردّدَ على القطيف، غاشيًا مكتباتِ أدبائها، وزائرًا بيوتَها العلميّة، مطّلعًا على نوادرَ المخطوطاتِ فيها. وممّا رآه مُجلَّدًا من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العُمري، يحوي أخبارَ الشعراء، وأجزاءً من خريدة العصر لابن بسّام الأندلسي. وقد صوّر صفحاتٍ من أحدها، وبعث بها إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب عزّام، الذي كان من المساهمين في نشر الكتاب. وممّا اطّلع عليه الجاسرُ في مكتباتِ القطيف نسخةً يصفها بالقيّمة من كتاب سلافة العصر لابن معصوم الموسوي، وهي نسخةُ المؤلّفِ الأصليّة، إذ وجد في طُرّتها ختمَ ابن معصوم وكتاباتٍ بخطّه.

لعلّ هذا ما بعثه لأن يمخرَ عبابَ البحرِ إلى البحرين، مستكشفًا عوالمَها، ومطّلعًا على نوادرِ نفائسِها، ومجتمعًا في نادي العروبة ببعضِ مثقّفيها وأدبائها (إبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، وعبدالعزيز الشملان، وحسن جواد الجشي). وقد أبدى الجاسرُ لوالدي إعجابَه بالأخير، بعدما استمعَ إلى محاضرته عن المذاهبِ الأدبيّةِ الحديثة. وكان الجشيّ واحدًا ممّن تحلّقَ حولَ مشروعِ أصدقائه التنويريّ في إصدارِ مجلة (صوت البحرين) سنة ١٩٤٨، صوتًا ثقافيًّا بنبرةٍ تجديديّةٍ وجرأةٍ في مطارحةِ القضايا الوطنيّة والقوميّة.

أَحسِبُ أنّ هذا هو ما شجّعَ الجاسرَ على التقدّمِ إلى الملك سعود – وليّ العهد آنذاك – بطلبِ إصدارِ جريدةٍ باسم "الرياض" سنة ١٩٥٠، تحوّلَ اسمُها لاحقًا إلى "اليمامة"، مستقطبًا للكتابةِ فيها أبرزَ أوائلِ خرّيجي الجامعاتِ المصريّةِ واللبنانيّةِ من الشبابِ النجديّ. وكان ما يدفعه إلى هذا المشروعِ الصحفيّ ما شاهده قبل ذلك في القاهرة، حين ابتُعثَ لدراسةِ التاريخِ في جامعتِها، "جامعة فؤاد الأوّل"، سنة ١٩٤٣. ولأنّه لم يكن حاصلًا على الثانويّةِ العامّة، ارتأى المؤرخ محمد شفيق غربال، عميدُ كليّةِ الآداب، أن يُحيلَ أمرَه إلى عميدِها السابق، الدكتور طه حسين، الذي امتحنَه شفويًّا، فوجدَ ما في جُعبةِ الجاسرِ من علم، وفي عقلِه من فِطنة، ما يؤهّله للقبولِ فورًا، وهو كذلك ما لمسه أيضًا الموسوعي أحمد أمين – الممتحنُ الآخر – في الجاسر. إلّا أنّه لم يدرسْ سوى سنةٍ واحدة، مقتنعًا بأنّ ما في حصيلته خيرٌ ممّا يتلقّاه في الجامعة، فعاد مع جُملةِ الطلّابِ السعوديين إلى المملكةِ إثرَ اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانية.

ولا شك فان ابتعاثه إلى القاهرة سنة ١٩٤٣ ، قد اثرى وعيه العام وهو يمكث في الدمام والخبر مدة اربع سنوات ، مستطيبا العيش في ربوع المنطقة الشرقية، وقد استقلت بحكمها الإداري تزامنا مع توسع أعمال شركة ارامكو ٠٠ فراح ينتقد أداءها في ما يتعلق بمهمته مراقبا للتعليم في مدارسها ، وقد اكتشف ان. الشركة ( الأمريكية ) لم تقم بواجبها على الوجه المطلوب، معبرا عن استيائه امام يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز ، متبرما من الأمكنة المتواضعة في بنائها وتجهيزاتها المدرسية ، حيث يلقي معلمو ( أرامكو )فيها على صغار العاملين السعوديين من البدو والفلاحين ، كلمات انجليزية نطقا وكتابة ،قبل ان يلموا بمعرفة لغتهم الأصلية ، وان أرامكو تعدهم لا لتولي أعمال رفيعة ، بل القيام من الأعمال أيسرها ، وأقلها جدوى في مستقبل حياتهم - كما يعبر الجاسر في كتابه ( سوانح الذكريات ).

لذلك حاولَ الاستقالةَ من هذه المهمّةِ التي فُرضت عليه، والبقاء في المنطقة الشرقية، لكنّه أضطر العودةِ إلى الرياض سنة ١٩٤٩، في وظيفةِ معتمدِ معارفِ نجد، محاولا بث روح من التجديد في مدارسها ، ثمّ عامِلًا على تأسيسِ كليّةِ الشريعةِ وكليّةِ اللغةِ العربيّة، وغيرها من المعاهد، التي كانت هي النواةَ لقيامِ جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميّة منتصفَ السبعيناتِ الميلاديّة.

بعد إقالته من إدارة الكليّتَيْن سنة ١٩٥٦، بسبب اصطدامه مع المحافظين، خاصّةً بعد زوبعة مقاله الشهير في مجلة "اليمامة" بعنوان (نهرو رسول السلام) – الزائر للرياض وقتذاك – انصرف الجاسر إلى الاهتمام بتطوير "اليمامة" جريدةً فمجلة، ومتفرّغًا للبحث العلميّ الميدانيّ في مشروعه الضخم (المعجم الجغرافيّ الحديث للبلاد السعوديّة)، إضافةً إلى اشتغاله الدؤوب في تحقيق المخطوطات التراثيّة المتعلّقة به. وقد زار من أجل ذلك عددًا وافرًا من المكتبات الوطنيّة، ودور المخطوطات في عواصم العرب، والشرق الآسيوي، والغرب الأوروبي، والأمريكي – طالع كتبه عن رحلاته – ممّا لفت إليه أنظار الباحثين ومحقّقي المخطوطات، وعلماء اللغة العربيّة، فانتُخب بقرارٍ رئاسيّ سنة ١٩٥٨ عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة. وقد استقبله الدكتور عبدالوهاب عزّام، عضو المجمع، بكلمةٍ ترحيبيّةٍ ضافيةٍ عن جهود الجاسر العلميّة ورحلاته البحثيّة وردّ الجاسر عليها في الصفحات ( ٥٧٠–٥٨٨ ) من المجلّد السادس من مجلّة "العرب" وهذا ما عبّر به الدكتور طه حسين، رئيس المجمع، عن الجاسر بقوله في محضر اجتماع المجمع في دورته الخامسة والعشرين سنة ١٩٥٩: «ملاحظاتُ الأستاذِ الزميلِ حمدِ الجاسرِ قيّمةٌ جدًّا، وللأستاذِ الزميلِ تخصّصُهُ ومعرفتُهُ الكاملةُ بالأماكنِ في الجزيرةِ العربيّة. فهو متخصّصٌ في هذا الموضوع، وأرجو أن يتفضّلَ بكتابةِ ملاحظاتِه على (المعجم العربيّ) ويزوّدَ اللجنةَ بها، وليثقْ أنّ اللجنةَ ستقدّره، فهو أعلمُ منّا بجزيرة العرب». بهذه الشهادةِ المجمعيّةِ العاليةِ استندتُ في ردّي على الأستاذ عزيز ضياء، الذي لم يكن مستطيبًا تلقيبِ حمدِ الجاسر بـ(علامة الجزيرة)، كما ورد في عددِ جريدة "الندوة" بتاريخ ٧ ذو القعدة ١٤١١هـ، موضّحًا أنّ تلقيبَ حمدِ الجاسرِ ، لم يأت من احد سوى الدكتور طه حسين، فهو اول من أطلقه و كان دائمًا ما يلقّب الجاسرَ في اجتماعاتِ المجمع بـ(العالِم).

هذا والجاسرُ يحدد منهجه في تحديد المواقع القديمة كما جاء في مقدّمة كتابه (شمال غرب الجزيرة)، بقوله : «لقد قمتُ بجولاتٍ طويلةٍ، قطعتُ فيها آلافَ الأميالِ في شرق الجزيرة ووسطها وشمالها وغربها وجنوبها، فخرجتُ من كلّ ذلك بملاحظاتٍ عنها. إنّ كثيرًا من معالم الجزيرة لا يزال مجهولًا، ومنها ما يقوم عليه الشعرُ العربيُّ القديمُ فهمًا ودراسةً محقّقةً. فهناك آلافُ المواقعِ – ولا أقول مئاتِها – لم يردْ لها ذِكرٌ في ما بين أيدينا من كتبِ الأمكنة... غيرَ أنّني رأيتُ أنّ هناك بعضَ المواقعِ التي ورد لها ذِكرٌ في الشعرِ القديم، هُيِّئ لي أنّني مررتُ بها أو عرفتها، فحدّدتُ مواضعَها... ورأيتُ أنّني في رحلاتي مررتُ بمواضعَ كثيرةٍ لم يُوفِّها المتقدّمونَ حقَّها من التحديد، وهي مواضعُ أثريّةٌ قديمةٌ، وردت كثيرًا في الشعرِ القديم، فحاولتُ أن أُوضّحَ ما أعرفُ عنها، معرفةً قائمةً على أساسِ المشاهدة».

يقف المرءُ إعجابًا أمامَ سيرةِ الجاسرِ العصاميّة الملهمة ببحثِه الدؤوب، ومواجهتِه الشجاعةِ لعديدٍ من التحدّياتِ التي مرّ بها ، منذ تفتّحِ وعيِه على التعلّمِ الدينيّ صبيا في مساجدِ الرياض، والدراسةِ شاباً في معاهدِ مكةَ المكرّمة، والعمل بعد ذلك بين مراقبةِ التعليمِ في "أرامكو"، ثمّ معتمديّةِ نجد، وخوضِ ريادةِ العملِ الصحفيّ. وكان نهجُه في مسيرته – كما يُعبّر في كتبِ رحلاتِه الممتعةِ وسيرتِه الشيّقة – «طأطئْ رأسَكَ حتى تمرّ!»؛ دون أن ينحنيَ أمامَ العواصف، شجاعًا في رأيه الحر ، شامخًا بشخصيّتهِ الفذّة، التي انتزعتِ الإعجابَ الرسميَّ قبلَ الشعبيّ، والنخبويَّ قبلَ الجماهيريّ، انتزاعًا تجاوزَ الحدودَ الوطنيّةَ إلى آفاقِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ ودوائرِ الاستشراقِ الغربيّ. ومع هذه المكانةِ العاليةِ التي حَظيَ بها، لم يتردّدْ في الأخذِ عمّن يقدّمُ له نقدًا أو يلفتُ نظرَه إلى قصور، بل إنّه – في سبيلِ حصولِه على المعلومةِ الدقيقة – كان يعرضُ ما لديه أمامَ أصغرِ تلاميذِه.

أتذكَّر هنا أنني كنتُ مدعوًّا إلى حفلِ عشاءٍ أقامه أحمد زكي يماني، في ذروةِ شهرتهِ وزيرًا للبترولِ والثروةِ المعدنيَّة، تكريمًا للشاعرِ محمَّد حسن فقي، بحضورِ أبرزِ أدباءِ الرعيلِ السعوديِّ الأوَّل، وفي طليعتهم حمد الجاسر. فلمَّا قمنا إلى مائدةِ العشاء، مالَ عليَّ الشيخُ الجليل، طالبًا مني أن أُبديَ ملاحظاتي على ما كتبه عن القطيف في موسوعته (المعجم الجغرافي الحديث للبلاد السعوديَّة). فأجبتُه: هناك من هو أعلمُ منِّي وأقدر، ممن بقي من أصدقائك القُدامى... فلماذا لا تُجدِّد عهدك بقطيف الأربعينات؟ وكان وقتها قد دعا والدي، في أحدِ أيَّامِ سنةِ ١٤٠٤هـ، إلى تناولِ طعامِ الإفطارِ معه في بيته الواقع في الشارع الذي يحمل اسمه، وما هي إلَّا أيَّامٌ إذا به يفاجئني بزيارةِ بيتِ والدي. لم أكن موجودًا ولا أبي في البيت وقتها، لكنَّه – إذ وجد البابَ مفتوحًا – دخل إلى حديقةِ البيت، مستظلًّا بشجرةِ اللوز التي يستطعم اكل ثمرها ، مستروحًا بعليلِ هواء اوراقها الخضراء ، الذي أنعش في نفسه ذكرياتِ السنواتِ الخوالي. وقد أقام له والدي بعدَ يومٍ عشاءً دعا إليه أصدقاءه من العلماءِ والأدباءِ والشعراءِ، الذين لم يُضيفوا شيئًا ذا بالٍ إلى ما كتبه الجاسر عن مدينتهم ! .

بعدَ هذهِ الزيارةِ بعامٍ، وجدَ الجاسر نفسَه محفوفًا بمشاعر حاشدةٍ وغامرةٍ من مجتمعِ القطيف، وهو يحضرُ حفلَ زفافي الأدبيَّ في حسينيَّةِ العوَّامي، إذ استمعَ الحضورُ إلى كلمةٍ منه، بجانبِ كلمةِ محمد سعيد المسلم، وقصيدةٍ مطوَّلةٍ من محمدٍ حسنٍ فقي، وأخرى من عدنان العوامي، ومداعبةٍ شعريَّةٍ من الدكتورِ غازي القصيبي، وأخرى مفاكهة من حسنِ السبع.

كما انه تفضَّلَ عليّ أكثرَ من مرَّةٍ بالتعقيبِ على ما نشرتُه في زاويتي (أصوات) بجريدة الرياض ، ومنها ما وجدتُه وأنا أراجعُ مؤخَّرًا بعضَ كتبِه ورحلاتِه، فوجدته يُعقِّب على مقالٍ نشرتُه فيها بتاريخ ١٧/٨/١٤١٧هـ، حولَ أوراقِ عبدالله فيلبي ووثائقِه، التي نُقلت إلى شركة "أرامكو" في ثمانيةٍ وثلاثينَ صندوقًا كبيرًا، ثم اكتُشف لاحقًا وجودها في كليَّة "سانت أنتوني" بلندن ! . كما اوضح ذلك الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن في تعقيبه على مقالي ذاك الذي دار حول زيارة فيوليت ديكسون ( ام سعود ) زوجة المعتمد البريطاني في كتابها ( أربعون عاماً في الكويت) في اليوم الذي كان فيه جورج رنتز من علاقات ارامكو يشرف على الصفقة التي عقدها مع عبده العنزي وكيلاً عن زوجة فيلبي البلوشية بمبلغ عشرة الاف دولار لنقلها إلى مكتبة شركة ارامكو.

وكنت طالبت بنقلِ أصولِها إلى دارةِ الملك عبدالعزيز، وهو ما ذكره الجاسر مؤيدًا فحوى المقالِ في كتابِه (رحَّالون غربيُّون في بلادِنا، ص ٢٦٩–٣٠٦)، مؤكِّدًا ما ذهبتُ إليهِ بقوله: "ما أوردتَه عن السيدة ديكسون هو الأقربُ إلى الحقيقة، إذ تشيرُ كلُّ الدلائلِ إلى أنّ وصولَ محتوياتِ مكتبةِ فيلبي إلى كليَّةِ سانت أنتوني في أوكسفورد تمَّ عن طريقِ أرامكو، وربَّما ليس عن طريق أرامكو كشركةٍ، وإنَّما بجهودٍ ذاتيَّةٍ من الدكتورِ رنتز، الصديقِ الشخصيّ للسيد فيلبي، وربما تنفيذًا لوصيَّة كتبها فيلبي قبلَ وفاتِه المفاجئة في بيروت عام ١٩٦٠. والغريبُ أنّ كليةَ سانت أنتوني، ومركزَ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ بها – الذي يضمُّ الأوراقَ الخاصَّة لمعظمِ السياسيين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، وخصوصًا في الجزيرةِ العربيَّة، والمقام بدعمٍ من حكومة دولة الكويت – لم يذكر فيه الدكتور ديريك هوبارد، المتخصِّصُ في دراسات الشرقِ الأوسط، والمشرفُ على المركزِ، الذي أعدَّ قوائمَ ببليوغرافيَّةً بمحتوياتِه، الكيفيَّةَ التي وصلت بها أوراقُ فيلبي إلى ذلكَ المركز، وما إذا كانت بالشراءِ، أو تنفيذًا لوصيَّةٍ مسبقة، أم كانت برغبةٍ من أسرتِه، أو من صديقِه الدكتور رنتز"

وكانَ الشيخُ الجاسرُ قد زارَ، برفقةِ عبدالعزيز بن معمر، مستشارِ الملكِ سعود، عبداللهَ فيلبي في أخريات حياتِه، فوجدَ في إحدى غرفِ بيتِ فيلبي غرفةً مملوءةً بالأوراقِ والوثائقِ والكتبِ النادرة، تتعلّقُ برحلاتِ فيلبي في ربوعِ المملكة، والتي شكّلت الأساسَ لما أصدرَه فيلبي عنها في كتبٍ عديدةٍ، تمركزت حولَ تاريخِها وجغرافيّتِها.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.