مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر
TT

مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر

أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي، وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي، وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَّته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصرالله، بناءً على نصيحة طبيبٍ تُركي، بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة مياهًا معدنيّة.

كان الجاسر في أواخر سنة ١٩٤٣ قد استوطنَ الخبر، بعدما أخبره الملك فيصل – نائب الملك وقتها في الحجاز – بتوجيهٍ من الملك عبدالعزيز أن ينتقل إلى الإقليم الشرقيّ بوظيفة مراقب تعليم على المدارس التي بدأت شركة "أرامكو" – في منتصف الأربعينات – بإقامتها في الأحساء والقطيف والجبيل، قبل نشوء المدن الجديدة في الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة، مع اكتشاف النفط في حقل الغوار.

وبين حين واخر كان يتردّد على جارِنا وصديقه خالد الفرج، الذي أصبح أوّلَ مديرٍ لبلدية القطيف، بعد استقدامه وأفراد قبيلته (الدواسر) من البحرين إلى الخبر، إثر المشادّة التي جرت بين الشاعر الوطنيّ القوميّ وبلغريف، معتمدِ بريطانيا المستعمِرة للبحرين – وقتذاك – بعد إلقاء الفرج قصيدةً وطنيّةً، استحثّ فيها أهالي البحرين للتخلّص من ربقةِ المستعمِر.

في أحد أيّام الخميس، نزل الجاسرُ متبضّعًا من سوق القطيف الأسبوعيّ، واقفًا في دُكّان علي الكسّار، الرجل الأُمّيّ، الذي يبيع قلّات التمر، وأنواعَ الخضروات، وسمكًا يصطاده الأهالي من ساحلِ مدينتِهم. وفي جانبٍ من حانوته (السّعفيّ) المتواضع، خصّصه الكسّار لبيع المخطوطات، فاشترى الجاسر بريالات قليلة سمكة، وكذلك مخطوطًا بعنوان الرّاموز في اللغة، تأليف الأدرنوي (٨٦٦–١٤٦٢). يعرفه الزّركلي في الأعلام بأنّه: "محمد بن حسن بن علي الأدرنوي: لغويّ بالعربيّة، من أهل أدرنة في بلادِ التُّرك. مات في طريقه إلى مكّة. له كتاب جامع اللغة، وله الرّاموز". اقتناه الشيخ حمد الجاسر بخطّ مؤلفه، ثم باعه إلى أحد أدباء مكّة" ويُقصد به الأستاذ أحمد عبدالغفور عطّار، إذ اضطرّ الجاسر لبيعه إيّاه بمبلغ مئتي جنيهٍ مصريّ، حين كان الجنيه – وقتذاك – يُعادل عشرة ريالات. ولنفاسة المخطوط، لم يكن الجاسرُ راضيًا بهذا المبلغ، بسبب ما أوهم به العطّارُ دارَ المخطوطات المصريّة بوجود نسخةٍ أُخرى من المخطوط في مكتبةِ الحرمِ المكّي ! ممّا زَهَّدَ فيه مسؤولَ الدار، فَقَدّره بأربعةَ عشرَ جنيهًا!!

على أيّ حال، فقد غادر الجاسر دُكّانَ الكسّار متأبّطًا المخطوطَ القديم، وحاملًا السمكةَ الطازجة إلى حمّام "أبو لوزة"، حيث حاول أن يُشبعَ جوعه بشواء السمكة، متسبّبًا في إشعال حريقٍ صغير، فرّ الناسُ منه بسبب دخانه الخانق. وقد جرى الجاسر هاربًا من هذا المأزق، بالقفز في ماء الحمّامِ الجوفيّ العميقِ الغَوْر. وهناك فوجئ به والدي، الذي كان موجودًا وحده، مستوحشًا من هذا البدويّ الأشعثِ الشعر، المُغَبَّرِ الوجه. فراح يبتعد عنه كلّما اقترب منه، غير أنّه استغرب من سؤاله عن تاريخ القطيف، ليدرك والدي على الفور أنّ السائل لم يكن سوى حمد الجاسر، إذ كان والدي يتابع مقالاته الأولى في مجلة "المنهل"، لصاحبها الأديب والمؤرّخ عبدالقدّوس الأنصاري. وبعد المؤانسة والمحادثة، طلب من والدي أن يوافيه بكتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤلف كتاب الأغاني. إلا أنّ والدي ضنّ بالكتاب عليه. وما هي إلا أيام حتى كان الجاسر يلبّي دعوة عمه عبدالله بن نصرالله – معتمد الملك عبدالعزيز، ومدير ماليّته في القطيف – إلى غداء في بيته على شرف وجيه الحجاز الأديب محمد سرور الصبّان، الذي أصبح وكيلاً لوزير المالية عبدالله بن سليمان. وبما أنّ المدعوّين من عليةِ القوم، تولّى والدي صبّ الماء من الإبريق لغسل أياديهم في الطشت. وحين جاء دور الجاسر، حدّق في وجه والدي، قائلًا له: "أنت صاحبي في الحمّام!"، فكفّ يديه عن الغسيل حتى جاءه والدي بالكتاب المطلوب.

لقد ذكر الجاسرُ في (سوانح ذكرياته) أنّه كان يُكثِرُ التردّدَ على القطيف، غاشيًا مكتباتِ أدبائها، وزائرًا بيوتَها العلميّة، مطّلعًا على نوادرَ المخطوطاتِ فيها. وممّا رآه مُجلَّدًا من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العُمري، يحوي أخبارَ الشعراء، وأجزاءً من خريدة العصر لابن بسّام الأندلسي. وقد صوّر صفحاتٍ من أحدها، وبعث بها إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب عزّام، الذي كان من المساهمين في نشر الكتاب. وممّا اطّلع عليه الجاسرُ في مكتباتِ القطيف نسخةً يصفها بالقيّمة من كتاب سلافة العصر لابن معصوم الموسوي، وهي نسخةُ المؤلّفِ الأصليّة، إذ وجد في طُرّتها ختمَ ابن معصوم وكتاباتٍ بخطّه.

لعلّ هذا ما بعثه لأن يمخرَ عبابَ البحرِ إلى البحرين، مستكشفًا عوالمَها، ومطّلعًا على نوادرِ نفائسِها، ومجتمعًا في نادي العروبة ببعضِ مثقّفيها وأدبائها (إبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، وعبدالعزيز الشملان، وحسن جواد الجشي). وقد أبدى الجاسرُ لوالدي إعجابَه بالأخير، بعدما استمعَ إلى محاضرته عن المذاهبِ الأدبيّةِ الحديثة. وكان الجشيّ واحدًا ممّن تحلّقَ حولَ مشروعِ أصدقائه التنويريّ في إصدارِ مجلة (صوت البحرين) سنة ١٩٤٨، صوتًا ثقافيًّا بنبرةٍ تجديديّةٍ وجرأةٍ في مطارحةِ القضايا الوطنيّة والقوميّة.

أَحسِبُ أنّ هذا هو ما شجّعَ الجاسرَ على التقدّمِ إلى الملك سعود – وليّ العهد آنذاك – بطلبِ إصدارِ جريدةٍ باسم "الرياض" سنة ١٩٥٠، تحوّلَ اسمُها لاحقًا إلى "اليمامة"، مستقطبًا للكتابةِ فيها أبرزَ أوائلِ خرّيجي الجامعاتِ المصريّةِ واللبنانيّةِ من الشبابِ النجديّ. وكان ما يدفعه إلى هذا المشروعِ الصحفيّ ما شاهده قبل ذلك في القاهرة، حين ابتُعثَ لدراسةِ التاريخِ في جامعتِها، "جامعة فؤاد الأوّل"، سنة ١٩٤٣. ولأنّه لم يكن حاصلًا على الثانويّةِ العامّة، ارتأى المؤرخ محمد شفيق غربال، عميدُ كليّةِ الآداب، أن يُحيلَ أمرَه إلى عميدِها السابق، الدكتور طه حسين، الذي امتحنَه شفويًّا، فوجدَ ما في جُعبةِ الجاسرِ من علم، وفي عقلِه من فِطنة، ما يؤهّله للقبولِ فورًا، وهو كذلك ما لمسه أيضًا الموسوعي أحمد أمين – الممتحنُ الآخر – في الجاسر. إلّا أنّه لم يدرسْ سوى سنةٍ واحدة، مقتنعًا بأنّ ما في حصيلته خيرٌ ممّا يتلقّاه في الجامعة، فعاد مع جُملةِ الطلّابِ السعوديين إلى المملكةِ إثرَ اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانية.

ولا شك فان ابتعاثه إلى القاهرة سنة ١٩٤٣ ، قد اثرى وعيه العام وهو يمكث في الدمام والخبر مدة اربع سنوات ، مستطيبا العيش في ربوع المنطقة الشرقية، وقد استقلت بحكمها الإداري تزامنا مع توسع أعمال شركة ارامكو ٠٠ فراح ينتقد أداءها في ما يتعلق بمهمته مراقبا للتعليم في مدارسها ، وقد اكتشف ان. الشركة ( الأمريكية ) لم تقم بواجبها على الوجه المطلوب، معبرا عن استيائه امام يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز ، متبرما من الأمكنة المتواضعة في بنائها وتجهيزاتها المدرسية ، حيث يلقي معلمو ( أرامكو )فيها على صغار العاملين السعوديين من البدو والفلاحين ، كلمات انجليزية نطقا وكتابة ،قبل ان يلموا بمعرفة لغتهم الأصلية ، وان أرامكو تعدهم لا لتولي أعمال رفيعة ، بل القيام من الأعمال أيسرها ، وأقلها جدوى في مستقبل حياتهم - كما يعبر الجاسر في كتابه ( سوانح الذكريات ).

لذلك حاولَ الاستقالةَ من هذه المهمّةِ التي فُرضت عليه، والبقاء في المنطقة الشرقية، لكنّه أضطر العودةِ إلى الرياض سنة ١٩٤٩، في وظيفةِ معتمدِ معارفِ نجد، محاولا بث روح من التجديد في مدارسها ، ثمّ عامِلًا على تأسيسِ كليّةِ الشريعةِ وكليّةِ اللغةِ العربيّة، وغيرها من المعاهد، التي كانت هي النواةَ لقيامِ جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميّة منتصفَ السبعيناتِ الميلاديّة.

بعد إقالته من إدارة الكليّتَيْن سنة ١٩٥٦، بسبب اصطدامه مع المحافظين، خاصّةً بعد زوبعة مقاله الشهير في مجلة "اليمامة" بعنوان (نهرو رسول السلام) – الزائر للرياض وقتذاك – انصرف الجاسر إلى الاهتمام بتطوير "اليمامة" جريدةً فمجلة، ومتفرّغًا للبحث العلميّ الميدانيّ في مشروعه الضخم (المعجم الجغرافيّ الحديث للبلاد السعوديّة)، إضافةً إلى اشتغاله الدؤوب في تحقيق المخطوطات التراثيّة المتعلّقة به. وقد زار من أجل ذلك عددًا وافرًا من المكتبات الوطنيّة، ودور المخطوطات في عواصم العرب، والشرق الآسيوي، والغرب الأوروبي، والأمريكي – طالع كتبه عن رحلاته – ممّا لفت إليه أنظار الباحثين ومحقّقي المخطوطات، وعلماء اللغة العربيّة، فانتُخب بقرارٍ رئاسيّ سنة ١٩٥٨ عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة. وقد استقبله الدكتور عبدالوهاب عزّام، عضو المجمع، بكلمةٍ ترحيبيّةٍ ضافيةٍ عن جهود الجاسر العلميّة ورحلاته البحثيّة وردّ الجاسر عليها في الصفحات ( ٥٧٠–٥٨٨ ) من المجلّد السادس من مجلّة "العرب" وهذا ما عبّر به الدكتور طه حسين، رئيس المجمع، عن الجاسر بقوله في محضر اجتماع المجمع في دورته الخامسة والعشرين سنة ١٩٥٩: «ملاحظاتُ الأستاذِ الزميلِ حمدِ الجاسرِ قيّمةٌ جدًّا، وللأستاذِ الزميلِ تخصّصُهُ ومعرفتُهُ الكاملةُ بالأماكنِ في الجزيرةِ العربيّة. فهو متخصّصٌ في هذا الموضوع، وأرجو أن يتفضّلَ بكتابةِ ملاحظاتِه على (المعجم العربيّ) ويزوّدَ اللجنةَ بها، وليثقْ أنّ اللجنةَ ستقدّره، فهو أعلمُ منّا بجزيرة العرب». بهذه الشهادةِ المجمعيّةِ العاليةِ استندتُ في ردّي على الأستاذ عزيز ضياء، الذي لم يكن مستطيبًا تلقيبِ حمدِ الجاسر بـ(علامة الجزيرة)، كما ورد في عددِ جريدة "الندوة" بتاريخ ٧ ذو القعدة ١٤١١هـ، موضّحًا أنّ تلقيبَ حمدِ الجاسرِ ، لم يأت من احد سوى الدكتور طه حسين، فهو اول من أطلقه و كان دائمًا ما يلقّب الجاسرَ في اجتماعاتِ المجمع بـ(العالِم).

هذا والجاسرُ يحدد منهجه في تحديد المواقع القديمة كما جاء في مقدّمة كتابه (شمال غرب الجزيرة)، بقوله : «لقد قمتُ بجولاتٍ طويلةٍ، قطعتُ فيها آلافَ الأميالِ في شرق الجزيرة ووسطها وشمالها وغربها وجنوبها، فخرجتُ من كلّ ذلك بملاحظاتٍ عنها. إنّ كثيرًا من معالم الجزيرة لا يزال مجهولًا، ومنها ما يقوم عليه الشعرُ العربيُّ القديمُ فهمًا ودراسةً محقّقةً. فهناك آلافُ المواقعِ – ولا أقول مئاتِها – لم يردْ لها ذِكرٌ في ما بين أيدينا من كتبِ الأمكنة... غيرَ أنّني رأيتُ أنّ هناك بعضَ المواقعِ التي ورد لها ذِكرٌ في الشعرِ القديم، هُيِّئ لي أنّني مررتُ بها أو عرفتها، فحدّدتُ مواضعَها... ورأيتُ أنّني في رحلاتي مررتُ بمواضعَ كثيرةٍ لم يُوفِّها المتقدّمونَ حقَّها من التحديد، وهي مواضعُ أثريّةٌ قديمةٌ، وردت كثيرًا في الشعرِ القديم، فحاولتُ أن أُوضّحَ ما أعرفُ عنها، معرفةً قائمةً على أساسِ المشاهدة».

يقف المرءُ إعجابًا أمامَ سيرةِ الجاسرِ العصاميّة الملهمة ببحثِه الدؤوب، ومواجهتِه الشجاعةِ لعديدٍ من التحدّياتِ التي مرّ بها ، منذ تفتّحِ وعيِه على التعلّمِ الدينيّ صبيا في مساجدِ الرياض، والدراسةِ شاباً في معاهدِ مكةَ المكرّمة، والعمل بعد ذلك بين مراقبةِ التعليمِ في "أرامكو"، ثمّ معتمديّةِ نجد، وخوضِ ريادةِ العملِ الصحفيّ. وكان نهجُه في مسيرته – كما يُعبّر في كتبِ رحلاتِه الممتعةِ وسيرتِه الشيّقة – «طأطئْ رأسَكَ حتى تمرّ!»؛ دون أن ينحنيَ أمامَ العواصف، شجاعًا في رأيه الحر ، شامخًا بشخصيّتهِ الفذّة، التي انتزعتِ الإعجابَ الرسميَّ قبلَ الشعبيّ، والنخبويَّ قبلَ الجماهيريّ، انتزاعًا تجاوزَ الحدودَ الوطنيّةَ إلى آفاقِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ ودوائرِ الاستشراقِ الغربيّ. ومع هذه المكانةِ العاليةِ التي حَظيَ بها، لم يتردّدْ في الأخذِ عمّن يقدّمُ له نقدًا أو يلفتُ نظرَه إلى قصور، بل إنّه – في سبيلِ حصولِه على المعلومةِ الدقيقة – كان يعرضُ ما لديه أمامَ أصغرِ تلاميذِه.

أتذكَّر هنا أنني كنتُ مدعوًّا إلى حفلِ عشاءٍ أقامه أحمد زكي يماني، في ذروةِ شهرتهِ وزيرًا للبترولِ والثروةِ المعدنيَّة، تكريمًا للشاعرِ محمَّد حسن فقي، بحضورِ أبرزِ أدباءِ الرعيلِ السعوديِّ الأوَّل، وفي طليعتهم حمد الجاسر. فلمَّا قمنا إلى مائدةِ العشاء، مالَ عليَّ الشيخُ الجليل، طالبًا مني أن أُبديَ ملاحظاتي على ما كتبه عن القطيف في موسوعته (المعجم الجغرافي الحديث للبلاد السعوديَّة). فأجبتُه: هناك من هو أعلمُ منِّي وأقدر، ممن بقي من أصدقائك القُدامى... فلماذا لا تُجدِّد عهدك بقطيف الأربعينات؟ وكان وقتها قد دعا والدي، في أحدِ أيَّامِ سنةِ ١٤٠٤هـ، إلى تناولِ طعامِ الإفطارِ معه في بيته الواقع في الشارع الذي يحمل اسمه، وما هي إلَّا أيَّامٌ إذا به يفاجئني بزيارةِ بيتِ والدي. لم أكن موجودًا ولا أبي في البيت وقتها، لكنَّه – إذ وجد البابَ مفتوحًا – دخل إلى حديقةِ البيت، مستظلًّا بشجرةِ اللوز التي يستطعم اكل ثمرها ، مستروحًا بعليلِ هواء اوراقها الخضراء ، الذي أنعش في نفسه ذكرياتِ السنواتِ الخوالي. وقد أقام له والدي بعدَ يومٍ عشاءً دعا إليه أصدقاءه من العلماءِ والأدباءِ والشعراءِ، الذين لم يُضيفوا شيئًا ذا بالٍ إلى ما كتبه الجاسر عن مدينتهم ! .

بعدَ هذهِ الزيارةِ بعامٍ، وجدَ الجاسر نفسَه محفوفًا بمشاعر حاشدةٍ وغامرةٍ من مجتمعِ القطيف، وهو يحضرُ حفلَ زفافي الأدبيَّ في حسينيَّةِ العوَّامي، إذ استمعَ الحضورُ إلى كلمةٍ منه، بجانبِ كلمةِ محمد سعيد المسلم، وقصيدةٍ مطوَّلةٍ من محمدٍ حسنٍ فقي، وأخرى من عدنان العوامي، ومداعبةٍ شعريَّةٍ من الدكتورِ غازي القصيبي، وأخرى مفاكهة من حسنِ السبع.

كما انه تفضَّلَ عليّ أكثرَ من مرَّةٍ بالتعقيبِ على ما نشرتُه في زاويتي (أصوات) بجريدة الرياض ، ومنها ما وجدتُه وأنا أراجعُ مؤخَّرًا بعضَ كتبِه ورحلاتِه، فوجدته يُعقِّب على مقالٍ نشرتُه فيها بتاريخ ١٧/٨/١٤١٧هـ، حولَ أوراقِ عبدالله فيلبي ووثائقِه، التي نُقلت إلى شركة "أرامكو" في ثمانيةٍ وثلاثينَ صندوقًا كبيرًا، ثم اكتُشف لاحقًا وجودها في كليَّة "سانت أنتوني" بلندن ! . كما اوضح ذلك الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن في تعقيبه على مقالي ذاك الذي دار حول زيارة فيوليت ديكسون ( ام سعود ) زوجة المعتمد البريطاني في كتابها ( أربعون عاماً في الكويت) في اليوم الذي كان فيه جورج رنتز من علاقات ارامكو يشرف على الصفقة التي عقدها مع عبده العنزي وكيلاً عن زوجة فيلبي البلوشية بمبلغ عشرة الاف دولار لنقلها إلى مكتبة شركة ارامكو.

وكنت طالبت بنقلِ أصولِها إلى دارةِ الملك عبدالعزيز، وهو ما ذكره الجاسر مؤيدًا فحوى المقالِ في كتابِه (رحَّالون غربيُّون في بلادِنا، ص ٢٦٩–٣٠٦)، مؤكِّدًا ما ذهبتُ إليهِ بقوله: "ما أوردتَه عن السيدة ديكسون هو الأقربُ إلى الحقيقة، إذ تشيرُ كلُّ الدلائلِ إلى أنّ وصولَ محتوياتِ مكتبةِ فيلبي إلى كليَّةِ سانت أنتوني في أوكسفورد تمَّ عن طريقِ أرامكو، وربَّما ليس عن طريق أرامكو كشركةٍ، وإنَّما بجهودٍ ذاتيَّةٍ من الدكتورِ رنتز، الصديقِ الشخصيّ للسيد فيلبي، وربما تنفيذًا لوصيَّة كتبها فيلبي قبلَ وفاتِه المفاجئة في بيروت عام ١٩٦٠. والغريبُ أنّ كليةَ سانت أنتوني، ومركزَ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ بها – الذي يضمُّ الأوراقَ الخاصَّة لمعظمِ السياسيين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، وخصوصًا في الجزيرةِ العربيَّة، والمقام بدعمٍ من حكومة دولة الكويت – لم يذكر فيه الدكتور ديريك هوبارد، المتخصِّصُ في دراسات الشرقِ الأوسط، والمشرفُ على المركزِ، الذي أعدَّ قوائمَ ببليوغرافيَّةً بمحتوياتِه، الكيفيَّةَ التي وصلت بها أوراقُ فيلبي إلى ذلكَ المركز، وما إذا كانت بالشراءِ، أو تنفيذًا لوصيَّةٍ مسبقة، أم كانت برغبةٍ من أسرتِه، أو من صديقِه الدكتور رنتز"

وكانَ الشيخُ الجاسرُ قد زارَ، برفقةِ عبدالعزيز بن معمر، مستشارِ الملكِ سعود، عبداللهَ فيلبي في أخريات حياتِه، فوجدَ في إحدى غرفِ بيتِ فيلبي غرفةً مملوءةً بالأوراقِ والوثائقِ والكتبِ النادرة، تتعلّقُ برحلاتِ فيلبي في ربوعِ المملكة، والتي شكّلت الأساسَ لما أصدرَه فيلبي عنها في كتبٍ عديدةٍ، تمركزت حولَ تاريخِها وجغرافيّتِها.



المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي
TT

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي

في هذا الوقت العصيب تفقد القضية الفلسطينية، وليد الخالدي، كبير مؤرخيها الذي كرس أكثر من 70 عاماً من عمره ليوثق ويدقق ويحقق فيما أصاب فلسطين من تحولات بسبب الصهيونية وانعكاسات خططها على بلاده، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. مفكر عربي، قومي، منفتح وملتزم في آن، وقيمة إنسانية وعلمية يصعب تعويضها.

أسلم وليد الخالدي الروح في مدينة كامبريدج، مكان إقامته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الثامن من مارس (آذار) الحالي، بعد أن عاش مائة سنة وسنة، ينتظر العودة إلى القدس. توفي تاركاً مجموعة كبيرة من المؤلفات تناهز الأربعين، وجيلاً من الطلاب والبحاثة الذين تتلمذوا على يديه، وأكثر ما اهتم به هو تاريخ فترة النكبة، وما حدث تدريجياً بعدها وعلى إثرها، مع إعادة كتابة حكاية مئات القرى التي اندثرت، وعملت إسرائيل على وأدها.

عائلة علم وتأريخ

ولد في القدس عام 1925 لعائلة مقدسية معروفة بالعلم، والده هو الكاتب وعميد الكلية العربية في القدس أحمد سامح الخالدي، أما والدته إحسان فهي شقيقة المؤرخ الفلسطيني أمين عقل. أما جده فهو راغب الخالدي الذي أنشأ أول مكتبة عربية في القدس عام 1900. والده وجده، هما العالمان اللذان كان لهما أكبر الأثر في تنشئته وتشكيل وعيه الأول.

تخرج الخالدي في جامعة أكسفورد سنة 1951، ودرّس فيها الفلسفة الإسلامية حتى عام 1956؛ إلا أنه وبسبب مواقفه المبدئية، استقال عام 1956 احتجاجاً على دور بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل ليعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت التي بقي فيها حتى عام 1982، ثم التحق بعد ذلك ليعمل باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية، وبقي يحاضر في جامعات أميركية عدة، منها برنستون وأوكسفورد، متنقلاً في مهماته بين الولايات الأميركية وبيروت، ثم انتخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.

المؤسسات البحثية أولاً

من أهم إنجازاته، تركيزه الدائم على بناء المؤسسات البحثية وتطويرها. فهو أحد مؤسسي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت عام 1963، وبقي أميناً عاماً لها وحريصاً على أن تحتفظ هذه المؤسسة بالرصانة والاستقلالية والكفاءة. وهو أيضاً أحد مؤسسي «النادي الثقافي العربي» في بيروت الذي نعاه، مذكراً بأنه رئيسه الأسبق من عام 1958 ولغاية 1959، وأحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمّان، وجمعية التعاون الفلسطينية. وهو من أسس مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، التي أنشأها جده في حي باب السلسلة في البلدة القديمة، وتقدم لزوارها أكبر مجموعة خاصة من المخطوطات العربية في فلسطين.

ولحماية هذه المكتبة من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء عليها، أسس عام 1988 في أميركا ما سماه «جمعية أصدقاء مكتبة الخالدي»، وتولى رئاستها؛ فيما كانت وظيفتها الأساسية جمع التمويلات بشكل منتظم للمكتبة في القدس، للوقوف في وجه التهديدات التي تتعرض لها من السلطات الإسرائيلية. وهو كذلك من مؤسسي «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (1975)، و«مركز الدراسات المسيحية - الإسلامية» في جامعة جورجتاون.

بذلك يكون وليد الخالدي قد ترك إرثاً كبيراً يتجاوز الكتب إلى التخطيط لما بعد مماته. ولكن حتى مؤلفاته ليس هدفها آنياً. أبرزها كتابه «كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دُمّرت عام 1948» وثّق فيه قصص مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، مدعماً عمله بالخرائط والوثائق التاريخية والصور. فهو ممن يؤمنون بأن الكلمة يجب أن تقترن بالمرئي الذي هو عنده جزء من العمل لإيصال المعلومة وتثبيتها. لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين.

«النكبة وما تبعها» محور أبحاثه

فهو كتاب موسوعي، لا مثيل له، عن القرى الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأخليت من سكانها عام 1948. فقد وثق 418 قرية فلسطينية دمرت وعرضها مع الخرائط والصور والتفاصيل الديموغرافية. نوع من إعادة بناء نظرية للمكان، على أمل أن ينتفض حياً حين تسنح الفرصة.

المكتبة الخالدية في القدس أخذت الكثير من جهده

مؤلفات الخالدي تدور في أغلبها حول تلك المرحلة المفصلية عند النكبة «قبل الشتات: التاريخ المصوَّر للشعب الفلسطيني 1876 - 1948»، مدللاً على وجود مجتمع حضري متطور في فلسطين وليس مجرد بشر متناثرين لا هوية تربطهم، كما يدّعي الصهاينة. كذلك «الصراع العربي الإسرائيلي والانتداب الجديد: موازين القوى والأطراف الرئيسية»، وكتابه الذي خصصه لمجزرة «دير ياسين»، و«الصهيونية في مائة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1897 - 1997»، و«خمسون عاماً على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية»، و«فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل» مجموعة مقالات ومحاضرات له، صدرت بالشراكة بين «مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والنادي الثقافي العربي».

ووليد الخالدي الذي له صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية متنقلاً بين الجامعات العربية والأميركية، لُقّب بـ«حافظ الذاكرة الفلسطينية». فقد كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ وجغرافية القدس، وتقسيماتها، وتطور أحيائها السكنية، ومساحة كل حي، وقصته، وكيف انتزعت الصهيونية كل جزء منه، بل هو كان حريصاً على أن يوثق هذه المعلومات التي يتوصل إليها، شاملاً كل فلسطين.

دبلوماسي حين يلزم

لم يكن الخالدي بعيداً عن السياسة، فهو مؤرخ واعٍ لدوره، وكثيراً ما يشبه بدور إدوار سعيد، بل البعض اعتبر دوريهما مكملين في الجامعات الأميركية والدوائر البحثية هناك.

كان من أوائل من دعوا إلى حل الدولتين، في مقالته التي نشرت عام 1978 في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، بعنوان «التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة». مقالة أطلقت شرارة أولى لمناقشات حول فكرة تشكيل دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كتب عديدة، بينها «القدس مفتاح السلام» اعتبر أن هذه المدينة الإشكالية هي المكان الذي منه تبدأ الحلول، ودون تسوية تاريخية للمشكلة الفلسطينية ستبقى المنطقة مشتعلة.

لذا وجدناه مشاركاً في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رغم أنه لم يكن عضواً منخرطاً، في منظمة التحرير الفلسطينية.

حرص على استقلاله الأكاديمي والفكري، لكنه لم يتردد في لعب أي دور دبلوماسي يخدم المصالح العربية والفلسطينية، رافضاً أن ينخرط الفلسطينيون في الصراعات الداخلية للدول العربية، خاصة حين أصبحوا طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.

كتب للأجيال المقبلة

وإضافة إلى إيمانه بدور المؤسسات في البحث والتقصي، وتوثيق المعلومة للأجيال المقبلة، التي لا بد من حفظها لتوظيفها لاحقاً، في استعادة الحق في الأرض والوطن والهوية، آمن وليد الخالدي بدور القادة في صناعة التاريخ، وقيمة الإنسان في توجيه دفة الأحداث. فخصص بعضاً من كتاباته لشخصيات اعتبرها مفاتيح مثل كتابه عن «محمد عزة دروزة» وهي سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته، حررها وقدم لها الخالدي وصدرت في جزأين. كذلك كتاباته عن العالم والشاعر السوري عبد الغني النابلسي الذي عُرف بدعوته للتسامح مع اليهود والمسيحيين. وقام وليد الخالدي بتحقيق ونشر مخطوطة جده روحي الخالدي عن الصهيونية عام 2021، بعد أن احتفظ بها طويلاً. وهي تُعد أول دراسة عربية وضعت عن الموضوع. كما قام الخالدي بتحقيق ونشر مذكرات رشيد الحاج «الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين: مذكرات رشيد الحاج»، لما له من دور مقاوم خلال النكبة.

وبوصفه جزءاً من مشروع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أشرف الخالدي على ترجمة مذكرات بن غوريون وموشيه شاريت من العبرية إلى العربية.


لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»