«كتاب الشعر»... من ملحمة جلجامش إلى ديريك والكوت

اشترك في وضعه 13 ناقداً وباحثاً وأستاذاً جامعياً

«كتاب الشعر»... من ملحمة جلجامش إلى ديريك والكوت
TT

«كتاب الشعر»... من ملحمة جلجامش إلى ديريك والكوت

«كتاب الشعر»... من ملحمة جلجامش إلى ديريك والكوت

لماذا كانت القافية والتكرار والروي من الأمور المهمة في الشعر؟ ما الفرق بين شكل سوناتة (قصيدة من أربعة عشر بيتاً) للشاعر الإيطالي بترارك، وسوناتة بالعدد نفسه من الأبيات للشاعر الإنجليزي شكسبير؟ لماذا تُعد قصيدة ت. س. إليوت «الأرض الخراب» من أهم وثائق الحداثة في شعر القرن العشرين؟ هذه وغيرها أسئلة يجيب عنها «كتاب الشعر» (The Poetry Book) الذي يمثل جهداً جماعياً، إذ لا يحمل اسم مؤلف أو محرر، وإنما اشترك في وضعه ثلاثة عشر ناقداً وباحثاً وأستاذاً جامعياً، وصدر في لندن خلال العام الماضي 2023، عن دار «دورلنج وكندرسلي» للنشر في 336 صفحة، في إخراج طباعي جميل مُحلى بصور ملونة تضم صوراً فوتوغرافية لعدد من الشعراء وأغلفة دواوينهم، ولقطات من أفلام، ولوحات من الفن التشكيلي بريشة كبار الفنانين.

يقدم الكتاب أهم نماذج الشعر العالمي بمختلف اللغات، شرقاً وغرباً، منذ ملحمة جلجامش السومرية، من الألفية الثانية قبل الميلاد حتى يومنا هذا. وينقسم الكتاب زمنياً إلى ستة أقسام تحمل هذه العناوين: أساطير وأبطال، عالم العصور الوسطى، الإحياء والميلاد الجديد، العقل والجليل، العصر الحديث، حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والحقبة المعاصرة، مع نماذج من شعر كل قسم.

أساطير وأبطال (نحو 2100 ق.م - نحو 700 م)

تمثل هذه الحقبة طفولة الإنسانية وخطوها نحو الرشد، وتجسد ميل الإنسان الغريزي إلى الحكي والجمع بين معطيات الواقع وسبحات الخيال. وقد وصلتنا آثارها في هيئة لوحات طينية من بلاد ما بين النهرين، وصلوات وترانيم وأهازيج فولكلورية من الصين، وملحمة مهابهاراتا السنسكريتية، وملحمتيْ هوميروس «الإلياذة» و«الأوديسا»، وقصائد سافو أول شاعرة إغريقية عظيمة، وأناشيد الشاعر الإغريقي بندار، وأناشيد الشاعر اللاتيني هوراس، وسفر «نشيد الإنشاد» في «العهد القديم» من الكتاب المقدس، وكتاب «التحولات» (أو «مسخ الكائنات» بترجمة الدكتور ثروت عكاشة) للشاعر اللاتيني أوفيد.

من أقدم هذه الآثار ملحمة جلجامش التي تحمل اسم بطل سومري كان ملكاً على مملكة أوروك، بعد طوفان اجتاح الأرض (للملحمة ترجمة عربية بقلم طه باقر، وأخرى بقلم عبد الغفار مكاوي). عندما بلغ جلجامش طور الرجولة، استعاد مملكته بعد حصار طويل. واتسمت الفترة الأولى من حكمه لها بالصرامة والقسوة فجلب له سكان المملكة رجلاً يُدعى إنكيدو كي يصرفوه عن البطش بهم. ونشأت صداقة عميقة بين الرجلين، كانا يذهبان معاً إلى الغابات لقطع الأشجار كي يزوّدا المدينة بما تحتاج إليه من أخشاب. ولكن الكوارث لا تلبث أن تنهال على المدينة، خصوصاً بعد أن بعثت الإلهة عشتار بثور السماء الذي يتسبب في جفاف الأرض سبع سنوات. ويلقى إنكيدو مصرعه فيضحى جلجامش وحيداً. وينطلق باحثاً عن حكمة الأسلاف، ويخوض عدة مغامرات قبل أن يقفل راجعاً إلى مملكته.

عالم العصور الوسطى (نحو 700 م- 1450 م)

غلب الطابع الديني - إلى جانب قصائد البطولة والفروسية - على شعر هذه الفترة. وضمت ملحمة أنجلو-سكسونية عنوانها «بيولف» عن بطل يصرع وحشاً بحرياً، وقصائد صينية من عصر أسرة تانج الملكية في القرن الثامن، وقصائد يابانية، وأشعار التروبادور في بلاط الأمراء الإقطاعيين في جنوب فرنسا وأجزاء من إيطاليا وإسبانيا، وترانيم دينية في مدح السيدة العذراء مريم والسيد المسيح، وغزليات الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي، وقصيدة دانتي «الكوميديا الإلهية» بأجزائها الثلاثة (الجحيم، المطهر، الفردوس)، وقصيدة تشوسر القصصية «حكايات كانتربري».

وفي الصين أخرج الشاعر لي باي قصيدته المسماة «قتال» (نحو عام 750 م) في عصر أسرة تانج الملكية (618- 907) وهو العصر الذهبي في تاريخ الفن والأدب في الصين. وكان لي باي - وكذلك صديقه دوفو- أبرز شعراء ذلك العصر، كتبا عن الصداقة والأسفار وعن خبراتهما الشخصية.

كان لي باي من رجال الفعل قبل القول؛ فهو فارس بارع في المبارزة والصيد وركوب الخيل. ولكنه - وهنا المفارقة - كتب قصيدته «قتال» ليدين الحرب ويبين ما تنطوي عليه من غباء وقصر نظر، وكيف أنها لا تخلف إلا جثثاً: «الغربان والصقور تنقر أحشاء الآدميين/ وتحملها معها في مناقيرها». فالحرب عنده عقيمة بلا معنى لا بطولة فيها.

الإحياء والميلاد الجديد (1450- 1700)

هذا هو عصر النهضة الأوروبية الذي شهد إحياء لآثار الإغريق والرومان، وازدهاراً للفنون من تصوير ونحت وموسيقى. وأهم معالمه ملحمة «جنون أورلاندو» للشاعر الإيطالي آريوستو، وحركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي قادها مارتن لوثر ضد البابوية الكاثوليكية، وازدهار المسرح في عصر الملكة إليزابيث على أيدي كريستوفر مارلو وشكسبير وبن جونسون، وترانيم القديسة تريزا الأبيلية في إسبانيا، وظهور أول شاعرة أمريكية في العالم الجديد هي آن برادستريت في القرن السابع عشر، وملحمة ملتون «الفردوس المفقود»، وقصائد الهايكو (شعر غنائي من سبعة عشر مقطعاً) للشاعر الياباني باشو.

وتبرز في هذه الفترة ألغورية (أمثولة رمزية) شعرية للشاعر الإنجليزي إدموند سبنسر هي «ملكة الجان» (أو بترجمة لويس عوض: «الملكة الحورية») (1552- 1599). وملكة الجان رمز للعذرية والنقاء يقصد بها الشاعر هنا الملكة إليزابيث التي لم تتزوج ولم تعقب ولداً. ويعمد سبنسر إلى التوفيق بين الأضداد: الماضي والحاضر، والوفاق والشقاق، الخير والشر، الزمن والأبدية، النور والظلمة، مستخدماً منهج القص الرمزي ومستوحياً العديد من المصادر الأدبية: «تحولات» أوفيد الأسطورية، ومواضعات الشعر البطولي، والرومانثه (قصص العاطفة والمغامرات).

العقل والجليل (1700- 1900)

القرن الثامن عشر هو عصر التنوير الذي حمل لواءه رجال من طراز كانط وجوته في ألمانيا، وفولتير وروسو وديدرو ومونتسيكو في فرنسا، وإدوارد جبون وألكسندر بوب وصمويل جونسون وديفيد هيوم في بريطانيا.

وقد فرق بعض مفكري ذلك العصر – كالفيلسوف والسياسي الآيرلندي إدموند بيرك - بين «الجميل» و«الجليل»، وهما في فلسفة الجمال يشيران إلى الأشياء الرقيقة المرهفة، مثل زهرة أو حلية ذهبية دقيقة الصنع من ناحية، والأشياء التي توقع الرهبة في النفس بجلالها وعظمتها مثل بحر هائج أو هوة سحيقة أو جبل شاهق من ناحية أخرى. وانعكست هذه التفرقة على الشعراء فمنهم من صور ما هو جميل مثل كيتس، ومن صور ماهو جليل مثل وردزورث.

ومن آثار النصف الأول من القرن التاسع عشر الشعرية «يوجين أوينجين» (1833) للشاعر الروسي ألكسندر بوشكن وهي رواية منظومة (حدثني الشاعر صلاح عبد الصبور يوماً أنه ينوي أن يكتب رواية منظومة، ولكن العمر لم يمتد به حتى يحقق هذه الرغبة).

العصر الحديث (1900- 1940)

شهدت هذه الفترة حربين عالميتين وصراع الآيديولوجيات ما بين رأسمالية وشيوعية ونازية وفاشية، وظهور أعمال شعرية كبيرة لإليوت وييتس وباوند، و«مراثي قلعة دوينو» للشاعر الألماني ريلكه، وقصيدة «المقبرة البحرية» للشاعر الرمزي الفرنسي بول فاليري، واستيحاء الشاعر الإسباني لوركا لموروث الأندلس وقصائد الغجر، والشعراء الأفرو- أمريكيين في هارلم بمدينة نيويورك، وقصائد و. ه. أودن التي أرَّخت للحرب الأهلية الإسبانية واندلاع الحرب العالمية الثانية.

ومن أبناء العصر الحديث الشاعر البنغالي رابندرانات طاغور أول شاعر آسيوي يحصل على جائزة نوبل للأدب في 1913. ومن أعماله التي أهلته للحصول على تلك الجائزة: ديوان «جتنتجالي» (ومعنى الكلمة: «القربان الغنائي»). يضم الديوان 130 قصيدة أشبه بقرابين تعبدية يتقدم بها الشاعر إلى الله. ولكنه يعالج أيضاً موضوعات من قبيل: الطبيعة والحب والفراغ والفقدان. ولا تخلو بعض القصائد من هجاء ساخر لنقائص البشر.

حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية والحقبة المعاصرة (1940- الحاضر)

هذه خاتمة المطاف في رحلتنا مع الشعراء، شهدت هذه الحقبة ازدهاراً للشعر في أسكوتلندا وويلز وآيرلندا، والشعر الزنجي تزامناً مع سعي بلدان أفريقية إلى الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي، وشعراً اعترافياً أميركياً لأمثال روبرت لويل وسيلفيا بلاث، وثقافة - ضد يمثلها متمردون على الحضارة الغربية - وقصائد الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا النابعة من معاناتها في ظل ديكتاتورية ستالين، وروايات الكاتب النيجيري تشنوا آتشتى على وقع حرب بيافرا 1967- 1970، والشعر النسوي المتمرد على القيم الأبوية، وشعراء من منطقة البحر الكاريبي.

يمثل هذه الفئة الأخيرة الشاعر ديريك والكوت الحاصل على جائزة نوبل للأدب في 1992 وقد ولد في جزر الهند الغربية (جزر الأنتيل الصغرى) منحدراً من سلالة تمتزج فيها الدماء الزنجية والهولندية والإنجليزية. ومن أهم قصائده قصيدة «أوميروس (هوميروس)» (1990) وهي قصيدة ملحمية طويلة، غنائية الطابع تدور أحداثها في منطقة البحر الكاريبي قبل مقدم الكولينالية الغربية وفي أثنائها وبعدها. إنها صورة تجمع بين الجمال والألم، خاصة صدمة نظام الرق. وتبدأ بوصف حي لمجموعة من الصيادين تقطع الأشجار لتصنع منها زوارق للصيد.

والقصيدة مقسمة إلى سبعة كتب تضم أربعة وستين فصلاً. وكل فصل مقسم بدوره إلى ثلاثة أناشيد متفاوتة الطول، وكل أنشودة مكونة من مقطوعات من ثلاثة أبيات على نحو ما نجد في كوميديا دانتي الإلهية. والأبيات سداسية التفاعيل بمعنى أن كل بيت يحتوي على ست نبرات، والقوافي متنوعة.

وينتهي «كتاب الشعر» – أي ثروة باذخة!- بتعريفات قصيرة بأعمال شعراء آخرين مثل هسيود (اليونان)، وكاتولوس (روما)، ورونسار (فرنسا)، وهايني (ألمانيا)، وكافافي (اليونان/ الإسكندرية)، وجابر يلا ميسترال (شيلي) مع ثبت بأهم المصطلحات النقدية، وتراجم قصيرة لسير الشعراء، مما يجعل من الكتاب واحداً من أهم الإصدارات وأكثرها جاذبية - شكلاً ومضموناً - في السنوات الأخيرة.


مقالات ذات صلة

هل توجد حياة في هوليوود؟

ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون كانط

الحرب بين كانط وهيغل

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».