حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف
TT

حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف

«ليلٌ طويلٌ يضنيه حزنٌ موجعٌ

ولا فجر للحزن

فأين أنت فلسطين؟

حارقٌ ربيعك

وشقاؤه حارق

شهيقٌ دائمٌ، فأين أنت يا فلسطين؟

يذبلُ وردٌ، ويجف نبعُك

والمغيب دمويٌ

فأين فجرك يا فلسطين؟

خرس الطيرُ على سعف نخلك المثبور

وصرت جرح جسد الأرض العربية البليغ

نامت القنابل على وسائد أطفالك، مكان اللعب

وسنَّ أطفالك خناجرهم في المهد...

ولا أجمل منك يا فلسطين

مساجد القدس

ونهر الأردن

وكلنا نغني

نعرف أغنية واحدة

إننا سنعود إليك يا فلسطين»

كأنه يخاطب فلسطين الجريحة اليوم، وكان على مقربة منها وهو يزور لبنان في عام هزيمة 67... كان الداغستانيون يتفاعلون مع قضايا العرب والمسلمين من قبل ومن بعد، مؤخراً وصلت أصداء مذابح غزة الإسرائيلية الأخيرة إلى شبابهم بمحاولة محاصرة الطائرة الإسرائيلية في مطار عاصمتهم، وكأنهم يستحضرون روح شاعرهم الذي احتفل أهالي طشقند بمئويته قبل شهور، حيث تُوفي رسول حمزاتوف في محج قلعة سنة 2003 بعد حياة حافلة في روسيا، وهي في ذروة بروز الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية سنة 1917، ابتدأها من قرية تسادا بجمهورية داغستان الإسلامية بولادته سنة 1923 متعلماً على يدي والده حمزة تساداسا، ومنهياً دراسته في «معهد غوركي للأدب» بموسكو سنة 1950، ليحصل على «جائزة لينين» سنة 1963 عن ديوانه «النجوم العالية»، وقد طار اسمه في الأفاق، وشغل إثرها عضوية مجلس السوفيات الأعلى عن جمهورية داغستان، الذي رأس اتحاد كتابها.

يصف رسول حمزاتوف والده بأنه عالي الثقافة، حيث تشرب حب الأدب وكتابة الشعر باللغة العربية رغم لغته الآفارية، قارئاً الشعر العربي الجاهلي والعباسي، مسحوراً بأشعار الفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري، وبلغتها العربية قرأ كلاسيكيات الرواية الروسية المترجمة... بل وكتب شعره بها! حينما كان النطق بالعربية شائعاً على ألسنة الداغستانيين، منذ وصلت حركة الفتوحات العربية إلى أواسط آسيا الوسطى سنة 18 للهجرة، فأسفر ذلك عن تعلق الداغستانيين والبخاريين والسمرقنديين بالقرآن الكريم وعلومه الحديثية والفقهية والنحوية والبلاغية والاهتمام بالخط العربي، منذ ظهرت أولى الكتابة باللغة العربية في بداية القرن الثامن الميلادي، وأصبحت سمرقند تزود بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية بالورق طوال قرنين، مع انطلاق حركة التدوين بداية القرن الثاني الهجري، أي بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، فزخرت مكتبات بخارى وخراسان وداغستان وباكو بآلاف المجلدات من المخطوطات، واستمر النطق بالعربية سليماً على امتداد القرون اللاحقة حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما تعرضت الثقافة العربية والدين الإسلامي إلى بداية التهميش في العهد القيصري.

وأتذكر هنا تناولي هذا الموضوع في أكثر من مقال بجريدة «الرياض»، منتصف الثمانينات الميلادية، على خلفية قراءتي المنبهرة برائعة رسول حمزاتوف «داغستان بلدي» في طبعتها السورية الصادرة سنة 1982، وقد امتازت بتجنيس أدبي عابر لأنماط الكتابة السيرية والسردية والشعرية والحكايا الشعبية، فخرجت بأن حمزاتوف لم يكن في عمله البديع الآسر سوى ثمرة لسلسلة من ثقافة عربية وإسلامية عاشت متراكمة فوق أراضي الاتحاد السوفياتي قبل تفككه، إذ تم تداول الكلام العربي مدة أربعة عشر قرناً في بخارى وسمرقند وداغستان وخراسان، سمع بفصاحته وكتب بخطه في باب الأبواب والمراكز القريبة منه كلاماً سليم النطق مع استمرار وصول العوائل العربية إلى داغستان حتى القرن السابع عشر الميلادي، كما يؤكد الباحثان الداغستانيان في «أكاديمية العلوم السوفياتية» حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف.

ومنذ القرن التاسع عشر، ساهم عرب من الشام ومصر والحجاز في نشر اللغة العربية بروسيا القيصرية، مدرسين في المعهد الدبلوماسي، بقصد تدريب الرحالة والموظفين الروس المنتدبين سفراء ودبلوماسيين إلى العالم العربي، ويأتي في طليعتهم الشيخ الأزهري محمد عياد الطنطاوي (المصري) الذي عاش وعمل وألف في بطرسبورغ، وكذلك أحمد حسين (المكي) في قازان... وبحكم إشراف روسيا القيصرية على الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين وسوريا ولبنان، عمل أدباء وتربويون من هذه الدول، مدرسين للغة العربية، بالأخص من السوريين، في بطرسبورغ وموسكو، (ميخائيل عطايا وجرجس إبراهيم وبندلي صليبا جوزي وكلثوم عودة فاسيليفا وغيرهم) مشكلين جسراً «استعرابياً» ذهبياً في المثاقفة العربية الروسية.

يذهب الباحث والدبلوماسي العراقي نجدة فتحي صفوت في كتابه «العرب في الاتحاد السوفياتي» إلى قدم الوجود العربي هناك، بوصول قبيلة بني سنان وقبيلة بني شيبان إلى آسيا الوسطى في بخارى عبر أفغانسان منذ ما يقارب القرنين والثلاثة من منتصف القرن العشرين، في حين يؤكد المؤرخ العراقي والبحاثة المجمعي الضخم د. صالح العلي في كتابه «الفتوحات الإسلامية» وما كتبه عن «أحكام الرسول محمد في الأراضي المفتوحة» و«استيطان العرب في خراسان» أن الوجود العربي قد وصل إلى آسيا الوسطى قبل ذلك بكثير على يد قتيبة بن مسلم، الذي جاء من بغداد إلى هرات ونيسابور وخراسان، مستدلاً (العلي) بأن أسماء بعض أبواب سمرقند كانت تحمل أسماء عربية، مثل باب بني سعد وباب بني سعدة، بينما يذهب باحث روسي هو ألكساندر خاتشا تريان إلى أن كتابة عربية في حصن تالين السفلى بأرمينيا، تؤكد وصول العرب إلى هناك مع السلاجقة. حين شن السلطان السلجوقي ألب أرسلان حملة غزو على بلاد الأرمن (أرمينيا) وأرض الروم (روسيا)، وفتح العديد من الحصون والقلاع، وأعطاهم إلى حاكم أران «أبي الأسوار» كي يضمها إلى مملكته سنة 170 للهجرة.

أما ما أصبح موجوداً من العرب الذين ذكرهم صفوت آنفاً، فيقدرهم بالآلاف إذ عايش بعضهم، حين عمل في السفارة العراقية بموسكو سنوات الستينات، ووصف نطقهم العربي بأنه قريب من اللهجة العراقية تارة، ولهجة بدو أواسط الجزيرة العربية... أي اللهجة النجدية تارة أخرى، لكن هؤلاء العرب الروس تعرضوا إلى الاضطهاد منذ عهد القياصرة، منظوراً إليهم أقلية قومية مستضعفة، وأثقلوا بالضرائب المستمرة حتى اضطر بعضهم - حال عرب الأندلس (الموريسكيين) أيام محاكم التفتيش الكنسية - إلى إخفاء أصولهم العربية... ومما زاد طينتهم بلة، ما قام به جوزيف ستالين من حملة قهرية مشهورة بإذابة شعوب آسيا الوسطى وغيرهم - على اختلاف إثنياتهم وأديانهم - في «شعب الجمهوريات السوفياتية»! متمركزين حول الثقافة الروسية ولغتها، خصوصاً العرب والمسلمين، ومنهم طائفة المسخليت الذين تكرر ذكرهم في أحداث المشكلات القومية، في بداية تفكك الاتحاد السوفياتي، وكان هؤلاء وغيرهم من إثنيات أخرى غير سلافية تعرضوا للطرد من بلدانهم الأصلية إلى بلدان سوفياتية أخرى، وقد عانوا بالغ المعاناة من المحاولة الستالينية القمعية لمحو آثار الإسلام وثقافتهم العربية، التي كانت هي السائدة، خصوصاً لدى الداغستانيين.

من هنا يمكن تفسير تعلق حمزة تساداسا والد رسول حمزاتوف باللغة العربية، وقراءة آدابها وكتابة الشعر بها، مستنداً إلى نشوء أدب محلي ظل يكتب باللغة العربية بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، هذا ما يؤكده حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف في أكثر من بحث لهما نشرتها مجلة «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات - الجزء الثاني» الصادرة من «أكاديمية العلوم السوفياتية» بموسكو سنة 1987 بوجود عدد كبير من الوثائق المكتوبة باللغة العربية ذات طابع رسمي وخاص، تتعلق بمراسيم العقود والرسائل والوصايا ووثائق البيع والشراء وغيرها... هذا ما انعكس بجلاء ساطع في بيت حمزة تساداسا الذي كان يصلي سراً.

أما ابنه رسول حمزاتوف فقد بدأ كتابة قصائده باللغة الآفارية في عمر الصبا، وفي سنة 1943 نشر أول مجاميعه الشعرية باللغة نفسها التي كتب بها أشعاره الأخرى «قلبي في الجبال» و«الغرانيق» و«حوار مع أبي» و«النجوم العالية» و«مسبحة السنين» و«أيها الأصدقاء»، متوجاً نثره الشاعري برائعته الفريدة «داغستان بلدي» الذي عانى في طباعتها، فلم يحصل على الموافقة على نشرها إلا بصعوبة بالغة إبان العهد البريجنيفي.

لم لا؟ وكتابه قد أطلق صرخة ثائرة على القبضة الحديدية والخطاب الآيديولوجي.

تأمل في رده حين طلب منه محرر مجلة الحزب أن يكتب تسع أو عشر صفحات عن تطور داغستان في ذلك العهد المنصرم كتابة تمجيدية، فأجابه:

«لن أستطيع أن ألف داغستاني، بلدي، في صفحاتك التسع أو العشر

ولن أستطيع أن أكتب (مواد عن المنجزات وعن غد منطقتي الجبلية)... قلمي الصغير لا يقوى على هذا الحمل».

ويوضح رده على المحرر الحزبي بهذا التشبيه البليغ:

«لا أحد يعرف عادات حصانك خيراً منك أنت فابحث لك عن طريق خاص بك».

بينما يعلن احتجاجه في إحدى قصائده المعنونة بـ«التصفيق» رغم عضويته في مجلس السوفيات الأعلى، ضد ما كان يجري من استكانة وخضوع في مؤسسات الدولة الحزبية:

«لقد صفقنا

حتى تألمت أكفنا

حدث في السنوات التي مضت

أن احمرت أكفنا كخدودٍ خجلاً ضربناها بشدةٍ ورغبةٍ.

كم ضربنا أكفنا بنشوةٍ!

حماساً لكلمات المديح أو التسفيه

ولو كانت أكفنا أجنحة

فما أنا إلا غبي لوح بجناحيه...»

ويواصل نقده الصارخ ضد إجبار أبناء الجمهوريات الإسلامية على تغيير أسمائهم العربية إلى النسبة بالأسماء الروسية، قائلاً في إحدى التماعاته المدهشة في كتابه «داغستان بلدي»:

كان ميخائيل غريغوريفتش حسينوف في لجنة منطقة حزبية قد غير اسمه من محمد. غصب عليه والده وقد غير اسمه من حسن إلى غريغوري بسبب تنطعه الحزبي الذي حينما اختلف مع صاحبه غير العقائدي مما جعل أحد الشعراء يكتب مقطعاً شعرياً ساخراً:

(تبدد الضباب في الجبال

فالطريق أمامك واضح

أغنامك أيها الراعي

سر بها إلى الشيوعية!)

برز تماهييه في روح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده المتيم بقراءة القران وأداء الصلاة سراً

إن رسول حمزاتوف لا يطيق الانسلاخ من الجلد قط، لذلك لم يحسن النطق تماماً باللغة الروسية رغم روسيته! كان مترجمون روس ينقلون شعره إلى جماهير معجبيه الروس بلغتهم:

«بعض أصدقائي الأفاريين غادروا قراهم وذهبوا يعيشون في المدن الكبيرة الروسية... حين تحدثت إليهم فوجدت أن اللغة التي يتحدثون بها ليست الآفارية، ولم تكن الروسية فذكرني هذا بغابة يعبث بها خطابون بلداء.

كان والدا شاب يعارضان في زواجه من فتاة روسية لكن الفتاة كانت تحب فتاها الآفاري وذات يوم استلم منها رسالة باللغة الآفارية.

أرى الشاب والديهم الرسالة. قرآها غير مصدقين ومن شدة ذهولهما سمحا لابنهما بأن يأتي بالفتاة إلى بيتهما».

إن تعلق حمزاتوف الأمومي بداغستان يعبر عن أصالة انتماء وحب صوفي لشعبه، المتذمر من محاولة ستالين قولبة داغستان وشعوب الجمهوريات الإسلامية قسراً في دولة سوفياتية واحدة:

«داغستان، يا ملحمتي،

كيف لي ألاّ أصلّي من أجلك،

ألاّ أحبك،

وھل يمكنني أن أطير بعيداً عن سرِب الغرانيق في سمائك؟ داغستان: كلَّ ما أعطاه الناس لي، أتقاسمه بالعدل معك، أوسمتي وجوائزي

سأعلِّقُھا على قِممك ..

تنظر قريتي إلى الأسفل محصورة بين الجبال..

كما العش الھش في الصخور العالية

يقف بيتي معلَّقاً فوق الھاوية

فأنا ولْدت لداغستانية فقيرة

في أصعِب عام من أعوام الجوع».

وبرز تماهييه بروح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده، المتيم بقراءة القرآن وأداء الصلاة سراً:

«أي شاعر أنا إذا لم تبتهج روحي بمعنى القرآن العظيم».

منحنياً أمام الشعراء العرب، وقد تأثر عن طريق والده بهم خصوصاً أبا العلاء المعري:

«أنحني أمامكم أنا الهباء التافه.

لقد عرفتم الحكمة والوصايا، لقّنكم إياها من الأعالي الله».

هل لهذا وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية مفتوناً بلياليها القمراء وعبقها الروحي، وهو يحل في المملكة العربية السعودية سنة 1995 معتمراً في مكة المكرمة وزائراً النبي العربي، حيث دفن في المدينة المنورة محارب القياصرة محمد شامل، البطل الداغستاني الذي طالما ردد رسول حمزاتوف اسمه بإعجاب في رائعته، بل قل ملحمته الذائعة «داغستان بلدي»؟


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.