حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف
TT

حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف

«ليلٌ طويلٌ يضنيه حزنٌ موجعٌ

ولا فجر للحزن

فأين أنت فلسطين؟

حارقٌ ربيعك

وشقاؤه حارق

شهيقٌ دائمٌ، فأين أنت يا فلسطين؟

يذبلُ وردٌ، ويجف نبعُك

والمغيب دمويٌ

فأين فجرك يا فلسطين؟

خرس الطيرُ على سعف نخلك المثبور

وصرت جرح جسد الأرض العربية البليغ

نامت القنابل على وسائد أطفالك، مكان اللعب

وسنَّ أطفالك خناجرهم في المهد...

ولا أجمل منك يا فلسطين

مساجد القدس

ونهر الأردن

وكلنا نغني

نعرف أغنية واحدة

إننا سنعود إليك يا فلسطين»

كأنه يخاطب فلسطين الجريحة اليوم، وكان على مقربة منها وهو يزور لبنان في عام هزيمة 67... كان الداغستانيون يتفاعلون مع قضايا العرب والمسلمين من قبل ومن بعد، مؤخراً وصلت أصداء مذابح غزة الإسرائيلية الأخيرة إلى شبابهم بمحاولة محاصرة الطائرة الإسرائيلية في مطار عاصمتهم، وكأنهم يستحضرون روح شاعرهم الذي احتفل أهالي طشقند بمئويته قبل شهور، حيث تُوفي رسول حمزاتوف في محج قلعة سنة 2003 بعد حياة حافلة في روسيا، وهي في ذروة بروز الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية سنة 1917، ابتدأها من قرية تسادا بجمهورية داغستان الإسلامية بولادته سنة 1923 متعلماً على يدي والده حمزة تساداسا، ومنهياً دراسته في «معهد غوركي للأدب» بموسكو سنة 1950، ليحصل على «جائزة لينين» سنة 1963 عن ديوانه «النجوم العالية»، وقد طار اسمه في الأفاق، وشغل إثرها عضوية مجلس السوفيات الأعلى عن جمهورية داغستان، الذي رأس اتحاد كتابها.

يصف رسول حمزاتوف والده بأنه عالي الثقافة، حيث تشرب حب الأدب وكتابة الشعر باللغة العربية رغم لغته الآفارية، قارئاً الشعر العربي الجاهلي والعباسي، مسحوراً بأشعار الفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري، وبلغتها العربية قرأ كلاسيكيات الرواية الروسية المترجمة... بل وكتب شعره بها! حينما كان النطق بالعربية شائعاً على ألسنة الداغستانيين، منذ وصلت حركة الفتوحات العربية إلى أواسط آسيا الوسطى سنة 18 للهجرة، فأسفر ذلك عن تعلق الداغستانيين والبخاريين والسمرقنديين بالقرآن الكريم وعلومه الحديثية والفقهية والنحوية والبلاغية والاهتمام بالخط العربي، منذ ظهرت أولى الكتابة باللغة العربية في بداية القرن الثامن الميلادي، وأصبحت سمرقند تزود بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية بالورق طوال قرنين، مع انطلاق حركة التدوين بداية القرن الثاني الهجري، أي بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، فزخرت مكتبات بخارى وخراسان وداغستان وباكو بآلاف المجلدات من المخطوطات، واستمر النطق بالعربية سليماً على امتداد القرون اللاحقة حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما تعرضت الثقافة العربية والدين الإسلامي إلى بداية التهميش في العهد القيصري.

وأتذكر هنا تناولي هذا الموضوع في أكثر من مقال بجريدة «الرياض»، منتصف الثمانينات الميلادية، على خلفية قراءتي المنبهرة برائعة رسول حمزاتوف «داغستان بلدي» في طبعتها السورية الصادرة سنة 1982، وقد امتازت بتجنيس أدبي عابر لأنماط الكتابة السيرية والسردية والشعرية والحكايا الشعبية، فخرجت بأن حمزاتوف لم يكن في عمله البديع الآسر سوى ثمرة لسلسلة من ثقافة عربية وإسلامية عاشت متراكمة فوق أراضي الاتحاد السوفياتي قبل تفككه، إذ تم تداول الكلام العربي مدة أربعة عشر قرناً في بخارى وسمرقند وداغستان وخراسان، سمع بفصاحته وكتب بخطه في باب الأبواب والمراكز القريبة منه كلاماً سليم النطق مع استمرار وصول العوائل العربية إلى داغستان حتى القرن السابع عشر الميلادي، كما يؤكد الباحثان الداغستانيان في «أكاديمية العلوم السوفياتية» حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف.

ومنذ القرن التاسع عشر، ساهم عرب من الشام ومصر والحجاز في نشر اللغة العربية بروسيا القيصرية، مدرسين في المعهد الدبلوماسي، بقصد تدريب الرحالة والموظفين الروس المنتدبين سفراء ودبلوماسيين إلى العالم العربي، ويأتي في طليعتهم الشيخ الأزهري محمد عياد الطنطاوي (المصري) الذي عاش وعمل وألف في بطرسبورغ، وكذلك أحمد حسين (المكي) في قازان... وبحكم إشراف روسيا القيصرية على الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين وسوريا ولبنان، عمل أدباء وتربويون من هذه الدول، مدرسين للغة العربية، بالأخص من السوريين، في بطرسبورغ وموسكو، (ميخائيل عطايا وجرجس إبراهيم وبندلي صليبا جوزي وكلثوم عودة فاسيليفا وغيرهم) مشكلين جسراً «استعرابياً» ذهبياً في المثاقفة العربية الروسية.

يذهب الباحث والدبلوماسي العراقي نجدة فتحي صفوت في كتابه «العرب في الاتحاد السوفياتي» إلى قدم الوجود العربي هناك، بوصول قبيلة بني سنان وقبيلة بني شيبان إلى آسيا الوسطى في بخارى عبر أفغانسان منذ ما يقارب القرنين والثلاثة من منتصف القرن العشرين، في حين يؤكد المؤرخ العراقي والبحاثة المجمعي الضخم د. صالح العلي في كتابه «الفتوحات الإسلامية» وما كتبه عن «أحكام الرسول محمد في الأراضي المفتوحة» و«استيطان العرب في خراسان» أن الوجود العربي قد وصل إلى آسيا الوسطى قبل ذلك بكثير على يد قتيبة بن مسلم، الذي جاء من بغداد إلى هرات ونيسابور وخراسان، مستدلاً (العلي) بأن أسماء بعض أبواب سمرقند كانت تحمل أسماء عربية، مثل باب بني سعد وباب بني سعدة، بينما يذهب باحث روسي هو ألكساندر خاتشا تريان إلى أن كتابة عربية في حصن تالين السفلى بأرمينيا، تؤكد وصول العرب إلى هناك مع السلاجقة. حين شن السلطان السلجوقي ألب أرسلان حملة غزو على بلاد الأرمن (أرمينيا) وأرض الروم (روسيا)، وفتح العديد من الحصون والقلاع، وأعطاهم إلى حاكم أران «أبي الأسوار» كي يضمها إلى مملكته سنة 170 للهجرة.

أما ما أصبح موجوداً من العرب الذين ذكرهم صفوت آنفاً، فيقدرهم بالآلاف إذ عايش بعضهم، حين عمل في السفارة العراقية بموسكو سنوات الستينات، ووصف نطقهم العربي بأنه قريب من اللهجة العراقية تارة، ولهجة بدو أواسط الجزيرة العربية... أي اللهجة النجدية تارة أخرى، لكن هؤلاء العرب الروس تعرضوا إلى الاضطهاد منذ عهد القياصرة، منظوراً إليهم أقلية قومية مستضعفة، وأثقلوا بالضرائب المستمرة حتى اضطر بعضهم - حال عرب الأندلس (الموريسكيين) أيام محاكم التفتيش الكنسية - إلى إخفاء أصولهم العربية... ومما زاد طينتهم بلة، ما قام به جوزيف ستالين من حملة قهرية مشهورة بإذابة شعوب آسيا الوسطى وغيرهم - على اختلاف إثنياتهم وأديانهم - في «شعب الجمهوريات السوفياتية»! متمركزين حول الثقافة الروسية ولغتها، خصوصاً العرب والمسلمين، ومنهم طائفة المسخليت الذين تكرر ذكرهم في أحداث المشكلات القومية، في بداية تفكك الاتحاد السوفياتي، وكان هؤلاء وغيرهم من إثنيات أخرى غير سلافية تعرضوا للطرد من بلدانهم الأصلية إلى بلدان سوفياتية أخرى، وقد عانوا بالغ المعاناة من المحاولة الستالينية القمعية لمحو آثار الإسلام وثقافتهم العربية، التي كانت هي السائدة، خصوصاً لدى الداغستانيين.

من هنا يمكن تفسير تعلق حمزة تساداسا والد رسول حمزاتوف باللغة العربية، وقراءة آدابها وكتابة الشعر بها، مستنداً إلى نشوء أدب محلي ظل يكتب باللغة العربية بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، هذا ما يؤكده حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف في أكثر من بحث لهما نشرتها مجلة «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات - الجزء الثاني» الصادرة من «أكاديمية العلوم السوفياتية» بموسكو سنة 1987 بوجود عدد كبير من الوثائق المكتوبة باللغة العربية ذات طابع رسمي وخاص، تتعلق بمراسيم العقود والرسائل والوصايا ووثائق البيع والشراء وغيرها... هذا ما انعكس بجلاء ساطع في بيت حمزة تساداسا الذي كان يصلي سراً.

أما ابنه رسول حمزاتوف فقد بدأ كتابة قصائده باللغة الآفارية في عمر الصبا، وفي سنة 1943 نشر أول مجاميعه الشعرية باللغة نفسها التي كتب بها أشعاره الأخرى «قلبي في الجبال» و«الغرانيق» و«حوار مع أبي» و«النجوم العالية» و«مسبحة السنين» و«أيها الأصدقاء»، متوجاً نثره الشاعري برائعته الفريدة «داغستان بلدي» الذي عانى في طباعتها، فلم يحصل على الموافقة على نشرها إلا بصعوبة بالغة إبان العهد البريجنيفي.

لم لا؟ وكتابه قد أطلق صرخة ثائرة على القبضة الحديدية والخطاب الآيديولوجي.

تأمل في رده حين طلب منه محرر مجلة الحزب أن يكتب تسع أو عشر صفحات عن تطور داغستان في ذلك العهد المنصرم كتابة تمجيدية، فأجابه:

«لن أستطيع أن ألف داغستاني، بلدي، في صفحاتك التسع أو العشر

ولن أستطيع أن أكتب (مواد عن المنجزات وعن غد منطقتي الجبلية)... قلمي الصغير لا يقوى على هذا الحمل».

ويوضح رده على المحرر الحزبي بهذا التشبيه البليغ:

«لا أحد يعرف عادات حصانك خيراً منك أنت فابحث لك عن طريق خاص بك».

بينما يعلن احتجاجه في إحدى قصائده المعنونة بـ«التصفيق» رغم عضويته في مجلس السوفيات الأعلى، ضد ما كان يجري من استكانة وخضوع في مؤسسات الدولة الحزبية:

«لقد صفقنا

حتى تألمت أكفنا

حدث في السنوات التي مضت

أن احمرت أكفنا كخدودٍ خجلاً ضربناها بشدةٍ ورغبةٍ.

كم ضربنا أكفنا بنشوةٍ!

حماساً لكلمات المديح أو التسفيه

ولو كانت أكفنا أجنحة

فما أنا إلا غبي لوح بجناحيه...»

ويواصل نقده الصارخ ضد إجبار أبناء الجمهوريات الإسلامية على تغيير أسمائهم العربية إلى النسبة بالأسماء الروسية، قائلاً في إحدى التماعاته المدهشة في كتابه «داغستان بلدي»:

كان ميخائيل غريغوريفتش حسينوف في لجنة منطقة حزبية قد غير اسمه من محمد. غصب عليه والده وقد غير اسمه من حسن إلى غريغوري بسبب تنطعه الحزبي الذي حينما اختلف مع صاحبه غير العقائدي مما جعل أحد الشعراء يكتب مقطعاً شعرياً ساخراً:

(تبدد الضباب في الجبال

فالطريق أمامك واضح

أغنامك أيها الراعي

سر بها إلى الشيوعية!)

برز تماهييه في روح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده المتيم بقراءة القران وأداء الصلاة سراً

إن رسول حمزاتوف لا يطيق الانسلاخ من الجلد قط، لذلك لم يحسن النطق تماماً باللغة الروسية رغم روسيته! كان مترجمون روس ينقلون شعره إلى جماهير معجبيه الروس بلغتهم:

«بعض أصدقائي الأفاريين غادروا قراهم وذهبوا يعيشون في المدن الكبيرة الروسية... حين تحدثت إليهم فوجدت أن اللغة التي يتحدثون بها ليست الآفارية، ولم تكن الروسية فذكرني هذا بغابة يعبث بها خطابون بلداء.

كان والدا شاب يعارضان في زواجه من فتاة روسية لكن الفتاة كانت تحب فتاها الآفاري وذات يوم استلم منها رسالة باللغة الآفارية.

أرى الشاب والديهم الرسالة. قرآها غير مصدقين ومن شدة ذهولهما سمحا لابنهما بأن يأتي بالفتاة إلى بيتهما».

إن تعلق حمزاتوف الأمومي بداغستان يعبر عن أصالة انتماء وحب صوفي لشعبه، المتذمر من محاولة ستالين قولبة داغستان وشعوب الجمهوريات الإسلامية قسراً في دولة سوفياتية واحدة:

«داغستان، يا ملحمتي،

كيف لي ألاّ أصلّي من أجلك،

ألاّ أحبك،

وھل يمكنني أن أطير بعيداً عن سرِب الغرانيق في سمائك؟ داغستان: كلَّ ما أعطاه الناس لي، أتقاسمه بالعدل معك، أوسمتي وجوائزي

سأعلِّقُھا على قِممك ..

تنظر قريتي إلى الأسفل محصورة بين الجبال..

كما العش الھش في الصخور العالية

يقف بيتي معلَّقاً فوق الھاوية

فأنا ولْدت لداغستانية فقيرة

في أصعِب عام من أعوام الجوع».

وبرز تماهييه بروح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده، المتيم بقراءة القرآن وأداء الصلاة سراً:

«أي شاعر أنا إذا لم تبتهج روحي بمعنى القرآن العظيم».

منحنياً أمام الشعراء العرب، وقد تأثر عن طريق والده بهم خصوصاً أبا العلاء المعري:

«أنحني أمامكم أنا الهباء التافه.

لقد عرفتم الحكمة والوصايا، لقّنكم إياها من الأعالي الله».

هل لهذا وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية مفتوناً بلياليها القمراء وعبقها الروحي، وهو يحل في المملكة العربية السعودية سنة 1995 معتمراً في مكة المكرمة وزائراً النبي العربي، حيث دفن في المدينة المنورة محارب القياصرة محمد شامل، البطل الداغستاني الذي طالما ردد رسول حمزاتوف اسمه بإعجاب في رائعته، بل قل ملحمته الذائعة «داغستان بلدي»؟


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي